قراءة لثورة الشعب الغاضبة

 

لم يكن بإمكانى أن أبدأ الحلقات التى كنت أنوى كتابتها عن أيام الهزيمة والنصر التى مرت بمصر خلال الخمسين عاما الماضية ، ومن بينها أحداث حرب أكتوبر 1973  وتداعياتها السياسية .. لم يكن فى إمكانى ذلك  فى ظل أحوال ثورة شعبية انتصرت فيها إرادة الشعب المصرى ، ثورة بدأها وأشعل فتيلها شباب مصر المستنير يوم 25 يناير 2011 ، وسرعان ماانضم إليها الملايين بمسيرات حاشدة جريئة وجسورة بكل محافظات مصر ، ومن كافة طبقات الشعب وفئاته على مر ثمانية عشر يوما إلى أن انتهت يوم الجمعة 11 فبراير بإسقاط حسنى مبارك وإسقاط نظامه الفاسد الذى رقد على أنفاس الشعب المصرى وكاد أن يخنقها طيلة ثلاثين عاما ، وكان الهتاف السائد الذى كان يخرج  صادقا مجلجلا من حناجر الثائرين بميدان التحرير بالقاهرة وبكل شوارع وميادين  محافظات مصر المحروسة هو "الشعب يريد إسقاط النظام" ...  إنها كانت ثورة على الإحتقار الذى مارسه النظام وحزبه الحاكم على الشعب وعلى إرادته وقدراته على مدى ثلاثين عاما من حكم حسنى مبارك ، ثورة على غرور الحاكم وجبروته بعد أن ألّهه شيطان المنافقين الملتفين حوله ، فسيطر بجبروته على كل أحوال مصر وأحوال شعبها فى آخر عشر سنوات من حكمه ، فأفسد تماما حياة الشعب إجتماعيا واقتصاديا وسياسيا ، ووصلت قمة الإفساد إلى العبث الشيطانى بمواد الدستور المصرى عامى 2005 و 2007 ، وتم تمرير هذا العبث من خلال استفتاءات شعبية هزلية ومزورة ، من أجل إعطاء حسنى مبارك المزيد من السلطات الإستثنائية لممارسة المزيد من القهر لإرادة  الشعب واستمرار حصارها فى مثلث التخلف والإفقار والتهميش. وكل ذلك كان من أجل التمهيد الكارثى لفرض سيناريوا توريث الحكم لإبنه الفاسد المتكبر جمال مبارك على الواقع المصرى الذى تم اختطافه تماما لحساب هذا الإبن المدلل وبعض أصحابه الفاسدين من رجال المال والأعمال  .. ولقد تنبأ الكثيرون من مفكرى مصر المخلصين بتلك الثورة فى وقت مبكر ، ومهدوا لها بكتاباتهم المستنيرة ، ولكن الغرور كان قد ركب أدمغة السلطان وأجهزة قمعه ، فغرر بهم شيطان التسلط ، الذى تسلط على ضمائرهم وأعمى بصائرهم وختم على قلوبهم ، فكان التهوين من شأن إرادة الشعب وقوته الكامنة منهجهم ، والتغابى عن حقوق الشعب مسلكهم ، إلى أن فوجئوا بثورة عارمة نظيفة ومتحضرة هزت عروشهم وأسقطتها ، وكانت ملهمة لكثير من شعوب الأرض ولشباب العرب وغيرهم ..

 

لقد وجّه أحد المفكرين فى وقت مبكر رسالة إلى جمال مبارك المغرور الطامع دون أى سند فى وراثة كرسى الحكم عن أبيه المريض ، قال فى مقدمتها :

