المتأسلمون والمتأقبطون (4/7)

أسرار الخلاف وأهوال الاختلاف

 

د. يوسف زيدان (المصرى اليوم الأربعاء 7/10/2009 العدد 1942)

قبل الكلام عن صيغة (المتأسلم/ المتأقبط) التى غمرت مؤخراً واقعنا المصرى المعاصر، وزادت من طينه اللزج بلَّة وتوحُّلاً، لابد من الإشارة الموجزة إلى ذلك الأثر السريع والصدى الواسع- المبالغ فيه- لهذه السلسلة (السباعية) من المقالات. فما كاد يمرُّ يومان على نشر المقالة الأولى منها، حتى وجدت مقالة كبيرة منشورة بجريدة كويتية تحت عنوان: «يوسف زيدان يحدِّد قُراءَه»!

لأننى كنت قد ذكرتُ أن هذه المقالات «ليست للمبتدئين».. وفى اليوم التالى مباشرة، لنشر المقالة الثانية التى تحدثت فيها عن (الجزية) وجدت على الإنترنت ثلاث مقالات مطوَّلة، متفاوتة القيمة فيما بينها، ترد على مقالتى وتعاود طرح مسألة «الجزية» وكأنها هَمٌّ معاصرٌ، وكأننى لم أقل فى مقالتى شيئاً مذكوراً! أما مقالة الأسبوع الماضى ، فقد رأتها المواقع القبطية على الإنترنت (ثالثة الأثافى!) فهاجت الأقلام كى ترد على الفكرة التى طرحتها المقالة «القبطية صناعة عربية إسلامية» ظناً منهم بظلم، أننى ضد الأقباط!

وهو أمر ليس له من الصحة نصيب، ولا يدل إلا على نهج المتأقبطين الذين لا يريدون للناس أن يتحرروا من الأوهام.. كثيرين من المتأقبطين!

ولسوف أخصِّص آخر المقالات «السبع» هذه للمناقشة الهادئة لهذه الحالة، وسأجعلها بعنوان: وَهَجُ التأجُّج فى وطن التشنُّج.. فدعونا الآن ننظر فى موضوع مقالتنا هذه: المتأسلم/ المتأقبط، وصفان صارا مؤخراً اسمين يدلان على اللواء الذى ترفعه جماعتان لا قوام لهما، ولا مقام.

وقد سُمِّيتْ الجماعة الأولى (المتأسلمين) وسوف أُسمِّى الجماعة الأخرى المتأقبطين!

وبالطبع، فإن للأسماء فى (جذور) ثقافتنا المعاصرة، حضوراً وحيوية ومحورية.

ومقصودى بجذور ثقافتنا، الأعماق التاريخية التى ابتدأت منها أصول هذه الثقافة (فى التعريف الشهير لإدوارد تايلور: الثقافة هى نمطٌ من حياة جماعة، بكل ما يشتمل عليه هذا النمط من لغة وعادات وتقاليد وأساليب تفكير.. إلخ).

ومن البديهى أن أعماق ثقافتنا المعاصرة هى المصرية القديمة المسماة اعتباطاً (الفرعونية) والعربية الإسلامية التى ترسخت فى مصر عبر أربعة عشر قرناً من الزمان. وفى هذين (العمقين) اعتناءٌ عظيمٌ بالأسماء. ففى مصر القديمة، كانت الترنيمة الشهيرة الواردة فى كتاب: الخروج إلى النهار، وهو المسمى اعتباطاً (أيضاً) كتاب «الموتى» مع أن مصر القديمة لم تعرف معنى «الموت» الذى نقصده الآن! كانت الترنيمة تقول إن كل إنسان سوف يُنادى يوم البعث، على النحو التالى:

انهضْ،

فلن تفنى،

لقد نوديت باسمك،

لقد بُعثت!

ولذلك كان تغيير الاسم فى العقائد المصرية القديمة، يقترن فقط باللعنة، إذا ارتكب الإنسان جُرماً هائلاً!

فعندئذ يتغير اسمه.. ومن دون ذلك، فلا معنى ولا داعىَ لتغيير الأسماء، لأن الاسم الذى كان يقال فى اللغة المصرية القديمة (الرِّن) هو إحدى الصفات الجوهرية التى لابد أن تقترن بالإنسان.

ولذلك، مازلنا نمتدح الشخص بأن له: شنَّة ورنَّة (أى له مقام عالٍ) والمجال هنا لا يسمح بعرض بقية الصفات الجوهرية للإنسان، بحسب المعتقد المصرى القديم. وما مرادنا الآن إلا الإشارة إلى أهمية الاسم ومحورية الأسماء.

وفى الرافد الآخر لثقافتنا المعاصرة، أعنى «العربية/ الإسلامية» يلعب الاسم دوراً خطيراً فى الدلالة على الإنسان وغير الإنسان. بل ترتبط الأسماء وتقترن بالمعرفة ذاتها، ولذلك قالت الآياتُ القرآنية إن الله حين خلق آدم (الإنسان) ودعا الملائكة للسجود له، فتأفَّفوا أولاً ثم سجدوا، حاشا إبليس الذى التبس عليه الأمر لأنه خلط بين التوحيد والتفرد والتجريد، وبين الأمر والابتلاء..

