الحلقة 11

خط بارليف وحكايات الساتر الترابى

"The greatest enemy of knowledge is not ignorance, it is the illusion of knowledge." - Stephen Hawking

 

أنشأ العدو خطا دفاعيا قويا ، أطلق عليه خط بارليف Barlev Line ، وكان رأى المحللين العسكريين الأجانب والمصريين أن خط بارليف والساتر الترابى وقناة السويس كمانع عسكرى ، يشكلون  جميعا معا مانعا دفاعيا قويا حصينا أكثر قوة  وتحصينا من أى مانع آخر من الموانع العسكرية التى عرفتها الحروب الحديثة .. وقناة السويس وحدها ، التى  يتراوح عرضها بين 180 و 200 متر، بأجنابها حـادة الميل المكسوة بالدبش والحجارة ، تمثل مانعا يصعب على أية دبابة برمائية عبورها إلا إذا تم نسف أكتاف الشاطئ وتجهيز منزل ومطلع تستطيع المركبة البرمائية أن تستخدمهما في النزول إلى الماء والخروج منه ( أنظر شكل رقم 1) . وإضافة لقناة السويس نستعرض فيما يلى أخبار وأوضاع الساتر الترابى وخط بارليف فى مواجهة الجبهة المصرية قبل اندلاع حرب أكتوبر 1973  :

 

الساتر الترابى : قام العدو بإنشاء الساتر الترابى على طول الضفة الشرقية للقناة  ماعدا منطقة البحيرات المرة بارتفاع يصل في الاتجاهات المهمة إلي 20 -25 مترا  ، مما جعل من المستحيل عبور أية مركبة برمائية إلى الشاطئ الآخر إلا بعد فتح  ثغرات مناسبة فى جسم هذا الساتر. وقد عمل الإسرائيليون في إنشاء  وتعلية هذا الساتر وزحزحته إلى القناة  فى فترة وقف إطلاق النار(أغسطس 1970- أكتوبر 1973) ، حتى أصبح ميله يتقابل مع خط بيان strike line الميل لشاطئ القناة ، بحيث  لم تكن هناك أي مصطبة أو كتف ظاهر لشاطئ القناة البعيد ناحية العدو، وكان ميل هذا الساتر مساويا لـــــــ 45 درجة فى أغلبه ، يصل إلى 65 درجة تبعا لمكونات وطبيعة التربة ببعض المناطق ، وهذا الوصف هو الذى حفظته عن ظهر قلب وتعودت على إبلاغه معظم نقط الإستطلاع الهندسى بجبهة القتال ، ولايختلف كثيرا عن وصف الساتر الترابى كما  جاء بمذكرات الشاذلى ( أنظر الشكل رقم 2) .

 

تمت الإشارة فى "الحلقة السابقة" لبعض خلافات غريبة حدثت بعد الحرب على صفحات مذكرات  الشاذلى والجمسى بالنسبة إلى خطة العمليات وهدفها العسكرى . وأشير هنا أيضا إلى تضارب غريب يصطدم به الباحث عادة عند بحثه عن حقيقة المهندس الذى فكر فى فتح الثغرات بالساتر الترابى بضغط المياه  أو بمدافع المياه . مما يشير إلى أن أسلوب التوثيق والحفظ بالقوات  المسلحة يحتاج بالضرورة  إلى إعادة نظر لمنع مثل هذا التضارب ، الذى يترتب عليه أحيانا إدعاء البعض لبطولات وهمية على حساب أصحابها الحقيقيين ، ويتسبب فى حيرة الباحث والقارئ المستنير أمام سؤال محير وغير جائز هو : من يصدق ؟ أو من يكذب ؟  من كتبة المذكرات على كثرتهم ومن كتبة المقالات والنشرات السريعة الذين لايشغلهم التمييز بين الحقيقة وغير الحقيقة فى التفاصيل الهامة لحرب أكتوبر وحرب الإستنزاف . وأرى أن الوقت قد حان للإفراج عن وثائق الحربين ، بعد أن تم حبسها لحساب بعض المنافقين ومحترفى التظاهر بالبطولة دون سند من الواقع والمنطق ، ولم يعد يصح بعد مرور أكثر من سبعة وثلاثين عاما ونصف على حرب أكتوبر 1973 حبس تلك الوثائق ، ليكتب البعض تاريخ مصر العسكرى بالشبهة لمجرد الشهرة ، أو أن يكتبه البعض من ذاكرة شاخت واختلطت عليها الوقائع وفات على أصحابها  بعض التفاصيل الهامة بمضى السنين.

