ربنا أفرغ علينا صبرا

 

تساءل الناس ومازالوا يتساءلون  !!  هل الإنسان ذو قدرة على إختيار أفعاله وردود أفعاله . أم أنه من وجهة نظر البعض غير قادر على الإختيار ، فهو مجبر على أفعاله ، شأنه شأن سائر الكائنات ، يخلق الله فيها الأفعال ، ولاتنسب إليها إلا مجازا .. .. كأن يقال أثمرت الشجرة ، وطلعت الشمس وغابت وهكذا .. إن كان الإنسان كذلك ، فلن يكون للعقاب والثواب فى الدنيا والآخرة معنى مفهوما بين الناس .

البعض الذى يقول بنفى الإختيار عن الإنسان ، يفهمون عبارة : " كل ميسر لما خُلق له وكُتب عليه " فهما قاصرا رغم صحتها . العبارة صحيحة فى حدود ثلاثة أشياء فقط لاخيار لأى إنسان فيها ، وفى حدود بعض تداعيات تلك الأشياء التى لاحيلة ولا خيار له فيها ، فهو ميسر لما يستطيع بصبره وسعيه كسبه منها ، وكُتب عليه مايمكن أن يخسره بسببها. وأول تلك الأشياء هى الميلاد ، فالإنسان لايختار وقتا أو مكانا لميلاده ، ولايختار أبويه ولايختار مايود كسبه من صفات منهما بالوراثة ، . وثانية تلك الأشياء هى الموت الذى لاحيلة لنا فى أمره . وثالثتهما هى  الرزق ، فمهما كان سعيه واجتهاده فى الدنيا فهو لايختار رزقه فى مساره الكادح بين ميلاده وموته ، فالله يرزق من يشاء بغير حساب ،  " وماتدرى نفس ماذا تكسب غدا وماتدرى نفس بأى أرض تموت " [ لقمان 34] .. صدق الله العظيم .

 

إذن ماهى الإختيارات المتاحة للإنسان فى مساره بين نقطتى البدء بالميلاد والإنتهاء بالموت ؟ . للرد على هذا التساؤل يجب أن نضع فى اعتبارنا : أن الخيارات المتاحة أمام البشر مختلفة ، فخيارات الغنى غير خيارات الفقير ، كما أن خيارات الحاكم غيرها للمحكوم ، وللمتعلم غيرها لغير المتعلم ، وللقوى غيرها للضعيف ، والخيارات فى مجتمع حر ديموقراطى غيرها فى مجتمع مستبد يحكمه غبى متسلط .. .. ولايبقى أمامنا بهذا الشكل إلا إختيار واحد متاح لكافة البشر مع تباين أوضاعهم واختلافاتهم ، وهو الصبر الذى تعلمناه جميعا واكتسبناه بالفطرة ، فقد علّمنا الله إياه ونحن نتشكل فى أرحام أمهاتنا ، فتساوى البشر جميعهم فى ذلك الأمر مع كثرة اختلافاتهم ... فتحملنا عند وقت الميلاد عناء الضغط بالأرحام والدفع والإختناق عند اكتمالنا   ، وخروجنا بعد ذلك من تلك الأرحام هو نوع من أنواع التعلم الغريزى للصبر والتحمل ، ثم تنفسنا للهواء الذى لاعهد لنا به ، فنشهق فى صراخ يعبر عن مشقة البداية ، والجهد العنيف الذى نبذله بعد ذلك لكى نحبوا ونمشى فنقع وننهض إلى أن تنتصب قامتنا . أليس كل ذلك وأكثر تطعيما وتأهيلا فطريا لنا جميعا ، أهّلنا له خالق الكون بجلاله وحكمته ، فتساوينا جميعا فى هذا الأمر لكيلا تكون لنا حجة بعد ذلك .. .. ثم تفترق بنا الطرق بعد ذلك وتتنوع المشاق إلى أن نلاقيه سبحانه وتعالى : "ياأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه" [ الإنشقاق 6] .. فهذا يكدح فى سبيل الله ، وهذا يتناسى ماعلمه الله إياه من صبر فيتخذ إلهه هواه ويكدح لشهوة  زينها له شيطان نفسه ورغباته الدنيا  فيضل عن سبيل الله .

 

 الصبر كاختيار فى مسار الإنسان بين ميلاده وموته ، ليس عجزا أمام ذل ، أو ضعفا أمام مهانة ، أو استسلاما لمحنة و ابتلاء ، وليس سلوكا سلبيا متخاذلا فى مواجهة أى باطل . الصبر هو التحمل فى سبيل أداء مايجب على المرء أداؤه ابتغاء وجه الله . وفى اللغة – صَبر أى تَجلّد ولم يجزع ، وصبر على الأمر احتمله . والصبور إسم من أسماء الله الحسنى ، بمعنى أن الله لايعاجل العصاة بالإنتقام ، ومعناه قريب من معنى الحليم ، والفرق بينهما أن المذنب لايأمن العقوبة فى صفة الصبور كما يأمنها فى صفة الحليم ( من لسان العرب لابن منظور ) .

 

قال تعالى : " ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا واتقوا الله لعلكم تفلحون " [ آل عمران 200] ، " فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وماضعفوا ومااستكانوا والله يحب الصابرين " [ آل عمران 146] ، " إن فى ذلك لآيات لكل صبار شكور" [مكررة فى سورة إبراهيم ولقمان وسبأ والشورى ، آيات أرقام 5 ، 31 ، 19 ، 33 على الترتيب]  . الصبّار هو الإنسان الشديد الصبر ، والصبار نبات صحراوى عصارته شديدة المرارة ، وأوراقه عريضة ثخينة دائمة الخضرة كثيرة الماء فيها أشواك . والصُبارة بضم الصاد هى الحجارة الشديدة التماسك ، والصبرة هى مااشتد من تلك الحجارة وغلظ . وفى لغة العرب "أم صبور" هى الهضبة التى ليس لها منفذ ، ومنها وقع القوم فى أم صبور – أى فى أمر شديد  (من لسان العرب لابن منظور) .

