الصهيونية وثقافة الوقواق

 

سوسن البرغوتي (كاتبة من فلسطين)

الوقواق طائرغريب الأطوار يمارس لصوصية من نوع غريب، فهو يضع بيضه في أعشاش الطيور المستوطنة صاحبة المكان، وبغفلة من أصحاب العش يزيح البيوض الأصيلة مستغفلاً أهل الديار ويستبدلها ببيوضه، فتحتضنها الأنثى الأم جاهلة التغيير، وترعاها وهي تحسبها بيوضها. أما الفقس الجديد الوارث لصفة اللصوصية يتمتّع بحدبة صغيرة على ظهره، ينظف بها العش من قشور البيض لإخفاء معالم الجريمة، ولو تصادف وظهر للحياة فرخ آخر في وقت واحد، يدور صراعاً عنيفاً حتى يفنى أحدهما، أو يتم إلقائه خارج العشّ.

هذه صفات لحياة وتكاثر الوقواق، توارثها حتى أصبحت صفة من صفاته، وسلوك من سلوكياته، لا شفاء منه، ولا وسيلة لتغييره، ولا يمكن أن تنتهي هذه الظاهرة إلا بالقضاء على الوقاوق أينما وجدوا وأينما حلّوا.

 

هذه الصفات الشريرة طالت بفعل الوراثة أيضاً جماعات من البشر، أولئك الذين أقاموا كياناً لهم بفعل التفوق العسكري والهيمنة السياسية واتكاء على جملة أباطيل وخرافات توراتية.

وعلى هذه القاعدة يتساوى الوقواق وهذه الفئة من البشر المشبعين بأساطير مدعمة بمرجعية دينية، ولا يمكن فصلها عن رغبتهم تملك ما ليس لهم به حق، ونسب التراث والأرض والتاريخ، على أنها جزء من ترانيم المزامير!. والدليل على هذا ادعاءهم أن القدس بناها نبينا "وملكهم" داود، وقد عملوا على توثيق هذا الادعاء الباطل في نشيدهم الوطني على أنها "مدينة داود".

 

لكن حقائق التاريخ تثبت غير ذلك.! فإن زعموا أن كتابهم المقدس ليس محرّفاً، فالإدانة تأتي منهم، وعلى من ادعى، والبينة أن سيدنا إبراهيم عليه السلام زار حاكم فلسطين "ملكي صادق" الذي عُرف بورعه وتقواه، وكان يصلي معه، وكان هذا قبل داود بألف عام، وما هي إلا دلالة واضحة على أن القدس لم تبنَ بعهد النبي داود، وهذا ما ورد في التوراة.

 

وأما القدس كمدينة فلسطينية، فقد قطنتها قبائل عربية، وسميت بأسماء كثيرة منها يبوس نسبة لليبوسيين إحدى القبائل الفلسطينية، وأور سالم "وهي كلمة مركبة من جزئين"، الأول بمعنى مدينة أو ميراث، والجزء الثاني هو اسم لإله وثني بمعنى السلام أو السلامة، وبفعل النطق الآرامي تغير حرف السين إلى الشين، والقبائل الآرامية عربية هاجرت من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام قبل اليهودية. كما أن هناك تسميات أخرى للقدس (كالمدينة المقدسة، المدينة المتحف، هيلاسوليما، قديشتا، مدينة الحق وإيليا كابيتولينا إبان الحكم الروماني للمدينة) وأغلبها أسماء للقدس قبل اليهودية، وكل من احتلها أطلق عليها اسماً حسب ثقافته ومعتقداته.


والكنعانيون هم أكبر القبائل العربية المهاجرة التي سكنت القدس من الجزيرة العربية، وكانت هجرتهم قبل اليهود بآلاف السنين. وهذه إشارات أوردها الباحث الدكتور محمد الحسيني إسماعيل في مقاله "هيكل سليمان.."، مستشهداً بنسج ما يدعونه في كتابهم( [ (1) وأوحي إلى الرب بكلمته قائلا (2) " يا ابن آدم ، أطلع أهل أورشليم (أي القدس) على أرجاسهم (3) وقل هذا ما يعلنه السيد الرب لأورشليم. أصلك ومولدك من أرض الكنعانيين. أبـوك أموري وأمك حثية] (الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة: حزقيال {16}: 1 - 3) .

 

كما ورد في الموسوعات العلمية؛ ينسب الكنعانيون إلى كنعان الابن الرابع لـ "حام" (سفر التكوين 10:6)  وهو حفيد نوح (أولاد نوح الثلاثة هم: سام وحام ويافث). ويعتبر الكنعانيون أكبر الموجات البشرية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية قبل الميلاد بحوالي 3 - 4 آلاف سنة (أي هم في الأصل عرب) وقد استقروا في فلسطين وساحل بلاد الشام حتى سوريا مروراً بلبنان.

 

نرى النص السابق أن كتابهم يعترف صراحة بأن القدس هي فلسطينية الأصل.. بل ويقر بعروبتها منذ نشأتها.. ومع هذا يأتي بنو إسرائيل اليوم ويدعون بحقهم التاريخي فيها على الرغم من أصلها العربي.!! وقد ظلت فلسطين والقدس عربيتان حتى استولى عليهما بنو إسرائيل بقيادة الملك شاول (طالوت في الفكر الإسلامي) حوالي سنة 1300 ق.م .

