الجغرافيا وثقافة المواطن المصرى

 

موضوع طرحه الدكتور أحمد فنديس أستاذ الجغرافيا البشرية

بجامعة القاهرة  فى منتديات أبناء مصر بتاريخ 11/4/2005

http://www.egyptsons.com/misr/showthread.php?p=575611

 

تحكمت في "جغرافية" المواطن المصري ـ ويُقصد به هنا ذلك الشخص الذى لم يتلق تعليما جغرافيا كافيا أو الشخص الأمي غير المتعلم علي الإطلاق ـ موروثات "مكانية" اكتسبها عن طريق المشاهدة العفوية والتجربة الحياتية ، أو عن طريق موروثاته الثقافية الفولكلورية ، فلقد اعتقد قدماء المصريين أن أرض مصر طولية الشكل بسبب امتداد نهر النيل امتداداً طوليا من الجنوب الى الشمال ، ولاشك أن "الجغرافية السلوكية" بمفهوم "السلوك الجغرافي" وليس بمفهومها المعاصر قد صبغت عقلية المواطن المصري بخصائص مستمدة من شخصية مصر الجغرافية .


ومن الثابت أن رتابة فيضان نهر النيل ـ أهم معلم من معالم حياة المصري ساكن وادي النيل قديما وحديثا ـ قد أثرت في شخصيته حاكما ومحكوما ، فانعكس ذلك في استبداد الأول وخضوع الثاني ، كما أن الجهل بجغرافية المكان قد أدى الى حدوث مشكلات جمة لسكان هذا المكان ، ولطالما كان اللا معمور المصري مجهولا لمعظم أبناء مصر ومن ثم ظل مكروها ، فكان منفي للمغضوب عليهم من السكان ، بل ان مناطق عديدة من صعيد مصر كانت بدورها تمثل أماكن غير معروفة الا لسكانها فقط .


ولأن معظم سكان مصر يجهلون أنها تواجه مشكلة سكانية حادة فإن هذه المشكلة أخذت في التفاقم عقدا بعد آخر حتى بلغت طريقا مسدودا بسبب عدم إدراك المواطن أنه سبب هذه المشكلة قبل أن يكون نتيجة لها ، وحتى إذا ما أدرك هذا المواطن أن سكان مصر يتركزون في 4% فقط من مساحتها فإنه لو طلب منه الإسهام في حلها عن طريق مغادرة محل إقامته والعيش في إحدى المدن الجديدة تراه يضاعف من المشكلة إذا ما اقتنى وحدة سكنية في مدينة جديدة واحتفظ بها حتى يرتفع سعرها ويظل يعيش في مدينته الأولي .


وتسهم بعض الخصائص السكانية بدورها في تكريس هذه المشكلة وتعظيمها فالجهل الجغرافي المتعلق بمشكلة سوء توزع السكان وضيق المكان لا يمنح عملية المطالبة بتنظيم الأسرة فرصة حقيقية للتحقق ، خاصة في ظل الاعتقاد العام بأن كل مشكلات الانسان المصري الاقتصادية والاجتماعية إنما تحل فقط بالهجرة الى المدن الكبرى ومن ثم يطبق المواطن ـ المتسبب في المشكلة ـ مقولة : "إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب" والله سبحانه "رازق الدودة في الحجر" فكيف لا يرزق كل ما ينجبه من أبناء ؟! .


ولقد كان من نتيجة عدم الاتزان بين كل من النمو السكاني والنشاط الاقتصادي ومعدلات التحضر المتزايدة بسبب الهجرة الريفية ـ الحضرية أساسا أن واجهت مصر ومنذ خمسينيات القرن الحالي مشكلة النقص المتزايد في المساكن الحضرية وما نتج عنها من ظهور مستمر للأحياء السكنية العشوائية ومن ثم فقد استفحلت ظاهرة النمو العمراني الحضري العشوائي في مصر في العقود الأربعة الأخيرة ، وتعتبر أزمة السكن الحضري من أهم أسباب ظهور المناطق العشوائية في مدن مصر ، وهي الأزمة التي ظهرت بوضوح نتيجة لمجموعة من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى أدت قلة الوعي الجغرافي أو التثقيف الجغرافي الموجه نحو المواطن المصري إلي تسارعها وتركزها ومن ثم إلي حدتها وصعوبة التغلب عليها أو معالجتها ويكفي أن نعلم أن عدد المناطق العشوائية بالمدن المصرية قد فاق الألف منطقة بحلول نهاية القرن العشرين .


