أمريكا صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة فى دخولنا العصر النووى

 

يقول الدكتور عزت عبد العزيز :

فى اجتماع مع الرئيس مبارك دعوته أن يبادر إلى إنشاء المفاعل ولم يتحمس للمشروع منذ 23 عاما

 

المصدر : جريدة الوفد عدد الثلاثاء 31 أكتوبر ‏2006‏‏

أجرى الحوار: عادل صـبري

 

بينما أطلقت دعوة الرئيس مبارك ونجله جمال حول إعادة التفكير في مشروع البرنامج النووي أحلام المصريين في امتلاك هذا المشروع الحيوي، أثارت الكلمات الحماسية شكوكا لدى العلماء والمختصين حول حقيقة النوايا التي تقف وراء هذه الدعوى. يري البعض أن في الأمر صفقة ما، خاصة أنها تواكبت مع مباركة أمريكية وتأييد فرنسي وموافقة رئيس وزراء إسرائيل على مشروعنا في برنامج ظل حبيس الأدراج بقرار من واشنطن طوال 30 عاما مضت. يشير مختصون إلى أن الصفقة قد تكون متعلقة بتوقيع مصر على اتفاقيات وشروط أكبر من امتلاكها محطة نووية سلمية، وآخرون يعتبرون كلمات الرئيس ونجله في إطار البحث عن قضية قومية تجمع الناس حول فكرة توريث الحكم.


وحول هذه القضية فتحنا حوارا مع نخبة من الخبراء والمسئولين حتى يكون كل مصري صاحب رأي في مشروع يتعلق بمصيره السياسي وربما الحياتي.


وفي هذا اللقاء تحدثنا مع العالم الكبير الدكتور محمد عزت عبد العزيز الرئيس السابق لهيئة الطاقة الذرية والمسئول عن إعداد كوادر فنية لتشغيل وصناعة المفاعلات النووية في الولايات المتحدة، والعديد من الدول العربية والأجنبية للتعرف منه عن قرب علي حقيقة ومستقبل المشروع النووي الذي دبت الحياة فيه فجأة بعد طول انتظار.


* الوفد: هل الدعوى التي أطلقها الرئيس مبارك ونجله بإحياء البرنامج النووي المصري صادقة أم مجرد حلم سياسي له أغراض أخرى؟


ـ د. عزت: هناك متشككون في حقيقة هذه الدعوى قد أكون واحدا منهم إلا أنني بطبعى متفائل دائما. ومع ذلك دعنا نتساءل: هل هناك هدف سياسي من موافقة الولايات المتحدة وإعطاء الضوء الأخضر أن ننطلق نحو تنفيذ برنامج نووي؟ هل هناك ثمن ستدفعه مصر سواء كان ثمنا سياسيا أو غير سياسي؟ هل هناك اتفاقية سيطلب من مصر التوقيع عليها ويكون فيها بعض القيود مثل التوقيع على البروتوكول الإضافي للمعاهدة المتعلقة بالتفتيش على المنشآت النووية في مصر؟.. وهناك مجموعة من الأسئلة يمكن أن تثار حول هذا الموضوع. وطبعا هذا الشك له ما يبرره فنحن منذ أيام لم يكن أي مسئول في وزارة الكهرباء أو غيرها يتحدث حول هذا الموضوع تحت دعاوي البعد عن المشاكل وفجأة يتحولون للكلام في هذه القضية بكل قوة وهو ما يطرح لدينا شكا في حقيقة هذا التحول المفاجئ.


