البيعة والخلافة

الموضوع : مداخلة فى موضوع كان مطروحا

فى قاعة السياسة بتاريخ 10 مايو 2005

 

 

كلمتى لإخوتى الأفاضل زملاء هذه الصفحة هى :

 

دعونا نتفق أولا بأنه لايمكن القول أن الإسلام قد اشترط شكلا معينا للدولة ، فيمكن أن تكون ملكية أو جمهورية أو خلافة .. مع ملاحظة أنه فى حالة النظام الملكى أو الخلافة ، يستوجب الإسلام "مبايعة" كل ملك جديد أو خليفة ورث المُلك أو الخلافة ..

 

ودعونا أيضا أن لانتمسك ميلا أو تعصبا لكلمات مثل "البيعة" أو الخلافة" طالما أن هناك كلمات بديلة معاصرة تؤدى وظيفتها وتتلاءم مع أساليب العصر وأدواته ونظامه الإجتماعى .

 

وأول مبايعة تمت لحاكم فى تاريخ الإسلام ، هى التى حدثت فى دار سقيفة بنى ساعدة . وكان الأنصار يعددون أفضالهم ويؤكدون أنهم أحق من المهاجرين بالخلافة ، فقام أبو بكر الصديق رضى الله عنه وأكد على فضل الأنصار وعلى ماقدموه من خدمات للإسلام ، ذلك مع تأكيده بأن المهاجرين هم الأحق بالخلافة (أى أن هناك حزبين كبيرين بالمفهوم العصرى يتنافسان على الحكم)  .. فاقترح بعض الأنصار أن يتم تنصيب أميرين أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار .. فرفض أبو بكر هذا الإقتراح وقال : لنا الإمارة ولكم الوزارة ولن نقر أمرا دون مشورتكم ورأيكم .. ثم اقترح كلا من عمر وأبى عبيدة أميرا على الناس ، بينما أثنى كلاهما على أبى بكر واعتبراه الأفضل لهذه المهمة .. وتمت البيعة بالأغلبية لأبى بكر حيث امتنع عدد من الناس عن البيعة ولم يوافق عليها عدد آخر .

 

ويمكن اختزال الفقرة السابقة فى جملة واحدة هى : أنه قد تم اختيار أول حاكم للمسلمين عن طريق الإنتخاب الحر النزيه ، وفاز فيه أبو بكر الصديق بأغلبية الأصوات . ولأن المجتمع فى ذلك الوقت كان مجتمعا قبليا ، فقد مثله فى الترشيح والإنتخاب (البيعة) رؤساء القبائل وزعماء الطوائف .. والبيعة مثلها مثل الإنتخاب هذه الأيام : هى اتفاق وعهد وتعاقد بين الحاكم والمحكومين ..   والفرق هو اختلاف الزمن وأدواته واختلاف النظام الإجتماعى ، حيث يسهل فى زمننا تنفيذ البيعة عن طريق الإنتخاب الحر المباشر من كل أفراد المجتمع ، فى حين أن تنفيذ ذلك لم يكن متاحا إجرائيا ، وحيث كان النظام القبلى السائد فى زمن الخلفاء الراشدين يحول دون ذلك ... وعندما فاز أبو بكر بالبيعة قام فى الناس وقال خطبته الشهيرة التى بدأها بقوله " إنى وُليت عليكم ولست بخيركم ... الخ " .

 

تساءل أخى الفاضل محمد (الصعيدى) : هل علينا أن نفقد الأمل فى خلافة إسلامية ؟؟

 

فكيف نشأ نظام الخلافة ؟ .. ننقل هنا بعض ماجاء عن ذلك من موسوعة المفاهيم الإسلامية :

 

قد وردت كلمة "خليفة" فى آيات عديدة من القرآن الكريم ، منها قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة" البقرة:30 ، أى قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن.

وقوله سبحانه وتعالى: "ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق" ص:26 ، أى استخلفناك على الملك فى الأرض ، لأن داود -عليه السلام- كان ملكا نبيا.

 

وقد نشأ منصب الخلافة - باعتباره ضرورة فرضتها الظروف السياسية والإجتماعية - عقب وفاة النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك نتيجة للمناقشات الحرة التى جرت بين الصحابة - رضوان الله عليهم- فى "سقيفة بنى ساعدة" .

 

وكان اختيار لقب "خليفة" وإطلاقه على أول رئيس للدولة الإسلامية الهدف منه ، هو التمييز بين هذا النظام الذى أقامه المسلمون وبين أنظمة الحكم التى كانت سائدة فى العالم آنئذ، لقد كانت هذه الأنظمة تقوم على القهر والجبروت ، وتستعبد الشعوب وتستغلها وتحرمها من أبسط حقوقها، بينما جاء النظام الإسلامى ليكون جديدا فى جوهره وغاياته ، فهو يرفض القهر والظلم ، ويقوم على قواعد الحرية والمساواة والعدل والاعتداد برأى الأمة.

واستمر اختيار الخلفاء وفقا لهذه الشروط طوال عصر الراشدين ، ثم حدث بعد ذلك  تحولا ابتداءا من العصر الأموى، وساد نظام الغلبة والتوارث ، فبعد أن كانت الخلافة اختيارا اصبحت قهرا وإجبارا ، تقترب أو تبتعد عن قيم الإسلام ومبادئه ، وتتفق معه فى قليل أو كثير إلى أن تم إلغاؤها تماما .

 

وأقول هنا إذا كان النظام الجمهورى يحقق الغاية من نظام الخلافة الذى أقامه المسلمون طوال عصر الراشدين ، بما يعنى أنه يرفض القهر والظلم ويقوم على قواعد الحرية والعدل والإعتداد برأى الأمه ويسعى لتأكيد قيم الإسلام ومبادئه ، ويكون فيه الشعب سيدا لمصلحته ورقيبا على النخبة الحاكمة التى اختارها دون تزييف أو مصادرة لإرادته الحرة تحقيقا لمصلحته   .. إذن فلا عيب إذن فى  التخلى عن لفظ "الخلافة" .. فإن أبا بكر الصديق رضى الله عنه أول خليفة  للمسلمين ، إنما خلف محمدا صلى الله عليه وسلم فى التنفيذ والتطبيق ورعاية مصلحة الأمة ، وليس فى الإضافة إلى الدين أو الانتقاص منه. ونخشى إن أطلقنا هذا اللقب على حاكم من حكام زمننا الرديئ أن يعطى لنفسه الحق فى الإضافة أو الإنتقاص على رسالة الخاتم الأمين .

 

وإذا عدنا لموضوع الصفحة الرئيسى وهو الإخوان المسلمين .. فإنى أقول أنهم قوة يجب وضعها فى الإعتبار ، ولايجب تهميشها أو مصادرة حقها فى التعبير بحرية عن رأيها ، كما يجب على النظام السياسى الحاكم الإعتراف بها كجمعية أهلية على الأقل حفاظا على تماسك المجتمع واعترافا منه بحق كل إنسان فى التعبير عن رأيه بوضوح وفى وضح النهار ، كما أنه من حق كل جماعة أن تدفع بممثليها للفوز برضاء الناس وأصواتهم فى أى مؤسسة شرعية  .. وإلا سوف يُتهم النظام الحاكم بتشجيع العمل فى الظلام وتغذية الساخطين المحجوزين فى دائرة الظل بالتطرف والإرهاب . ..

 

 

فهرست الموضوعات