ولا تعتبر الثقافة الجغرافية في مصر جزءا من الحياة اليومية للمواطن ، ويتجلي ذلك في كم المشكلات البيئية التى يسببها ويعيش فيها ويعانى من آثارها السلبية ذلك المواطن ، وهي المشكلات التى تستنزف تكلفة معالجة آثارها قدرا كبيرا من ميزانية الدولة لو خصص لغيرها لانتقل اهتمام المجتمع من التنمية الى الرفاه الاجتماعي Social Welfare  .

 

ومن أمثلة تدنى الوعي البيئي لدى المواطن المصري وجهله بخطورة مشكلة الزحف العمراني علي الأرض الزراعية ، أنه ما أن ظهر طريق محور 26 يوليو في مدينة القاهرة الكبرى لتسهيل مرور السيارات ووصولها الى مدينة 6 اكتوبر وطريق القاهرة ـ الاسكندرية والقاهرة ـ الفيوم الصحراويين حتى بدأ أصحاب الأراضي الزراعية المحيطة بهذا الطريق في تبوير أراضيهم والبناء فوقها بطريقة عشوائية واضحة :


وليت الأمر اقتصر علي محو الأراضي الزراعية من الوجود لتقام فوقها المباني ، بل ان هذه المباني افتقرت الى أي شكل من أشكال التخطيط الحضري ، فكل صاحب قطعة أرض مهما كانت مساحتها حوّلها ـ تحت نظر القانون ـ الى مبنى حتى لو كان يتألف من حجرة واحدة .


ولقد كان المصري القديم في زمن الفراعنة حين تحين لحظة وفاته وحتى لا يلقى العذاب في العالم الآخر يقر بأنه لم يلوث ماء النيل ، أما المصري المعاصر في الوقت الراهن فلم يعد يعبأ بهذا الموضوع ، رغم أن الحروب المتوقعة في العقود القادمة هي حروب المياه ورغم أن رسولنا الكريم قد نبهنا الى ضرورة الاقتصاد في استخدام المياه أثناء الوضوء "ولو كنا علي نهر جارٍ" الا أن عدم الوعي الثقافي بالحفاظ علي ماء النيل واستخدامه بصورة عشوائية حتى من قبل بعض الأجهزة الحكومية قلل من اهتمام المواطن بضرورة الحفاظ علي حصة مصر من مياه النيل .


وكثيرا ما يعتقد بأن إيجاد البيئة الصالحة للحياة البشرية يكون عن طريق وضع القوانين المنظمة للسلوك البشرى تجاه البيئة ولما يقوم به الإنسان من أنشطة داخل هذه البيئة ، وذلك يعنى أن تكفي القوانين وحدها لتحقيق هذا الهدف ، ولكن الواقع يؤكد أنه "ليس بالتشريعات وحدها نحافظ علي البيئة" طالما يزيد ساكن هذه البيئة من تدهورها يوما بعد يوم ، ورغم أهمية معرفة المواطن أن حياته المريحة تتوقف علي استمرار نقاء بيئته وعطائها ، وأن حسن تعامله معها يزيد من هذه الراحة ، وأن "الإحساس البيئي" أمر وطني إلا أن "أخلاقيات البيئة" غير موجودة غالباً في الخلفية الثقافية للمواطن المصري ، وتتمثل "أخلاق البيئة" في مجموعة المعايير الموجِهة لسلوك المواطن تجاه مكونات البيئة لتحقيق علاقة "متوازنة" بينهما ، وهى معايير تنبع من مصادر ثقافة هذا المواطن الدينية والقيمية والقانونية.


وتحمل المفردات التى يستخدمها المواطن في حياته المعاشة مصطلحات ذات أبعاد مكانية فكل سكان الدولة تقريبا يستخدمون مصطلح "مصر" عند الإشارة الى القاهرة ، وليس أدل علي ذلك من استخدام الناس عند الاشارة الى محطة السكك الحديدية بالقاهرة علي أنها "محطة مصر" كما أن مصطلح "البلد" له أبعاد استخدامية متعددة ، فالمهاجر من الريف ليستقر بالقاهرة يستخدم المصطلح عند الإشارة الى قريته التي وفد منها فيقول "سافرت الى البلد في زيارة سريعة" مثلا ، بينما يقصد منطقة أخري اذا استخدم المصطلح ذاته داخل مدينة القاهرة ـ خاصة إذا كان من سكان أطرافها ، فهو يقصد بالبلد هنا منطقة "وسط المدينة" أو قاع المدينة  downtown وهو أقدم مناطقها .