وفى موضوع فكرة  فتح الثغرات بالساتر الترابى بمدافع المياه ، فإنى  على كثرة  ماقرأت من مذكرات وكتب عن حرب أكتوبر لم أعثر على إسم لصاحب هذه الفكرة - إلا فى مصدرين ... هما الإعلام الإلكترونى على شبكة الإنترنت ، وهى شبكة على المشاع  لكافة الناس مع اختلاف أعمارهم وأهوائهم وخبراتهم ومستويات تعليمهم وثقافتهم ، وأيضا بكتاب أمين هويدى "الفرص الضائعة" ،  حيث ذكر أمين هويدى بالفصل السادس ص 366 ، 367  مايلى : " .... وكانت هذه المشكلة ( يقصد مشكلة فتح الثغرات بالساتر الترابى) موضع اهتمام المسؤولين منذ عام 1969 كما يؤكد المهندس صدقى سليمان رئيس الوزراء الأسبق فى حديث له لجريدة الأهالى بمناسبة احتفال جمعية قناة السد العالى بالعيد التاسع والعشرين على بدء العمل بالسد العالى ، فقد سئل عن حقيقة مارواه المهندس محب أبو قمر مدير التجريفات بالسد العالى عن دوره فى التجربة الخاصة بفتح الثغرات فى الساتر الترابى ، فأكد صحة الرواية ، فقد طلب الفريق محمد فوزى وزير الحربية الأسبق دراسة كيفية اختراق الساتر الترابى لخط بارليف وكان رأيه استخدام المدفعية ، ولكننى أشرت عليه باستخدام فكرة التجريف استعانة بخبرة السد العالى . وتحقيقا لذلك فقد وصلت معدات من السد العالى بأسوان وبدأ المهندس محب أبوقمر التجارب مع عدد محدود من العمال فى الخطاطبة وبنى يوسف تحت إشراف اللواء جمال محمد على مدير سلاح المهندسين بالقوات المسلحة ، وانتهت التجارب بالنجاح وهو ماشجع القوات المسلحة المصرية على إعداد عملية اقتحام خط بارليف بالصورة التى تمت فى حرب أكتوبر " .

ويستمر أمين هويدى قائلا : " وتفصيلات هذه التجارب يرويها المهندس محب أبو قمر مدير إدارة التجريف الهيدروليكى بهيئة السد العالى فى جريدة صوت العرب المصرية بتاريخ 8/10/1989 نقتطف منها الآتى : " خلال شهر يوليو 1969 كلفنى المهندس صدقى سليمان بإجراء تجارب للتجريف الهيدروليكى ... الخ " ... وحسب ماقاله أمين هويدى نفهم أن صاحب فكرة فتح الثغرات بالساتر الترابى بمدافع المياه ، إما أن يكون هو المهندس صدقى سليمان رئيس وزراء مصر الأسبق ، أو أن يكون المهندس محب أبو قمر الذى قام بعمل التجارب على الفكرة فى يوليو 1969 فى حضور اللواء جمال محمد على مدير سلاح المهندسين .. ثم يقول أمين هويدى بهامش الفصل السادس رقم 2 من كتابه المذكور قبل : "ذكرت التفاصيل والأسماء المشتركة حتى يُعطى كل صاحب فضل حقه ." ولكنه يقول بالهامش رقم 3 الذى يليه : " أرسل اللواء متقاعد طلعت مسلم (عقيد أثناء حرب أكتوبر) إلى جريدة الأهرام خطابا يذكر فيه  بمناسبة ترشيح مجلس جامعة المنوفية للضابط المهندس الذى ابتكر طريقة أسلوب التجريف لفتح ثغرات فى الساتر الترابى لينال جائزة الدولة فى التطبيقات العملية بأن إسم الضابط غير معروف لديها بأن إسم الضابط هو اللواء باقى زكى الذى كان قد شارك فى جهود متشابهة قبل أن يجرى تجاربه بجزيرة البلاح وثم البيان العملى فى يناير 1972 ، وثبت نجاح التجربة " ..... أى كان إسم المهندس غير معروف لمجلس جامعة المنوفية وعلى ذلك لم يرشحه المجلس لجائزة الدولة فى التطبيقات العملية ... !  فأرسل العقيد طلعت مسلم لجريدة الأهرام خطابا ذكر فيه أن المهندس "باقى زكى" شارك فى جهود متشابهة ، ولم يقل تحديدا أنه صاحب فكرة فتح الثغرات بمدافع المياه ..!!