 

أرأيت الآن أن كلمة الصبر ومشتقاتها لاتعنى سوى الجلد والقوة والصلابة والجهاد . " ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" [البقرة 250] ، " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين " [محمد 31] .. أى أن الله تعالى جعل الدنيا فى مسارها بين ميلاد الإنسان وموته دارا للإمتحان والإبتلاء لكى يعلم المجاهدين منا والصابرين ، والجهاد صبر ، والصبر جهاد .

فما هو جزاء الصابرين ؟ . قال تعالى : " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " [الزمر 10] ؛ " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" [الرعد 24] ؛  " أولئك يلقون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما " [الفرقان 75] .. صدق الله العظيم .

 

وقد رسم الله لنا فى سورة العصر الطريق الوحيد للنجاة من الخسران والضياع فى الدنيا والآخرة .. قال تعالى : " والعصر إن الإنسان لفى خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " . يقول الشهيد سيد قطب بكتابه (فى ظلال القرآن ) :

 

·   التواصى بالحق ضرورة ، فالنهوض بالحق عسير ، والمعوقات عن الحق عسيرة منها هوى النفس ، ومنطق المصلحة ، وطغيان الطغاة ، وظلم الظلمة وجور الجائرين . والتواصى تذكير وتشجيع ، وإشعار بالقربى فى الهدف والغاية ، وإشعار بالأخوة فى العبء والأمانة ، فالحق لايقوم إلا فى حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة ومتضامنة .

·   والتواصى بالصبر ضرورة ، فالقيام على حراسة الحق والعدل ، من أعسر مايواجه الفرد والجماعة ، ولابد من الصبر .. .. الصبر على جهاد النفس ، وجهاد الغير ، والصبر على الأذى والمشقة ، والصبر على تبجح الباطل وتفشى الفساد ، والصبر على طول الطريق وبطء المراحل وبعد النهاية .. والتواصى بالصبر يضاعف المقدرة ، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف ، ووحدة المتجه ، وتساند الجميع .. وإلا فهو الخسران والضياع فى الدنيا والآخرة .

 

أما عن الحب بمعناه الحقيقى فهو أسمى معانى الصبر كاختيار .  وهو غير مايقصده الكثير من الشعراء حين يخلطون  بين كلمتى الحب والهوى فى كثير من أشعارهم . فكلمة هَوى فى اللغة تعنى سقط من أعلى إلى أسفل . فهل يقصد هؤلاء الشعراء أن الحب سقوط وانحطاط !! . ومهما كان قصدهم فسوف تبقى عبارة " استهوانى فلان " لاتعنى سوى أن فلانا جعلنى أتقبل رأيه وأشتاق لمصاحبته دون أن يكون لدى الدليل على صحة سلوكى هذا واستقامته ، تماما كالذى استهوته الشياطين .

قال ابن المقفع قديما أن الهوى هو هوان سُرقت نونه فأكمل شاعر معاصر له قوله قائلا :

 

نون الهوان من الهوى مسروقة ** فإذا هويت فقد لقيت هوان

 

وقال تعالى : " واتبع هواه وكان أمره فرطا " [الكهف 28] أى كان أمره هلاكا وضياعا . إذن فالحب الحقيقى ليس هو هوى النفس الذى يقصده بعض الشعراء ومجانين النساء ، بل هو فى رأيى أسمى أنواع الصبر . فإن كان الصبر جهادا محتوما تفرضه المحنة أحيانا أو الكرامة المجروحة ، فإن الحب صبر بمعنى الجهاد عن رغبة واشتياق لمرضاة الله وسبيله ، ويمكن أن نسميه عندئذ بالصبر الجميل . قال تعالى : " فاصبر صبرا جميلا " [المعارج 5] . فالإنسان الذى يحب الحق حبا حقيقيا لايكتفى بأن لايرضى بالباطل بل يحاربه أينما كان ، والذى يحب الخير يكره الشر ويقاومه ، والذى يحب الجمال يكره القبح ويتجنبه ، والذى يحب النقاء وطهارة القلب يكره العكر فى السلوك وفساد القلوب .. .. أى أن الحب " مواجهة كبرى " كما قال الشاعر نزار قبانى (بصرف النظر عن ماقصده بهذه العبارة فى قصيدته) ، فالحب إبحار ضد تيار الباطل والشر والقبح والجهل وغباء النفس وظلمة القلب وفساد الضمير.

                                                   ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين .

عاطف هلال فى 3/5/2003

                                                                                                                                             

ملاحظة مضافة بتاريخ اليوم 4 يونيو 2011  : رغم أنه قد تم نشر الموضوع الحالى بموقعى كما هو واضح بتاريخ 2003 ، ثم أعدت نشره على صفحات منتدى أبناء مصر بتاريخ 22/5/2004 بالرابط "ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين" ، ورغم سعادتى بتكرار نقل الموضوع حرفيا بعد هذا التاريخ بعدد من المنتديات على الشبكة العنكبوتية منها منتديات سعودية ، إلا أننى أسفت لعدم أمانة الناقلين وصبرهم على أنفسهم بعدم الإشارة إلى المصدر ... !