فيما يلى بعض مداخلات على موضوعات مطروحة بقاعـة السياسة بمنتدى أبناء مصر

مابين عام 2003 إلى عام 2006 ....

 

 

الإختلاف سنة من سنن الكون

 

قال تعالى :  " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين"  هود 118

فى تفسيرالقرطبى

أمة واحدة على ملة الإسلام وحدها. وقال الضحاك: أهل دين واحد, أو أهل ضلالة أو أهل هدى.

وفى تفسير الطبرى

قوله تعالى : "ولا يزالون مختلفين".. اختلف أهل التأويل في الاختلاف الذي وصف الله الناس أنهم لا يزالون به ، فقال بعضهم: هو الاختلاف في الأديان..

وقال ابن كثير :

يخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو كفر كما قال تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" ، وقوله " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك" أي ولا يزال الإختلاف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم وقال عكرمة: مختلفين في الهدى. وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يسخر بعضهم بعضا.

 

أى أن الإختلاف سنة من سنن الله فى الكون وله جل شأنه حكمة فى ذلك

 

وهنا فى قاعة السياسة أعتبر أن الإختلاف فى الفكر والأسلوب حتى وإن وصل دون تفرق إلى حد الإنشقاق بين وجهات النظر التى  تمثل فى مجملها محاولات جدية لفهم ماحدث وما يحدث  على الأرض بواقعنا وما يمكن أن نفعله صوابا ،  إنما يعبر وبشكل طبيعى عن ظاهرة صحية تتميز بها المجتمعات الناهضة ، ولايجب حصاره أو مناهضته . هنا مسموح بتجريح الرأى برأى آخر دون تجاوز إلى تجريح الأشخاص ...  وعلينا أن نتفق على شيئ واحد كمواطنين فى وطن واحد  مع كل اختلافاتنا هو أن نوجه كل عداؤنا لمن يأتى من بعيد لينتهك حرماتنا ويدمر أمننا ، وأن نسعى جميعا مقاومين له بكل مانملك  لكى يرحل عنا .. ونتفق على ضرورة  أمن الناس  وأمانهم وأن نحب لهم مانحبه لأنفسنا ، كما نتفق على عدم السماح  بتزوير إرادتنا بحيث  يكون الشعب ، والشعب وحد ه هو السيد لمصلحته ..

 

الإيمان أقوى بكثير من القدر

 

الأخ الفاضل هشام نصار نقلنا إلى كلمة قالها الشيخ محمد متولى الشعراوى لحسنى مبارك فى حضرته ، وكان يجاوره فى تلك الحضرة الشيخ الفاضل محمد الغزالى (رحمهما الله) .. ولاأتذكر الآن مناسبة تلك الكلمة التى جمعته مع الشيخ محمد الغزالى فى حضرة رئيس الجمهورية الذى مازال رئيسا لتلك الجمهورية .. إلا أننى أتذكر حين بدأ الشعراوى كلمته بعبارة : " لن أختم حياتى بنفاق " ، أننى قد أحسست بأنه سوف يكون ناصحا للرئيس ولايخشى فى الحق لومة لائم .. إلا أن الشعراوى فى مجمل كلمته كان واعظا للأمة بشكل عام ، وزاد على ذلك باتهام الشعب المصرى بالسلبية ولم يوضح أسباب تلك السلبية أو كيف الخروج منها وعليها ... ثم ختم كلماته بعد ذلك بجملة لمبارك لم تعجبنى وهى : " إذا كنت قدرنا فليوفقك الله ، وإذا كنا قدرك فليُعنك على أن تتحمل " .

 

ومن المعروف أن القدر إما خير أو شر .. فهل كان دعاء الشعراوى لمبارك كان منصبا على أن مبارك كقدر هو قدر نافع لمصر ولشعب مصر ؟؟ ... وإلا فلماذا الدعاء بالتوفيق والتوفيق فى ماذا ؟؟ !! .

 

وإن كان الإيمان بضع وستون شعبة (حديث رواه أبى هريرة) ، ومن تلك الشعب "القدر خيره وشره" . كما أن من تلك الشعب أيضا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والجهاد فى نصرة الحق ... فيصبح الإيمان بمجمله وشُعبه كلها أقوى بكثير من القدر خيره وشره . والإيمان فيما قيل مشتق من الأمن .. فأين الأمن مع شرور الأقدار ، ولماذا لايقول شيوخنا أن صحيح الإيمان بالقدر خيره وشره هو بالصبر .. والصبر ليس استسلاما لشر القدر ، أو اغترارا وفرحا بخيره . 

 

والصبر كاختيار فى مسار الإنسان بين ميلاده وموته ، ليس عجزا أمام ذل ، أو ضعفا أمام مهانة ، أو استسلاما لشر أو محنة ، وليس سلوكا سلبيا متخاذلا فى مواجهة أى باطل . الصبر هو التحمل فى سبيل أداء مايجب على المرء أداؤه ابتغاء وجه الله ومرضاته .. " فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وماضعفوا ومااستكانوا والله يحب الصابرين " [ آل عمران 146] ، " إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور" [ مكررة فى سورة إبراهيم ولقمان وسبأ والشورى ، آيات أرقام 5 ، 31 ، 19 ، 33 على الترتيب]  . والصبّار فى الآيات الكريمة هو الإنسان الشديد الصبر ، والصبار نبات صحراوى عصارته شديدة المرارة ، وأوراقه عريضة ثخينة دائمة الخضرة كثيرة الماء فيها أشواك . والصُبارة بضم الصاد هى الحجارة الشديدة التماسك ، والصبرة هى مااشتد من تلك الحجارة وغلظ . وفى لغة العرب "أم صبور" هى الهضبة التى ليس لها منفذ ، ومنها المثل العربى الشهير "وقع القوم فى أم صبور" – أى فى أمر شديد  (من لسان العرب لابن منظور) .

 

 

الإيمان والإساءة للرسول الأمين

 

شدنى إلى الموضوع الذى طرحه الأخ الفاضل أحمد عبد التواب عنوانه ، لأن الفعل الإسلامى كعنوان لموضوعه لايخرج فى رأيى عن العمل الصالح الذى ربطه الله تعالى بالإيمان فى كثير من الآيات التى تبدأ بعبارة "الذين آمنوا " فى التنزيل الحكيم . ولقد أصبح الإيمان للأسف فى عصرنا مفصولا عن العمل الصالح على الرغم من ربطه بهذا الرباط الوثيق بكل عمل صالح .. حيث نجد فى التزيل الحكيم أن الذين آمنوا هم الذين يتقون الله حق تقاته ، وهم الذين يجاهدون ويقاتلون فى سبيله ، وهم الذين لايتخذون من أعداء الإسلام بطانة لهم ، ولايطيعون الذين كفروا أو يمشون فى ركابهم ، وهم الذين لايأكلون أموالهم بينهم بالباطل .. إلى آخر تلك الأعمال الصالحة .

 

لقد أصبح إيمان المسلمين أو أغلبهم مظهرا ولحية وقص شارب ، يزين كل ذلك كلاما وثرثرة ووعظا أصبح مملا من فوق المنابر .. حتى أصبح مبلغ علمنا أن مايتفوه به محترفى الوعظ والتفاتى لايخرج عن كونه تخديرا  لضمائرنا مجاملة أو تحقيقا لمصلحة الجالسين على صدورنا والحابسين لأنفاسنا بنظام الغلبة أو التوارث ، وأن مايتفوهون به بأجر من فوق تلك المنابر لم يعد أكثر من كلمات يرسلونها إرسالا ، لاتخرج من صميم قلوبهم ولاتبلغ من أفئدتهم مبلغ اليقين والإيمان .. إلى أن وصل المسلمون إلى واقعهم الحالى من التخبط المستمر والضياع والضعة والهوان .

 

وخلاصة ماينبغى قوله : هو لماذا لانستثمر رد فعل المسلمين وحماسهم ضد الإساءة الحقيرة للرسول الأمين الذى بعثه الله هدى للعالمين ، فنضغط بقوة واقتدار على تلك المنظمة الصهيونية التى تسمى بالأمم المتحدة لنستصدر قرارا رغما عنها بعدم التعرض بأى إساءة للإسلام ورسول الله الأمين ... وإن لم تستجب ننسحب منها وننكرها ، ولن نخسر بانسحابنا أكثر مما نخسره الآن أو مما سوف نخسره مع استمرار انضمامنا أعضاءا بها .. ولن يصبح فى جميع الأحوال واقعنا أسوأ مما هو عليه الآن ..

 

أما حديثنا عن الإسلام بالإعلام عن فضله للآخرين لاقيمة له فى رأيى مادمنا غير مؤثرين فى المجتمع الدولى .. وسوف يصبح حديثنا مع ضعفنا وهواننا الحالى مجرد ضجيج فى آذان أغلبهم كالطبل الأجوف . والطريق الوحيد لكى يعرف هؤلاء الآخرون ماهو الإسلام .. أوله هو أن يعمر الإيمان قلوب المسلمين ، فتصبح الصلة بين إيمانهم وتفوقهم على عجزهم صلة وثيقة ، وتصبح أعمالهم وإنجازاتهم فى مجال التوحد والقوة تحصينا لهم ولعزتهم ضد إهانة أغبياء النفس والضمير .. عند ذلك لن نلهث وراءهم لكى نعلمهم ماهو الإسلام ، بل سوف يلهثون هم وراءنا لمعرفة الإسلام كدين ودنيا .. فالقدوة الحسنة المقتدرة على مستوى الفرد أو الأمة هى خير ألف مرة من كثرة الكلام والرغى والوعظ الذى أصبح مملا ودون جدوى ..

 

الأصيل والوكيل فى القرآن والتفسير

 

سؤالك : رغم مظاهر التدين الغالبة الآن فى تلك الفترة فلا يصاحبها رقيا فى الأخلاق والسلوك ..؟ !!! .