"إن صغر سنك يا بني قد حماك من أن تذوق طعم المرارة الذي حملته لنا هزيمة يونيو 67 ، ومن شدة حب والدك لك وخشيته عليك لم ينقل لك هذا الطعم المر لتتذوقه كما تذوقناه , ولكن دعني أؤكد لك أنها كانت أقسى من أقسى ما يمكن أن تتصور، ولكن هل تعلم شيئا  عن الإرادة الحديدية لشعب مصر ولشباب مصر ؟ ... تلك الإرادة التى أعادت بناء جيشها فحولته من رماد إلى مارد .  وفي ستة سنوات وبضعة أشهر فقط نقلت ذلك الجيش المنكسر إلى أسود تصيح بنداء " الله أكبر " وتقتحم موجاته الجسورة الجريئة أكبر مانع عسكرى عرفه التاريخ ، ولم يثن عزيمة هذا الشباب تفوق سلاح العدو أو مدده الصهيونى الأمريكانى من خلفه .. هذا هو شعب مصر الذى تتهمه بالكسل وأنه لايحب أن يتحرك . أسألك بالله عليك كم دولة في العالم مرت عليها ستة سنوات لم تزدها إلا اتكالاً؟ وستة أخرى لم تزدها إلا خبالا !! " ....

فأكملت ماقاله هذا المفكر بتاريخ 27/10/2009 بالرابط التالى تحت عنوان : " رسالة إلى جمال مبارك"  ونشرتها بنفس التاريخ بقاعة السياسة بمنتدى أبناء مصر وقلت :

لقد قلت يا جمال (المصدر : جريدة المصرى اليوم بتاريخ اليوم : (إحنا شعب مابيحبش يتحرك كتير . وهذه هى ثقافتنا . لأننا لانريد أن نتعلم أو نعمل بعيدا عن أهلنا" ... وتابعت فقلت : " رفْض الأهالى والشباب التحرك خارج محافظاتهم دفعهم للبناء فوق الأراضى الزراعية وهو مااضطر الدولة لدفع أموال طائلة لتوفير بنية أساسية لهذه العشوائيات "

لقد ظلمت الشعب المصرى ظلما كبيرا ياجمال باتهامه بأنه لايحب أن يتحرك أو يعمل بعيدا عن أهله .. فأرجوك أن تسأل أهل العلم المخلصين ليسألوك بالتالى عن رأيك .. فى موجات الهجرة الكثيفة من ريف مصر بعيدا عن الأهل والصاحب إلى القاهرة والإسكندرية بحثا عن لقمة العيش وعن أقل القليل .. بعد أن أصبح ريف مصر بالوجهين القبلى والبحرى طاردا لسكانه .. ويسألونك أيضا عن تحويلات العاملين بالخارج الذين تركوا أطفالهم وزوجاتهم .. وأنت تعلم أن تحويلاتهم تمثل النصيب الأكبر من مكونات إجمالى الدخل القومى .. ثم يسألونك رأيك عن هؤلاء الشباب البائس الذين يموتون غرقا وسط أمواج البحر المتوسط تاركين الأهل والصاحب إلى اغتراب مجهول بحثا عن لقمة العيش .. ويسألونك أيضا عن الذين هربوا بمواهبهم راضين بالغربة لتحرير مواهبهم بعد أن حاصرها النظام الحاكم وخنقها على أرض مصر ... ثم تأتى ياجمال بعد هذا كله لتقول أن شعب مصر لايحب أن يتحرك ويعمل بعيدا عن أهله .. لقد ظلمت بذلك الشعب المصرى كثيرا جدا ..!!   

 
ثم إسأل نفسك أو إسأل غيرك : من هو الذى بنى فوق الأرض الزراعية ...؟  من هو الذى زرع أرض فيصل وشارع الهرم والمهندسين ومعظم أراضى الدقى وإمبابة ، وكل أراضى وراق العرب ووراق الحضر ومعظم الأراضى على جانبى الطريق للقناطر الخيرية ، ودار السلام وعزبة العرب وكورنيش النيل وغيرها .. من هو الذى زرع كل تلك المناطق بالمبانى وخوازيق الخرسانة  المسلحة بعد أن كانت أرضا زراعية خصبة بلون طمى النيل ، إن كنت لاتعلم ، فاعلم يابنى أن الذى زرعها بكل تلك الخوازيق والكتل الخرسانية هم رجال حزبك المقربين إليك والمنافقين لسلطانك وسلطان أبيك  ، أو زرعوها برشوة هذا الحزب الذى يترأسه أبيك أو برشوة حكوماته المتعاقبة ، هذا رغم وجود نموذج حى للبناء على الأرض الصحراواية ، مثل مشروع مدينة نصر ورغم الإمتدادات الصحراوية حول مصر الجديدة وحول القاهرة الكبرى .. هل ترى بعد ذلك أن الذى فعل هذا الخراب كله هم شباب مصر وشعب مصر الغلبان ... إسأل أيضا من زرع كورنيش النيل بالمعادى بناطحات السحاب ، وماوراء تلك الناطحات كانت دار السلام أرضا زراعية خصبة نأكل من منتجاتها النظيفة اليانعة المروية بماء النيل .. سوف تعلم إن سألت وحاولت الفهمحقا  أن مافعل كل ذلك هم أصحابك أصحاب النفوذ من الحزب الحاكم الذى تعتلى قمته الآن أنت وأبيك وليس هم شباب مصر المحاصر بالقهر والفقر .

