سيدنا موسي: مصري أم يهودي ؟

 

بقلم المؤرخ الصحفى جمال بدوى

 

منشورا بجريدة الأخبار بتاريخ 1 فبراير 2006 العدد 16780

 

هل كان نبي الله 'موسي' مصريا أم اسرائيليا؟

 

قد يبدو الجواب مستحيلا إذا استرجعنا هذه العصور السحيقة التي اختلطت فيها الأجناس، وتزاحمت العقائد، وبعد أن تعرضت مصر لهجرات الأقوام الهاربين من القحط، والباحثين عن الرخاء في أرضها الخصيبة، ولكن الجواب يبدو ممكنا إذا قمنا بالفرز بين الشعوب الآسيوية التي استوطنت مصر قوة واغتصابا، مثل الهكسوس ومثل أبناء يعقوب بن اسحق بن ابراهيم، ويعقوب هو 'اسرائيل' الذي استدعاه ولده يوسف بعد أن صار أمينا علي خزائن الأرض وهيأ له ولأولاده مقاما كريما في بلد كريم، إلي أن مرت القرون، وساءت العلاقات بين بني اسرائيل ونظام الحكم المصري، فظهر موسي ليخرج ببني اسرائيل، ويعبر بهم البحر، ويخلصهم من اضطهاد فرعون ، إلا أن بعض البحاثة يرفض الربط بين سلالة ابراهيم، وبين موسي، والفاصل بينهما سبعمائة سنة فموسي في رأيهم مصري، نشأ في البلاط الفرعوني، وقاد الجيوش في حملات عسكرية علي أثيوبيا، ومن هؤلاء المؤرخين القدامي 'يوسيلافيوس' الذي عاش في القرن الميلادي الأول، والفيلسوف 'فيلون'، وكلاهما من يهود الاسكندرية، ولكنهما خالفا الاجماع اليهودي علي عبرية موسي ومن الباحثين المعاصرين 'ول ديورانت' عالم الحضارات الشهير إذ يقول إن اسم 'موسي' اختصار للفظ 'أحموس'.. وأن كلمة 'موسي' تعني الطفل، وكانت مسبوقة باسم أحد المعبودات المصريين مثل 'تحوت موسي' وينطق تحوتمس، 'ورع موسي' وينطق رمسيس، ولكن اليهود حذفوا الشق الأول من الاسم حتي ينزعوا عن بطلهم القومي أي انتساب لمصر.

 

موسي في رأي فرويد

 

فرويد'، ففي تحليله لشخصية موسي في كتابه المعروف 'موسي والتوحيد' الذي كتبه عام 1938 وانتهي إلي أن موسي كان مصريا وليس اسرائيليا مما أثار غضب الحركة الصهيونية، فهاجموه هجوما عنيفا، وحطوا من أهمية الكتاب وقيمته التاريخية، وقالوا إنه نتاج عقل زحفت عليه الشيخوخة، وقالوا: لو لم يكن من تأليف 'فرويد' لما وجد ناشرا يقبل نشره، وقال موريس كاهن أحد فقهاء التلمود: لو أن شخصا آخر ألف هذا الكتاب لكان خليقا أن نعده أفاقا مكابرا فلماذا كانت هذه الحملة الشرسة علي فرويد؟


يفسر العلامة
العراقي الدكتور أحمد سوسة هذه الحملة لأن فرويد عرض البراهين العديدة، والدليل تلو الدليل، علي أن ديانة التوحيد التي جاء بها موسي هي ديانة 'اخناتون' بعينها، وهي مصرية بحتة ومصدرها مصري، ولا علاقة لها ببني اسرائيل ودور بني اسرائيل، وأن موسي لم يكن يهوديا، وإنما كان مصريا، وأراد كتبة التوراة أن يجعلوا منه يهوديا لأغراضهم.


ومن جملة الأدلة التي يقدمها 'فرويد' لدعم نظريته هذه: هو أن موسي جعل
الختان من مقومات ديانته الأساسية، والختان إن هو الا عادة مصرية قديمة اقتبسها منهم الفينيقيون والسوريون كما أيد ذلك 'هيردوت' أبوالتاريخ، وقد ثبت قول هيردوت هذا بعد اكتشاف ذلك عمليا علي أجساد المومياوات في قبور المصريين القدماء، وفي النقوش وعلي الجدران، وقد ورد في 'سفر هوشع' من التوراة ما يؤكد كون مصر موطنا لعادة الختان .

 

شريعة الختان.. مصرية قديمة


ومن ذلك يقول العلامة الأمريكي 'بريستد' ان نشأة موسي في مصر، وتسميته باسم
مصري جعلاه يحض مواطنيه علي الأخذ بشريعة الختان وهو عادة مصرية قديمة جدا كانت مراعاتها عامة في أيامه بين سكان وادي النيل، وهذا يعد برهانا قاطعا علي أنه كان يستقي تعاليمه مما كان يعرفه عن الديانة المصرية القديمة، ويروي فرويد أن هناك احتمالا قويا بأن موسي كان مختتنا، ثم ينتهي إلي القول بأن ديانة موسي هي نفس الديانة التي تدعو إلي عبادة الإله 'أدوناي' الوارد في التوراه بمعني عبادة الإله 'آتون'. ويضيف فرويد إن تقديم الأضاحي والقرابين، الذي يعد من أسس الديانة اليهودية، عادة مصرية قديمة، كما أن تحريم لحم الخنزير عند اليهود مقتبس من المصريين الذين كانوا ينفرون من الخنازير .