ويعتبر مصطلح " بلدياتي" مؤشرا علي تدرج "الإقليمية" لدى المواطن المصري ، فهو في خارج مصر يعتبر المصري المقيم معه "بلدياته" وإذا انتقل الى محافظة أخرى والتقي بفرد من المحافظة ذاتها وصفه أيضا بأنه "بلدياته" ، بل إنه يطلق هذا اللفظ علي من ينتمي للمدينة أو القرية التى ولد بها إذا أقاما في مدينة أو قرية أخري داخل مصر ، وفي هذا يتدرج المفهوم اتساعا وانكماشا حسب المكان الموجود فيه الشخص .


ويعيش المواطن المصري "جغرافية فلكلورية" نتلمسها في بعض "الأمثال الشعبية" التى تحمل مضمونا جغرافيا ، فعندما يذكر ساكن مدينة الأسكندرية أن "نوة العوة ما بعدها نوة" فإنه يعنى نهاية موجة النوات البحرية التى تجتاح المدينة وتنتهي بقدوم نوة العوة ، كما أن لفظي "بحري" وقبلي" متداولان بصورة شائعة بين أفراد المجتمع المصري ـ والعربي كذلك ـ للدلالة علي الاتجاهين الشمالي ـ نحو البحر المتوسط ـ والجنوبي ـ نحو القبلة والجبلي أيضا رياح محلية حارة تهب علي جنوب ليبيا ، وكثيرا ما يردد المصريون أن "إللي ييجى من الغرب ما يسر القلب" للدلالة علي الآثار السيئة لرياح الخماسين أو ربما للدلالة علي الاستعمار البريطاني القادم من "الغرب خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أو الهيمنة الأمريكية لحالية في القرن الحادي والعشرين .


وتوجد مجموعة من الأمثال الشعبية تعكس جغرافية "شعبية" ناضجة منها المثل القائل "أبرد من مية طوبة" وهو الشهر المصرى القديم المقابل لشهر فبراير حيث يعانى السكان من برودة الشتاء ، أو ذلك القائل "الاسم لطوبة والفعل لأمشير" والأخير يقابل شهر مارس دلالة علي التناقض بين الشهرين حيث تبدأ إرهاصات الخماسين أحيانا في شهر مارس ، وفي عودة الى البحري والقبلي يذكرنا المثل القائل "إحسب حساب المريسي وان جاك طيّاب من الله" والطياب هو الريح الشمالي بينما "المريسي" هو الريح الجنوبية التى تعرقل سير السفن الشراعية المتجهة جنوبا في النيل .

 
وفي إطار علاقة شهور السنة ببعض الملاحظات الجغرافية يأتى المثل القائل "في برمهات روح الغيط وهات" للدلالة علي اقتراب فصل الحصاد ، بينما يشير المثل القائل " في كيهاك تقوم من فرشك تجيب عشاك" الى قصر النهار وطول الليل في فصل الشتاء الشمالي ، أما "إللي ما تشبع برسيم في كياك ادعوا عليها بالهلاك" فهو مثل يدل علي أن الماشية التى لا تأكل البرسيم في هذا الشهر لا تسمن ولا تغني من جوع بعد ذلك لأنها ستظل نحيفة ضعيفة لا تنتج لبنا أو ذرية ، بينما يدعو المثل القائل " إللي يزرع درة في الناروز يبقي قولحة من غير كوز" الي زراعة الذرة قبل حلول عيد النيروز القبطي ـ عيد الربيع أو "شم النسيم" ويحدث في شهر ابريل من كل عام ـ لأن من يزرعه بعده يزرعه متأخرا فلا يجود ولا ينبت له حب .


غير أن المثل القائل " اللي يعيش ياما يشوف قال إللي يمشي يشوف أكتر" يحمل مضمونا مكانيا واضحا ، أو هو دعوة الى "العمومية" علي حساب "الإقليمية" فمن يستقر في مكان واحد لا يعرف شيئا عن الأماكن الأخري ، بينما تزداد معرفته كلما ارتحل بعيدا عن موطنه وسافر الى مناطق أخري "ففي الأسفار سبع فوائد" .


