الإسلام قيّد حق الطاعة بالمعروف

 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ

إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59- النساء)

 

 

قال الشهيد سيد قطب "فى ظلال القرآن" أن نص الآية المذكورة يجعل من طاعة الله أصلا ، ومن طاعة الرسول كرسول لله أصلا كذلك (أى فى التبليغ عن الله سبحانه وتعالى ) – ويجعل طاعة أولى الأمر تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله ، فلا يكرر لفظ الطاعة "أطيعوا" عند ذكر أولى الأمر كما كررها عند ذكر الرسول صلّى الله عليه وسلم لأن ماعلى الرسول إلا البلاغ .. .. وطاعة أولى الأمر منكم  (أى واحد منكم ومن اختياركم) ، يقول سيد قطب أنها لاتكون إلا فى حدود المعروف الذى سوف يرد شرحه فيما بعد .

 

وبعد أن أفاض الشيخ سيد سابق فى كتابه "فقه السنة" فى عرض الأحاديث النبوية الضعيف منها وغير الضعيف التى تنص على طاعة الزوجة لزوجها إنتهى بأن حق الطاعة هذا مقيد بالمعروف  . قال تعالى " وعاشروهن بالمعروف" (النساء-19) . وقال تعالى : " ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف " (البقرة - 228) . وقال تعالى : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياءُ بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " (التوبة - 69) . وقال تعالى : " كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" (آل عمران -110) .

 

فما هى الطاعة إذن ؟  فى المعجم الوجيز  .. طاع له طوعا : أتاه طائعا سهلا ؛ والطاعة : هى التسليم والموافقة عن حب وتجاوب .. وتطوع للشيئ : زاوله اختيارا . وفى "لسان العرب" .. الطوع هو نقيض الكره ، مثل إفعل ذلك طوعا أو كرها بمعنى طائعا أو كارها . قال تعالى : " ثم استوى إلى السماء وهى دخان فقال لها وللأرض إئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " (11- فصلت) . وقال أحد الشعراء :

 

وماالحب إلا طاعة وتجاوب .. .. وإن أكثروا أوصافه والمعانيا

 

أى أن الطاعة هى نتاج الحب ، أو أن الحب نتاجه الطاعة ، والطاعة فى جميع أحوالها هى نتيجة للإيمان أو للإقتناع أو نتيجة لهما معا ، وهى اختيار لايشوبه إكراه ، وهى تسليم عن اتفاق وعن صفاء ونقاء . وعكس الطاعة هو الإنقياد قهرا وإكراها ، أو جهلا وغباءً ، أو خوفا واستعبادا .

وإن كانت طاعة الإنسان لربه هى نتيجة للإيمان والعقيدة ، والعقيدة من اليقينيات الشخصية البحتة، فإن طاعة الإنسان لإنسان آخر هى نتيجة للحب والإتفاق والإقتناع ، وطاعة المجتمع لأولى الأمر هى نتيجة للإقتناع بما يقدمه أولى الأمر للمجتمع من يقينيات منطقية وعملية يتفق عليها المجتمع ويقتنع بها لمصلحته وارتقائه وهى بالمعنى السياسى إتفاق الأغلبية  . والإسلام قد قيّد حق الطاعة فى الشأنين الأخيرين بالمعروف .

ويتعمد بعض فقهاء السلطة العبث بعقول وضمائر بسطاء القوم فى مجال وجوب طاعتهم للحاكم ومساواة تلك الطاعة بطاعة الله ورسوله ، فيقول هذا البعض :  "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر" ثم يتوقفون ولا يكملون الآية الكريمة .. وهم بهذا الشكل يتعمدون بتر كلمات الله من سياقها الخاص بالآية الكريمة ومن سياق السورة التى أتت بها ومن سياقها العام بالقرآن الكريم كله ، وذلك من أجل توظيف تلك الكلمات لطموحاتهم الدنيا وأهوائهم المرذولة ، واتخاذها دليلا فاسدا لتأكيد ولائهم المأجور للحاكم الفاسد ودعما لطغيانه وإفساده . وإذا رجعنا للآية الكريمة التى تسبقها مباشرة فى نفس السورة وهى :

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ

 

نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)

 

على ذلك تصبح طاعة المحكومين للحاكم هى حق مقيد بأداء الحاكم الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل ، وإن تنازع الطرفان فى شيئ فعليهما رده إلى الله ورسوله ، وهذا ماقال به أيضا على ابن طالب رضى الله عنه حين قال : "حق على الإمام (الحاكم) أن يحكم بما أنزل الله وأن يؤدى الأمانة وإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا " (من تفسير الطبرى للآية الكريمة) ، كما قال بذلك أيضا الكثير من أهل العلم والفقه .

 

وإن كان الله تعالى فى تنزيله الحكيم قال : " لاإكراه فى الدين .... " - آية 256 من سورة البقرة . وكلمة "الدين" فى موسوعة المفاهيم الإسلامية الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية / وزارة الأوقاف المصرية : هى من الألفاظ التى لم تخل منها لغة من اللغات بمدلولها ، لأن التدين فطرة ، وقد تعددت دلالتها بتعدد الأمم ، وإن وُجد قاسم مشترك بينها فى النهاية ، وقد عرفها العرب بمدلولات شتى ، ووردت فى القرآن الكريم بمعان متعددة ومنها "الدين" بمعنى "الطاعة" وهو أصل المعنى ... فيصبح قول الله تعالى " لاإكراه فى الدين " أن لاإكراه فى طاعة الله ، وعلى ذلك هل يصح أن يكون هناك إكراها فى طاعة أى من مخلوقات الله سبحانه وتعالى ... !!