المهم أن الله ربط ذلك كله بالمعرفة) «وعلَّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا..» (وهذه الآيات تدل على ارتباط الاسم بالمعرفة والعلم.. ولذلك أرى من المهم تحديد (الأسماء) وضبطها، سواء كانت أسماء ذاتية، أو أسماء صفاتية.

والمتأسلمون اسم صفاتى أطلقه اليسار المصرى على أعضاء (الجماعات) الإسلامية، بما يتضمن الإشارة الخفية إلى أن هؤلاء «الإرهابيين» ليسوا مسلمين، وإنما مُدَّعون للإسلام وهو منهم برىء!

وهذه التسمية (متأسلم) صارت مع الوقت متداولة بالمعنى المشار إليه، من دون أن يحاول أحدٌ الغوص وراء «دلالات» هذه التسمية، أو النظر فى آفاق هذه اللفظة الخطيرة، وما تطرحه على الجانب الآخر من تفعيل مضاد للأسلمة والمتأسلمين، على صعيد الأقبطة والمتأقبطين.. ولم ينتبه أحدٌ إلى «التقابل» بين أولئك وهؤلاء، وإلى ذلك «التفاعل» الجارى بينهما. وهو ما سوف نلفت إليه الأنظار فيما يلى، عبر النقاط التالية:

أولاً: بدأت جذور التأسلم مبكراً- مع نهاية القرن التاسع عشر- باعتباره تياراً إصلاحياً يواجه تياراً إصلاحياً آخر هو (العلمانية) بالمعنى الردىء، المعاصر، لهذه الكلمة.

وقد أخفق التياران، كلاهما، فى تأسيس نهضة حقيقية ببلادنا، إذ انتهت العلمانية إلى طنطنة فارغة ومواجهة فاشلة مع الأديان، وانتهى التيار الإصلاحى الإسلامى أو بالأحرى انتهى بعض أذنابه، إلى حالة اغترابٍ عن الواقع ويأسٍ تام عن «الإصلاح» بالحسنى، فخاطبوا الناس وجادلوهم بالتى هى أقبح.

ولما انسكب عليهم «النفط» الآتى من خارج الحدود المصرية، جعلوا الحياة فى مصر جحيماً مقيماً، بدعوى عجيبة هى أن غير المسلم كافرٌ يحلُّ ماله وعِرْضه ودمه!

وبدأ المتأقبطون دعاواهم العريضة، كردِّ فعل مباشر على دعاوى المتأسلمين، بل ابتكروا دعوى أعرض وأسخف صاروا يعبِّرون عنها بصيغٍ كثيرة، منها أن: مصر وطن الأقباط!

وأن: مصر قبطية أولاً (وهو عنوان مقالة نُشرت قبل أربعة أيام فى جريدة لبنانية) وهذا بالطبع، من باب العَجَبِ العُجاب ومن سُبل ضرب القلب بالأذناب.

ثانياً: دخل الفريقان- المتأسلمون والمتأقبطون- مؤخَّراً، فى مواجهات خفية وعلنية؛ فمن اعتداءات علنية «متأسلمة» على المصريين المتَّشِحين بالقبطية، إلى شكوى دولية وعويل عالمى من ضراوة (اضطهاد الأقباط فى مصر) ومن مواقع إنترنت «علنية» يهاجم فيها المتأسلمون (المسيحية) من دون تفرقة بين مذاهبها العقائدية!

إلى مواقع متأقبطة تهاجم الإسلام والمسلمين، وتحتفى بالذين يلتقطون من كتب التراث الإسلامى حكايات مردوداً عليها، فينشرونها على الناس من دون ردودها.

والمواجهة العلنية، فيما أرى، أهون خطراً من المواجهات الخفية والأفاعيل الرمزية التى تنـزُّ من الطرفين، فالمتأسلمون يطلقون اللحى وينقِّبون النساء ويحجبونهنَّ، كعلامة صريحة تفرق بين المسلم وغير المسلم، من دون اعتبار لحقائق من مثل: كان كُفَّار قريش يطلقون لحاهم أيضاً ويرتدون الجلابيب!

كان النقاب والحجاب فى الأصل تقليداً يهودياً انسرب من اليهودية التى تكره المرأة، إلى المسيحيين ثم إلى المسلمين!