*
الوفد: هل يمكن أن يكون هذا التحول له بعد استراتيجي أو تحول في فكر القيادة السياسية لأسباب ذات أبعاد قومية عليا؟


ـ في الحقيقة إن التحولات في هذا القضايا لا تأتي بين عشية أو ضحاها، ودعني أذكر لك موقفا عشته بنفسي حيث شكل الرئيس مبارك لجنة عام 1983 لبحث موضوع دخول مصر في البرامج النووية. وعقد اجتماع وحيد لهذه اللجنة بمقر رئاسة الجمهورية برئاسة مبارك وبحضور الدكتور على لطفي رئيس الوزراء في حينه، وحضره المشير عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع الأسبق. واستغرق الاجتماع نحو 5 ساعات، حيث تمت مناقشة كافة الجوانب المتعلقة بالطاقة الذرية من الناحيتين السلبية والايجابية وكنت أحد المتحمسين لهذه القضية. وبعد أن انتهينا من الاجتماع والمناقشات المطولة قلت للرئيس: نتمنى أن يتم إنشاء المحطة النووية في عهدك وبقرار منك وسوف يسجل لك التاريخ هذه المبادرة. وكان رد الرئيس أن هذا الموضوع سابق لأوانه وعندما تتاح الفرصة لإنشاء المحطة النووية سننشئ المحطة النووية. وكان هذا الرد سياسي ولا يعنى أن هناك موافقة على بناء محطة نووية. وأصبح هذا الرد السلبي هو السائد منذ عام 1983 وحتى أيام سبقت المؤتمر العام للحزب الوطني حيث كان يستبعد تماما إنشاء محطة نووية، وفجأة يصدر تصريح من جمال مبارك ثم يقول ذلك رئيس الجمهورية في خطاب بالجلسة الختامية لمؤتمر الحزب الحاكم بأنه لا يوجد ما يمنع من إقامة المحطات النووية. فماذا حدث بالضبط..الله أعلم.. وعموما نتمني أن يتحقق هذا الحلم بالفعل وندخل هذا المجال.


* ربما كان التأييد السياسي الأمريكي للبرنامج النووي شجع النظام على التحول في موقفه خاصة أن المعارضة الأمريكية كانت وراء تعطيل البرنامج من قبل أو أنها رأت أن ذلك سينعكس على قدرتنا في التحرك لإختيار التكنولوجيا النووية؟


ـ د. عزت: إذا كانت نوايا أمريكا صادقة في إعطاء موافقة أو ضوء أخضر أو السماح لمصر بأنها تدخل هذا المجال فهذا سيساعدنا على الانطلاق نحو تنفيذ البرنامج. ونحن نعلم أن الولايات المتحدة هى التي تقبل أو ترفض أن يدخل أحد هذا المجال، فهي التي ترفض أن تدخل إيران في التكنولوجيا النووية لمجرد أنها تقوم بتخصيب اليورانيوم، مع أنه حق أصيل لها باعتبارها موقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وباعتبار أنه لم يتأكد ـ وهو طبقا لتصريح محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية ـ أن ايران لها استراتيجية نووية عسكرية، وأن الوقود النووي الموجود لديها للأغراض السلمية. ومع ذلك هناك إصرار من أمريكا أن توقف تخصيب اليورانيوم الإيراني. طيب أمريكا لما تصر على هذا مع ايران لماذا تتجاهل دولة أخرى وهي إسرائيل لا تمتلك فقط القدرة على تخصيب اليورانيوم بل لديها ترسانة أخرى من الأسلحة النووية تقدر بنحو 200 إلى 300 رأس نووي وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك السلاح النووي ولا تقدر على محاسبتها.

 
* الوفد: ألا يتعارض هذا المشروع مع رغبة مصر في أن تكون المنطقة خالية من الأسلحة النووية؟


ـ د. عزت: شعارنا الذي رفعناه بأن الشرق الأوسط يكون خاليا من الأسلحة النووية غير مطبق على أرض الواقع لأنه من غير المعقول أن يكون خاليا في ظل وجود دولة لديها هذا الكم من الأسلحة النووية. وكون أن مصر من حقها أن تختار أو ترى التكنولوجيا المناسبة للمحطات النووية فهذا حقها خاصة أن برنامجنا سلمي ولا نستطيع أن نحوله إلى مشروع عسكري حيث إننا موقعون على اتفاقيات دولية كبلتنا في هذا الأمر، وأنه يوجد حاليا مفاعلات تناسبنا وهى مفاعلات متأصلة في الأمان ولها مميزات أخري في قلة التكلفة وسهولة التحكم فيها.