هذه حقيقة .. وقد قالت الدكتورة بنت الشاطئ فى كتابها " هذا بلاغ للناس" الذى صدر فى نوفمبر 1970 .. أن ذلك بسبب الصدمة .. " وفى أخذة الصدمة ، أرهقتنا عقدة الشعور بالنقص التى سهر الإستعمار على ترسيخها فينا ، فتصور بعضنا ألا شفاء منها إلا بالإنسلاخ من جذور أصالتنا والإنتماء إلى الغرب المتفوق الظافر ... وفى الطرف المقابل ، كان فريق منا يتشيث بكل مخلفات الماضى ، فى رجعية ذاهلة عن سير الزمن وتحدياته ، ووجد هؤلاء وهؤلاء ، مايرهف إحساسهم بالعقدة ، فى مخدرات الغزو الفكرى " .

فما بالك الآن ياأخى مع زيادة تلك الصدمة واستفحالها مع بداية القرن الحالى ، حيث بدأت الذئاب الصهيونية والأمريكية تسرح فى حمانا بوجهها القبيح وطغيانها السفيه ، معتمدة على تفوفها التكنولوجى وأجهزة دمارها الجهنمبة .. التطرف الحاد ياأخى سوف يكون نتيجة تلك الصدمة العاتية وسوف يكون هذا التطرف فى إتجاهين متضادين تماما ، أحدهما التطرف الدينى دون استيعاب وفهم حقيقى للدين وأهدافه ، ويصبح الناس كالببغاوات ينادون دون وعى " بالعودة للدين" دون فهم صادق ومتعقل له ... والإتجاه الآخر هو الإتجاه المعاكس تماما ويمكن أن نسميه اتجاه  الرقص ونانسى عجرم واليوم خمر وغدا خمر ولايشغلنا فيه أى أمر .

 

 

سؤالك : أن التدين الآن يغلب عليه جانب الطقوس أكثر من الروح والجوهر ... ؟!! .

 

لسبب بسيط  يضاف لما سبق هو أن العاطفة المتجذرة فى قلوب المسلمين نحو القرآن الكريم وهى مازالت متجددة والحمد لله ، أصبح الجديد فيها أنها امتدت من القرآن إلى تفاسير للقرآن ، وبدأنا نصنع مقامات ومزارات مقدسة لبعض المفسرين ، وهذا يمثل نوعا من الإنزلاق والتحول الخطير من الأصيل إلى الوكيل ، وخاصة أن معظم التفاسير تمثل وجهة نظر صاحبها . وقد قال الإمام أحمد بن حنبل : " ثلاثة كتب لاأصل لها : التفسير والمغازى والملاحم " .. ويجب أن نلجأ للتفاسير بغرض الإستنارة والإسترشاد فقط لا لمجرد الإتباع دون رأى أو تدبر .. فليس كل خريجى الهندسة مهندسين ناجحين متفوقين فى مهنتهم وكذلك بالنسبة لخريجى الطب أو أى كلية أو معهد آخر . فما بالك بخريجى المعاهد والكليات الدينية بالنسبة لأمور الدين كمهنة لهم ، ونحن نعلم أن القرآن لم ينزل للمتخصصين بل نزل للعالمين ، وأن التخصص فى علوم الدين فى زمننا مثله للأسف مثل أى تخصص فى أى أمر آخر ، يتم عادة بغرض الحصول على فرصة عمل فى زمن عزت فيه فرص العمل . وإذا رجعنا لزمن الأوائل وقبل الخلافة الأموية لانجد أحدا يرتزق من أمور الدين كمهنة ، وأن "ابن عباس" مثلا وهو حجة فى التفسير فى زمانه لم يدرس الدين فى معهد ، ولم يكن يملك من المؤهلات إلا الفطرة السليمة ، والله يقول : "يؤتى الحكمة من يشاء" ..

 

ولايجب أن نقع فى مزالق المفسرين القدامى سواء منهم اللغويين أو المذهبيين من معتزلة وخوارج وصوفية ، أو الأخباريون ورواة المأثور من الإسرائيليات ... كما لايجب أن نقع فى مزالق المفسرين المعاصرين الذين يتسلطون على الجماهير بتفاسير عصرية تعمل على تخدير الشباب وإبعادهم عن مشاكل الوطن الحقيقية ، وتعمل على تأهيل ضمائرهم على مهادنة الظلم ونظم الحكم الفاسدة .. أو تعمل على جذب أسماعهم بكلام خلاب عن سبق القرآن إلى نظريات فى الرياضيات والفلك وعلوم البيولوجيا والجيولوجيا وغزو الفضاء .. وغاب عنهم أن غاية الدين عند الله هى "لاإله إلا الله" بكامل معناها ، الذى لايعنى سوى تحرير الإنسان من تأليه نفسه وتحريره من عبوديته لأهوائه وأهواء الآخرين ..... " إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء " (النساء-48) . وفاتهم أن غاية الدين التى نصل إليها بعد الإيمان الكامل بـ "لاإله إلا الله" هى مكارم الأخلاق وأن يحب المرأ لأخيه مايحبه لنفسه .. ولكن مايحدث للأسف ، هو عكس ذلك تماما ، حين يتعمد معظم أهل الفقه أو من يدعون التفقه إدخال شباب المسلمين فى متاهات الفروع المختلف عليها  ومتاهات الطقوس إشغالا لهم عن روح الدين وجوهره ..

 

 

البيعة والخلافة

 

 كلمتى لإخوتى الأفاضل زملاء هذه الصفحة هى :

 

دعونا نتفق أولا بأنه لايمكن القول أن الإسلام قد اشترط شكلا معينا للدولة ، فيمكن أن تكون ملكية أو جمهورية أو خلافة .. مع ملاحظة أنه فى حالة النظام الملكى أو الخلافة ، يستوجب الإسلام "مبايعة" كل ملك جديد أو خليفة ورث المُلك أو الخلافة ..

 

ودعونا أيضا أن لانتمسك ميلا أو تعصبا لكلمات مثل "البيعة" أو الخلافة" طالما أن هناك كلمات بديلة معاصرة تؤدى وظيفتها وتتلاءم مع أساليب العصر وأدواته ونظامه الإجتماعى .

 

وأول مبايعة تمت لحاكم فى تاريخ الإسلام ، هى التى حدثت فى دار سقيفة بنى ساعدة . وكان الأنصار يعددون أفضالهم ويؤكدون أنهم أحق من المهاجرين بالخلافة ، فقام أبو بكر الصديق رضى الله عنه وأكد على فضل الأنصار وعلى ماقدموه من خدمات للإسلام ، ذلك مع تأكيده بأن المهاجرين هم الأحق بالخلافة (أى أن هناك حزبين كبيرين بالمفهوم العصرى يتنافسان على الحكم)  .. فاقترح بعض الأنصار أن يتم تنصيب أميرين أحدهما من المهاجرين والآخر من الأنصار .. فرفض أبو بكر هذا الإقتراح وقال : لنا الإمارة ولكم الوزارة ولن نقر أمرا دون مشورتكم ورأيكم .. ثم اقترح كلا من عمر وأبى عبيدة أميرا على الناس ، بينما أثنى كلاهما على أبى بكر واعتبراه الأفضل لهذه المهمة .. وتمت البيعة بالأغلبية لأبى بكر حيث امتنع عدد من الناس عن البيعة ولم يوافق عليها عدد آخر .

 

ويمكن اختزال الفقرة السابقة فى جملة واحدة هى : أنه قد تم اختيار أول حاكم للمسلمين عن طريق الإنتخاب الحر النزيه ، وفاز فيه أبو بكر الصديق بأغلبية الأصوات . ولأن المجتمع فى ذلك الوقت كان مجتمعا قبليا ، فقد مثله فى الترشيح والإنتخاب (البيعة) رؤساء القبائل وزعماء الطوائف .. والبيعة مثلها مثل الإنتخاب هذه الأيام : هى اتفاق وعهد بين الحاكم والمحكومين ..   والفرق هو اختلاف الزمن وأدواته واختلاف النظام الإجتماعى ، حيث يسهل تنفيذ البيعة عن طريق الإنتخاب المباشر من كل أفراد المجتمع  ... وعندما فاز أبو بكر بالبيعة قام فى الناس وقال خطبته الشهيرة التى بدأها بقوله " إنى وُليت عليكم ولست بخيركم ... الخ " .

 

وتساءل أخى الفاضل محمد  : هل علينا أن نفقد الأمل فى خلافة إسلامية ؟؟

 

فكيف نشأ نظام الخلافة ؟ .. ننقل هنا بعض ماجاء عن ذلك من موسوعة المفاهيم الإسلامية :

 

قد وردت كلمة "خليفة" فى آيات عديدة من القرآن الكريم ، منها قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة" البقرة:30 ، أى قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن.

وقوله سبحانه وتعالى: "ياداود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق" ص:26 ، أى استخلفناك على الملك فى الأرض ، لأن داود -عليه السلام- كان ملكا نبيا.

 

وقد نشأ منصب الخلافة - باعتباره ضرورة فرضتها الظروف السياسية - عقب وفاة النبى صلى الله عليه وسلم وكان نتيجة للمناقشات الحرة التى جرت بين الصحابة -رضوان الله عليهم- فى "سقيفة بنى ساعدة" .

وكان اختيار لقب "خليفة" وإطلاقه على أول رئيس للدولة الإسلامية الهدف منه ، التمييز بين هذا النظام الذى أقامه المسلمون وبين أنظمة الحكم التى كانت سائدة فى العالم آنئذ، لقد كانت هذه الأنظمة تقوم على القهر والجبروت ، وتستعبد الشعوب وتستغلها وتحرمها من أبسط حقوقها، بينما جاء النظام الإسلامى ليكون جديدا فى جوهره وغاياته فهو يرفض القهر والظلم ، ويقوم على قواعد الحرية والمساواة والعدل والاعتداد برأى الأمة.