وقد تأخذ التوعية الجغرافية أشكالاً أخري غير الكتابة الجغرافية ، ولكاتب المقال عدة محاولات في توعية المواطن المصري ببعض القضايا البيئية كقضية التلوث عندما كتب :


احرق قشك ويا كاوتشك  

هبب جوك لوث بيئتك

إرمى زبالتك طيّن عيشتك

بكره ما تعرف تاخد نَفَسك

 

مبينا أن حرق قش الأرز المتسبب في السحابة السوداء الشهيرة التى تزور مصر سنويا لتجثم فوق إقليم القاهرة الكبرى وتكتم أنفاس سكانه ، وحرق إطارات السيارات يتسببان في تلوث الجو ومن ثم صعوبة التنفس بسبب أمراض الجهاز التنفسي. من هنا نتبين أهمية الثقافة الجغرافية في حياة المواطن المصري ودورها في حل معظم مشكلاته الاقتصادية والاجتماعية والبيئية .

 

 

 

 

 

مداخلاتى على الموضوع 

 

عاطف هلال فى تاريخ 17/4/2005

 

الأستاذ الدكتور أحمد فنديس (أستاذ الجغرافيا البشرية)..


وهو يطرح اليوم موضوعا فى غاية الأهمية عن أهمية الثقافة الجغرافية فى حياة المواطن المصرى ودورها فى حل مشكلاته الإقتصادية والإجتماعية والبيئية .. ، ثم يمتعنا أثناء طرحه للموضوع ( كعادته) يشيئ سماه "الجغرافيا الفلكلورية" التى تعكس مفهوما جديدا علينا لعنوان أطلق عليه إسم "الجغرافيا الشعبية’ . فهو قد حقق بهذا الشكل هدف موضوعه بطريقة جذابه وجعله موضوعا شيقا بعيدا عن تعقيدات العلماء وكلكعاتهم .


أتذكر بعد أن خرجت من ندوة دعانى إليها صديقى الدكتور فنديس ..أننى كنت أجلس مع عميد هندسة الأزهر الدكتور رضا محرم فى مكتبه فى نفس اليوم ، وأثناء حديثى معه ذكرت أننى جئت للتو من ندوة دعانى لها صديق هو أسناذ فى الجغرافيا البشرية .. فسألنى متعجبا شخصا تصادف وجوده بمكتب الدكتور رضا لن أذكر إسمه - هو دكتور مهندس أيضا ويمكن اعتباره من أعمدة النخبة الحاكمة الحالية .. سألنى .. إيه يعنى الجغرافيا البشرية دى ؟؟؟  ..

فكان ردى عليه : الأفضل أن أعطى لسيادتك تليفون الدكتور أحمد فنديس لتسأله عن هذه الجغرافيا البشرية .. حيث يبدو أن هذا الدكتور قد اخترع هذا العلم لنفسه ولبعض معارفه ولك أن تكافئه على هذا الإختراع أو تعاقبه ..


شفت بقه ياصديقى إن الإنسان المصرى المحكوم فى هذا العصر غلبان أد إيه ..


لى عودة أكيدة للتعليق على الموضوع لأتعلم ولأن موضوعك هذا يشغلنى ويحتل المساحة الأكبر من اهتماماتى هذه الأيام .

_________

 

تعليق أحمد فنديس

 

إيه يعنى الجغرافيا البشرية دى ؟؟؟ ..يا نهار (أبيض طبعا) كمخ سيادته...الله يكرمه ويزيده مما هو فيه!!!! كما كتبت سلفا فقد ارتفع الجهل الي أعلي المستويات!!! فمنهم من قال أن سيناء سدس مساحة مصر...والحقيقة أنها ا/16 (فقط) ومنهم من أراد دفن النفايات النووية في صحرائنا الغربية حيث مشروع توشكى الآن....ومنهم من أراد  توصيل مياه النيل إلي إسرائيل.....ومنهم (أستغفر الله العظيم) من قضي نحبه!!!! ومن ينتظر...لعنهم الله أني يؤفكون.... شفت بقه ياصديقى إن الإنسان المصرى المحكوم فى هذا العصر غلبان أد إيه..أستاذي الجليل مهندس عاطف هلال ....بل أنا الذى تعلمت وأتعلم من سخي عطائك وجميل إبداعك...دمت لي أخا ولمصر كلها إبنا باراً محبا عطوفا...تلميذكم أحمد فنديس...وأرجوك لا تعطيه رقم التليفون...أحسن له....

