تعالى نحب كما علمنا الله

 

 

إلتقيت بصاحبى فكان حديثنا طويلا .. سألنى : هل قرأت ما كتبه أنيس منصور عن الحب فى جريدة الأهرام الجمعة الماضية .. قال : " الحب الذى عرفته ، والحب الذى تعلمته ، والحب الذى قرأت عنه ، والحب الذى بكيت منه ، والحب الذى بكيت عليه : ليسوا جميعا شيئا واحدا " .. استطرد صاحبى : أى أن الحب فى رأيه بعد مشواره الطويل فى الفلسفة وتجارب الحياة ، يرتبط مفهومه بالمرحلة العمرية للإنسان ، وكذلك بالمواقف التى يقابلها فى حياته ، وأرى أن ماكتبته أنت عن الحب يرتبط بمرحلتك العمرية فلا تنسى أنك جاوزت الستين عاما بعامين .. !!

 

قلت لم تخطئ ياصاحبى ولم يخطئ أنيس منصور ، فقد جاوزت الستين حقا فأصبح إستيعابى لموضوع الحب أرقى وأوضح . أما الحب الذى عرفه أنيس منصور من تجاربه واختلافه عن الحب الذى تعلمه ..  ولانعرف من أى مصدر تعلمه ، واختلافه عن الحب الذى قرأه  من تجارب الآخرين وهكذا .. فهو فى رأيى مقولة شاعر. فالشعر تعبير بالكلمات فى نسق جميل عن إنفعال بمؤثر من المؤثرات ، وإن لم يقع التعبير تحت وزن من أوزانه التقليدية .. والإنسان للأسف فى موضوع الحب لايتعلم غالبا من تجارب الآخرين ويفضل الخوض فى التجربة بنفسه ، وأرى أن مقولة أنيس منصورهى إنفعال بالندم على عمره الطويل الذى مضى دون أن يربط عمره هذا  بحب صحيح كما تعلمه ، وقد ترى أنت فيها شيئا آخرا أو مخالفا لما رأيته ، فهذه طبيعة الشعر،  وقد ترك لنا أنيس منصور حرية الإختلاف فى ذلك .

قلت لصاحبى : الحب بعيدا عن إنفعالات الإنسان بمراحله العمرية المختلفة ، وبعيدا عن مؤثرات الحياة التى يتعرض لها خلال تلك المراحل .. هو فى رأيى كما وصفته من قبل فى كلماتى التى وصلتك  ، وقد استوحيتها من كتاب الله ومن إجتهادى فى فهم بعض آياته . فكتاب الله يحكم الوجود كله ولايتبدل ولايتقلب مع أهواء النفس الطارئة تقلب الشعر والشعراء مع الإنفعالات التى لاتثبت على حال . الشعر فى أعلى صوره ياصاحبى وأفضلها أخلاقيا هى أشواق إنسان تصعد من الأرض ، أما آيات الله  فهى آيات تنزلت من السماء وحيا لهداية الإنسان .

تعالى ياصاحبى نبحث فى التنزيل .. " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " [ النحل 89 ] .....نبحث عن آيات لله نهتدى بها إلى ماذا يحب الله وماذا لايحب ؟ ، فنعرف للحب معنى ثابتا ، نتخذه طريقا لنا فى دنيانا حتى نلقاه سبحانه وتعالى . وقد وردت عبارة "يحب الله" وعبارة "لايحب الله " فى آيات كثيرة من القرآن الكريم .. نعرض بعضها فيما يلى:

 

1- " الذين ينفقون فى السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين "  (آل عمران 134) .. ومجمل معنى الإحسان هو إدخال البهجة على الناس بالعمل الصالح والمعاملة الحسنة ، وفى التنزيل العزيز " إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم" .

 

2- " فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وماضعفوا ومااستكانوا والله يحب الصابرين "(آل عمران 146) .

 

3- " فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " ( آل عمران 159) .

 

4- " من أوفى بعهده واتقى إن الله يحب المتقين "   ( آل عمران 76) .

 

 

5- " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين "      ( البقرة 222) .

 

6- " وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين " ( المائدة 42) .

 

 

7- " إن الله يحب الذين يقاتلون فى سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص" (الصف 4) .