 

ويمكن القول إجمالا أن الطاعة فى جميع أحوالها مقيدة بالمعروف . وكلمة "المعروف" التى تكرر ذكرها فى كتاب الله وأحاديث رسوله الكريم  تعنى فى المعجم الوجيز وفى موسوعة المفاهيم الإسلامية المشار إليها قبل : العرف والمعروف هو شيئ واحد وهو خلاف النكر والمنكر وضدهما ، وهو مااعتاده الناس وساروا عليه من فعل شاع بينهم ، وهو ماتعارف عليه الناس فى عاداتهم ومعاملاتهم دون تحريم لحلال أو تحليل لحرام ودون ضرر أو ضرار ، لأن الإسلام لايسمح بضرر الإنسان لآخر أو بالضرر لنفسه ، كما أنه لايسمح بمطلق الضرر حتى على الحيوانات والطبيعة  .. وفى "لسان العرب" :  هو كل ماتعرفه النفس البشرية من الخير وتبسأ له وتطمئن (أى تألف وتأنس به) ، و"المعروف" هو إسم جامع لكل ماعُرف من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان للوالدين وصلة الرحم وحسن معاملة الناس ؛ وهو كل ماندب إليه الشرع من المحسنات ونهى عنه من المقبحات ؛ وهو من الصفات الغالبة التى تعارف عليها الناس فى عاداتهم ومعاملاتهم بمعنى أنها أمر أصبح  معروفا بين الناس إذا رأوه لاينكرونه ؛ والمعروف هو أيضا النّصَفة بمعنى الرحمة والعدل ، والرحمة هنا سابقة ؛ وهو من حسن الصحبة مع الوالدين والأهل .. والمنكر ضد ذلك جميعا ، وفى الحديث الشريف :

 

"يأتى أصحاب المعروف فى الدنيا يوم القيامة فيُغفر لهم بمعروفهم "

 

عاطف هلال

 

 تم النشر بتاريخ 03/12/2003 فى منتدى أبناء مصر بالرابط :

http://www.egyptsons.com/misr/showthread.php?10925&daysprune=-1

_____________

 

From : "Ahmad Helal" ahmad_helal@hotmail.com

Subject : Re: الإسلام قيد حق الطاعة

Date : Mon, 16 Jun 2003 15:02:05 +0300

 

شكرا للأستاذ المهندس عاطف هلال على مقالته الممتازة عن معنى الطاعة والمعروف في الإسلام .

وأحب أن أضيف أن هذا المعنى تم تطبيقه عمليا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ثم في عهد خلفائه الراشدين من بعده حتى جاء معاوية بن أبي سفيان فقوضه تماما وجعل الطاعة بالإغراء أو بالإكراه وهو ما يعرف بطريقة (العصا والجزرة) أو طريقة (ذَهَبُ المُعِزِّ وسيفُه) أي أن الذي لا يمكن إغراؤه بالذهب فيمكن إخضاعه بالسيف.

ومن نماذج تطبيق هذا المفهوم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم هو أن الصحابة كانوا دائما يفرقون بين الوحي وبين الرأي فيروى أنهم كانوا يقولون له في أكثر من موقف : يا رسول الله أهو الوحي أم الرأي والمشورة؟ فإذا قال لهم هو الوحي قالوا سمعنا وأطعنا. وإذا قال لهم: إنما هو الرأي والمشورة كانوا يقولون آراءهم بكل حرية ويسمع لهم النبي ويأخذ بالرأي الأصوب والأحسن.


وهو عليه الصلاة والسلام الذي قال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)

وعندما تولى أبو بكر الصديق الخلافة قال قولته المشهورة: أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم. وهو هنا لم يقلها تواضعا أو تطوعا منه دون إلزام عليه -كما قد يظن البعض ممن يرون أن الشورى معلمة وليست ملزمة للحاكم-، ولكنه قالها التزاما منه بمنهج الإسلام الذي تعلمه من نبيه وقدوته.

ومن نفس المنطلق قال الفاروق عمر بن الخطاب عندما تولى الخلافة: ..فإن رأيتموني على الحق فأعينوني وإن رأيتم في اعوجاجا فقوموني. فقام واحد من الناس وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناك بسيوفنا!!. فماذا كان رد الفاروق عمر؟ هل أمر بنفيه وراء الشمس؟ هل حاكمه بتهمة التطاول على ذات الخليفة (وكأنها الذات الإلهية معاذ الله!).. لا ، ولكن عمر قال: الحمد لله الذي جعل في الناس من يقوّم اعوجاج عمر!!! . فهل كان هذا الرجل متطاولا على الخليفة حين قال ذلك؟ لا ولكنه كان ملتزما بمنهج الإسلام الذي تعلمه من نبيه وقدوته.

فليت حكامنا وعلماءنا وولاة أمورنا يلتزمون بمنهج الإسلام الذي تعلموه من خير الأنام عليه الصلاة والسلام .

 

 

 

From :   <mahelal@ozemail.com.au

Date :    Mon, 16 Jun 2003 23:19:20 +1000

 

Asslamu Alaikum
Excellent information from Atef and excellent comments from Ahmad.
Thank you for these important reminders about obediance.
 
Wasslam

Mohammed Helal

 

 

فهرست الموضوعات