واستمر اختيار الخلفاء وفقا لهذه الشروط طوال عصر الراشدين ، ثم حدث تحول ابتداء من العصر الأموى، واعتمد نظام الغلبة والتوارث ، وبعد أن كانت الخلافة اختيارا اصبحت قهرا وإجبارا ، تقترب أو تبتعد عن قيم الإسلام ومبادئه ، وتتفق معه فى قليل أو كثير إلى أن تم إلغاؤها تماما .

 

وأقول هنا إذا كان النظام الجمهورى يحقق الغاية من نظام الخلافة الذى أقامه المسلمون طوال عصر الراشدين ، بما يعنى أنه يرفض القهر والظلم ويقوم على قواعد الحرية والعدل والإعتداد برأى الأمه ويسعى لتأكيد قيم الإسلام ومبادئه .. إذن فلا عيب إذن فى  التخلى عن لفظ "الخلافة" .. فإن أبا بكر أول خليفة  إنما خلف محمدا صلى الله عليه وسلم فى التنفيذ والتطبيق ورعاية مصلحة الأمة، وليس فى الإضافة إلى الدين أو الانتقاص منه. ونخشى إن أطلقنا هذا اللقب على حاكم من حكام زمننا الرديئ أن يعطى لنفسه الحق فى الإضافة أو الإنتقاص على رسالة الخاتم الأمين .

 

وإذاعدنا لموضوع الصفحة الرئيسى وهو الإخوان المسلمين .. فإنى أقول أنهم قوة يجب وضعها فى الإعتبار ، ولايجب تهميشها أو مصادرة حقها فى التعبير بحرية عن رأيها ، كما يجب على النظام السياسى الحاكم الإعتراف بها كجمعية أهلية على الأقل حفاظا على تماسك المجتمع واعترافا منه بحق كل إنسان فى التعبير عن رأيه بوضوح وفى وضح النهار ، كما أنه من حق كل جماعة أن تدفع بممثليها للفوز برضاء الناس وأصواتهم فى أى مؤسسة شرعية  .. وإلا سوف يُتهم النظام بتشجيع العمل فى الظلام وتغذية الساخطين المحجوزين فى دائرة الظل بأسباب التطرف والإرهاب . ..

 

 

الدولة الدينية وماذا يقصدون

 

عربة الزفة  Band Wagon وهى عربة صناعة أمريكية صهيونية ، أصبحت تجرى فى شوارع مصر على غير استحياء .. وتحمل شعارا مضللا تسير به مع ضجيج الطبل والزمر المصاحب لها ملوثا أسماع عقلاء الأمة وبسطاء الناس بها وهو : " لا للدولة الدينية " ..

 

ونتساءل فى حيرة أين هى الدولة الدينية التى يخشونها ؟ ، وماذا يخشاه راكبى عربة  الزفة واللاهثين الراقصين وراءها  وماذا يقصدون  ؟! .. هل يقصدون خشيتهم من دولة تقوم على الدين ، أم من دولة يحكمها رجال الدين ؟ .. إن كانوا يقصدون دولة يحكمها رجال الدين فسوف أقرر السير معهم فى زفتهم وألهث وراء طبلهم وزمرهم وعربتهم .. وإن كانوا يخشون حكما غامضا رهيبا كالحكم الإلهى الذى عرفته أوروبا المسيحية فى القرون الوسطى ، فأقول لهم : اتقوا الله .. إن الإسلام وهو دين الأغلبية فى مصر ليس كذلك ، فليس فى الإسلام قديسون أو بابوات يحكمون نيابة عن الله فى الأرض أو بإسم السلطة الكهنوتية ، فرجال الدين فى الإسلام ليس لهم دور خاص فى الحكم أو التشريع أو الإدارة  ، إنما هم أئمة بين يدى شريعة واضحة أقر مبادؤها دستور مصر باعتبارها المصدر الرئيسى للتشريع فى البلاد ، ويستطيع كل مسلم – إذا تعلم واجتهد – أن يعرف أحكامها ، والإسلام كما تعرفونه ونعرفه لايفرض أحكامه أو عقيدته على غير المسلمين ، وهكذا يحتضن الإسلام حياة الأمة كلها .

 

ونعلم أن النظام العالمى الجديد الذى تقوده أمريكا الصهيونية أصبح مصابا بحساسية مرضية شديدة من كلمة "الإسلام" ، وخاصة فى هذا الوقت الذى أصبحت فيه "الشرعية الدولية" لعبة فى يد هذا النظام ، ومجالا لإعمال قرارات الأمم المتحدة تتدخل تلك الصهيونية عن طريقها فى شئون الدول ، ولم تعد الشرعية شأنا خاصا مرتبطا بأعمال السيادة يحميه مبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول . فهل نجبن أو نرتد عن إسلامنا من أجل ذلك ونقرر التشعلق بعربة زفتهم واللهث وراءها ، مراعاة لحساسية هذا النظام وتجنبا لبطشه وإرهابه وغدره ..

 

كما نعلم أن بوش وهو على رأس النظام العالمى الجديد حاليا لايغفل عقيدته الصهيونية المسيحية المشوهة فى أى خطاب أو قرار يواجه به العالم وخاصة عند مواجهته لهذا الجزء العربى الضعيف المتخلف من هذا العالم  .. وإن أعلن فى الظاهر علمانيته ...

 

كما نعلم أن الدولة الصهيونية المصنوعة تقوم على التعصب والتمييز الدينى رغم علمانية دستورها ... فهى دولة لليهود ، وغير اليهود فيها هم مواطنين ورعايا دخلاء من الدرجة الثانية والثالثة والأخيرة  .. وتعطى لنفسها الحق دون سند من قانون أو شرعية فى بسط رعايتها الماجنة على أى يهودى بأى دولة أخرى ..

ونعلم أن ملكة الإنجليز أو ملك الإنجليز هو رأس الكنيسة وحامى الإيمان المسيحى ، وطقوس الكنيسة الدينية تحتل مكانا كبيرا من اهتمام الدولة ..

والهولنديون مسيحيون اشترطوا فى دستورهم أن يكون الملك بروتستانتى العقيدة ، حتى فرنسا البعيدة عن الدين فى جهازها الرسمى – قد ظاهرت النشاط التبشيرى المسيحى فى آسيا وأفريقيا وأستراليا ، وخاصة فى البلاد المستعمرة وشبه المستعمرة ...

 

فلماذا يعيبون علينا تديننا وإسلامنا .. ؟! ، وماذا يخشونه من تمسكنا بأن تقوم دولتنا على الإسلام وشريعته ونحن الغالبية فى وطننا ، وعلى رأس مانؤمن به بعد لاإله إلا الله أن لاإكراه فى الدين ...

 

 إن هذه الحملات المسعورة المدبرة ضد الإسلام وفى أرضه ،  أصبحت لاتأتى إلينا من خارجنا فقط ، بل تعتمد للأسف أيضا على صنف منا ، صنف مازال يحمل الإسلام إسما – وإن كان لايدرى عن الإسلام شيئا ، ويستمد أصول تفكيره من أعداء الإسلام بقصد أو دون قصد بدعوى استغبائية تحت شعارات ومسميات مستوردة مثل العلمانية والليبراليه والتحرر ...

 

 

الفتنة شيعة وسنة

 

الأخت الكريمة فاطمة تساءلت

 

لماذا يعمل بعض المسلمين على إخراج الشيعة من دائرة الاسلام ؟؟؟

 

والإجابة فى منتهى البساطة أنهم يعملون ذلك ليس لكونهم مسلمين أو بدافع ماوصل إليه علمهم عن الإسلام كدين أو بدافع غيرتهم على دينهم وعقيدتهم .. إنهم فئة ضلت سبيلها وتتلمذت دون أن تدرى بمدارس الفكر الصهيونى ، فتعلمت كيف توظف ماتعلمته جهلا عن الدين لتحقيق طموحاتها وأغراضها الشخصية ، هم فئة عميلة للشيطان الأمريكى تريد تخدير الشعوب المقهورة لتحويل جهاده عن وجهته الصحيحة  ضد عدو ظاهر بإرهابه الواضح إلى عدو وهمى من صنع خيال منحرف ، إنهم فئة ضلت عن مصلحتها قبل أن تضل عن سبيل الله  ..

 

إن أصحاب تلك الفئة ومن والاها يحركون الفتنة والشقاق بوسوسة من الشيطان الصهيونى فيخلطون خلطا سفيها قاذورات مصالحهم الخاصة بنقاء العقيدة الإسلامية ووضوحها ، وهم يعلمون بخبثهم أن ثمة إستعداد وجدانى عند المسلمين فى بلاد العرب المقهورة  للإستسلام بسهولة للشعارات الدينية وإن كانت مدسوسة على صحيح الدين ، وخاصة مع ظروف الفقر والقهر  والجهل والبطالة وتفكك الروابط الإجتماعية والأسرية ، فيستثمرون كل تلك الثقوب فى نسيج مجتمعاتنا لتحقيق مايتخيلونه دعما لطغيانهم وتسلطهم ورفاهيتهم ، وهم غافلون عن أن مايتخيلونه لمصلحتهم وطموحاتهم هو فيه نهايتهم الأكيدة بتعليقهم على حبل مشانق سادتهم بعد أن يتأكد سادتهم - أعداء الإسلام وأعداء كل دين - من انتهاء دورهم المرسوم لهم ... هذه الفئة الضالة ظهرت من قبل فى تاريخ الإسلام ، وكانت حربا عليه .. وللأسف نحن لانتعلم شيئا من تاريخنا  ...

 

إن تلك الفئة تستأجر أبواق الدعاية والإعلام والفضائيات لكى تلقى على حلم الوحدة الإسلامية ظلالا من الريب لنشر الفتنة وإسالة دم المسلمين بيد المسلمين نيابة عن أعداء الإسلام .. ونحن مازلنا  نعيش غفلتنا التى أرادها لنا خنازير الأرض من الصهاينة ..

 

تلك الفئة الضالة تحمل الإسلام إسما ولاتدرى عن الإسلام شيئا ، بعد أن استمدت أصول فكرها وعقيدتها من منابع صهيونية خالصة .. لقد تم تسخيرها لحساب جهات يهمها القضاء على الإسلام أينما كان ، حتى يبقى الميدان خاليا للصهيونية وللمسيحية الصهيونية ...