 

________

 

عاطف هلال بتاريخ 18/4/2005

 

عنوان صفحة صديقى الدكتور أحمد هو : "الجغرافيا وثقافة الإنسان المصرى"


وقد قررت أن أجازف وأدخل ميدان تخصص الدكتور أحمد فنديس كنوع من الإجتهاد لاأكثر (ولكل مجتهد نصيب) .. فبدأت برسم خطة الإقتراب قبل الإقتحام .. وقلت أقدم تعريفا لعلم الجغرافيا فى هذه المداخلة ، ثم أقدم تعريفا للثقافة فى مداخلة قادمة ، ثم أبدأ فى الإقتحام بالتساؤل عن مدى ارتباط الجغرافيا بثقافة الإنسان المصرى القديم والحديث ، وهل يمكن للنيل وحده (نيلها الحلو الصافى أفديه بروحى وعنيا ) أن يتحكم فى تكوين شخصية الإنسان المصرى القديم أو الحديث . هذا على شرط أن لايتركنى صديقى وحيدا فى هذا الميدان الصعب ... !!


الجغرافيا هى فى الأساس علم يعنى بوصف سطح الأرض وما عليه من مظاهر وظواهر ، ثم يصنف الظاهرات المختلفة ويحللها ، ويربط بينها ليستخلص قوانين عامة . وقد اندثر هذا العلم – كعلم له أصوله – فى العصور الوسطى بأوروبا للأسف ، إذ كانت الكنيسة تعتبر البحث فى المظاهر الكونية خروجا على الدين ، فى حين حمل العرب لواء الدراسات الجغرافية فى ذلك الوقت وسموها "علم تقويم البلدان" .


ثم بدأ عصر الجغرافيا الحديثة فى أوائل القرن 19 على يد العالم الألمانى اسكندر هومبولت ، الذى بنى فى دراساته مدى الإرتباط بين الإنسان والبيئة ... وكان الألمان أسبق الأمم فى هذا المضمار ..


وأصبح لعلم الجغرافيا منذ ذلك الوقت فرعان رئيسيان : الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية . وتعتمد الأولى على العلوم الطبيعية فى دراسة مظاهر سطح الأرض ، وتبحث فى ظاهرات وُجدت على الأرض قبل الإنسان ، ومن فروعها الفزيوجرافيا ، وجغرافيا المناخ ، والجغرافيا الحيوية .  


بينما تعنى الجغرافيا البشرية بدراسة علاقة الإنسان ببيئته ومدى تفاعله معها مؤثرا فيها أو متأثرا بها ، فهى تدرس ظاهرات للإنسان دخل فيها كالسكان والمدن والإنتاج الإقتصادى . وتشمل الجغرافيا البشرية فروعا مثل الجغرافيا الإجتماعية والجغرافيا الإقتصادية والجغرافيا السياسية . وثمة فرع ثالث يضاف إلى الفرعين الرئيسين لعلم الجغرافيا (الطبيعية والبشرية) وهو الجغرافيا التاريخية ، الذى يبحث فى الظاهرات الطبيعية والبشرية وتطورها فى العصور القديمة .. ومسار تلك التطورات حتى زمننا الحالى .


من هنا علمت ولم أعد أتعجب من تميز الدكتور أحمد فنديس بالخيال والرومانسية ، فميدان تخصصه فى الجغرافيا البشرية ، هو ميدان فن وشاعرية بالدرجة الأولى ، فعندما يتعامل الإنسان مع البشر يجب أن يكون فنانا قبل أن يكون عالما .. وهذا لاينفى وجوب العلم ، والفن يعمل على ارتقائه وتطويره .


وياليت مدارس مصر فى مراحلها الأولى تهتم أكثر بتدريس الجغرافيا بفروعها المختلفة ، وعلى رأس تلك الفروع الجغرافيا البشرية كمادة رئيسية للتربية القومية .


ملاحظة : تعريف علم الجغرافيا وفروعه تم تلخيصه وعرضه من تصفح سريع لعدة مراجع .

