تمهيد وعرض تاريخى

 

 

إن التاريخ المكتوب يعود بنا إلي ما قبل عام 3000 قبل الميلاد أي إلي أكثر من 5000 سنة ، ويمكن تقسيمه إلي ثلاث عصور رئيسية : التاريخ القديم ، والعصور الوسطى ، والعصور الحديثة ـ ولكن فيما قبل هذا يمتد عصر ما قبل التاريخ ضاربا في القدم إلي آماد أطول من التاريخ المدون كله .. حيث كان الصيد أو القنص أو البحث عن الماء هو كل أعمال إنسان ما قبل التاريخ ، فكانت أدواته في الصيد هي الأدوات التي تقدمها الطبيعة بنفسها إليه   فيختار منها ما يلائم أغراضه . وكانت أولى هذه الأدوات هي الأحجار ولذلك سمى هذا العصر بالعصر الحجري وقد دام هذا العصر الي 7000 سنة .. وتم خلاله إنتاج بعض السلع من الطين أيضا ، وبذلك يعد الطين أول خامة طبيعية يتم تشكيلها بحالتها بمعرفة الإنسان . ولعل الرجل البدائي الذي عاش منذ 25 ألف سنة استعمل الطين لتكسية السلال المجدولة من الغصون اللدنة للأشجار و تركها لتجف في الشمس وتتصلب لجعلها صالحة لاحتواء المياه التي كان يحملها من المجارى القريبة من كهفه .

 

كما أن الحفائر التي أجريت في مناطق الاستيطان المبكرة في وادى النيل كشفت عن قطع من الأوانى " المحروقة " عند أعماق من الأرض تشير إلي أنها كانت مدفونة أغلب الظن منذ حوالى 15 ألف عام قبل الميلاد . وباكتشاف المعادن أتيحت للإنسان بعض الإمكانيات التي ساعدته على تطوير وتحسين طرق صنع الأسلحة والأدوات التي كان يستعملها في العصر الحجرى ، وإنتاج أنواع عديدة منها متعددة الأشكال . وقد جرى العرف على تقسيم عصور ما قبل التاريخ المصرى[1] إلى ثلاثة مراحل رئيسية [2] :

·     العصر الأول : ويطلق عليه إسم عصر ماقبل الحجرى القديم وقد استعملت فيه الأحجار كما وُجدت فى الطبيعة مع بعض التهذيب .

·     العصر الثانى : ويطلق عليه إسم العصر الحجرى القديم ، وهو عصر إستعمال الحجر المهذب تهذيبا بسيطا بعد القطع ، ومنه يتفرع العصر الحجرى الحديث ، وهو عصر الحجر المصقول بعد التهذيب .

·     العصر الثالث : هو الذى ظهر فيه إستعمال المعادن ، ويطلق عليه عصر بداية إستعمال المعادن. وقد استعمل فى هذا العصر الحجر والنحاس ، ومنه يتفرع عصر البرونز وعصر الحديد.

وكان معدن الحديد من أول المعادن التي عُرفت للإنسان ، لأنه يتساقط بصورة نقية تقريبا من السماء في شكل نيازك . وعلى أية حال فقد ظل الإنسان حتى حوالى سنة  1300 قبل الميلاد لايعلم كيف يستخلص الحديد من خاماته .

وقد عرفت الخامات المعدنية واستغلت في مصر القديمة منذ عصر ما قبل الأسرات وخاصة خامات الذهب والنحاس وأحجار الزينة .. ومع تزايد الطلب في مصر القديمة على الذهب والنحاس والأحجار الكريمة وخامات الألوان بدأت علوم الجيولوجيا الإقتصادية بتسجيل كيفية وجود الخامات ووضع نظريات عن نشأتها وإرسال البعثات الجيولوجية للكشف عن الخامات وإستغلالها .