لقد قلت ياجمال : أن شعب مصر لايريد أن يتعلم .. فمن علّمك كل هذا الجهل بأحوال الشعب وهذا الظلم الكبير له .. أرجوك قبل التطلع لأن تكون قدرنا أن ترجع إلى اعترافات أحد وزراء التعليم فى حكومات حزبك وحزب أبيك الحاكم وهو حسين كامل بهاء الدين ، والتى نشرها ابراهيم سعدة فى "أخبار اليوم" فى 24 مايو 2003 ، حيث قال بهاء الدين فى اجتماع رأسه أبيك حسنى مبارك صباح الثلاثاء 20 مايو 2003 موجها كلامه لحسنى مبارك : "إسمح لى ياافندم أن أفتح صدرى وقلبى لأقول كل ماحرصت على إخفائه طوال السنوات العديدة الماضية لم يعد فى استطاعتى سيادة الرئيس التعايش مع نفسى ونقيضى أكثر مما عشت . لقد مضى العمر بسرعة البرق ، وآن الأوان لوقفة شجاعة ، وغير معتادة ، مع النفس , وأطمع فى التوبة من ربى .. والصفح من شعب مصر " .. ثم قال : "لسنا وحدنا - نحن وزراء التربية والتعليم المسئولين عن غرق السفينة - أقصد انهيار العملية التعليمية من الإبتدائى حتى الجامعة ، خلال العقود الأربعة أو الخمسة الماضية ، فهناك شريك فى تحمل هذه المسئولية هو السيستم ..!!!! " ثم استسمح وزير التعليم سيادة الرئيس فى تذكيره بالأيام الخوالى فى الخمسينات والأربعينيات والثلاثينيات ، وقال الكثير ، فأرجوك أن ترجع إلى كل ماقاله لتطلب أنت وأبيك أيضا التوبة من الله ، والصفح من شعب مصر الذى تتهمه بأنه لايريد أن يتعلم ... !!

ياجمال .. أخاطبك كأحد أبناء الشعب .. أن يكون شعب مصر أولى باهتمامك من أى طموحات خاصة قد تغريك فيلتبس عليك أمره وقدراته وقوته الكامنة ، التى يجب الإهتمام بمنظومة تعليمها وتأهيلها ، ثم حسن استثمارها لصالح مصر ولخير شعبها ، قبل فوات الأوان وحيث لا ينفع الندم ... وإسمح لى أن أسألك أيضا هل يليق بالدكتور "نظيف" ، الذى اخترته ليكون رئيسا لحكومة مصر وعينت له وزراءه .. أن يتهم الشعب المصرى بعدم النضج فى تصريح له لوكالة رويترز للأنباء حيث قال بالحرف الواحد : " إن المصريين لم ينضجوا سياسياً ، ويتعين أن ينضح الشعب قبل إقامة نظام ديمقراطي كامل مثل ذلك الموجود في الولايات المتحدة "- (المصدر: مجدى سلامة / جريدة الوفد بتاريخ 31 أكتوبر 2006) - ... ولم يوضح هذا "النظيف" حتى الآن كيف ومتى ينضج الشعب سياسيا ، ولم يقل لنا نحن البسطاء من المسئول عن عدم نضج الشعب المصرى .. وهل ياترى الشعوب تنضج سياسيا كده من نفسها .. أم أن النضج هو محصلة طبيعية وفورية لإطلاق الحريات وسيادة القانون واستقلال القضاء والديموقراطية ... !!