وبالبحث بمحرك البحث "جوجل" فى فضاء الشبكة العنكبوتية ، سوف نجد انتشارا غريبا ومتعمدا لإسم "باقى زكى يوسف" بكثير من المواقع والمنتديات - مثل الفيس بوك facebook والويكيبديا وموقع المعرفة وبمواقع عديدة للأقباط من بينهم الموقع الشهير بإسم "الأقباط الأحرار"  - وأن ناشرى موضوع "باقى زكى" على الشبكة العنكبوتية ينقلون عن بعضهم البعض رغم الخلط والتناقض بينهم فى بعض ماينقلونه . ولم أعد أعرف كيف أمسك بالحقيقة أو حتى بجزأ منها فى كل ماتم نشره عن "باقى زكى" بتلك الشبكة العنكبوتية ، وتمنيت أن أحصل على عنوان البريد الإلكترونى لــــــــ "باقى زكى" ، أو العنوان البريدى للشخص الذى بدأ النشر أول مرة لموضوع "باقى" لكى أسمع منه وأسأله عن كل هذا التناقض .. !! ، ولكى أسأله أيضا إن كان ماتم نشره كان نقلا عن حوار مباشر مع "باقى" . إلى أن قرأت بالصدفة موضوعا بعنوان " اللواء باقى زكى يوسف" بقلم فاطمة ناعوت بجريدة المصرى اليوم عدد رقم 2514 بتاريخ 2/5/2011 ، وفهمت أنها أيضا قد نقلته عن الآخرين دون ذكر المصدر كعادة معظم الناس ، وأن هدفها الرئيسى من النشر فى أكثر الصحف اليومية انتشارا ، كان هو توصيل رسالة معينة  للقارئ البسيط تهدف إلى تخفيف الإحتقان الطائفى الحادث بين المسلمين والمسيحيين الذى تكرر اشتعاله لأتفه الأسباب ، وأن الأقباط ( تقصد المسيحيين فكلمة "قبطى" لاتعنى دينا أو جنسية) هم شركاء المسلمين فى الفداء والإلهام والبطولة من أجل مصر وأن الوطن للجميع ، واتضح ذلك حين قالت فى موضوعها : " لماذا اختار اللهُ تعالى هذا المصرى الضابط المهندس المصرى القبطى ليلهمه بفكرة  كتلك، دون سواه من كبار الضباط المصريين؟ هنا رسالةٌ يجب تأمُّلُها. يريد اللهُ عبرها أن يُعلّمنا أن الدين لله، أما الوطن وترابه وصالحه فللجميع." ... وكما اتضح ذلك أيضا حين ختمت موضوعها بقولها : " ... العقيدةَ شأنٌ فردى بين الإنسان وبين السماء، بينما الهويةُ المجتمعية والمواطَنهُ شأنٌ جمعى يتوّجُ الجميعَ بهالة من نور تقول بصوتٍ عال وفخور: هذا المواطنُ، مصرى." ..... وهدف الكاتبة كان جميلا ومطلوبا ، وكان يمكن أن تفرد له موضوعا منفصلا ، بعيدا عن مسئولية حدث تضاربت فيه الأقوال ويتعلق بحرب سالت فيها دماء طاهرة وضحى فيها الكثيرون من الأبطال بأرواحهم فداءا لمصر، وصحيح أنه لم يكن هناك فرق فى الدماء التى سالت فى تلك الحرب بين دم مسلم ودم مسيحى ، وكانت كلها دماء مصرية ، ولكن كان يجب أن تكون الكاتبة أكثر ذكاءً ، فتنأى بنفسها عن التعرض لتهمة عدم التدقيق والوقوع فى مستنقع المغالطات ، حيث نقلت دون أن تعى مسئولية مانقلته من الناحية الأدبية والعسكرية ، فى أمر لم تعايشه ولم تكن شاهدة عليه ، فكان يتطلب بالضرورة توثيقه ، ولكنها خاطرت بنفسها ككاتبة ، فنقلت دون أن تهتم بذلك ، وافتقدت أيضا فى النقل أبسط مبادئ المعرفة العامة التى يمكن أن تساعدها على تمييز وفهم ماتنقله ، فقالت على سبيل المثال :

" ... حين كان فكرهم ( تقصد كبار القادة العسكريين)  يتجه نحو الديناميت والنابلم والمدافع والصواريخ، لتفجير الساتر الهائل، فجاء الحلُّ على لسانه ( تقصد باقى زكى يوسف) فى رهافة قطرة الماء التى تفتت الصخر حين تخفق فيه المعاول. " .... هذا رغم أن أى مواطن بسيط يمتلك القليل جدا من المعارف العامة ، يمكن أن يعرف أن النابالم هو مجرد سائل جيلاتينى غليظ يُخلط عادة بالبنزين ، قابل للإشتعال فقط ، ولاينفجر مثل الديناميت والصواريخ ومقذوفات المدافع حتى يمكنه إزاحة حبة رمل واحدة عن مكانها بالساتر الترابى ،  وحين قالت أيضا عن خط بارليف : " خاصةً أن خط بارليف قد أنشئ بزاوية قدرها ٨٠ درجة لكى يستحيل معها عبورُ المدرعات وناقلات الجنود، بالإضافة إلى كهربة هذا الجبل الهائل ( تقصد الساتر الترابى) " ... !! .. فلم تميز الفرق بين خط بارليف والساتر الترابى ، كما أن إدمانها مداعبة عواطف الخلق بألعاب الكلام أفقدها الحس العملى بالأشياء ، فقالت أن العدو أمكنه كهربة جبل هائل من بلايين الأمتار المكعبة من الرمال السائبة  وبطول 160 كيلومتر على جبهة القتال .. ؟!! .. أما عن الزاوية 80 درجة فلنا فيها حديث فى موضع آخر ..!!