 

وسؤال أخير لمثيرى الفتنة بين الشيعة والسنة .. ؟ ولكل مثيرى الفتنة على أساس المذهب والعرق والدين فى بلاد العرب .. ؟؟

 

لماذا تتجه دول العرب أو ماكان يسمى بدول العرب إلى تفكك فى الكيانات والإنشطار أشطارا ضعيفة مهلهلة على أسس عرقية أو دينية أو تاريخية رغم مايجمعها من عناصر كثيرة للوحدة والتوحد فى كيانات كبيرة ؟؟

ولماذا فى المقابل تتجه الدول المتقدمة مع اختلاف لغاتها وتاريخها إلى الاندماج وإلى تكامل السيادات وتوحدها وإنشاء كيانات كبرى مثلما تم فى فى البلاد الأوروبية بالإتحاد الأوروبى الحالى ؟؟

 

وأين ماكان يسمى بالإتحاد السوفييتى ؟؟ ، وأين تلك الدولة التى كانت تسمى بيوغسلافيا ..

 

وأنظروا قليلا أيضا ماذا يحدث حاليا بالعراق الذى كان موحدا ، وماذا يحدث بالصومال والسودان وأفعانستان ولبنان .. وقبل ذلك كله ماذا حدث بفلسطين ،  وما قد يظهر من أمثلة أخرى للتفكك والضعف والضياع نشهد الآن إرهاصاتها. أنظروا وتأملوا قليلا علكم تخرجون بحكمة مفادها هو فساد وخبث النظام العالمى الجديد الذى تقوده الصهيونية الأمريكية التى لايعنيها سوى مصالحها بما يتفق مع منطق التيار الفكري البارز لممارساتها وهو منطق "الداروينية" المؤسس على قانون البقاء للأصلح وللأقوى . ويعلم حتى الغافل منا أن هذا التيار يركز على أن تكون صنيعته إسرائيل هى الأقوى ، ويكون الصهاينة هم الأقوى ، لكى يؤكد  بعد ذلك على شرعية كل تصرفاتهم غير الشرعية بالمنطقة العربية وبفلسطين ،  وتكون إسرائيل مركزا إقليميا لنشر وتدعيم قيم العولمة الصهيونية وممارساتها وإذلال العرب وتاريخ العرب ، وإن نجحت إسرائيل في ذلك فسوف يضيع ماتبقى من العرب فتاتا وأشطارا ضعيفة مهلهلة بمسلميه شيعة وسنة ، وبباقى مذاهب البعض منهم وعقيدتهم .. ..

 

 

الشيعي مسلم له أن يتزوج بأية مسلمة سنية

 

الشيعي مسلم له أن يتزوج بأية مسلمة سنية ، بهذا أفتى فضيلة الشيخ محمد رشيد رضا-رحمه الله ، وأفتى فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي

 

وأين كان علماء السنة والشيعة بالعراق ومرجعياتهم  من أربعة ملايين عراقي من المذهبين قرروا الاقتران وتكوين حياة أسرية تقوم على المودة والرحمة؟ وأين هؤلاء  الآن مما يحدث في العراق حاليا؟  .. وخاصة في أعقاب تصاعد الاقتتال الطائفي في العراق ،  حيث انتشرت حوادث الطلاق بين الأزواج المنتمين للسنة والشيعة، بدعوى أن مثل تلك الزيجات مصدر لغضب الله تعالى. فهل كان العراقيون لا يخشون ربهم حتى جاء الإحتلال الصهيونى الأمريكى فعلمهم تقوى الله وخشيته ... ؟!

للأسف الشديد ، قد أصبحنا من جهل وجهالة البعض من مرجعياتنا الدينية نفسيا وأخلاقيا ، وتأثرنا الغبى بفتاويهم متفرقين ضعفاء أما هجمات أعداء الإسلام وانتهاك الصهيونية الأمريكية لحرماتنا وتخريب حاضرنا ومستقبلنا .. ونسينا عمالة تلك المرجعيات لسادتهم أعداء الإسلام وأعداء كل دين .. ونسينا أن تلك المرجعيات قد قررت شراء الضلالة بالهدى ، بعد أن قررت توظيف الدين والمذهب لتحقيق طموحاتها الشخصية وأحلامهما الشيطانية ...

ضللنا أعداء الإسلام ، فأخذنا نضيع الوقت ونركز الجهد فيما نختلف فيه فيما بيننا سنة وشيعة ، فوجد الأعداء الكثير من الثغرات فى اختلافاتنا وشقاقتنا وتسللوا بخبث فيما بيننا فدمروا كل ماتبقى لدينا من قيم وقيمة ، وما زلنا غافلين وأغبياء نقتل بعضنا البعض ونضعف بعضنا البعض ، فنحقق الحلم الذهبى للصهيونية دون جهد أو عناء من سدنتها وخدامها فى البيت الأسود الأمريكى ..

أدعو الله أن نستيقظ من غفلتنا قبل فوات الأوان ..

 

 

الغاية من الإسلام

الأخ الفاضل وسام

 

حين نخاطب المسلمين ياأخى جاز لنا أن نقول قال الله تعالى .. أى يكون القرآن الكريم هو صوت الحق الذى نستشهد به ، والذى اختصه الله بالحفظ والخلود .. أما حين نخاطب غير المسلمين فيما نشترك فيه من أمور الدنيا فيجب علينا إخراج النص القرآنى من لغة خطابنا وحواراتنا .. ونجعل القدوة الحسنة فى سلوكنا وحوار العقل مع العقل والمصلحة مع المصلحة وحق كل منا وحريته فيما يعتقده خاصا بأمور دينه هى لغة خطابنا .. لأن القاعدة التى قام عليها الإسلام هى أنه لا إكراه فى الدين ..

 

إن الغاية من رسالة الإسلام ياأخى هى تزكية الأنفس وتطهيرها ، وتدعيم الروابط الإنسانية وإقامتها على أساس من الحب والرحمة والإخاء لمصلحة المجتمع ككل ، والإسلام دين ياأخى فى غاية المرونة والإتساع لكل أمور الدنيا ، ويجب أن تكون الفضيلة التى نتميز بها كمسلمين هى التكيف مع الظروف ومتغيراتها ، وهى فضيلة إسلامية تشمل الإستجابة العقلانية لأحوال التغير تجنبا لصدمات المستقبل فيما لايتعلق بثوابت ديننا .

 

أما بالنسبة لدعاوى فصل الدين عن السياسة ، فهى دعاوى مدسوسة بغرض الفتنة ، فالإنتماء إلى الأرض والوطن لايرتفعان كما لاينفصلان عن الإنتماء إلى عقيدة المواطن ، بما يعنى أن حقوق المواطنة أو واجباتها ليست أعلى من عقيدة المواطن أو منفصلة عنها .. فالعقيدة والمواطنة هما ضرورتان لازمتان ومتلازمتان للإرتقاء والنمو والخروج من دائرة التخلف ، ولكل مواطن حريته فيما يعتقده بشرط أن لايتعدى  على عقيدة الآخر أويسخر منها ..

 

وأنا عن نفسى كمسلم ، لا أضع مقامات أو مزارات مقدسة لبعض المفسرين لآيات الله وأحكام تنزيله الحكيم  ، ولاأتسلط برأيى هذا على أحد ... لأنى إن فعلت ووضعت قداسة خاصة لإجتهادات المفسرين فسوف أنزلق وأتحول من الأصيل إلى الوكيل ، وليس لله وكلاء عنه فى الأرض .. خاصة ونحن نرى أن معظم التفاسير تمثل وجهة نظر صاحبها ، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل : " ثلاث كتب لاأصل لها : التفسير والمغازى والملاحم " .. وإن لجأت لتفسير فإنما ألجأ  له بغرض الإستنارة والإسترشاد ، لا لكى أصنع من نصوص المفسرين أصناما أعبدها من دون الله ..

 

وأرجو أن لاننسى جميعا ياأخى وفى ختام كلامى أن سيدنا عمر ابن الخطاب رضى الله عنه المشهور بعدله وحكمته وغيرته على الإسلام قد أوقف مصرف المؤلفة قلوبهم المنصوص عليه فى القرآن الكريم لإنتفاء العلة ، وهناك من الفقهاء الأقدمين من رأى أن المصلحة هى المقصد الأسمى للشارع ويجب الأخذ بها حتى لو تعارضت مع النص .. كما نعلم أن عمر ابن الخطاب قد أوقف أيضا حد السرقة فى عام الرمادة ، وكان موفقا غاية التوفيق رغم مخالفة ذلك للنص القرآنى ذاته .. فقد كان عمر رضى الله عنه يؤمن بأن الأحكام لاتوضع عبثا أو تحكما وإنما لحكمة ، وأنه إذا انتفت الحكمة سقط الحكم ولو عادت عاد ، ولو اتبعه الفقهاء لوفروا على الفقه الإسلامى ألف عام من المماحكات .

 

بدأ الإسلام غريبا

 

لن ينتهى الإسلام أبدا  ياأخى كدين ، ونص الحديث كما جاء بصحيح مسلم والبخارى وسنن ابن ماجه كما يلى :

بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ .

 

وطوبى تعنى حياة طيبة وحسن مآب للغرباء وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْغُرَبَاءِ الْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ هَجَرُوا إِلَى اللَّهِ . قَالَ الْقَارِي : وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِهِ  صلى الله عليه وسلم ...

وفى مسند أحمد : أن النبى صلى الله عليه وسلم سُئل عن الغرباء ، فقال : الذين يحيون ماأمات الناس من سنتى .. وجاء الحديث فى سنن الترمذى بنص آخر كما يلى :

"إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي " .. وقَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ

 

وكلمة "غريبا " لاتعنى غروبا وضعفا وغيابا وأفولا  ، فإن الدين عند الله الإسلام ، ولن يكون أبدا من الآفلين ، ولن تغرب شمس الإسلام عن الكون أو تغيب ، ولن يتمكن منافق من تغييبها إظلاما وظلما لعباد الرحمن .