 

لم يتوصلوا للنتيجة

 

ويعرب فرويد عن دهشته من أن المؤرخين الذين آمنوا بمصرية موسي: لم يخرج أحد منهم بالنتيجة المنطقية التي تترتب عليها استنتاجات تاريخية خطيرة، ويرجع فرويد ذلك إلي 'أن التراث الانجيلي كان سدا منيعا في وجوههم، إذ ربما يبدو مريعا تصور أن موسي كان شيئا آخر غير كونه عبريا 'يهوديا' ولذلك فإن اكتشافاتهم أن الاسم المصري لم يكن عاملا يدعوهم إلي الحكم علي أصل الرجل، ولكن لما كانت جنسية هذا الرجل العظيم تعتبر في غاية الأهمية، فإن أية مواد جديدة تقدم إجابة يجب الاهتمام بها' .

 

تحاملوا علي اخناتون وفرويد

 

ويحدثنا الدكتور أحمد سوسة عن صهيوني متطرف يدعي 'إيمايوئيل فليوفسكي' ألف كتابا بعنوان 'أوديب واخناتون' هاجم فيه اخناتون وفرويد معا، وتحامل علي اخناتون، وجرده من كل فضيلة، ووصمه بكل رذيلة، وحطم فيه الرمز الذي رأته البشرية في اخناتون كأول من اهتدي إلي أعماق الأفكار الدينية، وأعظمها تجردا وهي 'وحدانية الله' ثم تهجم علي فرويد وقال عن كتابه ما هو إلا انتقاص لقدر موسي وأنكر أصالته اليهودية، وحرم الشعب اليهودي من زعيم قومي، وجعله مصريا.


أما الدكتور سامي سعيد الأسعد فيؤكد في
كتابه 'الأسس التاريخية للعقيدة اليهودية' صلة ديانة النبي موسي بالمعتقدات المصرية القديمة، ويظهر التشابه الكبير بين الترتيلة المعروفة لاخناتون إلي قرص الشمس 'أتون'، والعبارة رقم '104' من سفر المزامير من العهد القديم. وقد ورد في قصة طريفة رواها المؤرخ اليهودي 'يوسنيوس' أن فرعون كان في أحد الأيام يداعب النبي موسي وهو لم يزل طفلا في سن الثالثة، فأخذه بين ذراعيه وصار يرمي به في الهواء، ولما أصبح موسي في مستوي رأس فرعون: خطف التاج من علي رأس فرعون، ووضعه علي رأسه، فذهل فرعون لهذه الحركة، واعتبرها دليل شؤم عليه، واستشار حكماء قصره في ذلك، وما قد يترتب عليها من نتائج في المستقبل!!

 

شخصية خارقة


وفي تحليل شخصية النبي موسي، وما نسبه إليه كتبة التوراة من أعمال يقول الأستاذ
'لودز'.. ونظرا لفقدان الوثائق المعاصرة لزمن موسي، فقد أصبح من أصعب الأمور القول علي وجه الصحة: من كان موسي؟ وما كان العمل الذي قام به؟ إلا أنه لا يسعنا التهرب من الاعتقاد بأنه لابد وأن تكون قد برزت خلال التقليد الطويل شخصية قوية تولت الزعامة، لأننا حين نرتفع إلي مستوي عال في مجري التكوين الحضاري، نجد أن العوامل الأساسية التي تؤثر في الحياة الدينية عند الشعوب: لا تقوم إلا علي يد شخصيات قوية ذات مواهب خارقة هي التي تقرر مصير الدعوة التي تنطوي عليها هذه العوامل، إلا أن المحاولات في سبيل صياغة شخصية أسطورية خارقة الطبيعية من موسي كانت غير ناجحة.. إن موسي يمثل رمزا أسطوريا ولكن هناك وراء هذا الرمز الأسطوري حقيقة واقعية، هي أن هناك شخصية قوية برزت علي اثر الاضطهاد الفرعوني.


إذا كان فرويد قد قال إن موسي
هو الذي أعطي الشعب فكرة الإله الواحد، فإن الاعتراض الوحيد الذي يعترض به فرويد علي هذا التوكيد هو: 'أن الكهنة نسبوا إلي موسي وقائع كثيرة تفوق حد المعقول حين تناولوا بالتنقيح والتعديل النصوص التوراتية التي هي في متناول أيدينا فبعض المؤسسات، وبعض الشعائر الطقسية التي لامراء في أنها تعود إلي زمن أكثر تأخرا: قد صورت وكأنها شرائع سنها موسي، وهذا إنما يهدف بجلاء ووضوح إلي إحاطتها بمزيد من النفوذ والهيبة وهو حافز لنا علي الريبة والشك في هذه المعطيات'.

 

****

 

تلك هي صورة 'موسي' في كتابات الباحثين القدامي والمحدثين، أما صورته في القرآن الكريم فهو نموذج للانسان الكريم الذي صنعه الله علي عينه، وأعده لرسالة كريمة فحواها التوحيد والعدل والانصاف، ومقاومة الظلم والطغيان، والتعفف عن المحرمات، ويكفي ما قالته ابنة 'شعيب' عندما لمست فيه الطهر والأمانة فضلا عن القوة: 'يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين'

 

___________

 

فهرست الموضوعات