علاقة النبى موسى بالتوراة

الكاتب : الدكتور سيد القمنى (مختارات مقتبسة من كتابه :  "إسرائيل .. التوراة .. التاريخ .. التضليل " – الناشر : دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع 1998 )

______

بات معلوما – اليوم – أن نسبة الأسفار الخمسة الأولى (التوراة) إلى النبى موسى ، أمرا مشكوكا فيه تماما ، وغير علمى بالمرة ، بل أصبح من العلمية القطع بتأليفه على يد عدد من الكتاب الذين اختلفت مشاربهم وأمزجتهم وثقافتهم ومواقعهم الإجتماعية وتوجهاتهم العقائدية ، وهو الأمر الذى فرض نفسه فى النهاية على المؤسسات الدينية ذاتها ، حتى أنك تجد فى مقدمة الطبعة الكاثوليكية للكتاب المقدس الصادرة عام 1960 مانصه :

مامن عالم كاثوليكى فى عصرنا ، يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة ، منذ قصة الخليقة ، أو أنه أشرف حتى على وضع النص ، لأن ذلك النص قد كتبه عديدون بعده ، لذلك يجب القول : أن ازديادا تدريجيا قد حدث ، وسببته العصور التالية ، الإجتماعية والدينية .

إلا أن التوراة نفسها تقدم لمن يبحثها شواهد تقطع بأن تلك النسبة إلى موسى باطلة تماما ، ومن تلك الشواهد على سبيل المثال (نكتفى من كتاب سيد القمنى على مايلى/ عاطف هلال) :

·        هناك عبارات تتعلق بموسى فى التوراة ، ويستحيل أن تصدر عنه مثل الآية التى تقول : " وأما الرجل موسى فكان حليما جدا أكثر من جميع الناس على وجه الأرض – عدد 3:12 " . ومثل الآية التى تقول : " وأيضا الرجل موسى كان عظيما جدا فى أرض مصر ، فى عيون فرعون وعيون الشعب – خروج 3:11 " . هذا ناهيك عن الخبر الخاص بوفاة موسى والذى يقول : " فمات هناك موسى عبد الله فى أرض موآب حسب قول الله ، ودفنه فى الجواء فى أرض موآب – تثنية 5:34 " ، وبالطبع يستحيل أن يكتب موسى عن نفسه أنه مات ، بل ويحدد موضع دفنه .

·        وفى قصة يوسف خطأ تاريخى هائل ، يُطلق على فلسطين أرض العبريين (تك 15:40) ، وهو الإسم الذى لم يطلق إلا بعد ذلك بزمان ، بينما قبل ذلك – بتأكيد التوراة نفسها – كانت تسمى أرض الفلسطينيين ، وأرض الكنعانيين .

·        وفى سفر التكوين سقطة فاضحة تؤكد كتابة التوراة بعد قيام الملكية المركزية لإسرائيل ، أى بعد أربعة قرون من زمن موسى على الأقل ، والسقطة تتضح فى حديث التوراة ، وقولها أن ماترويه عن زمن موسى ، كان "قبلما مَلكَ ملِكٌ لبنى إسرائيل "– تكوين 31:36 " . وهى جملة لايكتبها إلا شخص عاصر العهد الملكى أو عرف على الأقل بقيام المملكة ، إنها بالقطع لايمكن أن تكتب إلا فى العصر الملكى أو بعده .

وعلى مثل تلك الملاحظات التى يمكن لقارئ مدقق أن يراها فى التوراة ، تتالت التأكيدات التى ترفض نسبة التوراة إلى موسى ، فكان تأكيد توماس هوبز الفيلسوف الإنجليزى (1588-1679) : أن تدوين التوراة قد تم بعد موت موسى بزمن طويل ، ثم تبعه الفيلسوف اليهودى باروخ اسبينوزا (1632-1677) الذى انتهى إلى إنكار أى احتمال يمكن بموجبه نسبة التوراة إلى موسى ، وقدم على ذلك شواهد عديدة ، وقد عددا من القرائن التى تشير إلى أن كتب العهد القديم بدءا من سفر التكوين وحتى سفر الملوك الثانى ، قد كتبها عزرا الذى عاش فى القرن الخامس قبل الميلاد ......

