رأى فى الحلال والحرام وفى علماء الدين

 

لاأميل بطبعى إلى الدخول فى ساحة معارك المتكلمين من فقهاء هذا الزمن فى كل أمر وأى أمر من أمور الدين ، وخاصة فيما يتعلق بأمور التحليل والتحريم .. وقد يقال أن هذا طبيعى ،  لأننى لاأملك رخصة الجدل فى تلك الأمور ، وأن مؤهلى الدراسى لايسمح لى بذلك . فأقول ومنذ متى كان كل الأطباء مثلا  أو كل المهندسين أو غيرهم  من أصحاب المهن الأخرى ناجحين وموفقين فى مهنهم أو كانوا جميعا فوق مستوى الشبهات وملتزمين بآداب مهنهم ، فضلا عن أن رجال الدين – بصفة خاصة - لايصح لهم التوظف بأجر ، أو أن يتم وضعهم فى هيكل وظيفى محكوم بنظام الحاكم والحكم ، فالدين لايجب – فى رأيى – أن يكون مهنة يرتزق منها البعض ، أو يطمع من خلالها أحد فى الترقى على سلم التوظف وشغل المناصب . .. كما أن من حق كل مسلم مجتهد ، وبصرف النظر عن مؤهله ومهنته ، أن يفهم القرآن والدين لنفسه وأن يعرض على القرآن وصحيح السنة مايشغله من أمور ومشاكل .. على أن يقف حقه هذا  عند حدود عدم  عرضه ونشره على الناس .. فالتفسير والإفتاء للناس هو حق مقصور على من اصطفاه الله  من ذوى الدراية بأسرار لغة القرآن والسنة وفقه سياقهما ودلالاتهما . وقد قسّم أهل العلم الفقه فى أمور الدين إلى قسمين .. قسم هو فقه عام وهو فرض عين على كل مكلف فى حدود مايصحح به عقيدته ، ويقوّم به عبادته ، ويهذب به خلقه وسلوكه ، وينقى به معاملاته من الحرام والمشتبهات ، والقسم الآخر هو فقه خاص ويختص به المتبحرين فى أمور الشريعة القادرين على استنباط الأحكام من نصوصها ، وتعلم هذا النوع من الفقه هو فرض كفاية ، يزول الإثم عن الأمة بقيام البعض به .

 

ويمكننى القول ( لنفسى) بأن ماورد بالآيات الكريمة بالتنزيل الحكيم فى شأن الحرام والتحريم ، هو مايمكن أن نطلق عليه بثوابت الحرام فى الإسلام التى لايجب أن يجادل فيها أحد من البشر ، ونذكر منها  على سبيل المثال مايلى :

 

قال الله تعالى (سورة الأنعام)

 

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(153)

 

وقال تعالى : (سورة الأعراف)

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(157)

 

وقال تعالى :

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (الأعراف 33)

 

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (النحل 115)

 

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (المائدة 90)

 

