يا أمة ضحكت ...

 

 

قالوا لأتباعهم من فقهاء الأزمنة السوداء : إذا وجدتم فى المدينة رجلا خطرا ، قرر أن يستخدم عقله ، فتكلم بغير كلامنا ، فاقضوا عليه واقتلوه ، وامحوا إسمه وأزيلوه . فإن رجلا كهذا لهو كارثة علينا ، فقد ينجح فى هدم المعجزة التى حققناها ، ألا وهى معجزة العجز وإلغاء العقول والإرادة . كما أأمركم ياأتباعى بالدعاء بطول العمر والبقاء لمن سار على نهجنا من الإمعات والتافهين ، واذكروا فى الناس أمجادنا والمعارك الكبرى التى أشعلناها ، ومنها المعركة التى أشعلناها يوما ما إنتصارا لحكمة التفاهة ، وهى معركة شوارب الرجال الكبرى ، ويكفينا فخرا أننا حركنا بها الدماء من جديد ودفعناه دفعا ساخنا فبما بين الشفاه وأنوف الرجال الأشاوس ، وجعلناهم بها يتعاركون وينشغلون . فمنهم من كان شافعيا فتعصب لحلق شواربه وشوارب أتباعه ، ومن كان مالكيا قال إن الشوارب بدعة ظهرت فى الناس ، أما أتباع أبو حنيفة فنادوا بالإحفاء أى إزالة ماطال على الشفتين من الشوارب ، وأما من كان يقف الصقر على شواربه متبخترا أعلن مختالا أن هذا عدوان على الحريات ... وأما الغلابى المساكين الذين استخدموا عقولهم لم يسعهم إلا أن يقولوا مع المتنبى :

 

أغاية الدين أن تُحفوا شواربكم ** ياأمة ضحكت من جهلها الأمم

 

وفى أيامنا تلك التى إمتلأت خزيا وعارا وهانت فيها أقدار الشعوب ، وانتهك فيها راعى البقر الأمريكى حرمات بيوتنا ، وجعل الموت يسكن ديارنا ويطارد أطفالنا .. فى تلك الأيام الأكثر بؤسا من أى أيام أخرى ، قام حكماء التفاهة بإشعال معركة وهمية هى معركة حجاب المرأة ، رغم مأساة الناس وسؤالهم عن بقايا بلاد تسمى بلاد العرب .. ومات نزار قبانى قبل أن تصله الإجابة ، ومازال شاعرنا فاروق جويدة يكافح منتظرا لها .!!.

 

أقول فى بداية الكلام ، أن النفوس السليمة تميل دائما إلى الستر والإحتشام ، كما أقول أن الحجاب الحقيقى الذى يجب أن ندعوا له ولا نمل الدعوة إليه هو الحجاب الذى يحمى شعوبنا وليس بناتنا فقط من عبث المجانين والماجنين .. وأتساءل قبل الخوض فى موضوع الحجاب : هل قطعة القماش وحدها التى تغطى الرأس والرقبة سوف تمنع المتسكعون والعابثون من التحرش ببناتنا ، وهل هى الأمان من تطاول اللاهثين وراء المتعة الحرام ..؟! .

 

تركز الخلاف فى مسألة الحجاب على تفسير ثلاث آيات من التنزيل الحكيم نتيجة لغلبة التقليد وعدم الإهتمام بدليل الآخر ، والرغبة من البعض فى الإستئثار بخزائن المعز وفضائياته وزرائب نشره .. ومن هذا المنطلق أدعو كل مسلم أن يتفقه فى دينه وخاصة فى هذا الزمن الردئ ليتجنب متاهة فتاوى المحترفين وتفاتيهم . والقرآن حجة على الجميع ، وبعضه يفسر بعضا ، وإذا بدأ المسلم بتقوى الله ومراجعة صحيح السنة والمأثور عن السابقين ، ثم اجتهد وتوكل على الله وأعلن رأيه ، واضعا فى الإعتبار أن الله لم يعط الحق لأحد من البشر فى وضع حدود ثابتة إلى أن تقوم الساعة ، حيث سميت الحدود بحدود الله لقوله تعالى  : " ومن يعصى الله ورسوله ويتعد حدوده " -النساء41- ، والهاء فى كلمة حدوده تعود على الله وحده .. إذا فعل الإنسان المسلم ذلك فقد أنعم الله عليه وأراد به خيرا .