 
* الوفد: ما هو شعورك كخبير نووي عندما سمعت ما طرحه الرئيس ونجله حول المشروع النووي؟


ـ د. عزت: في الحقيقة كنت سعيدا جدا عندما طرحا هذا الموضوع على الملأ على الأقل لم يعد هناك »البعبع« الذي يحظر الكلام عن البرامج النووية. وعندما ستنشر هذا الحوار سيكون هذا مثار إعجابهم بأن الناس بدأت في الكلام عن هذه القضية ووجود ناس متحمسة لهذا المشروع. واعتبرت أن هناك ضوءا أخضرا وأملا أن يكون لدينا هذا المشروع ولكن هذه السعادة أو الفرحة لن تتم إلا بالتأكد من جدية هذا الكلام وأنه ليس وراءه أية أغراض أخرى.


* الوفد: تكلمت الحكومة كثيرا عن وجود احتياطي هائل من الغاز الطبيعي وطمأن وزير البترول الناس عدة مرات بأن لدينا ما يكفينا من مصادر الطاقة فهل هذا القول تغير وجعلهم يبحثون عن بدائل للطاقة؟

 
ـ د.عزت: المصادر التقليدية حاليا هى البترول والفحم والغاز الطبيعي. والفحم له آثار سلبية جدا لوجود انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وهو ملوث جدا للصحة العامة. وينطلق من محطات الفحم، وهى الأكثر انتشارا في العالم حوالي 6 مليارات متر مكعب من الكربون في السنة وإذاحسبنا ذلك على مستوى التعداد السكاني في العالم نجد أن كل إنسان يصل نصيبه من هذا التلوث الي حوالي متر مكعب من الكربون تقريباً. وإضافة إلى الآثار البيئية الخطيرة التي تواجه الإنسان من استخدام الفحم فإن التخلص من مخلفات الفحم مشكلة، علاوة على وجود نقطة خطيرة جدا ربما تغيب عن الكثيرين، وهي أن الفحم شديد الإشعاعية، وأكثر إشعاعية من الوقود النووي الذي تؤخذ اعتبارات صارمة في تصميمه. ويعد الفحم أكثر خطورة من أيضا من ناحية أخرى وهو أن اليورانيوم من أحد مكونات فحم المناجم حيث يوجد في تركيبة تربة المنجم نفسه الذي يحتوى على بقايا اليورانيوم المشع وبذلك يكون الخطر فيه كامنا. وبرغم أن الفحم موجود على نطاق واسع جدا في الكرة الأرضية خاصة الولايات المتحدة التي تمتلك أكبر مخزون من الاحتياطي له على مستوى العالم وهو الذي دعاها إلى التوسع في استخدامه على نطاق واسع في توليد الكهرباء ولكن بعد أن أدركت أن الفحم ملوث للبيئة وأن هناك غازين خطرين وهما أوكسيد الكبريت وأوكسيد النتروجين ينبعثان منه. ومع وجود تكنولوجيا تمكن من التخلص من هذه العنصرين الخطرين إلا أن التكلفة عالية جدا بدأت تبحث من جديد عن طاقة غير ناضبة لا تؤثر على البيئة.

 

*الوفد: لماذا الطاقة النووية.. ألا توجد بدائل أخري مقبولة بيئيا واقتصاديا؟


ـ د.عزت: تعتبر الطاقة النووية نظيفة نسبيا بالنسبية لغيرها من الأنشطة الصناعية وغيرها، حيث إن الدراسات أكدت أن أكثر المخاطر التي تنقص من عمر الإنسان هي:التدخين وتتدرج إلى حوادث الطيران والطرق وفي النهاية نجد الطاقة النووية لأن معايير الأمان في الطاقة النووية معايير صارمة بالنسبة لمصادر الإشعاع والكوبلت وغيرها. وفي تصميم المحطة يوجد ما يسمى بمصادر الأمان المتعددة لمنع التسرب الإشعاعي ولضمان عدم حدوث أي مخاطر اشعاعية. ويكون الوقود الموجود في قلب المفاعل في داخل تنك« من الصلب وتحيط به بحيرة من الماء كمادة عازلة، وبعد ذلك تنك آخر من الصلب وفي النهاية يكون المفاعل كله يحاط بمنى حاو يتكون من حوائط خرسانة مضغوطة بعرض متر ونصف المتر بحيث اذا اصطدمت بقلب المفاعل طائرة طراز 707 بأقصى سرعتها لا يتأثر المبنى. وهذه الحواجز المتعددة يتم تجربتها لتحقيق الأمن من العمق.


