الحلقة الثالثة

كيسينجر والنزاع العربى الإسرائيلى

يقول كيسينجر فى مذكراته (سنوات البيت الأبيض White House Years ) : إن ضحايا اليهود ، وما أقدم عليه حكم النازى بألمانيا من اضطهاد دموى مأساوى لليهود ، أضاف طابعا معنويا لتشكيل دولة يهودية . ولم تنشأ هذه الدولة وتعترف بها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 ، إلا بعد أن دافعت عن استقلالها ضد جيرانها العرب . وبعد ألفى عام من الإضطهاد ، حقق الشعب اليهودى الذى تسانده العقيدة هذا الحلم الذى كان طيلة أجيال أقوى من الواقع المأساوى .

ويقول : فى الخامس من يونيو 1967 ، أجرى الشعب اليهودى انفجارا هائلا حقيقيا خارج حدوده ، عُرف بحرب الأيام الستة ، حين قامت إسرائيل بهجوم مفاجئ دمرت فيه وبضربة واحدة القوة الجوية المصرية ، وانتهت الحرب فى ستة أيام ، احتلت فيها إسرائيل أراضى سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية والضفة الغربية لنهر الأردن . وكانت هذه الأراضى الجديدة تشكل ثلاث مرات مساحة إسرائيل نفسها .

 وزاد التطرف العربى – حسب قول كيسينجر – بعد هزيمة العرب فى يونيو عام 1967 ، وكانت سياسة مصر تمثل المحور الحقيقى التى تدور حوله سياسة البلاد العربية التى كانت شعوبها مازالت تنساق باندفاع وراء زعامة عبد الناصر بطبيعته التى يغلب عليها التقلب وسرعة الإنفعال (.. which was still driven by the volatile Nasser) . كما زاد مع الهزيمة تنامى الوجود الفلسطينى المتطرف بالأردن ولبنان الذى كان وجوده متحفزا وعدوانيا لإسرائيل ، وأدى ذلك إلى انطلاق لايتوقف لحرب العصابات الفلسطينية من الأراضى الأردنية واللبنانية ضد إسرائيل ، ذلك إضافة لإزدياد  نفوذ الإتحاد السوفييتى بصورة أكبر فى المنطقة نتيجة دعمه العسكرى الضخم لمصر وسوريا والعراق ، فعزز هذا من صلابة وعناد السياسة العربية ، وظهر ذلك جليا بمؤتمر القمة العربى  الذى انعقد بالخرطوم فى نهاية شهر أغسطس 1967 ، حيث اتفق العرب جميعهم على اللاءات الثلاث : لا للسلام مع إسرائيل ، ولا للمفاوضات مع إسرائيل ، ولا للإعتراف بإسرائيل .

وقليلا قليلا – ومازال الكلام على لسان كيسيبنجر - أخذت بعض أجواء العالم العربى تتفهم أن العناد  لن يفيد وسوف يطيل أمد الإحتلال الإسرائيلى . وفى حين كانت سوريا ترفض أى نوع من المفاوضات فإن مصر والأردن كانتا تسعيان – وعلى مضض – إلى مجال لفتح باب للتفاهم  ، يتحقق من خلاله العودة إلى حدود ماقبل الخامس من يونيو عام 1967 مقابل الإعتراف بإسرائيل مع رفض تام للمفاوضات المباشرة ، ومع ذلك كان يحدث بين الأردن وإسرائيل لقاءات سرية مباشرة يتم تسريب بعض أخبارها من مصادر إسرائيلية غير رسمية . وظل هذا كله بعيدا كل البعد عن التجاوب مع الشروط والمتطلبات الإسرائيلية .