 

وإذا رجعنا إلى الآيات الثلاثة محور خلاف المفسرين فى حجاب المرأة ، وهم آية فى سورة النور ، وآيتين فى سورة الأحزاب .. نجد أن سورة الأحزاب تبدأ بقوله تعالى : " ياأيها النبى إتق الله ولاتطع الكافرين .." ، ولأن الله تعالى منزه عن التلاعب بالألفاظ فى قرآنه ، فإنه عندما يحدد صفة سيدنا محمد بلفظ "النبى" فى بعض آياته ويخاطبه بها ، ويحدد فى آيات أخرى صفته بلفظ "الرسول" ويخاطبنا بها فهو يعنى ذلك لحكمة محددة ، وعلينا أن نفكر وأن نتدبر تلك الحكمة .. وإذا فعلنا ذلك سوف نجد أن الطاعة وعدم المعصية جاءت فقط فى مقام الرسالة لمحمد ، وذلك للتأكيد أن طاعة الرسول هى طاعة لله لقوله تعالى : " من يطع الرسول فقد أطاع الله " – النساء 80- ، ولم يقل "النبى" ، لأن محمدا كرسول هو مؤتمن على تبليغ رسالة الله طبقا لما ورد فى كثير من الآيات .. والآية الوحيدة التى جاء فيها ذكر الطاعة لأولى الأمر أتبع الله تلك الطاعة فى نفس الآية بقوله تعالى : " فإن تنازعتم فى شيئ فردوه إلى الله والرسول " – النساء 59- .. أى أن الطاعة ردها الله فى النهاية لطاعته وطاعة الرسول فى التبليغ عنه ، وقول الله تعالى : "لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة" – الأحزاب 21- يعنى أن تتخذوا الرسول قدوة فيما كان يؤديه فى مقام الرسالة مثل قوله (ص)  "صلوا كما رأيتمونى أصلى" أخرجه البخارى ، وفى الحج مثل قوله : "خذوا عنى مناسككم" أخرجه مسلم . وقد تمت رسالة الله مع تمام التنزيل الحكيم لقوله تعالى : "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " –المائدة 3- وهى آخر مانزل من القرآن الكريم .

 

ونرجع الآن إلى سورة الأحزاب مرة أخرى ، فنقول أن الله تعالى حين يخاطب سيدنا محمد بعبارة "أيها النبى" ، إنما يعنى ذلك تحديدا للإرشاد أو التوجيه أو العتاب فى حالات خاصة بالنبى حصرا ، ولأن سيدنا محمد "نبى بشر" ، ويزيد عن البشر بالوحى ، ولأن الله قد تعهد حفظ القرآن .. من هنا نتفهم رقابة الله الخاصة لنبيه .. فقد حوسب وعوتب من الله على أنه إمتنع عن طعام يحبه إرضاء لأزواجه فنزل فيه قرآنا يتلى (التحريم 1) ، كما حوسب على عوارض نفسه وانفعالاته ودواخل نفسه (عبس 1 ، 2 والأحزاب 37) .. كل ذلك ليبعث الله الطمأنينة فى نفوسنا على صحة وسلامة التبليغ عنه .

 

وإذا تأملنا الآية 33 وما قبلها فى سورة الأحزاب ، نجد أن الله يخاطب بها النبى ونساء النبى باعتبار أن نساء النبى لسن كأحد من النساء .. أما الآية 59 من سورة الأحزاب وهى : "ياأيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين .." .. هى توجيه خاص لغرض خاص فى ظروف خاصة لمجتمع معين هو مجتمع المدينة الذى هاجر إليه النبى وصحابته فى فترة بدأت فيها بروز ملامح الشخصية المسلمة فى حياة جماعة لم يتم إستقرارها بعد . والجلباب فى الآية الكريمة هو ملاءة المرأة التى تشتمل بها ، أما الإدناء فقد إختلف أهل التأويل قى صفته ، واتفق أغلبهم فقالوا : هو أن يغطين وجوههن ورءوسهن فلا يبدين إلا عينا واحدة ، أى أنه مع الإدناء يصبح لباس المرأة المقصود أكثر تشددا من نقاب المرأة المعروف هذه الأيام ، والحكمة واضحة وراء توجيه الله لنبيه فى الآية الكريمة ، وهى التمييز بين زوجاته وبناته ونساء المؤمنين وبين باقى النساء فى مجتمع المدينة ليعرف الناس أنهن من أتباع محمد فلا يتعرضن لأذى أو معاكسة من أحد .

 

أما الآية 31 من سورة النور : " قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولايبدين زينتهن إلا ماظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ...... " ، وكذلك الآية التى تسبقها : " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون " . .. يقول ابن كثير هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين . ويقول القرطبى : "وقل للمؤمنات" .. خص الله سبحانه وتعالى الإناث هنا بالخطاب على طريق التأكيد ؛ فإن قوله "قل للمؤمنين" يكفى ؛ لأنه قول عام يتناول الذكر والأنثى من المؤمنين حسب كل خطاب عام فى القرآن الكريم . وبدأ بالغض قبل الفرج لأن البصر رائد للقلب .