ويسجل التاريخ أن رئيس أحد كتائب إستكشاف المناجم بالصحراء الشرقية ، نقش إسم الفرعون "زت" على صخرة بطريق المناجم بالصحراء الشرقية من إدفو إلى مرسى علم . والفرعون "زت" هو أحد ملوك الأسرة الأولى التى حكمت مصر القديمة مائتى عام من عام 3200 ق.م. إلى عام 3000 ق.م. . كما أن خوفو أحد ملوك الأسرة الرابعة (2900 2750 ق.م.) ، لم يشغله بناء الهرم الأكبر عن إرسال حملات مكثفة إلى الصحراء للحصول على المعادن والأحجار . وترك خوفو إسمه منقوشا فى مناجم النحاس والفيروز فى شبه جزيرة سيناء [3] .

والمعادن التي عرفت في مصر تشمل الذهب والنحاس والقصدير والتنجستن والنيوبيوم والتنتالوم والرصاص والزنك والنيكل والكروم والحديد والتيتانيوم والبريليوم والتلك والباريت والأسبستوس والجرافيت والفوسفات والرخام والألباستر . وإستغل معظم هذه الخامات في فترة أو أخرى على امتداد تاريخ مصر إلا أنه في الوقت الحاضر لايستغل سوى الحديد والفوسفات والتلك وخامات البناء وبعض أحجار الزينة وقليل من غير ذلك من الخامات .

وبدأت الدراسة المنظمة للخامات المعدنية في مصر مع بدايات هذا القرن عندما أعد هيوم Hume  قائمة بالخامات المعدنية المصاحبة لصخور البريكامبرى في مصر وتقسيمها، وكيفية وجود هذه الخامات وطريقة تكوينها ( Hume , 1937 ) والتقسيم الذي يتبعه الجيولوجيون حاليا هو الذي وضعه حسين (1990) [4] ونشر ضمن كتاب رشدى سعيد (1990) عن جيولوجية مصر . وفي نطاق هذا التقسيم ، ُقسمت  الرواسب  المعدنية في مصر إلى مجموعات وُوضعت قائمة تضم كل الرواسب المنتمية لكل مجموعة مع عرض لجيولوجية المجموعات المختلفة وكيفية تكونها والظروف والبيئات الجيوتكتونية التي نشأت في ظلها كل مجموعة متوافقة في ذلك مع النماذج المقبولة لنشأة وتطور الدرع  ( Shield ) [5] العربى النوبى وصخور الغطاء .

 

وحينما يتحدث رجال التعدين عن الخامات المعدنية فهم يتحدثون عن تركيزات لبعض العناصر داخل القشرة الأرضيه ، أو على سطحها ، أو في البحار والمحيطات أو في قيعانها ، مما يتخذ أشكالا يمكن إستخراجها بطريقة إقتصادية ، وقد يكون الناتج النهائى بعد الاستخراج والمعالجة عنصرا فلزيا أو غير فلزى . فلزيا مثل الحديد والنحاس والزنك ، أو غير فلزى مثل الكبريت والزئبق . وقد يكون الناتج مركبا كيميائيا مثل ملح الطعام أو أحد أملاح البوتاسيوم ، وقد يكون الناتج معدنا مثل الأسبستوس والكورندم ، وقد يكون الناتج صخرا مثل الحجر الجيرى و الحجر  الرملى أو الرخام .

 

ويمكن القول بصفة عامة أن الثروة المعدنية تصنف الى ثلاث مجموعات رئيسية هى :

1 خامات الطاقة .   2 الخامات الفلزية .    3 الخامات اللافلزية .

وتضم كل مجموعة من هذه المجموعات الثلاث مجموعات تفصيلية فرعية (شكل رقم 1) . وسوف لانتعرض في هذه الدراسة عند حصر الموارد المعدنية للمواد البترولية لإنفرادها بطبيعة خاصة تميزها عن بقية الخامات المعدنية .