* الوفد: أليست هذه الإجراءات كانت متخذة في مفاعل تشرنوبيل الذي انفجر عام 1986؟


ـ د.عزت: رغم أن هذا الحادث كان مؤثرا إلا أنه كان شماعة علق عليها عدم تنفيذ مشروع البرنامج المصري لتوليد الطاقة النووية. وفي الحقيقة فإن تصميم مفاعل تشرنوبيل لم يكن تصميما جيدا يراعى فيه عوامل الأمان. والتجربة الغبية التي أجريت عليه وكانت سببا في الحادث تتعلق بخطأ بشري وآخر فني من الأجهزة بالمفاعل نفسه. وارتبط هذا الحادث بآخر وقع في الولايات المتحدة عام 1979 في ولاية بنسلفانيا التي نبهت لجنة الأمان النووي في الولايات المتحدة NCR إلى تفادي أو إصلاح وإعادة تصميم المفاعلات ووضع معايير جديدة أكثر صرامة من ذي قبل بحيث يندر أن يتكرر أو يحدث حادث تشرنوبيل أو ثري مايلد أيلاند في بنسلفانيا. العامل الآخر المطمئن أنه حدث تطور كبير في تصنيع أجيال جديدة من المفاعلات. وأهم هذه الأجيال يعرف بالمفاعلات متأصلة الأمان النووي التي تتميز بأنها ذاتية الدفاع عن نفسها ضد حدوث المخاطر حيث يدافع المفاعل عن نفسه، ويغلق معداته تلقائيا ولا يحدث أي مخاطر أو تلف في المفاعل نفسه. والميزات الأخري تتمثل في صغر المفاعل حيث يشغل نصف المساحة للمفاعل المشابه له في المفاعلات التقليدية، ويعمل به نصف عدد الأفراد أيضا. وقطع المفاعل نمطية التصميم بحيث يمكن معالجة أى خلل يطرأ على المفاعل وتكرار تركيبة المفاعلات في نفس الموقع أو في أي أماكن أخرى. وتصل قدرة الوحدة بهذه المفاعلات إلى 600 ميجاوات. وأعتقد أن هذه النوعية من المفاعلات هي المناسبة للمنطقة العربية والمصرية بصفة خاصة، حيث يمكن أن تستوعب الشبكة المصرية مفاعلات متوسطة الحجم بينما يصعب أن تستوعب مفاعلات أكبر التي تصل قدراتها إلى 1500 ميجاوات لأن شبكتنا الكهربائية ليست كبيرة لتستوعب هذه الطاقة في نقطة توليد واحدة. واعتبر أيضا أن هذه المفاعلات ستكون مجدية لمصر حيث يمكن أن تقام في أكثر من منطقة بالمحافظات.


* الوفد: هل الطاقة النووية أصبحت الملاذ الأخير لمصر في توفير طاقة بديلة للمستخرجة من البترول أم أن هناك مشروعات أخرى مثل توليد الكهرباء من المساقط المائية في منابع النيل أو الطاقة الشمسية؟.