 

ويذكر الدكتور حسن ظاظا في كتابه "أبحاث في الفكر اليهودي": (إن أقدم النقوش التي وجدت في مجموعات مكتوبة بالخط المسماري واللغة البابلية، تتخللها شروح لغة كنعانية، عُثر عليها في أوائل القرن العشرين في منطقة من محافظة أسيوط، وما زالت الوثائق التاريخية في متحف القاهرة، وبمجملها وثائق دبلوماسية ترجع إلى عهد الفرعون أمينوفيس الثالث وابنه أخناتون من 1411 إلى 1375 ق.م، كرسائل متبادلة مع "عبد يحيبا" حاكم "أوروسالم" وقتذاك، يستنجد بفرعون من غارات رُحّل يدعون "حبيرو"، أجمع الباحثون أنهم العبريون. أما المؤرخ هيرودوت "484-425 ق.م" فلم يذكر اسم أورشليم، ولكنه أشار إلى مدينة كبيرة في الجزء الفلسطيني من الشام وسماها قديتس).

 

وبناءً على مراجع تاريخية وأخرى وردت في التوراة، فإن اليهود لم يبنوا مدينة القدس، وأنها مدينة عربية فلسطينية، أغارت عليها عبر العصور هجمات احتلالية كان أخطرها على الإطلاق تأسيس ممالك يهودية، ومن جبل صهيون تحديداً المطل على مدينة القدس أثناء حكم داود لبني إسرائيل. والبرهان على هذه الأحداث نورده من كتابهم رداً على مزاعمهم ببناء القدس، فقد أحرق أسباط اليهود القدس "وحارب بنو يهوذا أورشليم وأخذوها وضربوها بحد السيف وأشعلوا المدينة بالنار".(سفر القضاة)

ليس بعد الاعتراف بالاستيلاء على مدينة ليست لهم أساساً أكثر من "أخذوها"، ودليلاً على عنف القبائل اليهودية وتدميرهم للمدينة "أشعلوا بها النار"!.

وتوالت الهجمات على فلسطين ومدينة الله عدة مرات في التاريخ، حتى تم فتحها في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهي أولى القبلتين وما تحمله من معاني مقدسة للمسلمين والمسيحيين واليهود كأصحاب شرائع سماوية، وليس كمحتلين نازعين عنها صفة العروبة وسكانها الأصليين، ليقيموا كياناً يعتمد الاستيطان وإلغاء تاريخ وتواجد شعب عبر العصور، والقضاء على أي قوة عربية، حجتهم الاعتماد على مكر وخبث آتية من معتقدات خرافية دينية محرّفة لا تمت بصلة للأنبياء. ولعل كتابهم يفضح عورة التحريف بما ورد فيه من قصص إباحية، واعتبار مملكة النبي سليمان عليه السلام قائمة على عالم الجن وتعدد العشيقات!.

إن كانوا يجزمون أن كتابهم المقدس هو مرجعية لكيانهم الصهيوني، فما ورد فيه لهو برهان على أصالة فلسطين وعروبتها.! وأنهم محتلون لبلد كخطوة أولى ومنطلق للتوسع لاحتلال كامل مساحة الوطن العربي.

وإن تنكروا لكتابهم كما ورد في برتوكولات صهيون بأن فلسطين "أرض بلا شعب"، فالدليل يأتي من أحداث تاريخية موثقة أيضاً على أن فلسطين مأهولة سكانياً قبل الأديان بعقود وقرون.

  وبناءً عليه فكل ما بنى على باطل فهو مردود عليه، لأن الحقيقة المجردة تكمن كما كانت في كل وقت داحضة للباطل، وعندما قامت دولة أسباط اليهود سابقاً، انتهجت الأيدلوجية نفسها وسلطة القوة السياسية والاقتصادية، والخرافة اللاهوتية التي تحركهم كفئات تنتمي إلى البشر شكلاًُ لكنها ضارية في احتلال أراضي الغير.

تلك هي أخلاقيات تتوارثها الصهيونية كما يتوارث الوقواق أيضاً شراهة العنف واغتصاب الحقوق، فهل تُبرر ما تحمله الجينات الوراثية وخرافات موظفة للاحتلال واغتصاب حق الغير؟!.

14/05/2006

فهرست الموضوعات

 

 

___________________________________

 

عن طائر الوقواق

 

  •  تقول الموسوعة العربية الميسرة عن طيور الوقواق أنها منتشرة فى نصفى الكرة الأرضية وهى نادرة بمصر ، وطيور الوقواق شجرية ، مناقيرها معقوفة قليلا ، طويلة الأذناب ، منطفئة الريش ، متطفلة ، تضع بيضها فى عشاش غيرها من الطيور .

  • حين يحين ميعاد وضع البيض لطائر الوقواق Cuckoo ، يتصرف بخبث شديد ، فيختبئ بين أوراق الأشجار ، ويراقب بحذر الطيور الأخرى التى تبنى عشاشها بنفسها ، إلى أن تضع تلك الطيور بيضها ، فيتحين فرصة غيابها عن عشاشها بحثا عن الغذاء أو عن غيره ، فيطير بهدوء وحذر ، ثم يرمى بيض تلك الطيور خارج تلك العشاش ، ويضع بيضه مكانه بنفس الترتيب والعدد . ولأن الوقواق يضع فى الموسم الواحد عشرين بيضه ، فهو يحتاج إلى أكثر من عش للسطو عليه بنفس الطريقة . وتنخدع الطيور الأخرى صاحبة العشاش ، وترقد على بيض الوقواق وترعاه وكأنه بيضها حتى يفقس ، وتستمر تلك الطيور البائسة فى رعاية صغار الوقواق وهى مازالت مخدوعة ، وحين يكتمل نمو صغار الوقواق ويشتد عودها تهدم تلك العشاش وتطير خارجها .. وتظل الطيور صاحبة العشاش الأصلية مخدوعة للأبد تنعم أو تشقى ببلاهتها .. !! .