 

و "الغريب" فى اللغة هو الذى هجر وطنه ، وَأَصْل الْغَرِيب بلسان العرب هو الْبَعِيد مِنْ الْوَطَن ، وكان النبى وصحبه رضوان الله عليهم غرباء بمكة فى إيمانهم لكثرة الكفار حولهم وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم ، فهاجروا إلى المدينة فأصبحوا غرباء بهجرتهم لها ، ولكن ليسوا غرباء بإيمانهم عندما ناصرهم وانتصر لهم أهل المدينة ..

 

وظاهر الحديث هو أن الإسلام الصحيح بدأ فى آحاد الناس ثم انتشر بقوة إيمانهم ، وسوف يبدأ الإسلام الصحيح من جديد فى آحاد الناس أيضا وينتشر أيضا بقوة إيمانهم كما بدأ أول مرة .. وفى الحديث إشارة عَلَى أَنَّ نُصْرَة الْإِسْلَام وَالْقِيَام بِأَمْرِهِ يَصِير مُحْتَاجًا إِلَى التَّغَرُّب عَنْ الْأَوْطَان وَالصَّبْر عَلَى مَشَاقّ الْغُرْبَة كَمَا كَانَ فِي أَوَّل الْأَمْر ، وطوبى للمسلمين فى أول الإسلام الذين صبروا على الأذى وجاهدوا لنشره ونشر هداه ، وطوبى للمسلمين عن حق فى آخره لصبرهم على الدعوة للإسلام  وإلى نور الله وهداه من جديد ، ذلك عندما ضعف إيمان الناس به على كثرة الذين يحملون الإسلام إسما ولايدرون عن الإسلام شيئا  . ويؤيد هذا التفسير الْمُقَابَلَة الواضحة بنص الحديث  بِالْعَوْدِ فَإِنَّ الْعَوْد يُقَابَل بِالِابْتِدَاءِ ( غَرِيبًا ) ، ( وَسَيَعُودُ غَرِيبًا ) ، بما يعنى إشارة لظهور فئة مخلصة مؤمنة حق الإيمان بالإسلام الصحيح تتحمل مشاق الغربة والإغتراب كما حدث فى بداية الإسلام  لتمكين دين الله فى الأرض من جديد بالصبر والقدوة والموعظة الحسنة .

 

 

 

تطبيق الشريعة... بين أبي بكر وعمر

د. محمد عابد الجابرى

 

إذا نحن رجعنا إلى عهد الصحابة ونظرنا في أسلوبهم ومنهجهم في تطبيق الشريعة وجدنا أن المبدأ الأساسي، بل الوحيد، الذي كانوا يستندون إليه ويمارسونه في اجتهاداتهم كان: اعتبار المصلحة العامة، سواء تعلق الأمر بما فيه نص أو بما ليس فيه. والاختلاف بينهم إنما كان مرده تعدد وتنوع الوجوه التي تتبدى فيها المصلحة العامة. والأمثلة التالية، وهي قليل من كثير، تقدم لنا صورة واضحة عن الكيفية التي مارس بها الصحابة عملية تطبيق الشريعة، وهي كما سنرى، ممارسة اجتهادية تتخذ المصلحة مبدأ ومنطلقا، فإذا تعارضت المصلحة مع النص في حالة من الحالات وجدناهم يعتبرون المصلحة ويحكمون بما تقتضيه ويؤجلون العمل بمنطوق النص فيها. وهذا تصرف شرعي معقول لأن ما يقرره الشرع في مجال المعاملات إنما جاء لخدمة المصلحة العامة وليس من أجل شيء آخر. من ذلك مثلا:


1-  كان الرسول (ص) قد اعتمد ما نسميه اليوم بـ"اللامركزية" في علاقته بأجزاء الجزيرة العربية التي كانت قد دخلت في الإسلام كلها تقريبا قبيل وفاته. فالنواحي التي اعتنق أهلها الإسلام بالفتح مثل الحجاز ونجد كان يولي عليها عماله، وأما النواحي الأخرى فقد كان يقر عليها أمراءها ورؤساءها الذين كانوا عليها، بمجرد إعلانهم الدخول في الإسلام.

وبما أن "الزكاة" كانت هي وحدها الفريضة الإسلامية التي يمكن اتخاذها معيارا اجتماعيا وسياسيا للحكم على بقاء أولئك الرؤساء والأمراء ملتزمين بالإسلام فإن النبي (ص) اشترط عليهم دفع الزكاة له. وهكذا كانت الزكاة، في هذا السياق، رمزا للولاء السياسي، فضلا عن معناها الديني الاجتماعي. وبوصفها رمزا للولاء كان كثير من رجال القبائل يعتبرونها "إتاوة" (=ضريبة)، يدفعونها للنبي شخصيا بوصفه رئيسا يدينون له بالولاء، ولذلك امتنع كثير منهم عن دفعها لأبي بكر عندما تولى الخلافة، معللين ذلك بأنهم إنما كانوا يدفعون الزكاة للنبي (ص) وبموجب عقد أو اتفاق بينه وبينهم. وبما أن هؤلاء الممتنعين عن دفع الزكاة لأبي بكر كانوا يعلنون تمسكهم بالإسلام واستمرار اعتناقهم له، فقد كان لابد أن يكون موقفهم مثيرا للتساؤل بين الصحابة: هل يعتبرونهم "مرتدين" كباقي القبائل التي أعلنت عن ردتها وخروجها عن الإسلام بزعامة رؤسائها ومدعي النبوة فيها، أم أنه يجب اعتبار كونهم يعلنون تمسكهم بالإسلام؟


تلك كانت أولى المسائل التي واجهت الصحابة في مجال تطبيق الشريعة مباشرة بعد وفاة النبي. كان منهم من قال: لا نقاتلهم قتال الكفرة المرتدين، فهم يعلنون إسلامهم! وكان منهم من ارتأى قتالهم! وكان عمر بن الخطاب من الذين ارتأوا عدم مشروعية قتالهم، بينما كان أبو بكر يرى ضرورة قتالهم. وتذكر المصادر أنه جرى بينهما نقاش عميق في هذه المسألة. لقد اعترض عمر بن الخطاب بشدة على قتالهم، قائلا: كيف نقاتلهم وقد قال رسول الله (ص): "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم"؟ ويذكرون أن أبا بكر رد عليه قائلا: "أليس قد قال النبي (ص) بعد هذا : "إلا بحقها"، ومن حقها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة"، ثم أضاف: "والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه لرسول الله (ص) لقاتلتهم عليه". وقد فعل.


وهكذا نرى أن الصحابة وجدوا أنفسهم في هذه المسألة الخطيرة إزاء موقفين مختلفين إلى درجة التناقض، وكل منهما مبرر: موقف ينظر إلى الأمر من زاوية "الدين" وحده: فالقوم يعلنون تمسكهم بالإسلام، والنص صريح في هذه المسألة: لا يجوز قتالهم. وموقف ينظر إلى المسألة من زاوية "الدولة" وحدها: فالزكاة لم تكن مجرد فريضة دينية يمكن أن يؤتيها المرء بصرفها بنفسه لأهلها الذين نص عليهم القرآن، بل لقد كانت الزكاة فضلا عن ذلك رمزا للولاء السياسي، ولذلك كان دفعها لأبي بكر يعني استمرار الاعتراف برئيس الجماعة الإسلامية (أي بالدولة) بينما يعني منعها عدم الاعتراف.

تمسك أبو بكر برأيه وانصاع عمر لقرار الخليفة فكان قتال المرتدين بما فيهم مانعو الزكاة. وانتصر أبو بكر وأعاد للمسلمين وحدتهم وللدولة هيبتها وهيمنتها. ويبدو أن عمر بن الخطاب قد بقي طيلة خلافة أبي بكر يرى، بينه وبين نفسه، أن الصواب هو ما سبق أن ارتآه بشأن مانعي الزكاة، أي عدم وجوب قتالهم. ولذلك بادر بمجرد ما تولى هو الخلافة، بعد وفاة أبي بكر، إلى رد الاعتبار لأولئك الذين كانوا قد مانعوا في دفع الزكاة مع تمسكهم بالإسلام، فقرر "رد السبايا والأموال إليهم وإطلاق المحبوسين منهم والإفراج عن أسراهم".

وهكذا يكون الخليفة عمر بن الخطاب قد عاد إلى تطبيق الشريعة على الوجه الذي أداه إليه اجتهاده، حتى بعد أن كان أبو بكر قد طبقها قبله على وجه آخر في هذه المسألة. ولم ير الناس، لا الصحابة ولا غيرهم، أي حرج في هذا الاختلاف حول تطبيق الشريعة في مسألة واحدة بعينها.

لقد فهموا الأمر كما يجب أن يفهم: لقد غلَّب أبو بكر مصلحة الدولة يوم كانت الدولة مهددة فقاتل مانعي الزكاة. أما عمر بن الخطاب الذي تولى الخلافة، والدولة وطيدة الأركان، فقد ارتأى أنه من المصلحة رد الاعتبار إليهم وطي الصفحة طيا، وذلك وفاقا مع "الدين"، أي نص حديث الرسول الذي استشهد به.

وهكذا نرى أن تطبيق الشريعة هنا قد دار مع المصلحة. وهذا لا يعني أن الشريعة يجب أن تتغير بتغير المصالح، كلا. الشريعة ثابتة ومطلقة لأنها إلهية، ولكن بما أن قصد الشارع هو جلب المنافع ودرء المضار، وبما أن المنافع والمضار أمور نسبية تتغير بتغير الظروف والأحوال فإن "التطبيق" وحده هو الذي يجب أن يتغير بتغير المصالح، فالأمر إذن لا يعني "تعطيل" النص، بل يعني فقط تأجيله بالتماس وجه آخر في فهمه وتأويله.