 

__________________

 

تعليق أحمد فنديس فى 19/4

 

الله ينور عليك يا أستاذنا...هذا ما أدرسه للطلاب والله. إيه الحلاوة دي..[[ الجغرافيا هى فى الأساس علم يعنى بوصف سطح الأرض وما عليه من مظاهر وظواهر ، ثم يصنف الظاهرات المختلفة ويحللها ، ويربط بينها ليستخلص قوانين عامة . وقد اندثر هذا العلم – كعلم له أصوله – فى العصور الوسطى بأوروبا للأسف ، إذ كانت الكنيسة تعتبر البحث فى المظاهر الكونية خروجا على الدين ، فى حين حمل العرب لواء الدراسات الجغرافية فى ذلك الوقت وسموها "علم تقويم البلدان" ]]


نعم أستاذي...الجغرافيا هي (العلم الذي يمدنا بتفسير منطقي ومعقول ومقبول لكيفية توزع الظاهرات التي توجد فوق سطح الأرض وإظار ما ينتظمها من أنماط وما بينها من علاقات وارتباطات)..ولقد نظر اليها باحتقار في عصور أوربا المظلمة حيث كنوا يفسرون ظاهرة الليل والنهار ـ مثلا ـ بأن الشمس تلعب لعبة الاستغماء (الإستغماية) وراء جبل صغير (كتكوت يعنى) في شمال الأرض عندما تلعب وراءه يحدث الليل وعندما تلعب أمامه...يحدث النهار....أما العرب فقد حافظوا علي تراث منشئو الجغرافية (اليونان) وقدموه هدية لأوربا الناهضة في عصر نهضتها ليعيدوا له رونقه وأهميته (الألمان) ومنهم (ألكسندر فون همبولت/كارل رتر/ فردريك راتزل)...



[[ وأصبح لعلم الجغرافيا منذ ذلك الوقت فرعان رئيسيان : الجغرافيا الطبيعية والجغرافيا البشرية . وتعتمد الأولى على العلوم الطبيعية فى دراسة مظاهر سطح الأرض ، وتبحث فى ظاهرات وُجدت على الأرض قبل الإنسان ، ومن فروعها الفزيوجرافيا ، وجغرافيا المناخ ، والجغرافيا الحيوية]].

نعم وجغرافية البحار والمحيطات...وجغرافية النبات الطبيعي...والجيمورفولوجيا....


[[ بينما تعنى الجغرافيا البشرية بدراسة علاقة الإنسان ببيئته ومدى تفاعله معها مؤثرا فيها أو متأثرا بها ، فهى تدرس ظاهرات للإنسان دخل فيها كالسكان والمدن والإنتاج الإقتصادى . وتشمل الجغرافيا البشرية فروعا مثل الجغرافيا الإجتماعية والجغرافيا الإقتصادية والجغرافيا السياسية . وثمة فرع ثالث يضاف إلى الفرعين الرئيسين لعلم الجغرافيا (الطبيعية والبشرية) وهو الجغرافيا التاريخية ، الذى يبحث فى الظاهرات الطبيعية والبشرية وتطورها فى العصور القديمة .. ومسار تلك التطورات حتى زمننا الحالى]] ،  وفرع رابع هو الجغرافيا الإقليمية التى تدرس الظاهرات الطبيعية/أو الشرية/أو التاريخية/أو كلها معا في (الإقليم) .


(((((( وياليت مدارس مصر فى مراحلها الأولى تهتم أكثر بتدريس الجغرافيا بفروعها المختلفة ، وعلى رأس تلك الفروع الجغرافيا البشرية كمادة رئيسية للتربية القومية))))))))  ، ياليت ولكن فريد أعلنها من زمن كما أعلنها سعد باشا لكن ياريت عمرها ما كانت تعمر بيت............................................... ............غطيني يا صفية وصوتي..............................ما فيش فايدة....جعلوها إختيارية

 تحياتي لأستاذي

 

___________

 

عاطف هلال فى 22/4/2005

 

تحدثت فيما سبق عن الجغرافيا ، ثم أصقل حديثى عنها صديقى صاحب تلك الصفحة ....


وجاء الدور الآن للحديث عن "ثقافة الإنسان" ، حيث ربط صديقى بينها وبين الجغرافيا ربطا جامعا وحكيما .