 
ـ د. عزت: توجد فلسفة تعتمد على تنويع مصادر الطاقة حيث يتم الاستعانة بكافة هذه الوسائل جميعها في تدبير الطاقة للدولة ويضاف إلى مصدر غير ناضب أكثر جدوى أقل تكلفة على المدى الطويل وهذا موجود في الطاقة النووية. و في الطاقة النووية حاليا انطلاقة علمية كبرى لم تستخدم على نطاق تجاري حتى الآن، وهى خاصة بطاقة الاندماج النووي، التي تتم عن طريق نظير الأيدروجين ويسمى الديتريم الموجود في النواة لذرة الأيدروجين، حيث تجرى عمليات الاندماج النووي لتوليد طاقة رهيبة توازي الطاقة المولدة في الشمس التي تعتبر أكبر مفاعل يعتمد على الاندماج النووي خلق طبيعيا. ونحن في مصر لدينا قسم خاص للاندماج النووي على البارد بينما نحتاج إلى الاندماج النووي الحار. وهذا الفرع من الطاقة يعتمد على الديتريم المستخلص من المياه العادية. وكل 6000 ذرة ايدروجين بها ذرة واحدة ديتريم، وهناك وسائل كيميائية لاستخلاص الديتريوم. وصدرت بحوثا عن الاندماج النووي في كافة أنحاء العالم ونجحت 3 معامل في انتاج مفاعلات الاندماج النووي والمعروف باسم إتير ITAR وهي اختصار المفاعل الحراري النووي الدولي والتي اشتركت فيه مجموعة الدول الأوروبية واليابان وأمريكا. وعلى مدى حوالي 15 عاما منذ بداية التصميم إلى التشغيل لهذه النوعية للمفاعلات انتهى تصنيع المفاعل في فرنسا وبدأ التشغيل لهذا المفاعل الجديد.

 
* الوفد: هل هذه المفاعلات بعيدة عن المخاطر النووية؟

 
ـ د. عزت: أولا هذه المفاعلات تستخدم المياه كوقود وهى مادة غير استراتيجية، ومن ناحية أخرى فإن الاندماج النووي لا تنتج عنه اشعاعات خطيرة، أو حتى تقع بها حوادث نووية كإنفجار المفاعلات والطاقة التي تتولد، وتصل قدرتها إلى عدة آلاف من الطاقة المولدة من الانشطار النووي التي نتكلم عنها. وهذه المفاعلات لها ميزات كبيرة حيث نجحت بالفعل في الخروج إلى حيز الواقع العملي بتصنيع أول مفاعل نووي وتجرى محاولات أخرى لتصنيع مفاعلات أكبر في سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية وعندما تتحول هذه المشروعات إلى مشروع تجاري سيمكن الحصول عليها من السوق العالمية. وأذكر هذا المشروع على وجه التحديد لأنني أخشى أن يفوتنا عصر مفاعلات الإنشطار النووي ويأتي علينا عصر مفاعلات الاندماج النووي بعد أن بدأ تصنيعه في سويسرا بتعاون بين الدول الأوربية جميعا واليابان وانضمت إليها في آخر المطاف الولايات المتحدة. وهو مشروع ضخم لأنه أول مفاعل من نوعه ولكن سيتاح للجميع.

 
* الوفد: لو كلفت الآن بتنفيذ مشروع إقامة المحطات النووية، كم تحتاج من وقت ليتحول هذا المشروع إلى واقع ملموس؟


ـ د.عزت: هناك عدة عناصر لتنفيذ هذا المشروع وأولها الكوادر الفنية الجاهزة للعمل وتجميع الكوادر المتخصصة بما فيها استدعاء الخبرات المصرية التي هاجرت إلى الدول الغربية بعد توقف المشروع في ثمانينات القرن الماضي، وهم معروفون وسيرحبون بالمشاركة في هذا المشروع إذا تأكدوا أن البرنامج النووي المصري أصبح أمره جديا حتي لا يحدث لهم كما وقع من قبل. وهناك بنية أساسية في مصر تتمثل في الهيئات النووية لأن المفاعل أو المحطة النووية نطلق عليها مشروعات متعددة التكنولوجيات. وفي بداية الأمر نحتاج إلى دعم الامكانات النووية المرتبطة بالتصنيع النووي. وفي هذا الإطار لابد أن نستعيد ذاكرتنا وأوراقنا القديمة التي أجريناها في الثمانينات وقتما كان هناك حماس فعلي للدخول في المشروع النووي، وأجريت دراسات مكثفة عن أجزاء المفاعل النووي التي يمكن تصنيعها في مصر والشركات التي يمكن أن تشارك في عملية التصنيع. لابد أن نستيعد هذا الكلام لنعرف التغيرات التي طرأت على هذه الأماكن وكيف ندعم هذه الصناعات بالإضافة إلى الاستعانة بالخبرة الأجنبية المتمرسة في هذا المجال. وعموما المحطة النووية الكبيرة التي تترواح قدرتها ما بين 1000 و1500 ميجاوات تحتاج ما بين 10 ـ 15 سنة لكن بمجرد إنشاء المحطة أو الوحدة الأولي ستكون قد تأسست قاعدة تكنولوجية وصناعية يمكن الاستفادة منها في تصنيع مزيد من الوحدات وتصبح التكلفة أقل.