(ثم يستشهد الكاتب بما كتبه كثيرون من كتاب الغرب واليهود لتأكيد ماذهب إليه من احتواء التوراة على قصص مختلفة لشيئ واحد ، وعلى أنها لم تكن أبدا موضوعا واحدا متكاملا دفعة واحدة فى أى قصة من قصصها مثل الإختلافات فى قصة الخلق والتكوين ، وأنها اشتملت على تناقضات واختلافات كثيرة مما يشير إلى اختلاف المؤلفين مثل الإختلافات فى قصة نوح وقصة يوسف وغيرهما ، مما يؤكد جميعها بأن التوراة مجموعة جمة من التآليف التى اشترك فى وضعها مجموعة مؤلفين اختلفوا ولم يلتقوا أبدا لتصفية مابينهم من خلافات – حسب قوله ./عاطف هلال) ثم يستمر الكاتب فى كتابه قائلا :

بل وربما ذهب الإفتراض حد القول أن لغة التخاطب بين موسى وربه فى سيناء ، كانت اللغة المصرية القديمة وليست العبرية ، التى لم يكن موسى يعرفها أصلا ، حيث ولد بمصر وعاش فيها ثم خرج منها حتى مات ولم تطأ قدمه أرض فلسطين صاحبة شفة كنعان التى عرفت فيما بعد بالعبرية - ( ذهب هذا المذهب الدكتور فؤاد حسنين على ، ولكنه لم يقدم أية دلائل ، حتى أنه سمى كتابه "التوراة والهيروغليفية" ولا علاقة لها بأية هيروغليفية ) -  هذا ناهيك عن كون لفظة "توراة" ذاتها من الألفاظ المصرية ، ومعنى تورا Thora فى العبرية (الشريعة) من Toroth (توروث) ، وهى ترتبط – فى رأينا – بعبادة الثور المقدس فى المصرية القديمة .

..... ويستطرد الكاتب قائلا فى الباب الثانى ص 87 تحت عنوان "التاريخ" بكتابه ويؤسس له بقوله :

عادة ما يلجأ الباحثون عند تناولهم شأنا من شؤون الجماعة البشرية ، التى بدأنا بالإصطلاح على تسميتها فى العنوان بـ "بنى إسرائيل" ، إلى استخدام أحد اصطلاحات ثلاثة هى على الترتيب حسب شيوع الإستخدام : العبرانيين ، واليهود ، والإسرائيليين .

ولتدقيق المصطلح ودلالته ، نجد أن اصطلاح العبريين أو العبرانيين ، يقصد به تمييز تلك الجماعة ، بحيث يشير الإصطلاح إليها كشعب بعينه ، وبحيث تبدو كما لو كانت تتسم بسمات جنسية محددة بتاريخ مترابط وواضح ، ويرتبط بأرض ومواطن بعينها ، له ظروف البيئية والجغرافية التى تتناغم فى النهاية مع السمات التى طبعت ذلك الشعب ، اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا وفكريا ، وهو قصد يذهب إلى وضع الجماعة الإسرائيلية فى وضع يسمح بالإيحاء بدلالات ، تتساوى مع الدلالات التى تفهم من استخدامنا مصطلحات مثل "المصريين" ، البابليين ، "الكنعانيين" ، "الحيثيين" ... الخ .