 

ولكن هل نهر النيل هو كل جغرافية مصر بمفهوم الجغرافيا الشامل الذى تحدثنا عنه من قبل :---- حقا قد لعب نهر النيل دورا خطيرا في تكوين ثقافة الإنسان المصرى القديم وقيام الحضارة المصرية القديمة فهو الذي أمد البلاد بالماء و الطمي مما ساعد على تحول أرض مصر من أرض صحراء جرداء إلى جنة خضراء ، وهو الذي علّم المصريون بناء السفن التي تبحر بهم على مائه فساعد ذلك على ترابط العلاقات بين المصريون و اختلاطهم و تناقلهم للآراء و الأفكار وزيادة النشاط التجاري ، و نتيجة لذلك عظم المصريون القدماء نهر النيل وقدسوه و أقاموا له الأعياد الخاصة ، ولكن لم يجعلوه إلها كما يظن البعض على سبيل الخطأ ، فكلمة النيل نفسها ليست من الكلمات المصرية القديمة ، وعندما جعلوا للنيل إلها هو حابى Hapy  فلم يلعب هذا الحابى دورا هاما أو رئيسيا فى حياتهم الدينية ، فكان حابى فى عقيدتهم ليس هو النيل بل هو فيضانه السنوى الذى يجلب الماء وخصوبة الأرض معه ، أى كان حابى مجرد رمز لفيضان النيل ، فجعلوه إلها من بين آلهتهم .. ولكن لم يكن فى الصدارة أو الأهمية بالمقارنة مع باقى الآله .


وكان للمصرى القديم أنشطة أخرى كثيرة خارج حدود الوادى الخصيب بل خارج حدود مصر نفسها ، ويكفى أن نعلم أن الذهب فى مصر القديمة لعب دورا ساميا فى نمو الدولة وقوتها ، واستخدم المصريون القدماء ذهب الصحراء الشرقية كتعبير رمزى عن إرادة العظمة لدى الفراعنة .. وأصبح الذهب هو رمز الخلود أمام الزمن الذى أثر على كل شيئ باستثناء الأهرامات والذهب نفسه .. وقد تم استخراج 3500 طن تقريبا من الذهب على مدى ثلاثين أسرة من الفراعنة ، أى مايزيد عن إنتاج كاليفورنيا فى 100 عام .. ويكفى أن نعلم كذلك أن خوفو أحد ملوك الأسرة الرابعة لم يشغله بناء الهرم الأكبر عن إرسال حملات مكثفة إلى الصحراء للحصول على المعادن والأحجار . وترك خوفو إسمه منقوشا فى مناجم النحاس والفيروز فى شبه جزيرة سيناء .. وإذا علمنا أن "رع" إله الشمس المصرى وملك الآلهة عندهم وسيد الكون كان من "الذهب" .. فإن مؤدى ذلك .. أن ثقافة المصرى القديم لم يشكلها النيل وحده ، بل ساهم فى تشكيلها نشاطه المكثف فى صحارى مصر وشبه جزيرة سيناء .. بل يمكن القول أن الذهب وحده كواحد من منتجات تلك الصحارى شكل ثقافة امتدت إلى التاريخ كله وحتى هذا اليوم .. فنجد فى عالم هوميروس أن معظم الآله وخاصة النساء منهم كانت من الذهب أو يحيط بهم الذهب ، ونجد أن ثقافة الذهب انتقلت وسيطرت على فكر العبرانيين الذين نشأوا على أرض مصر ، وكانت النتيجة أن كلمة "الذهب" اخترقت التوراة من أولها إلى آخرها ، واحتلت تلك الكلمة مكانة فى التوراة لاتوجد فى أى كتاب آخر .. أى أن المصريين القدماء قد فرضوا على التاريخ كله وحتى هذه اللحظة المكانة السامية للذهب على الرغم من أن استخداماته الصناعية محدودة ، ويمكن الإستغناء عنه فى هذا الشأن ببدائل أخرى كثيرة .


وبعد أن قرأت الكثير عن مفهوم الثقافة ، وخاصة بعد أن تلاكنت الألسنة بمفهومها ، وألصقت فى عفوية لفظ "مثقف" على كل أديب أو فنان ، وعلى الرغم من أن إبداعات الأديب أو الفنان قد تسهم أحيانا فى تهذيب الذوق العام وقد تعمل على ارتقاء المستوى الثقافى للجماهير ، ولكن لايعنى هذا أن يكون هذا الأديب أو ذلك الفنان مثقفا . فمفهوم الثقافة هو مفهوم بالغ التعقيد ، حيث يشمل كافة الجوانب الأساسية لحياة الفرد ، ويؤثر فى فهم ونظرة وتفكير وإحساس الفرد بالعالم من حوله . والطبقة الوسطى فى أى مجتمع هى الطبقة الفاعلة ثقافيا ، فهى الطبقة التى تطمع الطبقة التى تحتها أن تخلفها ، أما الطبقة التى فوقها فمهما تكن مابلغته من قوة وسلطان ، فما كانت لتصير كما صارت لولا وجود الطبقة الوسطى .. والطبقة الوسطى فى أى مجتمع هى التى تخلق الإتجاهات العامة والقيم كمكون هام من مكونات الثقافة ، وهى لحسن الحظ لاتفرض ذلك قهرا أو تسلطا . فإذا انهارت الطبقة الوسطى فى أى مجتمع وتم تهميشها انهارت معها ثقافة المجتمع كله .