 أما الشُّبُهَات أو المُشَبَّهَات فهى تلك الأمور التى تقع بين الحلال والحرام ، أو هى كما جاء فى رِوَايَة مُسْلِم : تلك الأمور التى  شُبِّهَتْ بِغَيْرِهَا مِمَّا لَمْ يَتَبَيَّن بِهِ حُكْمهَا عَلَى التَّعْيِين ، وفى رواية التِّرْمِذِيّ : " لَا يَدْرِي كَثِير مِنْ النَّاس أَمِنَ الْحَلَال هِيَ أَمْ مِنْ الْحَرَام " . وقد َاخْتُلِفَ فِي حُكْم الشُّبُهَات فَقِيلَ التَّحْرِيم ، وَهُوَ مَرْدُود . وَقِيلَ الْكَرَاهَة ، وَقِيلَ الْوَقْف . وَحَاصِل مَا فَسَّرَ بِهِ الْعُلَمَاء الشُّبُهَات أَرْبَعَة أَشْيَاء : أَحَدهَا تَعَارُض الْأَدِلَّة كَمَا تَقَدَّمَ ، ثَانِيهَا اِخْتِلَاف الْعُلَمَاء وَهِيَ مُنْتَزَعَة مِنْ الْأُولَى ، ثَالِثهَا أَنَّ الْمُرَاد بِهَا مُسَمَّى الْمَكْرُوه لِأَنَّهُ يَجْتَذِبهُ جَانِبَا الْفِعْل وَالتَّرْك ، رَابِعهَا أَنَّ الْمُرَاد بِهَا الْمُبَاح . وفى المقابل ذهب معظم علماء الإسلام فى شأن تلك الشبهات حين يلتبس أمرها على المسلم إلى القول بأن يستفتى فيها المسلم قلبه .. والقلب اصطلاحا هو "العقل" فى التنزيل الحكيم  ، وفى لسان العرب يأتى العقل بمعنى القلب ، فيقال : لفلان قلبٌ عقولٌ ولسان مسئول ، وقلب عقول أى فَهمٌ يعقِل صاحبه عن التورط فى المهالك ، ويقول تعالى : ( فَتَكُون لَهُمْ قُلُوب يَعْقِلُونَ بِهَا ) ، وقد خص الله القلب بالذكر؛ لقوله تعالى : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لِذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب ) فإذا سلم  القلب سلمت الجوارح ، وإذا فسد فسدت سائر الجوارح ، وقال تعالى :" يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)  إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ " (89) من سورة الشعراء ، لأنه بصلاح القلب ونقائه وارتقائه يصلح الإنسان فلا يخسر دينه ودنياه ..  .. ولأن القلب يتأثر ويؤثر فى أعراف بيئة صاحبه ومتغيرات عصره وثقافته وتقاليد مجتمعه ، فقد قال الرسول الأمين فى حديث شريف ورد بالبخارى :  " يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا " ، كما أن فقهاء الشريعة الإسلامية قديما وحديثا على اختلاف مذاهبهم أخذوا بأعراف الناس ، وخاصة ماعُرِف بالعرف الصالح  الشائع بينهم  واعتبروه دليلا يبنى عليه كثيرا من الأحكام الفقهية ، وقال ابن عابدين فى منظومته فى رسم المفتى :

 

والعرف فى الشرع له اعتبار ** لذا عليه الحكم قد يدار

 

ويقول أ.د/على جمعه محمد فى موسوعة المفاهيم الإسلامية :

العرف والمعروف بمعنى واحد وهما خلاف النكر والمنكر ، وهما ما تعارف عليه الناس فى عاداتهم ومعاملاتهم ، ويقول : هناك فرق بين العرف والإجماع . إذ الاجماع هو اتفاق مجتهدى الأمة فى فى عصر من عصور الأمة ، وأما العرف فهو ما يعتاده أكثر الناس من العوام والخواص فى مجتمع من المجتمعات ، ولا يشترط فيه الاتفاق ويكون فيه حظ للعوام أيضا بخلاف الإجماع . والأصل فى اعتبار العرف قوله تعالى: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " الأعراف:199. وقول ابن مسعود: ( ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن ، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند الله سيئ ) .

 

 

وإن كان علماء الإسلام وفقهاؤه قد أدخلوا فى دائرة الحرام أو التحريم أمورا أخرى كثيرة غير التى وردت نصا وحصرا بالتنزيل الحكيم اعتمادا على القياس أو على حجية الإجماع  ، فالقياس أداة من أدوات المنطق تساعد فى التمييز بين الإستدلال الصحيح والإستدلال الفاسد ، ولكنها لاتزود الإنسان بقدرة مطلقة على التمييز بينهما . أما الإجماع وحجيته فى التحريم والتحليل ، فيجب النظر إليه على أنه اتفاق جميع علماء الإسلام المجتهدين فى عصر من العصور على حكم شرعى ، ومع اختلاف العصر والظروف والأعراف قد يتغير هذا الإجماع وتسقط حجيته .. أما التحريم والتحليل استنادا على حديث جمعه البخارى أو مسلم أو غيره بعد أن وضعوا أصولا لما يسمى بعلم الحديث .. فقد جاء الإمام أبو حامد محمد الغزالى بعد البخارى بأكثر من مائتى عام ، وهو فقيه وفيلسوف وصوفى ومصلح دينى واجتماعى ، وصاحب رسالة روحية كان لها أثرها فى الحياة الإسلامية . قال هذا الإمام الفاضل فى آخر رسالة : "قانون التأويل" : " واعلم أن بضاعتى فى علم الحديث مزجاة " .. ومزجاة فى لسان العرب تعنى قليلة فيها إغماض لم يتم صلاحها – أى قابلة للإجتهاد والتصحيح . ومثل تلك الكلمة المملوءة بالتواضع لايقولها هذا الإمام العظيم حجة الإسلام لولا ماكان عليه من السلوك السَّـنِى والخلق السٌّـنى .