 

 

 

ويحدد رجال التعدين احتياطيات الخامات التعدينية Ore reserves  ويحسبونها ويفرقون بينها وبين موارد الخامات التعدينية  Ore resources  باعتبار أن الاحتياطى جزء من الموارد تم تأكيد جدواه الفنية والاقتصادية . ومن الواضح أن الهيئة المصرية العامة للمساحة الجيولوجية تتبنى حاليا النظام الأمريكى في تعريف المصطلحات الدالة على تصنيف احتياطى الخامات ومواردها وتحديد الفئات Categories  التي تتضمنها كل منها ويتضح ذلك من تقريرها الصادر بعنوان "نحو استراتيجية للمناجم والمحاجر في مصر حتى عام 2020 " المقدم للمجالس القومية المتخصصة  عام 1995 . وهذا النظام تم اقراره في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1980 بالنشرة رقم 831 الصادرة من مصلحة المناجم  USBM ومن مصلحة المساحة الجيولوجية الأمريكية USGS  .

  

وكان النظام المتبع عندما كانت مصر تعتمد على الاتحاد السوفييتى السابق في المساعدات الفنية والاقتصادية في الستينيات هو النظام الروسى في تصنيف احتياطيات الخامات ومواردها في كافة تقارير الأبحاث الجيولوجية مع اضافة معايير محلية أو سياسية بالمفهوم السائد وقتها على حساب النواحى الاقتصادية للمشروعات التعدينية و ربطها باتجاهات السوق العالمى ومتطلباته . وسوف نتعرض للمشكلة المصرية في هذا الشأن في موضعها بهذه الدراسة ، وهى المشكلة التي كانت تظهر دائما ومازالت عند كتابة تقارير احتياطى الخامات ، أو عند التصريح بها للجهات المختصة ، أو الإعلان عنها بالمؤتمرات العلمية . وهذه المشكلة ناتجة عن عدم وضع التزام بكود واضح يتم فيه تعريف وتحديد المصطلحات الدالة على تصنيف احتياطى الخامات بفئاته المختلفة بدقة واعية مدروسة قبل البدء في ضخ الأموال في تنفيذ مشروعات لم يتم تأكيد جدواها الإقتصادية .

 

 وللحقيقة فإن هذه المشكلة ليست مصرية فقط ، بل إن أرقى الدول وأكثرها تطورا وتقدما في صناعة التعدين ، مازالت تسعى حتى الآن في تطوير أنظمتها في هذا المجال ونذكر على سبيل المثال أن مجلة E & MJ  أشارت في أحد مقالاتها بعدد أغسطس 1993 إلى أنه قد أصبح من الضرورى وضع تصنيف دقيق ومحدد لهذه الفئات يعتمد على معايير تكنولوجية واقتصادية وبيئية محددة ، حيث أن ذلك أصبح لازما عند التعامل مع أسواق المال وجهات التمويل المختلفة  .

 

ومن هنا نرى أهمية إصدار كود مصرى له قوة التشريع ويكون ملحقا بقانون المناجم والمحاجر،  وملزما لجهات التعدين المختلفة وأشخاصه عند تقديم تقارير الميزانيات وبيانات المراكز المالية أو عند التعامل مع أسواق المال وجهات التمويل المختلفة . كما يحدد هذا الكود الشخص أو الأشخاص المسئولين المرخص لهم إصدار البيانات والمعلومات بشأن تحديد صفة احتياطيات الخامات وفئاتها ، كما يحدد الكود شروطا واضحة لصلاحيتهم وخبرتهم سواء كان هذا الشخص يعمل في الهيئة المصرية العامة للمساحة الجيولوجية ، أو عضوا في جمعية التعدين والبترول ، أو كان أحد العاملين في شركات التعدين المختلفة ، أو كان يعمل لحسابه . كما يجب أن يحدد الكود الجهة المسئول أمامها هذا الشخص أدبيا ومهنيا . وأخيرا أن يتلاءم هذا الكود مع المرحلة الحالية التي تمر بها مصر ويساير الاتجهات العالمية . ولهذا الموضوع أهميته القصوى حيث أن الثروة المعدنية من الموارد الهامة الحساسة التي يلزم التعامل معها بعلم وحذر أيا كان نوع الخام الذي يجرى التعامل معه زلطا أو رمالا أو حديدا كان أو ذهبا .