وفى قوله تعالى : وليضربن بخُمُرِهن على جُيُوبِهن ، يقول الطبرى: أن سبب هذه الآية أن النساء كن فى ذلك الزمان إذا غطين رءوسهن بالأخمرة وهى المقانع سدلنها من وراء الظهر ، فأمر الله تعالى بلىٍ الخمار على الجيوب لتستر المرأة صدرها ، والجيوب جمع الجيب وهو موضع القطع من القميص فى منتصفه الأعلى . وفى تفسير المنتخب : اطلب منهن يا أيها النبى أن يسترن المواضع التى تبدو من فتحات الملابس كالعنق والصدر ، وذلك بأن يسترن عليها أغطية الرأس . وفى خواطر الشيخ متولى الشعراوى : الخُمرُ جمع خِمار ، وهو غطاء الرأس ، والجيوب جمع جيب وهو الفتحة العليا للثوب ، والمراد أن يستر الخمارُ فتحة الثوب ومنطقة الصدر فلا يظهر منها شيئ ، وفى قوله تعالى "ولْيَضْربن.." فالضرب هو الوَقْع بشدة ، فليس المراد أن تضع المرأة الطرحة على رأسها وتتركها هكذا للهواء ، إنما عليها أن تُحكِمها على رأسها وصدرها وتربطها بإحكام .

 

وعبارة " أزكى لهم" فى الآية التى تخاطب "المؤمنين" تعنى خيرا لهم وأصلح ، وأصل معنى كلمة الزكاة  هو العمل الصالح لقوله تعالى : "والذين هم للزكاة فاعلون" –المؤمنين 4- أى الذين هم للعمل الصالح فاعلون ، وقوله تعالى : "خيرا منه زكاة" – الكهف 81- أى خيرا منه عملا صالحا .. ، ويستدل من ذلك أن الأعمال الواردة فى الآيتين الكريمتين هى من صالح الأعمال ، وتتدرج ترتيبا من غض البصر إلى حفظ الفرج ، وزاد الله عليها للمؤمنات مايتعلق بزينتهن وخمرهن .. الخ ، لتعلق ذلك بأمور خاصة بهن مناسبا لتكوينهن الأنثوى .

 

ولأن الخطاب موجه للمؤمنين والمؤمنات ، إذن فالموضوع كله يتعلق بالإيمان ... والإيمان قد يزيد وينقص . وقوله تعالى فى سورة المدثر 31 : " ويزداد الذين آمنوا إيمانا " تأكيدا من الله بأن الإيمان قد يزيد ، وعليه فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان أيضا .. وعن النبى (ص) : "لايجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله"  أخرجه البخارى ، والحب والبغض من المشاعر التى لاتخضع لقياس مادى محدد وتتفاوت عند البشر .. مؤدى ذلك أن تفاوت الإيمان عند البشر بالزيادة أو النقص لايعيب المؤمن ولايضعه فى معصية .

 

ويقول النبى (ص) : " الإيمان بضع وستون شعبة ، والحياء شعبة من الإيمان " – أخرجه البخارى ، والرأى عندئذ : أن الآيتين بمخاطبتهما للمؤمنين والمؤمنات ، إنما تركزان على الحياء عند الرجل والمرأة والأمر به باعتباره شعبة هامة من شعب الإيمان ، وهو من الأعمال الصالحة التى تزيد فى ميزان حسنات المرأة والرجل وتزكيها عند الله ، وقد أوضحت الآيتان خصال الحياء بالترتيب لكى يصل المؤمن والمؤمنة إلى كامل الحياء المطلوب . وأول تلك الخصال وأهمها هو "غض البصر" ، فالعينان قد تتحدثان بلغة أخطر وأفصح من لغة الجسد كله ، والنظرة كما قد تكون بريئة ورسالة رقيقة إلى قلب إنسان ، قد تكون أيضا سهما من سهام إبليس ومثيرة للغرائز الدنيا ، فتقود المرء إلى مستنقع الرذيلة والمعصية .. ولذلك وضع الله بحكمته "غض البصر" على رأس خصال الحياء عند المؤمن والمؤمنة ، والإلتزام بغض البصر يهديهما إلى باقى الخصال ، ويهدى المرأة خاصة إلى التحشم الذى يضيف إليها جمالا إيمانيا هادئا .

 

وننتهى من العرض السابق إلى أن الحجاب أو الخمار عند المرأة هو من صالح الأعمال ، الذى يزيد من إيمانها ويضيف حسنة إلى ميزان حسناتها ، بما يعنى أن الحجاب أو الخمار يخص إيمان صاحبته بالدرجة الأولى . ولكن بما أن كل عمل صالح هو حق وليس بباطل ، وأن الأعمال الصالحة كلها من الإيمان ، وهى تمثل فى رأيى نصفه ، ونصفه الآخر هو الصبر فى مواجهة الباطل تأييدا للحق ودعما له ابتغاء وجه الله ، وتأكد ذلك بقول النبى (ص) أن " الصبر نصف الإيمان" – أخرجه البخارى . على ذلك فلكى نتجنب الخسران والضياع فى الدنيا والآخرة ، علينا أن نمتثل خاشعين لقول الله تعالى : " والعصر إن الإنسان لفى خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" – صدق الله العظيم ... وهذا هو ماوصل إليه علمى والله أعلم .

 

مع خالص تحياتى/عاطف هلال

                                                                                                      الثلاثاء 25 مايو 2004

 _________

 

 

فهرست الموضوعات