 

وفى شأن الحلال والحرام فالقرآن الكريم حجة على الجميع ، وبعضه يفسر بعضا ، وإذا بدأ المسلم المجتهد بتقوى الله ومراجعة صحيح السنة والمأثور عن السابقين ، ثم اجتهد وتوكل على الله وأعلن رأيه ، واضعا فى الإعتبار أن الله لم يعط الحق لأحد من البشر فى وضع حدود ثابتة إلى أن تقوم الساعة ، حيث سميت الحدود بحدود الله لقوله تعالى  : " ومن يعصى الله ورسوله ويتعد حدوده " -النساء41- ، والهاء فى كلمة حدوده تعود على الله وحده .. إذا فعل الإنسان المسلم ذلك فقد أنعم الله عليه وأراد به خيرا  . وقد تمت ثوابت العقيدة الإسلامية بتمام التنزيل الحكيم على رسول الله لقوله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم " (المائدة 3) . ونعلم أن القرآن الكريم لم ينزل للمتخصصين بل نزل للعالمين ، وأن التخصص فى علوم الدين (عقيدة وشريعة)  فى زمننا مثله للأسف مثل أى تخصص آخر ، يسعى إليه البعض بغرض الحصول على فرصة عمل فى زمن عزت فيه فرص العمل . وإذا رجعنا لزمن الأوائل قبل الخلافة الأموية لانجد أحدا يرتزق من أمور الدين كمهنة ، وأن "ابن عباس" مثلا وهو حجة فى التفسير فى زمانه لم يدرس الدين فى معهد ، ولم يكن يملك من المؤهلات إلا الفطرة السليمة ، والله يقول : "يؤتى الحكمة من يشاء" ..

 

 فلايجب أن نصنع مقامات ومزارات مقدسة للفقهاء  أو مدعى الفقه بأجر  ، لأن ذلك يمثل نوعا من الإنزلاق والتحول الخطير من الأصيل إلى الوكيل ، ولم يجعل الله وكلاءً  عنه فى الأرض يتحدثون أو يأمرون بإسمه . والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام لم يدعى يوما تلك الوكالة لنفسه ، " وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ " - آل عمران 144 ، " وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ " – النور 54 . وفى هذا الشأن يجب علينا أن نفهم سنة رسول الله على كثرتها وكثرة مسائلها فى حدود كونها بيانا وتبيينا  لبعض ماجاء إجمالا من الأمور فى القرآن الكريم ، مثل الصلاة والزكاة والحج والجهاد وأشباه ذلك فيما لم يأتى بيان تفصيل أحكامه فى التنزيل الحكيم ..

 

وقد ذهب بعض علماء السلف إلى القول بأن "السنة" بطبيعتها ومعناها هى فعلية فقط ، وأن الزعم بأن السنة قولية يخالف طبيعة الكلمة ، فلا تكون السنة قولية والأصل فيها هى الطريقة والأفعال والقدوة والسيرة وهى بطبيعتها عملية وفعلية ، وبالتالى فيجب أن نفصل بين السنة والحديث . وهذا الفصل لم يكن خافيا على بعض المحققين من السلف .... إلا أن الفهم العام السطحى لبعض علماء السلف اكتسح هذا الفصل لأسباب أغلبها ذاتية مفتعلة وبعضها سياسية وخاصة مع بداية الدولة الأموية ، فجعلوا السنة فى الدرجة الأولى "حديثا " يُروى ويُنسب إلى النبى (ص) ، وانضم إليها فى مرحلة لاحقة أحاديث تُروى عن الصحابة وأقوال التابعين ...

 

 وقد قال أبو بكر الصديق رضى الله عنه عندما بدأت تتضخم ظاهرة نقل وترديد أحاديث النبى (ص) بعد وفاته وكأنها مرجعا آخرا بجوار القرآن الكريم : " إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله ، وحرموا حرامه " . وكانت السنة بدءً من الرسول نفسه ومرورا بأبى بكر الصديق وعمر وعثمان وعلى وعائشة هى العمل على كبح جماح ظاهرة رواية الأحاديث ، ولكن الأسباب الذاتية والسياسية دفعت بالحديث بعد ذلك إلى الصدارة . ولايعنى ذلك تقليل أهمية الحديث ، فالمتواتر منه يجب أن يمثل ركنا هاما من أركان الهداية إلى صحيح العقيدة والشريعة ، وهو الحديث المتصل السند الذى رواه عدد كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب . ونعلم أن الحديث قد تأسس على أصول وقواعد ، يُعرف بها أحوال السند والمتن من حيث القبول والرد ، وتمييز الصحيح من السقيم منه . ولكن الوقوف عند حد اجتهادات أسلافنا فى هذا العلم مثل البخارى رحمه الله على مكانته العظيمة كعالم وفقيه إسلامى ، هو جمود وتخلف لايرضاه البخارى نفسه لنا وللإسلام .