* الوفد: هل نستطيع أن ننفذ البرنامج النووي بعد بدأ جيل عمالقة الطاقة الذرية في الانقراض، وهرب الكثير من تلاميذهم إلى الخارج.


*
د.عزت: جيل الرواد الأوائل توفاهم الله وهم الذين أدخلوا المجال النووي البلاد قبل عام 1950، ونحن بدورنا من بقايا هذا الجيل الذين استفادوا من الدراسة في الولايات المتحدة في منتصف القرن الماضي، حيث درسنا في معهد أرجون وهو أكبر مركز متخصص في المعجلات التي تولد القذائف الذرية والطاقة العالية بسرعة الضوء وتخصيب الوقود النووي. ورغم أن التكنولوجيا النووية تطورت تطورا مذهلا والكوادر الموجودة حاليا ليست مثل التي دخلت المجال النووي من قبل، مع ذلك فإن مصر بها قاعدة علمية نووية رصينة تتمثل في وجود ثلاث هيئات نووية وهي: هيئة الطاقة الذرية التي تتكون من 4 مراكز بحوث (البحوث النووية في أنشاص ـ وبحوث تكنولوجيا الإشعاع بمدينة نصر ـ المركز القومي للأمان النووي الذي يضطلع بأمان المصادر الإشعاعية والمنشآت النووية ووضع التشريعات لها ـ ومركز المعامل الحارة«، وهي المختبرات التي تتولى التخلص الآمن من النفايات المشعة الصلبة أو السائلة. وبهذه البنية الأساسية من الهيئات النووية والخبرة التي تراكمت على مدى أكثر من نصف قرن وهو نفس التوقيت الذي دخلت فيه الطاقة النووية الهند التي سبقتنا وبنت حاليا 10 مفاعلات نووية أغلبها تم على أيدي خبرائها الوطنيين. ولا ننسي أن لدينا كوادر عاصرت البرنامج النووي المصري في الثمانينات وما قبلها وأغلبهم قد غادر البلاد للعمل في الخارج. وتبقى الحقيقة، وهي أن هيئة المحطات النووية مازالت قائمة التي توجد بها خبرات عالية مدربة على مستوي راق. وكانت الدولة قد اختارت موقع المحطة النووية الأولى في الضبعة بعد إجراء دراسات دقيقة جدا لاختيار الموقع، منها قربه من مصدر مياه التبريد ومراعاة اتجاه الرياح وبعيدا عن الزلازل وعدة اعتبارات تكلفت ملايين الدولارات. وخصص الموقع والجاهز للعمل حاليا بعد أن اتخذت الدولة قرارا للدخول في البرنامج النووي عام 1986 لبناء عدد من المحطات النووية تصل إلى 8 وحدات بحلول عام 2000 والتي لم يكتب لها النجاح حتى الآن.


* الوفد: هل نستطيع أن نحدد نسبة التصنيع المحلي في المحطة النووية الأولي؟


ـ د.عزت: هناك نسبة لا بأس بها يمكن تصنيعها محليا وخصوصا الأجزاء غير النووية في قلب المفاعل ربما الوقود مثلا ومع الوقت نستطيع أن نصنع الوقود النووي على نطاق واسع. وهذه الخبرة موجودة لدينا وبديهي أن نستعين بالوكالة الدولية للطاقة الدولية في اكتساب هذه الخبرات.