 

ومما سبق نرى أن التعدين منذ عصور ما قبل التا ريخ كان متمما بل وضروريا لحياة الانسان وتلبية احتياجاته ، وأنه كان مصاحبا فى ذلك للنشاط الزراعى باعتبار أن الزراعة تشمل أعمال الفلاحة والقنص وصيد الأسماك واستئناس بعض الحيوانات وتربيتها واستغلال الغابات خشبا وثمارا . أما النشاط الصناعى فقد كان ومازال نشاطا لاحقا بهدف تحقيق أفضل استفادة ممكنة من الثروة المعدنية والثروة الزراعية .

ونرى أيضا أن حركة التاريخ كلها تقريبا حتى عصرنا الحالى يحكمها رغبة الانسان الجامحة في السيطرة على مصادر الثروة الزراعية والثروة المعدنية التي يملكها الآخرين بأى شكل حتى ولو أدى ذلك إلى قهرهم واستعبادهم . ونرى في الجانب الآخر أن رسالات السماء باعتبارها  مؤثرة هى الأخرى على حركة التاريخ إنما نزلت لهدف نهائى هو الحد من أطماع الانسان في هذا الشأن وتعمير الأرض على أساس أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه لتحقيق الأمن النفسي والاجتماعى له وللآخرين .

 

ومصر ليست بعيدة عن حركة التاريخ ، وإن كان معظمه قهرا وظلما سواء من داخلها أو من خارجها . وذلك نتيجة لضعف وخلل النظم السياسية والاقتصادية الحاكمة ، أو لعدم انضباط وجدية تنفيذ النظم الجيدة المتاحة ، أو نتيجة لاستبداد الحكام وعدم تمكينهم الشعب من أن يكون سيدا لمصالحه . وإن كان أحد أهدافنا الرئيسية فى هذه الدراسة هو بحث إمكانات إعادة ترتيب الأوضاع بما يؤدى إلى تطوير وضبط الأنشطة المتعلقة بمجال الموارد المعدنية واقتصادياتها وآفاق تنميتها ، فإننا يجب أن نضع الإنسان المصرى تأهيلا واستثمارا وأمنا إجتماعيا على قمة إهتمامنا لكى يمكن بلورة منهجا جديدا ناجحا لإدارة تلك الموارد ، ساعين فى ذلك إلى أمل التخلى عن أسوأ سيناريو تُدار به حاليا موارد الثروة المعدنية في مصر .حيث يحكم مسار هذا السيناريو إدارة غير فعالة أو مؤهلة لوضع استراتيجية صحيحة للتنمية ، ويوجه أحداثه سوء اختيار رجال تلك الادارة أو العجز عن اختيارهم ، أو غياب النظام الفعال لتأهيلهم واختيارهم ثم متابعتهم ومراقبتهم  .

 

والوضع الراهن فى مصر بعيدا عن متاهة المصطلحات السياسية والإقتصادية هو انتقال من رأسمالية الدولة التي تملك وسائل الإنتاج وتختار الإدارة وتفرض السياسات إلى رأسمالية القطاع الخاص التي تقوم على حرية السوق وآلياته ، أى أن الدولة قد تخلت عن الإقتصاد الموجه الذي تتحكم فيه بقراراتها المتعلقة بالإنتاج والإستثمار إلى نظام يضمن المبادرة الشخصية والملكية الخاصة .. والتساؤل المطروح هنا : هو كيف السبيل إلى حماية الإنسان المصرى من أن يصبح بفعل لعبة الملكية الخاصة أو ملكية الدولة أجيرا مُستَغلا ومقهورا .. وهو بقوة عمله مصدرا أساسيا وهاما لتمويل المنشأة  الإقتصادية ذاتيا ..؟! .