 ثم كان قرار مجلس الأمن رقم 242 بتاريخ 22 نوفمبر 1967 ، الذى تحفظت على بعض بنوده إسرائيل ، ورفضته سوريا ومنظمة فتح الفلسطينية ، ولم تقبله باقى الأطراف العربية إلا بشروط معينة . ويقول عنه كيسينجر أنه كان يحتوى على عبارات غامضة يفسرها كل طرف حسب بغيته ، وكانت وجهات النظر المتعارضة حوله تزيد من عمق نزاع الشرق الأوسط وتعقده ، وتمنع كل تفاهم حقيقى بين إسرائيل والأطراف العربية حتى قبل البدأ بأى مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة . فحين كان يصر عبد الناصر على إنسحاب إسرائيل الكامل من سيناء دون شروط مسبقة وقبل أى مفاوضات غير مباشرة ، دون أن يقدم حافزا واحدا لإسرائيل يمكن أن يشجعها على هذا الإنسحاب ، ودون أن يضرب مثلا تاريخيا واحدا لحالة  تمت فيها تسوية سلمية قبل فيها منتصر فى أى حرب على انسحاب غير مشروط من أرض احتلها وهزم عليها خصمه  ، كانت إسرائيل فى المقابل تصر على المفاوضات المباشرة أولا مع مصر وحدها للوصول إلى اتفاق منفرد معها  يتحقق من خلاله مصلحة الطرفين وأمن إسرائيل . أما حدود قناعة الملك حسين ملك الأردن بالقرار 242  ، فكانت تتمثل فى الوعد الذى حصل عليه من آرثر جولدبرج Arthur Goldberg سفير الأمم المتحدة بالمنطقة باستعادة الضفة الغربية مع بعض تعديلات فى الحدود لصالح إسرائيل ، وأن الأمم المتحدة – طبقا لهذا الوعد - سوف تستخدم نفوذها لإعطاء دور إدارى لمملكته بمدينة القدس المحتلة ، ولكن لم يحدث منذ ذلك الوقت أى مفاوضات مع الملك حسين فى هذا الشأن ، وكان وعد آرثر جولدبرج له كأن لم يكن وليس له أى معنى . أما بالنسبة لسوريا فلم يذكر كيسينجر عنها أى شيئ بمذكراته عند حديثه عن القرار 242 .  وحين أرسل يوثانت الأمين العام للأمم المتحدة جونار يارنج ممثلا له لإجراء اتصالات مع الفريقين العربى والإسرائيلى للوصول إلى وجهات نظر مشتركة بينهما وتحديد موقفهما قبل البدء فى المفاوضات ، وجد أن مواقف الفريقين متعارضة تماما ولا أمل فى التوفيق بينها .

 وكانت أدوار القوى الخارجية شديدة التعقيد مثلما كانت أيضا أدوار أبطال المنطقة المحليين الفاعلين على مسرح النزاع العربى الإسرائيلى . فكان الإتحاد السوفييتى يتعصب للجانب العربى ويساند اقتراحاته ، أما البلدان الغربية فكانت نهبا لشعورها النابع عن خوف متوقع من أخطار إقتصادية قد يسببها النزاع مستقبلا ، وكانت  فرنسا أكثر البلاد الغربية نشاطا ، حيث كان رئيسها شارل ديجول يحتضن قضية العرب بعد حرب الأيام الستة . وكان عبد الناصر يحثنا (الإدارة الأمريكية) على الضغط على إسرائيل مقابل إعادة العلاقات الدبلوماسية معنا ، وكانت الأسباب قليلة لدينا لتلبية رغبته ، طالما أن سياسته ترتكز دائما على الإتحاد السوفييتى وتغذى نوايا المتطرفين بالعالم العربى ضد إسرائيل والمصالح الأمريكية بالمنطقة .

 ثم يقول كيسينجر : كنت أفكر دائما فى ضرورة تقليص النفوذ السوفييتى فى الشرق الأوسط كخطوة أولى . ومع ذلك عندما استلمت وظيفتى بالبيت الأبيض كمستشار الرئيس للأمن القومى لم يكن لدى متسع لتطبيق ماأفكر به بالنسبة للشرق الأوسط  فيما يتعلق بضرورة إعادة رسم خريطته من جديد (كان كيسنجر منشغلا وقتها بمشكلة فيتنام وغيرها من المشاكل) ، فكنت أقوم فقط بتنظيم المخططات وإسداء النصائح والمطالبة بمداولات فى مجلس الأمن القومى الأمريكى بالنسبة لمشاكل الشرق الأوسط ، ولم أكن مفوضا حتى نهاية عام 1971 بإدارة أى عمل دبلوماسى فى المنطقة العربية إلا فى حالة حدوث أزمات خطيرة ونادرة مثل ماحدث فى سبتمبر عام 1970 على أرض المملكة الأردنية الهاشمية ، عندما بدأ الجيش الأردنى يهاجم بعنف مواقع المنظمات الفلسطينية حفاظا على هيبة وسيادة الدولة الأردنية ، واضطرت المنظمات للإنسحاب من المدن إلى الأحراش القريبة ، فلاحقتها قوات الجيش الأردنى بالأحراش واستأصلت آخر معاقلها بشراسة ووحشية ، فقامت سوريا فى 18 سبتمبر بغزو الأردن للدفاع عن الفلسطينيين إلا أنها اضطرت للإنسحاب بعد ذلك عندما تلقت تهديدات بالتدخل العسكرى من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة المتحدة (عُرفت تلك الأحداث بأحداث أيلول/سبتمبر الأسود) .