لكن ؛ بينما نجد اصطلاحات إسمية مثل "المصريين" أو "البابليين" ، لامجال للخلط بشأنها ، ويمكن للمؤرخ وللباحث استخدامها باطمئنان ، حيث تشير إلى شعب بذاته ، يسكن أرضا بعينها ، تفاعل مع بيئة خلال مسار تطورى ، انتهى إلى وسمه بسمات صريحة المعالم ، يبدو فيها أثر الجدل بين الإنسان وبين تاريخه وبيئته وطبيعة أرضه ، وبحيث انتهى ذلك الجدل إلى نشوء كيان سياسى له سماته المميزة ، مما يمكنَّ الباحث من رسم صورة شبه متكاملة لتاريخ ذلك الشعب ، من خلال وثائق ومدونات ، وآثار ، وسجلات عينية ، ومعتقدات ، وأساطير ، مع قراءة ذلك كله مرتبطا بالظرف البيئى والتطور الإجتماعى ، الذى يكسب الشعب فى النهاية نكهته الخاصة ، وسماته المميزة ، لكن استخدام مصطلح "عبرى" ، للدلالة على الجماعة الإسرائيلية لايؤدى بحال إلى أى من تلك المعانى ، بحيث يسمح بكثير من الخلط والخبط وسوء الغرض إن بحسن نية أو بقصد ، نظرا لإتساع المصطلح عن حجم المدلول ، فلا يطابقه ، وتتحول مع الجماعة الإسرائيلية إلى كتلة رجراجة داخل المصطلح دون ثبات ، ويعود ذلك إلى عيوب أساسية فى تاريخ تلك الجماعة البشرية ، يجد معها الباحث عسرا شديدا فى استخدام تعبير "شعب" ، للدلالة على تلك الجماعة ، دون السقوط فى خطأ علمى فادح .

كما نجد عيوبا من لون آخر فى نسيج تلك المجموعة البشرية ، وفى المراحل التى مرت بها وظروفها ، إبّان تكونها التاريخى ، لاتسمح بإعطاء المدلول الذى يمكن الإطمئنان إليه ، كما فى حال التعامل مع مصطلح "مصريين" أو "بابليين" على سبيل المثال ، ورغم أن الباحث قد يجد أوجها للقصور فى تاريخ أياً من تلك الشعوب ، نتيجة مبالغة هنا ، أو اختفاء للمدون – فى حقبة معينة – هناك ، فإن الإستعانة بعمليات القياس والنقد والمقارنة بين النصوص المتعددة ، إزاء الحدث الواحد والتحليل ومحاكمة الوثائق على سياقها الداخلى والسياق التاريخى ، يمكن الوصول بالمسألة إلى الوجه الأقرب إلى صدق ماحدث بالفعل ، إضافة إلى مايمكن القيام به من مقارنات ، إزاء الحدث الواحد بين نص يتحدث عنه فى مدونات مصر ، وبين نص آخر يتحدث عنه فى وثائق الرافدين ، لكننا مع الجماعة الإسرائيلية لن نجد بين أيدينا مثل تلك المادة الخام الأساسية ، لنعمل فيها أدوات البحث ، فلا وثائق ولا آثار ، ولا سجلات عينية ، لاشيئ بالمرة سوى وثيقة واحدة هى الكتاب المقدس (العهد القديم) .