 

وعند تناولنا عرض أفضل الخيارات الممكنة بهدف إخراج مصر من دائرة التخلف الحالية في مجال تنمية الموارد المعدنية سوف يكون أمامنا عدة محاور نرتكز عليها من أهمها :

   ضروررة الإدارة الواعية الرشيدة للموارد المعدنية ، وضرورة تحديد دور الدولة فى هذا الشأن بناءً على الشعار القائل "على الدولة أن تقلل من تدخلها بقدر ما هو ممكن ، وأن تزيد من تدخلها بقدر ما هو لازم "  وهو شعار استعرناه من النظام الألمانى لملائَمته وجدواه في هذا المجال.

  بحث إمكان تحقيق التوازن بين قوة رأس المال وقوة العمل .

    بحث كيفية تجنب الخطر الإقتصادى الذي يمكن أن يواجه قوة رأس المال في مجال التعدين مع تحقيق السلام الاجتماعى للقوى العاملة عن طريق إحاطتها بشبكة كثيفة من الضمانات الإجتماعية .

وأنه إذا أُريد للنشاط التعدينى ومشروعاته في مصر أن يكون خلية حية فعالة بالنسيج الإقتصادى والإجتماعى يجب أن يكون لهذا النشاط ثلاث أبعاد كما يلى :

g بعد اقتصادى : وهو أن ننتج بحد أعلى من الكفاءة والفعالية وبإدارة مثلى للموارد ، منافع وخدمات ذات نفع إجتماعى واقتصادى مؤكد وغير مشكوك فيه .

g بعد إجتماعى وبيئى : وهو أن تحقق هذه المشروعات مهمتها في ظروف إجتماعية تحقق السلام الإجتماعى للإنسان ولاتؤدى إلى إستلابه وإرتهانه وإهدار إنسانيته ، وأن لاينتج عن هذه المشروعات تلوثا لبيئته أو ضررا بحياته وصحته.

g بعد ثقافى :ليس فقط لتأمين الثقافة المهنية المتخصصة المستجيبة لحاجات المشروعات التعدينية وللإرتقاء بالمهنة في هذا المجال بل أيضا ..

+  لمنح الثقافة "الإقتصادية" التى تتيح فهم تسيير المنشأة والمشاركة فيه .

+  ولمنح الثقافة "الجمالية" التي تنمى الأمل في الفعل الخلاق وتنمى الإستعداد للإستباق في

هذا الشأن .

+  ولمنح الثقافة "الإستقبالية" كتأمل في الغايات والأهداف ، والتى غايتها الأخيرة تنشيط

الإستجابة الخلاقة لدى كل فرد .

 

ولرسم سياسة للنشاط التعدينى في البلاد فإن ذلك يحتاج في المقام الأول إلى المعرفة العلمية المنظمة للموارد الطبيعية للبلاد حتى يأتى تخطيطنا لها مبنيا على حقائق موضوعية وليس على افتراضات وإحساسات شخصية حتى لاتتقلب سياستنا بين التفاؤل الخادع الذي يصحبه الإقدام وخسارة المال والوقت ، أو التشاؤم الذي يعقبه الإحجام والإحباط ويؤدى إلى التخلف عن ركب الحضارة ، وأن نضع في الإعتبار ما يلى عند رسم هذه السياسة :

 

  • 1 -  أن مشروعات التعدين يصاحبها مجازفة مالية كبيرة بالمقارنة بأى مشروعات لأى نشاط آخر بدءً من المجازفة بتكلفة الأبحاث الجيولوجية وانتهاءً بتكلفة إستخراج الخامات وتجهيزها للسوق أو لمراحل التصنيع التالية . ويجب في جميع الأحوال وضع هذه المجازفة في الإعتبار حيث أنه وبصرف النظر عن تقلبات أسعار الخامات في السوق العالمى وتأثير الإحتكارات الدولية والشركات المتعددة الجنسية فإن تحليل وحساب التدفقات النقدية المتوقعة عند تقييم أى مشروع تعدينى هو من الأعمال البعيدة عن أن تكون علما منضبطا بقواعد ثابتة ودقيقة لكافة أنواع الخامات على إختلاف أنواعها أو مواقعها ، حيث يسود عدم اليقين بدرجات متفاوتة لعدم ضمان إنتظام وثبات التركيبات الجيولوجية وكذلك عدم ضمان إنتظام وثبات الرتبة والتركيب المعدنى لنفس الخامة محل الإستغلال ، بالإضافة إلى صعوبة حساب الكميات التي يمكن إستخراجها أو الكميات الناتجة بعد تجهيز الخامات حسابا دقيقا ، ولذلك يجب في جميع الأحوال توقع هذه المجازفة وتحديد درجة الثقة بقدر الإمكان في البيانات المتاحة من الأبحاث الجيولوجية ووضع ذلك في الإعتبار عند تقييم المشروعات التعدينية .