 ويقول كيسينجر : كان اندفاع فريق السوفييت والفرنسيين المتعاطف مع القضية العربية ، والضغوط التى كان يمارسها هذا الفريق على البريطانيين فى المداولات الرباعية ، توحى كلها بتحالف غير معلن ضد الولايات المتحدة . كما ثبت لى عدم جدوى المفاوضات الثنائية بيننا وبين الإتحاد السوفييتى الذى يحاول انتزاع الفضل منا فى عمل أى تسوية لنزاع الشرق الأوسط ، وهو فى جميع الأحوال لن يخسر شيئا فى حالة فشل أى تسوية ، وأن الخاسر الوحيد سوف يكون الولايات المتحدة . وخلاصة القول فإنى كنت فى ريبة أن تسعى الولايات المتحدة إلى إيجاد إتفاق عام مع الإتحاد السوفييتى ، فى حين أننا لانعرف على وجه التأكيد ماذا يمكن أن يقدمه العرب من تسهيلات وتنازلات ، وأن المستفيدين من أى اتفاق هم العرب أتباع السوفييت الذين ليسوا بأصدقاء للولايات المتحدة . وكنت أفضل دائما البدأ بالمفاوضات بين الأردن وإسرائيل – ليكون فى المشهد أحد أصدقائنا (يقصد الأردن) ، وأن نؤجل البحث فى إمكانية إجراء مفاوضات بين مصر وإسرائيل . وفى جميع الأحوال كنت معتقدا تماما أن الشرط الأول لأى عمل دبلوماسى ناجح فى الشرق الأوسط يجب أن يبدأ بتقليص دور الإتحاد السوفييتى أو بإقصائه ، حتى إذا ماتحقق أى تقدم فلن يُعزى هذا التقدم إلى أى ضغوط للإتحاد السوفييتى ، وأطلعت الرئيس نيكسون على رأيى وتحفظاتى . وكان نيكسون يخشى أحيانا أن أصلى اليهودى يمكن أن يدفعنى للميل ناحية المصلحة الإسرائيلية على حساب مصالح الولايات المتحدة .

 ويقول : كان نيكسون على منوال غيره من الرؤساء حين كان يشجعنى كمستشار له للأمن القومى على رأيى المختلف مع روجرز وزير الخارجية ليستخلص من إختلافنا رأيه وليؤكد نفوذه الخاص . وكان جوزبف سيسكو معاون وزير الخارجية يؤدى دورا جيدا كوسيط بينى وبين روجرز ، حيث أمضى سيسكو أكثر وقته فى هذا الدور على حساب دوره فى الوساطة بين العرب والإسرائيليين . وكان نيكسون يرى فى قضية الشرق الأوسط وسيلة للمساومات مع السوفييت لحملهم على تقديم مساعدات وتسهيلات فى حل قضية فيتنام ، وفى الوقت ذاته لايتجاوز بقرارته فى هذا الشأن رغبات واتجاهات وزارة الخارجية الأمريكية وكافة أعضائها فى حل قضية الشرق الأوسط . فقلت له : أنه فى تقديرى يمكننا الحصول وبطريقة أيسر على تعاون سوفييتى فى فيتنام إن تصرفنا بحذر فى الشرق الأوسط ، حيث أن أتباع السوفييت العرب هم الفريق الأضعف فى النزاع ، وإن تقدمنا باقتراح أو مبادرة لحل النزاع عن طريق المفاوضات ، فإن هذا سوف يعطى الروس الفرصة الذهبية التى كانوا يحلمون بها فى تأكيد وإثبات مساندتهم لأصدقائهم العرب . ولكى يمكن إجتياز تلك المشكلة ، فعلينا أن نخطط بحذر لإنهاء جميع مشاكل النزاع عن طريق حلول جزئية نراها بطريقتنا الخاصة ولاتوصل إلى مايطالب به العرب ، ثم نقدمها للسوفييت وكأنها هى من بنات أفكارهم واقتراحاتهم التى يجب الإتفاق على فرضها على الفرقاء المتخاصمين ، وبحيث لاتمثل  تلك الإقتراحات – فى نفس الوقت - أى التزام نهائى من جانب الولايات المتحدة ، وبذلك نحفظ لأنفسنا حرية التحرك فى جهتين معا ، ونتمكن من ربط  أى محادثات فى نزاع الشرق الأوسط مع السوفييت بمصالحنا الكثيرة فى المنطقة بما فيها عون الإتحاد السوفييتى فى فيتنام . وقبل الرئيس نيكسون رأيى واقتراحاتى كما عرضتها تفصيلا فى حينها . 

__________

فهرست الموضوعات

الحلقة الرابعة

الحلقة السابقة