2-  ومن التدابير التي اتخذها عمر بن الخطاب وغلب فيها وجه المصلحة على منطوق النص قراره بعدم توزيع أرض سواد العراق على المقاتلين، واللجوء بدلا من ذلك إلى فرض الخراج عليها. هنا نجد عمر بن الخطاب مرة أخرى يعطي الأولوية للمصلحة على النص، أعني لمصلحة المسلمين في المستقبل على مصالح بعضهم في الحاضر. لقد نص القرآن بصريح العبارة على أن الغنائم تقسم على الجند الفاتحين، سواء في ذلك الغنائم المنقولة أو غير المنقولة كالأرض وغيرها.

وعندما فتح المسلمون العراق وأراضيه الخصبة (=السواد) حصل نقاش بين الصحابة في شأنها. لقد ارتأى فريق منهم تطبيق الشريعة فيها بالعمل بنص القرآن وذلك يقتضي توزيعها بين المقاتلين. غير أن عمر بن الخطاب قد استحضر مصلحة المستقبل والأجيال القادمة فاعترض على ذلك الرأي متسائلا: «فكيف بمن يأتي من المسلمين فيجدون الأرض بعلوجها قد اقتسمت وورثت عن الآباء وحيزت؟ ما هذا برأي. فقال له عبد الرحمن بن عوف: فما الرأي؟ ما الأرض والعلوج إلا ما أفاء الله عليهم (على المقاتلين)؟ فقال عمر: "ما هو إلا كما تقول، ولست أرى ذلك" (بمعنى أن ما تقوله أنت هو ما ينص عليه القرآن، ولكني أنا كراع للمصلحة لا أرى ذلك). وأضاف:

 "والله لا يفتح بعدي بلد فيكون فيه كبير نيل، بل عسى أن يكون كَلاًّ على المسلمين. فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها، وأرض الشام بعلوجها، فما يسد به الثغور؟ وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أهل الشام والعراق؟"(أي من أين لنا بالمال الضروري للدفاع عن الحدود وإعالة الأطفال اليتامى والأرامل وغيرهم الخ).


واشتد النقاش بين عمر من جهة والمطالبين بالقسمة من أصحاب الحق من الجند من جهة أخرى، فاستشار عمر الصحابة، وكان مما قاله لهم: "وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم الخراج" مبينا وجه المصلحة كما رآه فقال: "أرأيتم هذه الثغور لابد لها من رجال يلزمونها؟ أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر لابد لها من أن تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال وتجرى عليهم مما يتقوتون به، وإلا رجع أهل الكفر إلى مدنهم. فقالوا، أي الصحابة الذين استشارهم: بَانَ الأمر، فأْمر بوضع الخراج".


3-  من المعلوم أن القرآن الكريم ذكر "المؤلفة قلوبهم" (التوبة 60) من بين مستحقي الزكاة. وكان الرسول (ص) يعطي بعض كبار قريش وأغنيائها ممن أسلموا حديثا، بل وحتى ممن كانوا لم يعتنقوا الإسلام بعد، وذلك استمالة لهم. وقد ذكر أنه قال : "إني لأن أعطي الرجل وغيره أحب إلي تأليفا لقلبه". ولما تولى أبو بكر الخلافة سار في هذا الموضوع سيرة النبي واستجاب لطلب رجلين من "المؤلفة قلوبهم" بأن يقطعهما أرضا. ولما علم عمر بذلك ثارت ثائرته وقال لهما : "إن رسول الله (ص) كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وأن الله قد أغنى الإسلام، اذهبا فاجهدا جهدكما، لا يرعى الله عليكما إن رعيتما".

وواضح من هذا أن أبا بكر كان قد سار في تطبيق الشريعة على هذه النازلة وفق ما ينص عليه القرآن وعلى ما كان يفعل النبي، ولكن عمر رأى أن المصلحة التي كانت في إعطاء المؤلفة قلوبهم لم تعد قائمة إذ صار الإسلام قويا في غير حاجة إلى تأليف قلب أحد. ولا ينبغي أن يفهم من هذا أن عمر قد عطل النص - بل يجب النظر إلى عمله لهذه المسألة على أنه رجع إلى اعتبار ما يمكن وصفه بـ "المصلحة الأصل" في الزكاة، وهي التخفيف من حاجة الفقراء والمساكين، وأهمل "المصلحة الفرع" أعني استمالة "المؤلفة قلوبهم"، وهي مصلحة كانت مؤقتة ولم تعد قائمة .

 

علوم البلاغة وعلوم الدين

 

أخى العزيز الفاضل / فاضل

 

عادة أقول الرأى ولاأحاصر به الآخر إلزاما حتى يقتنع به أو يرحل .. فقد يكون الرأى الآخر هو الأصوب فأقتنع به ... وكما تعلم .. فليست علوم البلاغة وعلوم الدين مهنتى  ولكنى أتعامل مع تلك العلوم بلغة القلب والمشاعر وكثرة الإطلاع والتدبر ، وصدق الله العظيم حين قال : "يوم لاينفع مال ولابنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم " ..

 

وفى حديث جبريل المتفق على صحته ، حيث سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الإيمان ، فأجاب بقوله : " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره "

 

ويتفاوت البلغاء فى تعابيرهم وثقافتهم وقوة خيالهم ونفاذ فكرهم تفاوتا كبيرا فى التعبير عن شرور القدر وماأصابهم منها .. ولايقلل ذلك من إيمانهم بالقدر خيره وشره .

 

والأدب شعرا أو نثرا هو فى المقام الأول لغة قلوب ومشاعر .. وعلى ذلك أقول لمن يتهم أديبا بالشطط ، كما قال رسول الله لأسامة عندما قتل شخصا قال "لاإله إلا الله" ظنا منه أنه قالها فرارا من الموت : هلا شققت عن قلبه ..

 

والبلاغة كما نعلم تتفرع إلى عدة علوم منها علم المعانى أو التراكيب ، وعلم البيان من تشبيه ومجاز وكناية وتورية ، وعلم البديع بمحسناته المعنوية واللفظية إن برئت من التكلف ..

 

والتورية – اصطلاحا – أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد .. وكأن المعنى القريب ساتر للمعنى البعيد المراد .. وذلك على سبيل شحذ الخيال وإثارة التأمل .. والتورية إن جاءت تلقائية دون تكلف تثير التدبر والتأمل وتدل على الذكاء وامتلاك ناصية اللغة .. وعلى القارئ أن يرتفع إلى نفس المستوى قبل أن يسارع باتهام الأديب بالشطط ..

 

وعن نفسى .. فقد تخليت منذ زمن من جعل نصوص البشر أوثانا أركع لها .. ولاألزم إنسانا غيرى بذلك .. فكون الإنسان بشرا مهما علا قدره فقد يخطئ وقد يصيب ..  أما ثوابت الدين وأحكام الله وأمور الغيب فنأخذها كما هى دون اجتهاد .. لأنها تشكل عقيدة المسلم .. والعقيدة ومنها "أعتقد"  (كما قلت فى أكثر من موضوع ومشاركة على صفحات أبناء مصر ) لاتعنى سوى أننى أؤكد من الأمر أكثر مما أعرف عنه .. ومن هنا يجب الفصل بين أمور العقيدة وأمور المعرفة .

 

لك خالص تمنياتى أيها الأخ الفاضل

 

 

قول فى السنة والحديث

 

الأخ الفاضل wi_sam83

 رغم اعتقادى بوضوح ماقلته سابقا على إيجازه ، إلا أننى سوف أحاول هنا قدر ماتسمح به ظروف الكتابة فى المنتديات أن أزيده وضوحا بإذن الله .. فأقول :

 

أنه لاينبغى أن يتم تقسيم السنة إلى سنة فعلية (عملية) وسنة قولية ، لأن السنة بطبيعتها فعلية فقط ، وأن الزعم بأن السنة قولية يخالف طبيعة الكلمة ، فلا تكون السنة قولية والأصل فيها هى الطريقة والأفعال والقدوة والسيرة وهى بطبيعتها عملية وفعلية ، وبالتالى فيجب أن نفصل بين السنة والحديث . وهذا الفصل لم يكن خافيا على بعض المحققين من السلف .... إلا أن الفهم العام السطحى لبعضهم اكتسح هذا الفصل لأسباب أغلبها ذاتية مفتعلة وبعضها سياسية وخاصة مع بداية الدولة الأموية ، فجعلوا السنة فى الدرجة الأولى "حديثا " يُروى ويُنسب إلى النبى (ص) ، وانضم إليها فى مرحلة لاحقة أحاديث تُروى عن الصحابة وأقوال التابعين ...

 

ونحن لانقلل من شأن أحد من السلف ، ولكنى أتفق مع قول قاله أبو بكر الصديق رضى الله عنه عندما بدأت تتضخم ظاهرة نقل وتريد أحاديث النبى (ص) بعد وفاته وكأنها مرجعا آخرا بجوار القرآن الكريم فقال رضى الله عنه : " إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله ، وحرموا حرامه " . وكانت السنة بدءً من الرسول نفسه ومرورا بأبى بكر الصديق وعمر وعثمان وعلى وعائشة هى العمل على كبح جماح ظاهرة رواية الأحاديث ، ولكن لأسباب ذاتية وسياسية  دفعت بالحديث بعد ذلك إلى الصدارة .

والسنة ياأخى لايختلف فى معناها ومقاصدها أصحاب الفهم والمنطق البسيط ، ويتضح معناها أكثر فى قول رسول الله : "صلوا كما رأيتمونى أصلى " ، والصلاة هنا بأحكامها هى فعل أداه الرسول الأمين أمام الناس وطلب منهم أداؤه بنفس الطريقة ، وتوالى الأداء بعد ذلك عن طريق المحاكاة والتقليد . والنبى (ص) كان فى بيته وفيما بينه وبين نفسه يصلى صلاة طويلة مستغرقة ، وهو أمر ليس للناس صلة به ، ولقد وصل الضيق بأم سلمى رضى الله عنها بالذين كانوا يسألونها عن صلاة رسول الله فى بيته فتقول لهم : " مالكم ولصلاته وقراءته " ....