 
* الوفد: ما هي أهم الدول التي تشتهر بصناعة المفاعلات النووية وكيف نخرج من الوقوع في التبعية النووية لدولة ما؟


ـ د. عزت: أي دولة أو شركة مصنعة للمفاعلات ستعتمد بلا شك على شركتين رئيسيتين وهما: »جنرال ألكتريك« و»وستنجهاوس« الأمريكيتان. والأولي تصنع مفاعل الماء المغلي والأخري بالماء الخفيف. وأي شركة منهما تستطيع بناء هذا المفاعل بالإضافة إلى أن جنوب أفريقيا لديها خطة تبدأ في عام 2007 إنتاج جيل جديد من المفاعلات الصغيرة تصل قدرته إلى 110 ميجاوات. وهذا المفاعل يمكن تكرار وحداته لأنه صغير الحجم.


* إذن ستظل الولايات المتحدة هي المتحكمة في مصير البرنامج النووي؟

 

 ـ د.عزت: لو كانت النوايا خالصة سيتم تنفيذ البرنامج. وعلى كل حال سنلجأ إلى الولايات المتحدة في حالة تصنيعنا المحطات النووية لأنها المكان المختص بهذه التكنولوجيا والمهيمنة على توجهاتها في العالم. وتوجد أيضا دول أخرى تصنع المفاعلات مثل كندا التي تصنع مفاعلات »الكاندو« وهو مختلف عن المفاعلات التقليدية التي تستخدم الماء الثقيل كمهدئ ومبرد للمفاعل وهو يتميز بأنه يمكن استخلاص كميات بلوتونيوم أخرى من الوقود المحترق بما يعني أن الدولة التي تكون لها أهداف استراتيجية أخرى مثل الهند يمكنها أن تستخدم البلوتونيوم في الصناعات العسكرية. وهذا المجال لا يمكن لمصر أن تقتحمه لأن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية كبلتنا ومنعتنا من أننا ندخل المجال النووي العسكري.


* الوفد: هل نستطيع تصنيع الوقود النووي حتي نتخلص من التبعية في مسألة التشغيل للمحطات النووية أم سنظل تحت قيود تفرضها الجهات الموردة لهذه المواد؟


ـ لدينا خلفية قوية جدا لتصنيع وقود مفاعلات الأبحاث التي لدينا، ولكننا نستورد المواد التي تدخل في التصنيع جاهزة كأكسيد اليورانيوم. وتوجد مراحل كثيرة جدا قبل عمليات التصنيع وهي العمليات التي تريد إيران تنفيذها حاليا، حيث تخصب اليورانيوم وبعد ذلك تبدأ عملية الفصل حيث أن الإنشطار في اليورانيوم 235 توجد نسبة منه قليلة جدا في الحالة الطبيعية للخام، ويتطلب الأمر أن يتم تنشيطه ليصل إلى يورانيوم مشع 238 الموجود بنسبة 7% في اليورانيوم. وحتي يتم تصنيع وقود نووي مخصب لابد أن يكون على الأقل 20% من الكمية اللازمة لتشغيل المفاعل أو حتى 3% لبعض أنواع المفاعلات و يرتفع إلى 80% بمفاعلات أخرى أو القنابل الذرية. وعلى العموم عملية التخصيب هذه بالغة الصعوبة والتعقيد ويكفي أنها تحتاج إلى متسلسل لإتمام عملية التخصيب عبارة عن آلاف الوحدات لإتمام عمليات الفصل لليورانيوم المخصب، وهى تكلف أموالا باهظة لإنشائها. ومحطات تخصيب اليورانيوم محدودة على مستوى العالم.