 

والسنة لايختلف فى معناها ومقاصدها أصحاب الفهم والمنطق البسيط ، ويتضح معناها أكثر فى قول رسول الله : "صلوا كما رأيتمونى أصلى " ، والصلاة هنا فعل تم ويتم عن طريق التعليم  والنقل بالإتباع والمحاكاة والتقليد . والنبى (ص) كان فى بيته وفيما بينه وبين نفسه يصلى صلاة طويلة مستغرقة ، وهو أمر ليس للناس صلة به ، ولقد وصل الضيق بأم سلمى رضى الله عنها بالذين كانوا يسألونها عن صلاة رسول الله فى بيته فتقول لهم : " مالكم ولصلاته وقراءته " ....

 

مؤدى ماسبق أنه لايجب أن نعبد نصا تحدث به إنسان أو تم نقله من إنسان لآخر ، وإلا فسوف نجعل من  نصوص البشر أوثانا .. ومناقشة النص واستجلاء حكمته ومدى ملاءمته لأحوال المسلمين ليس وقفا على البعض منا ، فإن اتفق النص مع الوحى الذى أنزله الله على رسوله ومع صحيح سنة رسول الله بالمعنى الذى أوضحناه نقبله دون أدنى نقاش ، وإن اختلف وتعارض فنرفضه دون أدنى نقاش ، وإن كان أمرا جديدا ليس له دليل بالوحى والسنة الصحيحة  فمن حقنا أن نناقشه فنقبله أو نرفضه ، لايحكمنا فى ذلك مجرد النقل أوعبادة السلف ، بل يحكمنا فى ذلك العقل ومصلحة البشر .

 

 ويجب أن لاننسى أن الدين الإسلامى دين فى غاية المرونة والإتساع  لكل أمور الدنيا فى كل زمن ومكان ، وفى هذا الشأن نذكر وعلى سبيل المثال أن سيدنا عمر ابن الخطاب رضى الله عنه المشهور بعدله وحكمته وغيرته على الإسلام قد أوقف مصرف المؤلفة قلوبهم المنصوص عليه فى القرآن الكريم لإنتفاء العلة ، وهناك من الفقهاء الأقدمين من رأى أن المصلحة هى المقصد الأسمى للشارع ويجب الأخذ بها حتى لو تعارضت مع النص .. كما نعلم أن عمر ابن الخطاب قد أوقف أيضا حد السرقة فى عام الرمادة ، وكان موفقا غاية التوفيق رغم مخالفة ذلك للنص القرآنى ذاته .. فقد كان عمر رضى الله عنه يؤمن بأن الأحكام لاتوضع عبثا أو تحكما وإنما لحكمة ، وأنه إذا انتفت الحكمة سقط الحكم ولو عادت عاد ، ولو اتبعه الفقهاء لوفروا على الفقه الإسلامى ألف عام من المماحكات .

 

ومع ظاهرة كثرة الإفتاء فى الحلال والحرام ، والإسهال الفكرى الذى أصاب الكثير من فقهاء هذه الأيام  فى أى مسألة وكل مسألة .. تذكرت كلاما لأستاذ لى منذ حوالى أربعين عاما عندما كان ينصحنا إذا ماعجزنا عن حل مسألة صعبة فى الميكانيكا ، أن نذهب إلى حديقة الأورمان القريبة من كلية الهندسة ونختار شجرة نجلس تحتها ، ونبدأ فى هرش أدمغتنا بهدوء ولانتوقف حتى نهتدى إلى حل تلك المسألة ، ولكنى لم أعد مقتنعا بموضوع هرش الدماغ خشية الصلع الفكرى .. وفضلت أن أبدأ فى تقسيم علماء الدين كمدخل لحل تلك المشكلة المطروحة بالموضوع ، فإن خاب اجتهادى فلى أجر عند الله ، وإن أصاب اجتهادى فلى  أجران :