يجب ياأخى أن لانعبد نصا تحدث به إنسان ، وإلا فسوف نجعل نصوص البشر أوثانا .. ومناقشة النص واستجلاء حكمته ومدى ملاءمته لأحوال المسلمين ليست وقفا على البعض منا ، فإن اتفق النص مع الوحى الذى أنزله الله على رسوله ومع صحيح السنة بالمعنى الذى أوضحته من قبل  نقبله دون أدنى نقاش ، وإن اختلف وتعارض نرفضه دون أدنى نقاش ، وإن كان أمرا جديدا ليس له دليل بالوحى والسنة فمن حقنا أن نناقشه فنقبله أو نرفضه ، لايحكمنا فى ذلك مجرد النقل أوعبادة السلف ، بل يحكمنا فى ذلك العقل ومصلحة البشر . هذا قولى والله أعلم

 

إننى أحترم البخارى ياأخى على جهده واجتهاده ، فالبخارى الذى وُلد فى الثالث عشر من شوال سنة 194 هـ ، أى بعد وفاة رسول الله بأكثر من مائة وثمانين عاما ، كان عالما فى علم الحديث ولاجدال فى ذلك ، وهو الواضع الحقيقى لهذا العلم وأصوله ، أخرج كتابه "الجامع الصحيح" فى ستة عشر سنة مشتملا على نحو عشرة آلاف حديث ، اعتقد أنها صحيحة من نحو ستمائة ألف حديث باتصال سندها من الراوى إلى النبى (ص) ، وأن الراوى فى عقيدته كان عدلا منضبطا .. والعقيدة ياأخى هى من اليقينيات المعنوية الشخصية البحتة ، وهى أقل درجة فى منطق العقل وعالمه من المعرفة ..فعندما أقول أنا أعتقد فى البعث والحساب وفى الجنة والنار ..... هذا يعنى أننى أؤكد من أمرهم أكثر مما أعرف عنهم وذلك من باب الإيمان . وطالما أن "الحديث" أصبح علما له أصوله فإنه يدخل فى باب المعرفة ويخضع لقوانينها وفلسفتها .

 

وفى عصرنا الحالى .. نحن فى حاجة إلى بخارى جديد ، أكثر معرفة من البخارى القديم ، وأقدر منه على تنقية الحديث مع توفر أدوات العصر الحالى ، فيسير على منواله فى الهدف فقط ويعمل على تنقية العشرة آلاف حديث ، الذى إعتقد البخارى القديم بوسائل عصره أنها صحيحة .

 

نحن فى حاجة إلى فقه جديد ، وليس إلى تطوير أو تجديد لفقه فقهاء التقليد وكهنة النص .. فقه يتوخى الحقيقة والحكمة لوجه الله ، ويبعد كل البعد عن مزالق أدعياء التنوير .. وأعتقد أن الله قد اصطفى نفرا من عباده المخلصين بدأوا السير فى هذا الطريق منذ حوالى ستة سنوات لإخراج هذا الفقه إلى النور لمرضاة الله ومنفعة عباده .. وأدعو لهم أن يجزيهم الله خيرا بما يجتهدون وأن يوفقهم فى سعيهم هذا وأن يؤيدهم بهداه ، ومن اتبع هداه فلا يضل ولايشقى .

 

 

هل يستوى الأعمى والبصير

 

" هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون "  ..( الأنعام –50)

" قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لايعلمون " ( الزمر- 9 )

صدق الله العظيم .

 

نذكر أن مريضا ذهب إلى طبيب لإستئصال لوزه الملتهبة فاستأصل الطبيب حياته كلها ، وطبيب آخر أهمل فى عمله فنسى وقفل بطن مريضه على مقص وفوطة .. ونذكر أن مهندسا منعدم الضمير غش فى نسب مكونات الخرسانة ومواصفاتها فانهارت العمارة على سكانها ، ونذكر أن محاميا اختلس بموجب التوكيلات التى معه حقوق المتقاضين .. ونذكر بصفة عامة أن الكثير من خريجى الكليات المهنية لم ينجحوا فى مهنهم أو يلتزموا بآداب تلك المهن .. فلماذا نعطى قداسة وحصانة خاصة لخريجى الكليات والمعاهد الدينية سواء فى أصول الدين أو علوم الشريعة وغيرها ، ولماذا نجعلهم أوصياء علينا فيما يفتوننا به فى أمور ديننا ودنيانا ونسلم لهم دون أدنى فكر أو مناقشة ، رغم أن الدين الإسلامى هو دين المهندس والطبيب وكثير من البشر على اختلاف درجاتهم ومهنهم ومعارفهم ، وهو فى الأصل ليس مهنة يقتات منها بعض الناس على حساب البعض الآخر .

 

أنا لاأقلل من شأن أى عالم من علماء زمننا أو فى أى زمن آخر ، كما أرفض التطاول على أى إنسان أراد أن يجتهد ويفكر ، فما بالك بعالم اتفق عليه البعض بأنه عالم من علماء المسلمين .. فالأولى أن يكون على القمة من تقديرنا واحترامنا  ورفض أى محاولة  للتطاول عليه .. ولكن أن يذهب البعض إلى حد القول بقفل باب الإجتهاد فى مجال الحديث بعد البخارى ومسلم ، والزعم  بأن أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى هو "صحيح البخارى وصحيح مسلم"  ، فهذه تزكية لاتصح فى هذا المجال ، وقول يرفضه البخارى نفسه لو كان حيا ، حيث يضع صاحب هذا القول فى مجال المقارنة اجتهادا لبشر من خلق الله مع أنزله الله على رسوله الأمين ، ووضع كتابا من تأليف إنسان واجتهاده فى ترتيب يتلو فى درجة الثقة والصحة والصدق  كتاب الله سبحانه وتعالى . 

 

البخارى الذى وُلد فى الثالث عشر من شوال سنة 194 هـ ، أى بعد وفاة رسول الله بأكثر من مائة وثمانين عاما ، لو كان حيا وسمع هذا القول عن كتابه لطلب المغفرة من الله لصاحب هذا القول .. البخارى كان عالما من علماء الحديث لاجدال فى ذلك ، وهو الواضع الحقيقى لهذا العلم وأصوله ، أخرج كتابه "الجامع الصحيح" فى ستة عشر سنة مشتملا على نحو عشرة آلاف حديث ،  اعتقد أنها صحيحة من نحو ستمائة ألف حديث باتصال سندها من الراوى إلى النبى (ص) ، وأن الراوى كان فى عقيدته عدلا ومنضبطا .. وعندما نقول أن البخارى هو الواضع الحقيقى لعلم الحديث ، وأطلقنا على مافعله لفظ "علم"  فالعلم فى أى فرع من فروع الفكر والإجتهاد البشرى لايقوم على صخر صلد ، ولايستمر جامدا ساكنا دون تغير وتطور عبر الأجيال ، وإلا انتفت عنه صفة "العلم" ، وجعلناه بذلك مساويا فى المقام والدرجة لمنزلة الوحى والتنزيل الحكيم ، وساهمنا بذلك دون أن ندرى فى تغييب عقول المسلمين وتبلدها ، وتقبلهم لبعض أحاديث ظاهرة البطلان لمجرد أن سندها قوى فى رأى البخارى أو غيره ، ونسينا بذلك أن الرواة مهما بلغت درجة تقواهم ، فهم قد يخطئون أو ينسون لأنهم بشر .. فلماذا نقفل أبواب الإجتهاد على مااجتهد فيه السلف منذ أكثر من ألف عام .. ونمارس الإرهاب على كل تقى مجتهد أنعم الله عليه بنعمة التفقه فى الدين ، لمجرد أنه يريد فتح تلك أبواب الإجتهاد ابتغاء وجه الله ومرضاته هادفا تقليب ماوراء تلك الأبواب بغرض التنقيح والتصحيح ، ووضع أصول جديدة مقبولة لعلم الحديث .

 

وجاء الإمام أبو حامد محمد الغزالى بعد البخارى بأكثر من مائتى عام ، وهو فقيه وفيلسوف وصوفى ومصلح دينى واجتماعى ، وصاحب رسالة روحية كان لها أثرها فى الحياة الإسلامية . قال هذا الإمام الفاضل فى آخر رسالة : "قانون التأويل" : " واعلم أن بضاعتى فى علم الحديث مزجاة " .. ومزجاة فى لسان العرب تعنى قليلة فيها إغماض لم يتم صلاحها – أى قابلة للإجتهاد والتصحيح . ومثل تلك الكلمة المملوءة بالتواضع لايقولها هذا الإمام العظيم حجة الإسلام لولا ماكان عليه من السلوك السَّـنِى والخلق السٌّـنى .

 

وأكاد أقسم أنه لو قدر للبخارى أن يعيش أيامنا لغضب من فقهاء هذا الزمن ، فلقد نسى هؤلاء الفقهاء أن فقهاء الشريعة الإسلامية قديما وحديثا على اختلاف مذاهبهم أخذوا بالعرف واعتبروه دليلا يبنى عليه كثيرا من الأحكام الفقهية ، وقال ابن عابدين فى منظومته فى رسم المفتى :

والعرف فى الشرع له اعتبار ** لذا عليه الحكم قد يدار

واستدل الفقهاء على حجية العرف بأدلة من القرآن الكريم كالآية "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" (199- الأعراف) ، وأن مخالفة العرف للنصوص تعالج فى ضوء عدد كبير من الإعتبارات التى تتقبلها الشريعة وأهمها المبدأ العام الذى ذكره ابن تيمية " أن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان : عبادات يصلح بها دينهم ، وعادات يحتاجون إليها فى دنياهم ... وأما العادات فهى مااعتاده الناس فى دنياهم مما يحتاجون إليه ، والأصل فيها عدم الحظر . فلا يحظر منها إلا ماحظره الله سيحانه وتعالى " . ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون أن الأصل فى العبادات التوقيف ، فلا يشرع منها إلا ماشرعه الله ، وإلا دخلنا فى معنى قوله تعالى " أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به الله "  (الشورى-21) . وأختم كلامى بقول الله تعالى : " فمن اتبع هداى فلا يضل ولايشقى" .. صدق الله العظيم .