ولقد كتبت أيضا منذ حوالى عشر سنوات فى كتابى الذى تم نشره فى يناير 2001 تحت عنوان " الموارد المعدنية وآفاق تنميتها حتى عام 2020 " / الناشر: المكتبة الأكاديمية بالقاهرة باعتبارى أحد خبراء تلك الموارد المستقلين . كتبت بالصفحة 325 فى معرض الحديث عن سيناريو نظام حكم مبارك وتداعياته حتى عام 2020 : أننى أتوقع  "قيام ثورة شعبية أو انقلاب عسكرى فى السنة العاشرة من المسار الزمنى لهذا السيناريو (أى فى عام 2011) .. وليس لدينا تصور عن النخبة الحاكمة الجديدة أو السيناريو الجديد المتوقع فى هذه الحالة" .. وتم توزيع عددا من النسخ المجانية لهذا الكتاب بمعرفة منتدى العالم الثالث ، عن طريق المنسق العام له الأستاذ الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله (رحمه الله) ، على كل مراكز صنع القرار بمصر ومنها رئاسة الجمهورية ، ولكن انطبق على كل تلك المراكز التى تتحكم وتتسلط على مستقبل مصر وعلى أمن شعبها قول الشاعر : لقد أسمعت لو ناديت حيا - ولكن لاحياة لمن تنادى . وكانت طريقتى فى كتابة سيناريو النظام الحاكم لمصر ، وتوقع أحداثه ، واستشراف مستقبله بالكتاب المذكور تعتمد على استخدام توليفة من طرق التنبؤ المختلفة ، إضافة لتحليل ما نعايشه ونراه ونسمعه ونلمسه تحليلا وصفيا .. ومن بين ماطرحته كوصف لهذا السيناريو وتداعياته ، هو ماأقتبس بعضه كما هو مذكور بكتابى صفحات 318 حتى 325 كما يلى :

 ·      يتضح أن النخبة الحاكمة فى هذا السيناريو تتبنى مايسمى بسياسة "الإصلاح الإقتصادى" ، ليس على سبيل الإختيار الحر الذى تفرضه مصلحة الأغلبية ، ولكن إستجابة لرغبات قوى خارجية ، ولإنعدام القدرة على تحقيق الإستقلال الإقتصادى بمعزل عن هذه القوى ، ولعدم إمكان الإستغناء عن القروض والمعونات والهبات الممنوحة منها . ورغم الإتجاه الحالى فى الإنتقال إلى إقتصاديات القطاع الخاص الذى يتأثر بعوامل السوق وآلياته ، فإن توجهات النخبة الحاكمة تسير بخطوات غير واضحة إلى شكل غير واضح من أشكال الرأسمالية التى تعانى من التبعية إلى الخارج ، وتفسح المجال لنمو بورجوازية الدولة على حساب الضعف السياسى والإقتصادى للجماهير ، ولانتوقع أن تجاهر النخبة الحاكمة صراحة بأن ذلك هو المقصود ، كما نتوقع أن تستمر توجهاتها الحالية فى تأجيل "الإصلاح السياسى" إلى حين الإنتهاء من الإصلاح الإقتصادى دون خطة زمنية محددة ، ولانتوقع إنتهاء الإصلاح الإقتصادى خلال العمر الزمنى لهذا السيناريو .

·      نتوقع إستمرار تزييف إرادة الناخبين إلى درجة إلغائها بالعدول عن بعضها مثلما حدث بالنسبة لإنتخابات بعض المناصب كالعمد فى القرى والعمداء فى الجامعات ، وتجميد الإنتخابات فى بعض النقابات المهنية خشية إستيلاء بعض التيارات المعارضة ، مثل التيار الإسلامى أو غيره ، بما يؤيد غياب النية فى "الإصلاح السياسى" .. هذا بالإضافة إلى أن الرؤية الواضحة والشاملة للإصلاح الإجتماعى ستظل غائبة عن الساحة الوطنية .