 

ينقسم علماء الدين فى رأيى إلى قسمين رئيسيين ، قسمٌ من العلماء يصطفيه رجال السلطة والحكم ، كانت بداية ظهوره مع الدولة الأموية . والقسم الآخر يصطفيه الله تعالى وهم ورثة الأنبياء ، يقول عنهم جل شأنه : " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل العظيم " – فاطر 32- . هذا القسم من العلماء هو الباحث بحق عن الحقيقة فى معانى كتاب الله وأحكامه وعقائده لوجه الحق ومن أجل الحقيقة ذاتها ، دون أن يقتات من جهد بحثه وأبحاثه ، أو أن يطوعها إرضاء لصاحب الفضل عليه ، أو أن يوظفها تحقيقا لطموحاته ومصالحه .. وهذا القسم من العلماء رغم حبه وعشقه للحقيقة ذاتها دون التهيب من إعلانها خوفا ، أو الإستباق فى إعلانها طمعا .. قد يرتكب بعضا من السيئات فى حياته الشخصية .. فمنهم كما قال تعالى ماهو ظالم لنفسه أى تزيد سيئاته على حسناته ، ومنهم ماهو مقتصد أى تتعادل سيئاته مع حسناته ، ومنهم ماهو سابق بالخيرات أى تزيد حسناته على سيئاته .. وعلى الرغم من تفاوت الدرجات بينهم فى ميزان الحسنات والسيئات ، فإن فضل الله يشملهم جميعا ، وينتهى أمرهم جميعا إلى الجنة طبقا لنص الآية المذكورة والآيات التى تليها فى كتاب الله .. وعلماء هذا القسم هم الذين قال عنهم النبى (ص) : " من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة .." ، ثم أكد (ص) على فضل العالم منهم على العابد بقوله : " إن العلماء هم ورثة الأنبياء " ، حيث ورثوا العلم عن الأنبياء فاجتهدوا فيه لوجه الله فأصبحوا أولى الناس برحمته تعالى ومغفرته .

 

أما العلماء الذين اصطفاهم رجال السلطة والحكم .. وفى اللغة اصطفى الحاكم شخصا أى اختاره واستخلصه لنفسه بلا غيم فيه ولا كدر عليه .. ومع ظاهرة استبداد الحاكم وعدم تمكينه الشعب من أن يكون سيدا لمصلحته ، سوف يكون العالم من هذا القسم أجيرا ومستغلا ، وسوف يعمل على تسخير علمه فى خدمة رغبات الحاكم وطموحاته ، فيلوى الحقيقة عامدا ، أو يتجاهل بعضها سعيا لمرضاة الحاكم وطمعا فى ثوابه .. ونضرب هنا مثالين من أمثلة عديدة لما فعله هذا القسم من العلماء من تشويه لصحيح الدين ومن إفساد لحال الأمة ، وقد تأكدت معاناة المسلمين وتدهور أحوالهم من نتائج تسخير هذا القسم من العلماء لعلمهم خدمة للحاكم ولأطماعه وكسب تأييد العامة لنظامه بمداعبتهم باللغة وبأدوات علمهم لعواطف العامة ومشاعرهم الدينية البسيطة ، ونضرب لذلك مثالين : المثال الأول هو المؤتمر الإسلامى العالمى الذى انعقد بالقاهرة فى فندق ماريوت عام 1987 ، وحضره علماء السلطة من الدول العربية ، وبعضا من الدعاة من باقى دول العالم ، أذكر منهم أحمد ديدات من جنوب أفرقيا ومحمد هلال (شقيقى) نائبا عن الإتحاد الإسلامى فى أستراليا ، ولم يواظب على حضور إجتماعات هذا المؤتمر سوى علماء الدول العربية ، وانسحب معظم الدعاة من الدول الأخرى بحجة انعقاده فى مكان يتم فيه تداول الخمر ، وبحجة معاصرته لعرض أزياء باريسى ساخن فى نفس الفندق ، إضافة لمقاصد المؤتمر السياسية التى تكشفت لهم فى دعم بعض النظم العربية المستبدة  . وانتهى المؤتمر إلى إصدار بيان تأييد للعراق ولصدام حسين فى حربه ضد إيران ، وكانت أمريكا قد سبقت هذا المؤتمر بكثير فى دعمها للعراق بالأسلحة المتطورة لإنهاك النظام الإيرانى الجديد وإضعاف قدرته القتالية ولإنهاك العراق أيضا وإضعاف قدرته القتالية . والمثال الثانى عندما دهمت دبابات صدام حسين الكويت فى أغسطس 1990 ، فسارع علماء السلطة بالإفتاء تأييدا للإستعانة بالقوات الأمريكية بجانب قوات الدول العربية لتحرير الكويت الغلبانة ، وكان من بينهم للأسف شيخنا الفاضل الشيخ محمد متولى الشعراوى رحمه الله .. فكانت النتيجة التى مازلنا نعانى منها حتى الآن هو الإحتلال الأمريكى البغيض لكل من العراق والكويت مع الفارق فى نوع الإحتلال لكل منهما ، كما تحقق لصهاينة الأمريكان تواجدا وحشدا عسكريا بقواعدهم المنتشرة  فى كل بلاد منطقة الخليج العربى ، وأصبحت تبعية حكام العرب المرذولة لإرادة البيت الأبيض الأمريكى الصهيونى شيئا واقعا وكريها ، وضد أحلام وآمال المسلمين ومصلحة الإسلام  وكل شعوب العرب .