وفى المقابل من تلك المواجهة الخفية، الرمزية، بالغ المتأقبطون فى دَقِّ الصلبان على أيديهم، كعلامة على أنهم: أقباط للأبد! وتقوقع الشباب (القبطى) على نفسه، ابتداءً من مجموعات مدارس الأحد ودروسها التى تقطر مرارةً وشعوراً بالظلم والاضطهاد، حتى لقاءات الكنائس أيام الآحاد لاختيار الزيجة المناسبة، إلى السؤال التقليدى الذى صار (القبطى) يسأله لأخيه (القبطى) بعبارة من مثل: متى تناولت آخر مرة؟ كم طلب هجرة تقدَّمت به؟

هل لك أقارب بالخارج من أقباط المهجر.. أقباط المهجر.. إذا صَحَّ ما يدَّعون من أن (قبطى) تعنى (مصرى) فهل نصحِّح عبارة مصطفى كامل الشهيرة، لتكون: لو لم أكن مصرياً لوددتُ أن أكون مصرياً بالخارج!

ثالثاً: صار أقطاب المتأسلمين والمتأقبطين كهنةً يوجِّهون العقول بإطلاق البخور وإهداء المسابح. وبالمناسبة، فالمسبحة تقليد أصله مسيحى وليس إسلامياً، حسبما يظن معاصرونا، المعصورون فى مأزق التخلف. وبينما اتخذ المتأسلمون صورة نمطية تقترن إعلامياً بالعنف، ادَّعى المتأقبطون لأنفسهم صورةً تقترن بالمحبة.. لكنك لا تكاد تحك جلد الواحد من أولئك أو هؤلاء، إلا ويظهر الوجه الحقيقى لكليهما.

فما (الهدى) الذى يزعمه المتأسلمون، وما (المحبة) التى يزعمها المتأقبطون؛ إلا قشرة تخفى لُبَّ الهول الذى يملأ قلب المتأسلم والمتأقبط، على السواء.

رابعاً: صار للمتأسلمين وللمتأقبطين أنظمة مستترة وكيانات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب.

من ذلك ما يسمِّيه المتأسلمون (الدعوة) ويسميه المتأقبطون (الكرازة).

وللعلم، فإن كلمة الكرازة تعنى حرفياً الدعوة أو التبشير! والعجيب أن أولئك وهؤلاء، يدعون المدعوّ ويكرِّزون المكرَّز.

فالدعوة إلى (الإسلام) لم تعد تستهدف الشعوب والجماعات الوثنية أو البدائية التى لم تبلغها الرسالة السماوية، وإنما صارت تتم فى ديار الإسلام ذاتها، فتدعو للإسلام الذين هم مسلمون فعلاً، وتُهمل الذين لا دين لهم.. وقد يطير الواحد منهم فرحاً إذا استطاع أن (يهدى) للإسلام فرداً مسيحياً، وكأن المسلمين يعانون من نقص عددى!

وفى المقابل يكرِّز المكرِّزون (يبشِّر المبشِّرون) من هم بالفعل داخل نطاق كنيستهم، أى مذهبهم العقائدى المسمى بأسماء لم يُنـزل الله بها من سلطان، حسبما أشرتُ فى مقالتى السابقة.. ويالَسعادة هؤلاء إن وجدوا شخصاً يرتد عن الإسلام إلى المسيحية، وكأنهم بذلك قد أثبتوا أن الدين الإسلامى باطل، وأن المسيحية هى الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. فالله المستعان على أولئك، وعلى هؤلاء.

خامساً: نسى المتأسلمون والمتأقبطون أنهم ينتمون لبلد اسمه مصر. فصار المتأسلمون يردِّدون عبارات من مثل: الإسلام وطن.

وصار المتأقبطون يردِّدون ما لا يفهمون، من مثل العبارة: مصر ليست وطناً نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا.. وما بين زعم أولئك ووَهْم هؤلاء، لم تعد مصر وطناً لأحد، بل صارت قنبلة موقوتة قد تنفجر فى وجه الجميع.

.. وبعدُ، فلا أريد أن أزيد فى تفصيل حقيقة المتأسلمين والمتأقبطين، وفى خطورة مواجهاتهم الخفية التى من شأنها أن تحرق كلَّ أخضر ويابس فى هذا البلد الذى ننتمى جميعاً إليه، البلد الذى كان فى الماضى السحيق (المسمى الفرعونى) اسمه كيمى، ثم صار فى الزمنين الرومانى والبيزنطى يسمى إجبتوس، وأسماه العرب الاسم الذى نستعمله الآن: مصر.

ومن وراء هذه الأسماء، تبقى حقيقة أن مصر هى الوطن، لنا جميعاً، وأظنها ستبقى كذلك بعدما ينكشف سر الخلاف وهول الاختلاف بين المتأسلمين والمتأقبطين.

وحتى ذلك الحين، سوف نظل نعانى من كليهما إلى أن يرحمنا الله منهما.. أو يعجِّل بموتنا فنترك لأطفالنا بلداً مفعماً بالحقد والكراهية، وبالأوهام التى زرعها فى الظنون المتأسلمون والمتأقبطون.

يا ربّ، متى أنتهى من هذه المقالات السبع، المؤلمة؟

 

إضغط هنا لقراءة المقالة الخامسة فى نفس الموضوع

_________

 

فهرست الموضوعات