·      نتوقع بعد مدة لن تتجاوز ستة سنوات تصفية كاملة للقطاع العام ، والإنتقال إلى إقتصاديات القطاع الخاص . وسوف يقتصر دور وزارة الصناعة على نشر البيانات والإحصائيات بالإضافة للدور الرقابى وإقتراح القوانين التى تتضمن مراعاة الجودة والتطوير التكنولوجى دون الدخول فى عمليات الإنتاج أو المساهمة فى إدارة العملية التكنولوجية للمشروعات .. فيما عدا التدخل أحيانا لإنقاذ بعض المشروعات التعدينية التى تورطت فيها الدولة من قبل مثل مشروع فوسفات أبو طرطور ، وسوف يتزايد الإعتماد على نقل منتجات التكنولوجيا أكثر من العمل على تطويرها وتطويعها لملاءمة بيئة العمل المصرية . ونتوقع أن تتمكن الشركات عابرة القومية من إجهاض أى ضغوط تنافسية فى السوق المحلى . أما بالنسبة لشركات ......

·      نتوقع نجاحا محدودا لوزارة الإتصالات فى توسيع نطاق الإتصال بمصادر المعلومات الداخلية والخارجية .. إلا أن هذا النجاح لن يساعد كثيرا فى تقليل الفجوة المعلوماتية والمعرفية بين مصر والعالم المتقدم ، وذلك لإفتقار الأهداف الموضوعة إلى وسائل تنفيذية فعالة ، وللإرتفاع النسبى فى تكلفة الحصول على كومبيوتر شخصى والإشتراك فى شبكة معلومات الإنترنت، فضلا عن إرتفاع فئات المحاسبة على وقت الإتصال التليفونى للتعامل مع هذه الشبكة بالمقارنة إلى معظم دول العالم مع إعتبار الإنخفاض الملحوظ لمتوسط دخل الفرد فى مصر .  ونتوقع من جهة أخرى نجاحا نظريا لوزارة الدولة للبحث العلمى فى تحديد الأولويات ووضع الأهداف فى مجالات البحث العلمى ، إلا أن الصلة ستظل منقطعة بين متخذى القرار وجهات البحث المختلفة ، وسوف تزداد هجرة العقول العلمية ، وذلك لفقدان الإرادة السياسية الفعالة فى مجال التنسيق بين مجالات البحث العلمى وجهاته العديدة المتشعبة ، بالإضافة إلى تدنى مستوى الدعم المالى الذى تقدمه الدولة لتلك الجهات مع عدم حماس المستثمرين فى المشاركة الجدية بالدعم الأدبى والمالى لتنشيط البحث العلمى وتطويره .

·      ونتوقع على المستوى الإجتماعى إستمرار الأمية على مستويات عالية ، وإنخفاض مستويات التعليم للسكان عموما ، وإنتشار أعراض سوء التغذية ، وتفاقم أزمة السكان .

·      سوف يؤدى الجو العام للسيناريو الحالى إلى غياب القيم المطلوبة للنهوض الإقتصادى والإجتماعى والسياسى ، مثل قيم الإنتماء وتقدير العمل وإحترام حق الإختلاف .. كنتيجة حتمية للإحباط العام وتزييف إرادة الأغلبية وسلب سلطتها فى إختيار من يدير شئونها ومواردها . ونتوقع أن يزداد تسلط النخبة الحاكمة فى دفعها للجماهير لقبول عدم التدخل فى الأمور السياسية وتهميش دور النقابات المهنية والجمعيات العلمية والهندسية بدعوى الضرورات الأمنية والقومية ، مما يؤدى إلى السلبية الكاملة فى التفاعل مع أهداف التنمية وإنهيار المواثيق الأخلاقية ولوائح المساءلة الأدبية اللازمة لضبط سلوكيات المهن المختلفة .