 

8- " ويسعون فى الأرض فسادا والله لايحب المفسدين" (المائدة 64) .... " وإذا تولى سعى فى الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث    والنسل والله لايحب الفساد " (البقرة 205) .

 

9- " ياأيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ماأحل لكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين "(المائدة 87) .... " وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين" (البقرة 190) .

 

10-  " وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لايحب الظالمين "   (الشورى 40) .

 

11-  " إن الله لايحب الخائنين" ( الأنفال 58) ." ولاتجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لايحب من كان خوانا أثيما " (النساء 107) -- أى لاتجادل من يخونون أنفسهم بالمعاصى فوبال خيانتهم عليهم...."إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لايحب كل خوان كفور"(الحج 38) .

 

12. " إن الله لايحب من كان مختالا كفورا " (النساء 36) ..... " ولاتصعر خدك للناس ولاتمشى فى الأرض مرحا إن الله لايحب كل مختال فخور" (لقمان 18) .

 

13. " ولاتسرفوا إنه لايحب المسرفين " ( الأنعام 141) .

 

14. " الله يعلم مايسرون ومايعلنون إنه لايحب المستكبرين " (النحل 3) .

 

15." لايحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما"(النساء 148) .

 

 

قال صاحبى : لقد دخلت ياأخى بذلك فيما يمكن أن نسميه مجازا بالحب الصوفى .. قلت : إنتظر لم يكتمل حديثى معك عن الحب فهناك حب الشهوات ، وفى اللغة إشتهى الشيئ : إشتدت رغبته فيه وإليه . والشهوة مرتبطة بالنفس البشرية .. وفى التنزيل العزيز : " لكم فيها ماتشتهى أنفسكم" (فصلت 31)  .. وكما زين لنا الله حب الشهوات ، زين لنا حبها الشيطان كذلك . وتزيين الله تعالى للأشياء لنا هو تهيئتها للإنتفاع والإستمتاع بها فى الحياة الدنيا وهى فى جميع أحوالها متعة غير دائمة (ذلك متاع الحياة الدنيا) .. أما تزيين الشيطان للأشياء هو إغراء بتجميلها وتحسينها لنا بالوسوسة والخديعة والحث على اشتهائها وأخذها من غير وجوهها .

 

وما تشتهيه النفس البشرية ، هو كل مايمكن أن تتمتع به فى الحياة الدنيا من الجنس والمال والبنين والقوة والمنعة والمجد وكافة نواحى الجمال والعزة فيها ، وعندما يكون ذلك فى حدود ماحلله الله وهو كثير ، فهى المتعة الطاهرة المباركة . أما إذا اتبع الإنسان أهواءه فى التمتع بها واشتهائها دون ضابط  ومن غير سبيلها الذى رسمه الله لنا ، فهو الإفساد والفجور، والتسليم  لسطوة الشيطان وإفساده للنفس وللمجتمع من حولنا .

 

قال تعالى : " ونفس وماسواها ، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها " (الشمس 7) . فقد خلق الله النفس البشرية سوية مستقيمة ، ثم بين لها الخير والشر بأن عرّفها طريق الفجور والتقوى . فيكون الفلاح من نصيب من زكى نفسه بطاعة الله وطهرها من الفجور والرذائل ، وتكون الخيبة فى الدنيا والآخرة لمن دس نفسه فى المعاصى . وقال أهل اللغة : دسها من التدسيس أى إخفاء الشيئ ، أى خاب من دس نفسه فى جملة الصالحين وهو ليس منهم .

 

هذا هو الحب ياصاحبى بعيدا عن أنانية الشهوة العدوانية ، وبعيدا عن إنفعالات الإنسان بمراحله العمرية وماقد يقابله فيها من مؤثرات تعبث بقلبه و تلعب على أوتار أهوائه ، هذا هو الحب كما يريد الله أن يهدينا إليه .. " وقل إن هدى الله هو الهدى" . والحب جميل كما علمنا الله ، ودواء لكل أمراض البشرية . ويحضرنى فى هذا الشأن نصا أعجبنى لعاقل ليس من ديننا ولا يتحدث لغتنا .. قال :

 

Love is a medicine for the sickness of the world ; a prescription often given , too rarely taken

KARL MENNINGER

 

وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام :

 

" لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه مايحب لنفسه " .

 

عاطف هلال 21/8/2003

 

 

فهرست الموضوعات