  • 2    إنطلاقا من الإعتبار السابق نرى أن حاجة مشروعات التعدين إلى الإستثمارات تفوق حاجة أى مشروعات أخرى في أى قطاع آخر ، وذلك لحجم الإنفاق الكبير المغامرلجمع البيانات الكافية عن طريق الأبحاث الجيولوجية ، وجمع العينات واختبارها وإجراء التجارب عليها ، ثم دراسة الجدوى والدراسات المكملة لها لكى يمكن بعد ذلك إتخاذ القرار المناسب للإستمرار في المشروع أو للتوقف عنه . يضاف إلى ذلك حاجة قطاع التعدين في مصر إلى استثمارات ضخمة إضافية لإنشاء المرافق والبنية الأساسية لتواجد معظم الخامات في الصحراء التي تنعدم فيها تماما المرافق والبنية الأساسية .

  • 3    وبما أن أعمال البحث والدراسة هى الخطوة الأولى في صناعة التعدين وأن هذه الأعمال تلتهم نصيبا كبيرا من الإستثمارات المشكوك في عائدها .. لذا يجب أن يكون للدولة دورا هاما في هذا المجال عن طريق الدعم والحوافز المختلفة وحشد الإمكانيات في برنامج طويل المدى للتعرف على الخامات والثروة المعدنية الكامنة في البلاد تمهيدا لإختيار الصالح منها للإستغلال الاقتصادى طبقا للأولويات المحددة . ويجب أن نضع في إعتبارنا أنه حتى في ظل إقتصاديات السوق ، ومع الوصول إلى مرحلة الخصخصة الكاملة بمعنى الإنتقال الكامل إلى إقتصاديات القطاع الخاص الذي يتأثر فقط بآليات السوق ورغبات المستهلك ولايتأثر بأى معايير أو متغيرات مركزية ، فستظل الحكومات المركزية في أى بلد من بلاد العالم هى صانعة السياسات الإقتصادية في البلاد بالمشاركة الإيجابية في صياغة توجهات التنمية لتحقيق الحشد المطلوب لموارد المجتمع .

  • 4    يتميز التعدين بأنه إحدى الصناعات التي لايمكن أن تُنقل خبرتها بالكامل من أى مصدر من مصادر الخبرة العالمية ، حيث لاتوجد ظروف تكوين واحدة وخواص طبيعية وكيميائية وبيئية واحدة لخامة واحدة ، وكل منجم هو حالة خاصة قائمة بذاته ، بما يعنى أن خبرة كل خامة هى خبرة غير متكررة طبق الأصل ، وهى خبرة محلية بالدرجة الأولى . مما يؤكد على ضرورة تنمية الخبرات المحلية الواعية التي يمكنها تطويع النظريات الحديثة والإستفادة من التطور العلمى والعالمى السريع المتلاحق في التكنولوجيا ومعدات التعدين لحل المشاكل المحلية للخامات .

  • 5    يجب المحافظة بكل قدراتنا على مصادر الخامات التعدينية وبالأخص الفلزات لأن احتياطياتها العالمية قليلة ويجب الإقلال من الفاقد في عمليات الإنتاج والاستخراج وتركيز الخامات ، وأخيرا في الإستخدام ، ووضع المعايير الكافية والمنضبطة للإستغلال الأمثل للموارد التعدينية وعدم إهدارها ، واستخدام البدائل كلما أمكن ذلك كما يحدث منذ زمن على سبيل المثال في إحلال الألومونيوم محل النحاس في بعض الصناعات والإستخدامات .