 

 

ماآتاكم الرسول فخذوه

 

" وماآتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانتهوا " (الحشر-7)

صدق الله العظيم

 

لقد أوضحت من قبل أن الله سبحانه وتعالى منزه عن التلاعب بالألفاظ فى التنزيل الحكيم ، ولاأود أن أكرر ماسبق أن أوضحته ، كما لم يترك الله مجالا لإنسان لكى يتوسع فى مفهوم كلمة "الرسول" فقد حددها الله تعالى تحديدا قاطعا وواضحا بقوله تعالى :

 

" ياأيها الرسول بلغ ماأنزل إليك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"  (المائدة-67)

" وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ، فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين "  (التغابن-12)

"ماعلى الرسول إلا البلاغ "  (المائدة-99) .

 

وقد تكررت الآية الأخيرة فى أكثر من موضع فى القرآن الكريم ، وكأن الله يريد أن يؤكد علينا بأن لانتجاوز أو نزايد على المعنى الذى يقصده ، فالرسول مهمته التبليغ عن الله ، ولذلك لن تجد آية واحدة فى القرآن الكريم جاءت بكلمة الطاعة إلا مقترنة بالله ورسوله ، لأن طاعة الرسول فيما بلغه عن الله هى طاعة لله فى نفس الوقت . ولذلك فالطاعة وعدم المعصية جاءت فقط فى مقام الرسالة لمحمد ، " من يطع الرسول فقد أطاع الله " (النساء-80) أى فيما أنزله الله وحيا على رسوله ، ولم يقل "النبى" ، لأن محمد كرسول هو مؤتمن على تبليغ ماأوحى به الله إليه . (وأرجوا العودة إلى ماسبق وكتبته فى نفس الموضوع ) .

 

وإذا رجعنا إلى أول سورة الأحزاب نجد أن الله تعالى يخاطب محمدا بعبارة : "ياأيها النبى" ، وإذا رجعت لكل الآيات التى خاطب الله محمدا بصفة "النبى" فى التنزيل الحكيم ، فإنما يعنى ذلك للإرشاد أو التوجيه " ياأيها النبى اتق الله ولاتطع الكافرين " ، أو العتاب ، وذلك فى حالات خاصة بالنبى حصرا . ولأن سيدنا محمد "نبى بشر" ويزيد عن البشر بالوحى ، ولأن الله تعهد حفظ القرآن .. من هنا نتفهم رقابة الله الخاصة لنبيه .. فقد حوسب وعوتب من الله على أنه إمتنع عن طعام يحبه إرضاءً لأزواجه فنزل فيه قرآنا يتلى (التحريم 1) ، كما حوسب على عوارض نفسه وانفعالاته ودواخل نفسه (عبس 1،2 والأحزاب 37) .. كل ذلك ليبعث الله الطمأنينة فى نفوسنا على صحة وسلامة التبليغ عنه فى مقام الوحى .

 

وأخيرا عن الأحاديث النبوية ، أو فلنقل إرضاءً لك "السنة النبوية القولية" بمتواترها وآحادها سواء منها ما ذكر في كتب الحديث جميعاً أو ما انفرد أحد هذه الكتب بروايته، هي للاستئناس فقط. وليست أحكاما أبدية. والمعيار الوحيد للأخذ أو عدم الأخذ بأحكامها، هو اتفاقها وعدم تعارضها مع التنـزيل الحكيم والعرف الصالح  ، أو تعارضها مع التنـزيل الحكيم وماتعارف عليه الناس لمصلحتهم وصالحهم . فإن اتفقت أخذناها وإن تعارضت تركناها. ولا نقول أبداً ما قاله ابن عابدين في حاشيته: إن تعارض قول لأصحابنا مع قول القرآن في أمر، أخذنا بما يقول به أصحابنا.

 

وختاما ، لقد قلت ماعندى قى هذا الموضوع لوجه الله وسعيا للحقيقة والله أعلم ، فإن اختلفت مع أحد من الإخوة المشاركين فى هذا الموضوع فلا نتفرق بإذن الله ، ولاإله إلا الله محمد رسول الله .

 

 

عن الإصلاح والنجاة من الخسران والضياع

 

رسم الله لنا فى سورة العصر الطريق الوحيد للنجاة من الخسران والضياع فى الدنيا والآخرة .. قال تعالى : " والعصر إن الإنسان لفى خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ونواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " . ويقول الشهيد سيد قطب بكتابه (فى ظلال القرآن ) :

·   التواصى بالحق ضرورة ، فالنهوض بالحق عسير ، والمعوقات عن الحق عسيرة منها هوى النفس ، ومنطق المصلحة ، وطغيان الطغاة ، وظلم الظلمة وجور الجائرين . والتواصى تذكير وتشجيع ، وإشعار بالقربى فى الهدف والغاية ، وإشعار بالأخوة فى العبء والأمانة ، فالحق لايقوم إلا فى حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة ومتضامنة .

·   والتواصى بالصبر ضرورة لاحقة على التواصى بالحق ، فالقيام على حراسة الحق والعدل ، من أعسر مايواجه الفرد والجماعة ، ولابد من الصبر .. .. الصبر على جهاد النفس ، وجهاد الغير ، والصبر على الأذى والمشقة ، والصبر على تبجح الباطل وتفشى الفساد ، والصبر على طول الطريق وبطء المراحل وبعد النهاية .. والتواصى بالصبر يضاعف المقدرة ، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف ، ووحدة المتجه ، وتساند الجميع .. وإلا فهو الخسران والضياع فى الدنيا والآخرة .

 

قال الله تعالى : " إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم "  (الرعد-11)

أى أن الله لايغير عزا لقوم بذلة أو ذلا بعزة ، إلا أن يغير الناس من أعمالهم وواقع حياتهم .

المشكلة ياأخى هنا ، أن كثيرا من الناس لايعون أن الله تعالى يخاطب بتلك الكلمات قوما ولايخاطب بها آحاد الناس أو أفرادا منهم . وصحيح أن الفرد هو أساس الجماعة ، وأن الجماعة عشيرة أو جزء منها ، وأن القوم هم أكثر من عشيرة .. ولكن هل إذا صلح الفرد صلحت الجماعة والعشيرة والقوم .. أشك فى ذلك ، وأقول رغم  أن هناك شيئا من الحقيقة فى هذا القول ولكنه ليس هو كل الحقيقة من حيث مناقضته للخبرة وتجارب البشر والمجتمعات كمنهج للتفكير.  فهل يجدى مع انتشار الفقر والبطالة وانعدام الإختيارات والفرص التى تسمح بمعيشة محتملة Tolerable Life أن يتمكن الفرد من إصلاح نفسه أساسا ، وإن تمكن فهل يمكن أن يؤدى ذلك آليا إلى صلاح باقى أفراد المجتمع ؟ .. أشك فى ذلك لأن الفرد لايعيش منعزلا عن نظام مجتمعه ومناخه ، ويصبح من الواضح أن الأولوية هى فى إصلاح المناخ أى إصلاح نظام المجتمع . ولن يحدث ذلك إلا انطلاقا من إرادة قوم اجتمعوا على نصرة الحق والتواصى به ، وذلك يتمشى أيضا  مع المثل الشعبى : "من عاشر القوم أربعين يوم صار منهم " والأمثلة الشعبية هى خلاصة تجارب الشعوب ، فإن صلح القوم  سوف تنتشر عدوى الإصلاح لكل المجتمع وينصلح بالتالى حال الشعب المصرى . إذن المشكلة ليست أبدا على مستوى الفرد ولن تكون .. ولايجب على الفاشلين من حكامنا أو المنافقين من أتباعهم إلقاء تبعة تخلف المجتمع وفساده على الإنسان المصرى كفرد  ...

 

وتصور ياأخى أنك كفرد تعودت أن تقرأ أسقم كلام وأسخفه ، سوف تكون النتيجة أن يقل مع الوقت استهجانك إياه حتى تألفه ثم تستحسنه ثم تُعجب به ..

 

وتصور ياأخى إعلانا فى التليفزيون يتكرر ليل نهار عن الصابون مثلا  ، يؤكد أن هذا النوع من الصابون يستخدمه ملايين البشر ، ويحمى من كذا وكذا ... وتفضله النساء الجميلات الأنيقات فى فرنسا وموناكو ، مع بعض المناظر المصاحبة التى تخاطب الغرائز .. وأنا أتحدث هنا عن الصابون على سبيل المثال فقط .. إنهم يسمون ذلك فى علم المنطق مغالطات منطقية .. ولكن فلسفة المعلنين تتأسس على أن الفرد يميل بطبعه إلى الإنضمام للزفة أى زفة ، أو مايسمى فى مغالطات المنطق Band Wagon  .

 

أنا ضد اتهام الشباب كأفراد أو اتهام الشعوب كأفراد وإلقاء اللوم عليهم عن أى ضعف أو هوان أصابهم ، ولاأقول كما قال حسنى مبارك فى خطبة من خطبه " طيب أنا هجيبلهم ياكلوا منين " تعليقا على الإنفجار السكانى قى مصر ، وكأنه يصور الشعب المصرى بمجموعة من القرود محجوزة بأحد حدائق الحيوان ولاهم لها سوى اللهو والتنطيط ومعاندته فيما ينادى به من تحديد النسل .. رغم أن القرود لو انطلقت إلى بيئتها الطبيعية لعاشت حياتها الطبيعية  وتناسلت بشكل طبيعى ، ولن تعتمد  عندئذ فى تحقيق مصلحتها على كائن من غير جنسها . ولكن القرود المحجوزة لاتمتلك للأسف إرادة الإنطلاق .

 

 

 

 

فهرست الموضوعات