الحياة الدنيا

 

قال الله تعالى : " اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ " (20- سورة الحديد)

 

ضرب الله مثلا للحياة الدنيا فى هذه الآية الكريمة فجعلها : " كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج " - أى .. ثم ييبس ذلك النبات ، " فتراه مصفرا " بعد أن كان أخضرا ناضرا  ، " ثم يكون حطاما " - أى يصير مع الوقت إلى ضعف وعجز دلالة على زوال الدنيا وانقضائها ..

 

والقصر هنا فى الآية الكريمة على تمثيل الحياة الدنيا باللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر ، لايعنى ذما لها أو تزهيدا وتنفيرا منها ، أو دلالة على حقارة شأنها وأمورها وقلة جدواها ، كما ذهب فى ذلك البعض من العلماء .. ويقول الدكتور محمد جابر الفياض صاحب كتاب " الأمثال فى القرآن الكريم" فى شأن ذلك : " واضح أن ماقاله أولئك العلماء لاينصرف إلى الحياة بهذا المعنى ، وإنما ينصرف إليها باعتبارها ظرفا (أى فترة زمنية) ، وهى بهذا المعنى لاتستوجب مدحا ولا ذما ، فالحياة يمكن أن تُملأ بما يرضى الله فتفضى إلى الجنة ، كما يمكن أن تُملأ بما لايرضيه فتفضى إلى النار ، فالحياة ظرف للفضيلة والرذيلة ، أو لأى منهما ، وليست هى الفضيلة أو الرذيلة "... قال تعالى : " وأن ليس للإنسان إلا ماسعى " (النجم : 39) .

 

والقرآن الكريم لم ينتقص من الحياة ذاتها ، وإنما انتقص من انشغال الإنسان – فيها – بما لايعود عليه بآجل الثواب .. فالحياة لاتعدو أن تكون القوة التى يكون بها الكائن حيا ، أو هى الفترة الزمنية التى يقضيها الكائن متصفا بصفات الأحياء ، فلا ينبغى بهذا المعنى أن توصف بالحقارة من غير ما تخصيص وتحديد .. فالحياة لكونها السر أو القوة التى يكون بها الكائن حيا – هى حميدة .  ويكفى أن الله سبحانه وتعالى وصف بها نفسه فقال : " الله لاإله إلا هو الحى القيوم لاتأخذه سنة ولانوم " (البقرة: 255) ، وقد فضل الله الأحياء على الأموات ، وحين يُراد مدح ميت يقال عنه إنه حى . وقال تعالى : " ولاتقولوا لمن يقتل فى سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لاتشعرون " (البقرة : 154) .

 

ويختلف الدكتور الفياض مع ماذهب إليه بعض المفسرين فى تفسير الغيث بالمطر والنبات بالزرع بالآية الكريمة فيقول : " أنه من الممكن تفسير الغيث – هنا – بالزرع ذاته ، وتفسير النبات بالنمو لكونه مصدرا للفعل نبت ، فقد ورد اللفظان دالين على هذين المعنيين فى معاجم اللغة ، ولم أفترض لهما مالا وجود له .... فقد جاء الغيث بمعنى الكلأ وهو ماينبته المطر ، وقد جاء النبات دالا على النمو حيث قال الله عز وجل " وأنبتها نباتا حسنا " (آل عمران : 37) أى نشوها – بمعنى نشأتها ونموها -  كان نشوا حسنا ."

 

من هذا كله يتضح أن ليس هناك مايمنع – لغة – من تفسير الغيث بالزرع والنبات بالنمو ، وذلك أبلغ مما ذهب إليه البعض من تفسيره الغيث بالمطر والنبات بالزرع .. ونفهم بذلك أن الله تعالى قد أراد بالمثل فى الآية الكريمة ، أن النبات يبلغ الغاية فى الجودة والنمو ، ثم يفقد حسنه وبهاءه ، وسائر مظاهر حيويته ، وينتهى إلى ماانتهى إليه من حطام ، كيما يطابق الحياة ، فى كونها معجبة مغرية تؤول إلى الزوال والفناء .. وفى نهاية الآية الكريمة يقول الله عز وجل : " وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان " ، إذ لولا كون الآخرة حياة جزاء ، لما كانت الدنيا حياة استعداد لها . ثم ينهى الآية بقوله تعالى : " وماالحياة الدنيا إلا متاع الغرور " ، وذلك ما يناسب الإنسان الذى حصر الحياة الدنيا فى المتعة ، واللعب ، واللهو ، والزينة ، والتفاخر ، والتكاثر فى الأموال والأولاد ، لأنه بهذا الشكل قد جرى كجرى الظمآن وراء السراب ، وماأكثر من أضلهم السراب عن الماء .. ومن هنا كانت حياة المتعة ، أو متع الحياة : متاع الغرور ، لإغترار الناس بها .. وأختم قولى بقول الله تعالى : " ياأيها الإنسان ماغرك بربك الكريم ، الذى خلقك فسواك فعدلك ، فى أى صورة ماشاء ركَّبك " ( الإنفطار) .. صدق الله العظيم .

 

عاطف هلال فى 6/9/2004

 

 

فهرست الموضوعات