·      مع تزايد الإتجاه إلى إقتصاديات القطاع الخاص دون مراعاة للبعد الإجتماعى، .. نتوقع إزدياد نسبة البطالة السافرة من إجمالى قوة العمل ، وتدهور أوضاع سوق العمل فى مصر وخاصة مع عدم توفر فرص العمل الآمنة فى مقابل إزدياد فرص العمل غير الآمنة والغير محمية بالمخالفة لقوانين العمل والمواثيق الدولية .  ونتوقع أن تصل نسبة فرص العمل الغير آمنة إلى أكثر من 90% من إجمالى فرص العمل المتاحة .. وسوف يمثل ذلك قنبلة موقوتة فى قلب المجتمع المصرى ، وخاصة مع إنتشار الفقر ، وإزدياد ثروات الأغنياء تضخما وتوحشا على قلتهم ، وإتساع الفجوة بينهم وبين باقى فئات المجتمع .. مما يؤدى إلى تفشى الإنحراف وخلق بؤر كثيرة من الفساد فى نسيج المجتمع تعمل على هدمه وإنهياره مع الوقت .

·      نتوقع .. نتيجة إستمرار النخبة الحاكمة فى التلاعب فى تسميات الأشياء ، والكذب تحت باب التجمل ، وإخفاء الحقائق ، وإظهار صور خادعة لإنجازات تلتهم كثيرا من الموارد لتخدير الجماهير ، ثم الإدعاء بعجز الموارد وقصورها ، وإستمرار فرض مزيد من الضرائب ، وفرض مزيد من القيود على حرية المواطنين بإدعاء الحصار  ومواجهة شغب وإرهاب قائم أو محتمل يهدد الأمن القومى ... ونتوقع نتيجة لكل ذلك ولكل ماسبق تصويره من قبل فى حركة هذا السيناريو ، حدوث إضطرابات وإنقسامات داخلية كثيرة ، وحدوث إنتفاضات دموية من الجوعى والمحرومين ، كما نتوقع حدوث أعمال إرهابية وخاصة من الشباب المتعلم العاطل المجند من جهات معلومة وغير معلومة .. تمهد جميعها إلى قيام ثورة شعبية جامحة أو إنقلاب عسكرى دموى فى السنة العاشرة من المسار الزمنى لهذا السيناريو بدعوى إعادة الإستقرار والقضاء على الفساد ... وليس لدينا تصور واضح عن النخبة الجديدة أو السيناريو الجديد المتوقع فى هذه الحالة .  

 

ولقد كتب الكثيرون غيرى .. ولكن نظام مبارك  حتى آخر لحظة من عمره كان لايقرأ ، وإن قرأ فهو لايفهم .. والدليل الواضح على ذلك ليس هو ماكتبه الكثيرون فقط خلال الثلاثين عاما الماضية ، التى حكم فيها مبارك شعب مصر بنظامه القمعى .. بل هو أيضا قد تمثل واضحا فى خروج مبارك متأخرا ومعاندا ، بعد ثلاثة أيام من ثورة الشعب الغاضبة ، التى امتدت إلى معظم أحياء القاهرة والمحافظات وسط اشتباكات عنيفة بين أمن نظامه والمتظاهرين ، وخاصة فى مدينة السويس والإسكندرية وميدان التحرير بالقاهرة ، استخدم فيها أمنه كل أنواع الإرهاب الوحشية ، من قنابل مسيلة للدموع ورصاص حى ومطاطى ومن دهس متعمد للمتظاهرين بالعربات المدرعة ، مما أسفر عن قتل المئات واستشهادهم وإصابة الآلاف فى معركة الإرادة الشعبية ... وبعد كل هذه الأحداث ، يخرج مبارك متكاسلا مغرورا ومتأخرا جدا ، من كهفه المظلم فاقدا للبصر والبصيرة ، ليصف فى بيانه الأول أن مايجرى على أرض مصر ليس إلا أعمال شغب وخروج على القانون .. !!

وإننا كشعب طيب وعريق ، صنع التاريخ بثورته الحالية كالعادة ، لانطلب سوى الرحمة من الله له بعد أن رحل عنا غير مأسوف عليه ، وبعد أن سقط - إلى غير رجعة -  بنظامه القمعى الفاجر . ويكفينا مايعانيه الآن من سقوط مهين له ولأسرته ، ولمنافقيه الذين التفوا حوله كالشيطان أيام تسلطه وجبروته  ... 

 

 

ونلتقى بإذن الله فى الحلقات القادمة تحت عنوان " قراءة فى مذكرات السنوات المضطربة"

عاطف هلال فى 16 فبراير 2011

 _______________

  

الحلقة الأولى

 

فهرست الموضوعات