 

هناك نوعا آخرا ولا أقول ثالثا من العلماء ، لأن هذا النوع لايعلم أنه لايعلم ، أو قد يعلم أنه لايعلم ولكنه يكابر إرضاءً لرغباته وسعيا وراء طموحاته ، وهو نوع لم يصطفيه الله بالطبع ، كما لايمكن أن يصطفيه حاكم ، فهو الذى اصطفى نفسه بنفسه ، وجل همه هو  توظيف الإسلام لأهوائه ، فيخرج علينا بإسلام ليس من الإسلام فى شيئ ، ويسعى بغرور وجهل لتأكيد أن إسلامه هو الإسلام الحق ، وهذا النوع ينطبق عليه قول الله تعالى : " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة ، فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون" – الجاثية 23 - . 

 

وهناك نوعا رابعا يتقارب فى الشبه مع النوع الأخير وهو "المنبت" ، وقال النبى عليه أفضل الصلاة والسلام عن هذا النوع : " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لاأرضا قطع ولا ظهرا أبقى "  ، هكذا هو المنبت شخصا لم يكتمل نموه  واستعجل أمره فتعالم على نفسه وعلى الناس وأفتاهم دون حق فضللهم جميعا كما ضلل نفسه ، فلا أرضا قطع ، أى لم يصل إلى شيئ من الهدى حيث كانت غايته، ولاظهرا  أبقى ، أى أنه أنهك ظهركل وسيلة ركبها ليصل إلى مايبتغيه ، دون جدوى ..

 

والنابتة فى لسان العرب والمعجم الوسيط ، تعنى الغلام الذى جاوز حد الصغر ، ولم يكتمل نموه ، أو تنضج خبرته ومعرفته بأمور الدنيا . وأنبت الله الزرع أى أخرجه من الأرض فهو منبوت ، وليس منبتا ، فالمنبت هو الشيئ الذى غرس نفسه فى أرض غير أرضه ، أو غرسه الآخرون لأغراضهم ، وسوف يكون مصيره ذبولا بلا أزهار أو ثمار . وسوف يُنهك نفسه وينهك كل وسائله وكل من حوله بلا طائل . وفى الحديث الشريف لن يصل هذا المنبت إلى مايريده لنا عن قصد أو غير قصد من جهل وتطرف ، والتطرف يصدق على التسيب كما يصدق على الغلو والتشدد ، فكل منهما جنوحا إلى الطرف وبعدا عن الجادة والوسط .. وسوف يفشل هذا المنبت فى مسعاه ، إذا ماتمهلنا فى استيعاب ديننا ، وتمسكنا بالوسطية فى توجهاتنا ، ولم نجاوز حد الإعتدال تسيبا أو غلوا وتشددا .

 

ملاحظة : تم النشر فى منتدى أبناء مصر www.egyptsons.com تحت نفس العنوان بقاعة "لقاءات فى حب الله" بتاريخ 13/09/2006 من عدة مداخلات شاركت بها فى عدة موضوعات بقاعة لقاءات وقاعة السياسة على مدى ثلاث سنوات سابقة على التاريخ المذكور ، كماتم النشر بعد ذلك بمجلة أبناء مصر بالرابط "رأى فى الحلال والحرام وعلماء الدين" / عاطف هلال  .

____________ 

فهرست الموضوعات