 
* الوفد: عدم تصنيع الوقود المخصب هنا ألا يحول المشروع النووي إلى عنصر مكلف جدا خاصة أن هذا المحطات النووية ستكون لأغراض سلمية تماما؟


ـ د.عزت: تكلفة المحطة النووية تتراوح ما بين 2-3 مليار دولار وهي تكلفة عالية إذا ما قارنتها بالمحطات الحرارية التقليدية، ولكن عندما نحسب تكلفة التسعير على عمر المحطة التي يصل عمرها الإفتراضى إلى نحو 40 عاما تصبح الكلفة أقل. وإذا وضعنا حسابات التكلفة على مرحلتين وهما التكلفة الاستثمارية وتكلفة التشغيل نجد أن تكلفة التشغيل اليومية في المحطات النووية أرخص كثيرا حيث إن سعر وقود اليورانيوم أقل كثيرا من كميات الفحم أو البترول الهائلة التي نستخدمها. وعندما نأتي في تشغيل المحطة لتوليد الكهرباء لمدة 30 أو 40 سنة نجد أن التكلفة في التشغيل هى العنصر المهم حيث يتم حساب تكلفة الكيلو وات ساعة على عنصري التكلفة الرأسمالية والتشغيلية. والمقارنات دائما تعقد دائما بين توليد الكهرباء من المحطات النووية والمستخرجة من الفحم والبترول. ومن المعروف علميا أن تكلفة المحطات النووية أقل كثيرا من غيرها.

 
* الوفد: هل يمكن أن تنشأ صعوبات في تمويل المشروع النووي؟

 
ـ د.عزت: الصعوبات التي تواجه المشروع في بدايته هي التكلفة الرأسمالية، وأتصور أن يتم التغلب عليها من خلال الحصول على قرض للمشروع أو معونة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو أمر وارد لأننا من الموقعين على اتفاقية حظر الأسلحة النووية ويتيح لنا ذلك الحصول على الدعم الفني والمالي لتنفيذ مثل هذه المشروعات. وأعتقد أن المسألة المالية لها حلول والمهم أن نكون متفقين على المبدأ وعلى كل حال دعونا نحسب ما أنفقناه على مشروعات ليست لها أهمية مثل هذا المشروع خاصة أنه يتعلق بالطاقة وهي عصب الحياة. وعندما نتكلم عن المشروع النووي فإننا نبحث عن الطاقة غير الناضبة، حيث إن البترول أو الفحم سينضب عاجلا أم آجلا حيث إن تقديرات عمره الافتراضي مع الغاز تترواح ما بين 30 ـ 50 عاما في أفضل التوقعات. إنما الطاقة النووية ليست ناضبة حيث إن عمر المحطة يمكن أن يصل إلى نحو 50 عاماً وهناك وفرة في الوقود النووي وبأسعار مناسبة بالإضافة إلى وجود مفاعلات اقتصادية في التشغيل والاستهلاك للوقود.


* الوفد: كيف نقنع الناس بعدم وجود مخاطر من المفاعلات النووية بعد أن ظللنا سنوات طويلة نقول لهم إن هذه المفاعلات شديدة الخطورة ولا يجب التفكير في أمرها؟


ـ د.عزت: لابد من تنظيم حملة إعلامية قوية يقوم بها المتخصصون بصفتهم القادرين على الكلام في هذه القضية، وإقناع الناس بالجدوي الإقتصادية لهذه المحطات وتعريف الناس بأن الطاقة النووية لها جوانب كثيرة جدا وتمثل فائدة كبرى للناس. ومنها أنها تستخدم في تشعيع الأغذية بما يقلل الفاقد منها الذي يصل إلى عدة مليارات من الأطنان في الدول الأفريقية بمفردها. وتستخدم أيضا في تعقيم اللحوم من الأمراض كالسلامونيلا القاتلة حيث يتم التخلص منها وزيادة مدة تخزين اللحوم في الهواء الطلق أو مبردة، بالإضافة إلي حماية البصل والبطاطس والخضروات سريعة التلف التي يمكنها أن تصبح ذات عائد جيد وبدلا من استخدام المواد الكيماوية في تطهير هذه المنتجات بما يمثل خطورة على صحة المواطنين. ويمكن بالتكنولوجيا النووية أن نطهر مياه الصرف الصحي التي تصل كمياتها إلى مليارات الأطنان سنويا وإعادة استخدامها في الري بعد تطهيرها من الميكروبات والجراثيم عن طريق التشعيع. وبذلك يتم التخلص من مشكلة الصرف وتحويل منتج ضار بالبيئة إلى منتج اقتصادي يستخدم في الزراعة والري .

 

______________ 

فهرست الموضوعات