وحتى نكون أكثر دقة ، فإن تعبير (لاشيئ بالمرة) لون من المجاز الصادق ، فهناك بالفعل إشارات متأخرة فى وثائق متناثرة فى أشلاء مبعثرة بين دول المنطقة ، لكنها لاتصنع تاريخا بحال ، ولاتؤكد فى التاريخ الإسرائيلى شيئا بالقطع اليقبنى أو تنفيه ، أما فى المراحل الأقدم والتى تعود إلى بداية ذلك التاريخ ولقرون طويلة بعده حتى ظهور تلك الإشارات المبعثرة ، فالأمر معلق بالمقدس وحده علما أن ذلك التاريخ لاوجود له إلا بالكتاب المقدس ، وهو عمدة تاريخ إسرائيل ، ويمثل أخطر الأحداث التى تقيم جماعة إسرائيل التاريخ كله عليها ، ويشمل أهم البِنَى لمقدسهم وتاريخهم على الإطلاق ، ومثالا لذلك علاقة الجماعة الإسرائيلية بمصر ، التى تتمثل فى لحظة حاسمة وفاصلة وقاطعة فى تاريخهم ، وتحكى عبر المقدس عن هبوطهم من كنعان (فلسطين) إلى مصر ، زمن النبى يوسف عليه السلام  ، وخروجهم منها بعد قرون فى عهد النبى موسى عليه السلام ، وسط أحداث هائلة سواء فى كيفها أو فى نتائجها ، وما صحب ذلك الهول من هلاك كامل لجيش مصر ، أعظم إمبراطوريات ذلك الزمان قاطبة ، مع مالحق الديار المصرية نفسها من دمار وهلاك بفعل رب إسرائيل (يهوه) ، وأسهبت فى شرحه الرواية المقدسة ، ومع ذلك فإنك لاتجد فى وثائق مصر ، على كثرة مااكتشف منها حتى الآن ، وعلى مافى هذه الكثرة من ذكر لدقائق وتفاصيل صغيرة الشأن ، كسجلات وعقود البيع والشراء ، أو كأوامر ثانوية للفرعون بنقل موظف أو تابع قليل الشأن ، أو جزاءات التقصير فى العمل ، أو الأمر بالسماح لقبيلة بدوية بالإنتجاع على الحدود ، للعمل فى مناجم الفيروز وحفائر سيناء ... الخ .. فإنك لاتجد بين كل تلك التلال الآثارية والشواهد المدونة أية وثائق تشير إلى بنى إسرائيل ، اللهم إلا إشارة وحيدة يتيمة ، يقول فيها الفرعون مرنبتاح  بن الفرعون رعمسيس الثانى ، ضمن لوحة يحكى عن انتصاراته " هلكت إسرائيل ولم يبقى لها بذر " (المصدر : سليم حسن / "الأدب المصرى القديم" ، كتاب اليوم ، القاهرة ، 1990 ، ج 2 ، ص 222 ) ، وقد جاءت تلك الإشارة عرضا ، ضمن روايته عن سحقه لعدد من الشعوب ، مثل اللوبيين (الليبيين) ، والكوشيين (وهم السودانيين - والكلمة كوشى فى التوراة وفى المصريات القديمة تشير عموما إلى العنصر البشرى أسود البشرة ) . وحتى لو غفلت مدونات مصر عن ذكر ذلك الحدث الهائل الذى دمرت فيه البلاد ، وهلك الزرع والضرع والعباد ، وغرق بعده الفرعون وجيشه العرمرم فى خضم أمواج البحر ، فما بال مدونات الشعوب المعاصرة للحدث لاتذكر ماحدث للجارة الكبرى ؟ سواء فى بلاد الشام أو الرافدين أو تركيا بلاد الحيثيين ؟

هذا كل ماجاء عن تاريخ إسرائيل الطويل العريض فى الأثر المصرى "هلكت إسرائيل ولم يبقى لها بذر" !! أما بلاد الرافدين فإنها لاتعرف شيئا البتة عن التاريخ القديم لتلك الجماعة التى ملأت المقدسات صخبا وضجيجا ، وإن وردت إشارات فى الحقب المتأخرة تذكر شيئا يسيرا فى شذرات عن مملكة تدعى (مملكة عمرى) ، والتى يظن أنها مملكة إسرائيل فى عهد أحد ملوكها المعروف بإسم (عمرى) ، خلال الربع الأول من الألف الأولى قبل الميلاد ، ثم شيئا لايغنى ولايسمن عن انتصارات الآشوريين على سكان فلسطين وسبيهم لأهلها ، ومثله شيئا آخر عن انتصارات الكلدانيين على جنوب فلسطين ، أما قبل ذلك فلا شيئ على الإطلاق يشير إلى جماعة إسرائيل ، ولا للأحداث التى مرت بها ، والتى أسهب الكتاب المقدس فى تدوينها كعادته ، إلى حد الإملال ، بل إن الحفريات المحمومة ، والهوس الأركيولوجى الذى يمارس الآن فى دويلة الكيان الصهيونى ، لم يسفر حتى تاريخه عن شيئ يستحق الذكر ، أو عن أمر يمكن القطع بشأن نسبته للجماعة الإسرائيلية ، أو حتى تصنيفه ابتسارا ضمن مرحلة بعينها من مراحل ذلك التاريخ ، الذى تضخم حتى صار ورما ناتئا فى تاريخ البشرية ، دون سبب واضح ، اللهم إلا بسبب مرض فى صناع التاريخ وانحيازهم السافر ، لإيجاد موطئ قدم للجماعة الإسرائيلية فى تاريخ الإنسانية .

______

فهرست الموضوعات