 

وسوف تشمل الدراسة الحالية على بابين ؛  الأول يشمل ثلاثة فصول . الفصل الأول موضوعه الموارد المعدنية والنمو الإقتصادى ، والثانى يستعرض حصرا الموارد المعدنية بمصر وواقعها وإمكانيات التنمية، والثالث يدور موضوعه حول مشاكل نقل التكنولوجيا وتمويل المشروعات التعدينية . ونوضح هنا أننا لانتعمد فى هذا الباب محاكمة الماضى أو الحاضر ، بل نقصد بذل الجهد فى العرض والتحليل لإستخلاص بعض النتائج لتغذية الدراسة المستقبلية التى نستهدفها فى الباب الثانى ، حيث يدور الباب الثانى حول الرؤية المستقبلية وإستطلاع تداعيات الواقع الحالى خلال الزمن حتى عام 2020 ، وذلك  بإدارة بعض السيناريوهات المطروحة فى ساحة العمل الوطنى ، والتعامل معها فى إطار المفاهيم التى يتبناها المفكرون فى كل منها . وسوف تكون أدواتنا فى هذا الشأن هى إستخدام أساليب "التحليل الوصفى" وأساليب "تحليل الإتجاه ثم الإسقاط" ، مع مراعاة الشمول والنظرة الكلية للأمور ، والتعلم من تجارب الماضى القريب ، والبعد عن التعقيد مع تفادى الإفراط فى التبسيط . ويشمل الباب الثانى فصلين . الأول يستعرض قاعدة بيانات الموارد المعدنية المبرمجة التى تم إنشاؤها  بحيث يمكن إدخال أو تصحيح أى بيانات مستقبلا ، أى يمكن إستخدامها كقاعدة بيانات ممتدة خلال الزمن  . كما إستعرضنا فى هذا الفصل رؤيتنا لأهم محاور الحركة فى السيناريوهات المطروحة محل إهتمام مشروع مصر 2020 الذى يتبناه منتدى العالم الثالث / مكتب الشرق الأوسط بالقاهرة .  ويستعرض الفصل الثانى من الباب الثانى رؤيتنا للصورة العامة لمسارات السيناريوهات المطروحة . ونرجو أخيرا أن نُوفق فى تسليط الضوء على مداخل المسارات التى تمثل ـ من وجهة نظرنا ـ أفضل الخيارات الممكنة  لإخراج مصر من دائرة التخلف الحالية في مجال تنمية الموارد المعدنية والإنطلاق بها على طريق التنمية الشاملة والمطردة ومايتبع ذلك من إقتراحات للتغيير المطلوب في الوضع الراهن "وإعادة ترتيب البيت" فى مجال من أهم المجالات فى رأينا وهو إدارة المجتمع وتنمية موارده الطبيعية والبيئية .

 

 

 

المصدر : عاطف هلال - كتاب الموارد المعدنية وآفاق تنميتها حتى عام 2020 . الناشر : المكتبة الأكاديمية يناير 2011 

 

 



[1] ماقبل التاريخ المصرى: يبدأ من ظهور الإنسان فى وادى النيل إلى بداية الأسرة الأولى حوالى عام 3200 ق.م. ؛ وهذا العام هو التاريخ الذى بدأ فيه ملوك مصر المتحدة (الملك مينا موحد الوجهين القبلى والبحرى) يحكمون البلاد ، ويعرف ببداية التاريخ المصرى ..

  المصدر : سليم حسن ؛ موسوعة مصر القديمة ؛ الجزء الأول / الهيئة المصرية العامة للكتاب .

[2]  المصدر : نفس المصدر السابق .

[3] المصدر : نفس المصدر السابق .

[4]  هو الدكتور عبد العزيز عبد القادر حسين عضو الفريق البحثى للدراسة الحالية .

[5]  Shield : A large area of very old igneous and metamorphic rocks .