ولاتوجد ثقافة لفرد تميزه بمفرده ، أو ثقافة لفرد غير موصولة بمجتمعه وبيئته ، ولكن قد توجد ثقافة لفئة معينة فى مجتمع ، فثقافة الأغنياء مثلا هى غير ثقافة الفقراء فى نفس المجتمع ، ولكن تبقى ثقافة الطبقة الوسطى هى الثقافة الغالبة والفاعلة والمميزة للمجتمعات والشعوب .

 
كما يمكن التقرير بأن الخير كل الخير للإنسانية هو فى تعدد ثقافات الشعوب واختلافها .. فلو أن الأمم والشعوب على تباعدها كانت تنظر إلى العالم بعين واحدة وثقافة واحدة وتعيش على وتيرة واحدة ، لما كان هناك ثراء وقوة للحضارات المتوالية ، ولما كان هناك معنى لتناوب تلك الحضارات وقيامها من مصرية وأشورية إلى الحضارة الأوروبية وغيرها ، فإختلاف الشعوب وتميزها بثقافاتها زاد من ثراء الحضارات كما زاد
فى نفع الإنسانية ، وأنتج مدا حضاريا متدفقا لاتكرار فيه أو ملل أو عودة للوراء .

 
وقد نبكى فى مصر على تخلفنا وضعفنا وجهلنا ، ونكاد ندخل فى دائرة اليأس القاتل من تحسين أحوالنا .. ولكن التاريخ يحدثنا دائما ، أن أمما كانت أحط منا منزلة فارتقت لما صحت عزائم بنيها على انهاضها وإنقاذ ثقافتها من عبث المتسلطين .. ولكن للنهضة شروطها وأهمها هو أن لايكون تراثنا الحضارى القديم ، عربيا كان أو
فرعونيا ، عاملا يجذبنا إلى الوراء .. فالتاريخ لايعيد نفسه بنفس السياق .


وقد قلنا أن الجغرافيا تبحث فى ميادين كثيرة من بينها تأثر الإنسان بالبيئة من حوله ومدى تأثيره عليها .. والبيئة من حيث كونها إطارا يعيش داخله هذا الإنسان ، نجدها لاتتوقف عند حد مايحتويه هذا الإطار من موارد أو ظواهر طبيعية ومناخية ، بل تتعداه إلى سلوكيات الإنسان بداخل هذا الإطار ومدى تطوره الفكرى والنفسى وتفاعله مع الآخرين ومع البيئات الأخرى .. وتتدخل الجغرافيا كعلم لترصد وتراقب تصرفات هذا الإنسان داخل بيئته ضمانا لحسن تصرفه مع نظامه البيئى ومكونات بيئته .


وإذا افترضنا وجودا لفرد مثقف ، فهو لن يستطيع أن يعيش بثقافته منعزلا عن مجتمعه وبيئته ، فالثقافة هى سلوك اجتماعى بما يعنى أنها سلوكا مشتركا ، وهى أيضا سلوك متكامل بما يعنى أن مكونات الثقافة من حياة مادية ولغة ومعتقدات وتقاليد وتعليم وقيم واتجاهات وغير ذلك ضمن المفهوم الشامل للجغرافيا ، تتداخل كلها وتتفاعل وتتحد لتكون فى النهاية نسيجا ثقافيا متكاملا ، ولايعنى ماسبق سوى أن الثقافة سلوك مكتسب أى أنها لاتورث بل يتعلمها الفرد عن طريق الحياة والعيش فى مجتمع معين وبيئة معينة .


ويمكن فى النهاية أن نصف الثقافة وصفا مختصرا بما قاله ت. س. إليوت : بأنها – أى الثقافة – هى ما يجعل الحياة تستحق أن نحياها ..

 
ونلتقى دائما على الخير بإذن الله .

 

 ____

 

فهرست الموضوعات