على أى حال أرسلت لفاطمة ناعوت رسالة فى نفس تاريخ النشر لموضوعها على بريدها الإلكترونى على أمل تصحيح بعض معلومات مغلوطة ألقت بها فى وجهنا من على صفحة هامة من صفحات جريدة المصرى اليوم ، وختمت رسالتى إليها بقولى :  أحلم كمواطن مصرى وصل إلى السبعين من عمره بأن يتم الإفراج عن وثائق حرب أكتوبر وحرب الإستنزاف ودراستها بحيدة وأمانة ، وأن تُعرض الحقيقة كما هى على شباب مصر لكى يتعلم شيئا صحيحا وموثقا  ... فالقضية عندى ليست "باقى زكى يوسف" أو أى إنسان مصرى غيره ، ولكن القضية تتعلق بتاريخنا العسكرى ، بل بتاريخ البلد نفسه . ولم يعد هناك أى حكمة فى عدم صدور التاريخ الرسمى موثقا لحرب أكتوبر حتى الآن ، وترك هذا التاريخ الهام بعد مرور أكثر من سبعة وثلاثين عاما ونصف لبعض العابثين من كتبة المقالات الهزيلة المتسرعة التى تفتقر إلى الدقة والأمانة ، فنترك الفرصة بذلك  لينسب بعض المرضى إلى أنفسهم بعض البطولات الوهمية . 

وبعد بحث جاد عن "باقى زكى يوسف" وجدت أخيرا حلقة مذاعة  معه شخصيا على الهواء مباشرة  على قناة ONTV التى يمتلكها الملياردير نجيب ساويرس فى أحد برامج تلك القناة  المسماة "بلدنا بالمصرى" وسجلتها فى ذاكرة حاسوبى من موقع الــــ يوتيوب You Tube ، وأرهفت السمع لكل حرف نطقه " باقى زكى" ... وتم تقديم "باقى زكى" للمشاهدين  كصاحب فكرة تدمير خط بارليف !! وقيل بأنه وُلِد فى 23 يوليو 1951 وتخرج مهندسا عام 1954 من كلية الهندسة جامعة عين شمس !!  وتكلف بعد تخرجه ضابطا بالقوات المسلحة ... !!  فلم أهتم بتلك الأخطاء الجسيمة ، التى  أساءت كثيرا إلى الإعلام المصرى ومصداقيته ، والتى كان على رأسها أنه وُلد عام 51 وتخرج مهندسا عام 54 !! وأنه كان رئيسا للفرقة 19 مشاة ، وأرجعت ذلك  لسوء إعداد الحلقة  ، ولإهمال الإعداد السليم المنضبط للحلقة ، ولإفتقاد المذيعة القدرة على التركيز ودقة التعبير ،  خاصة  حين أطلقت  المذيعة ريم ماجد  (الموضحة صورتها أدناه) على "باقى زكى" وصف "المخترع للفكرة" ، رغم أن "باقى زكى" نفسه قال بأن الفكرة نقلها مما كان يراه أثناء عمله بالسد العالى ولم يخترعها ... ... ولم يكن المهم عندى ماذا تقوله تلك المذيعة من مبالغات جاهلة لامعنى لها ، بل كان  هو ماسوف يقوله  "باقى زكى" عن نفسه فى تلك الحلقة . 

 

 

قال "باقى زكى" عن نفسه فى تلك الحلقة : أنه كان منتدبا من القوات المسلحة فى إبريل 1964 للعمل بالسد العالى ( ككثير من الضباط المهندسين من مختلف التخصصات فى ذلك الوقت) ، ثم تم إنهاء انتدابه مع نكسة يونيو 1967 ... ... وقال " باقى زكى" عن الساتر الترابى أنه كان عبارة عن كثبان رملية من رملة طبيعية ناتج تطهير القناة ، ثم تم تعليتها مع الوقت تدريجيا حتى وصل ارتفاع الساتر الترابى إلى 20 متر من السويس لبورسعيد ، وبعمق من 8 إلى 12 متر ، وصل أحيانا إلى 200 متر فى بعض أجزائه بالمنطقة الجنوبية ( يقصد فى مواجهة الجيش الثالث) .... ثم قال كما نطق : " مَيِلوه .. إتعمل الميل بتاعه زى زاوية قائمة 80 درجة ، وكان جواه ( أى بداخل الساتر الترابى) 19 موقع بــــ 30 نقطة قوية بألغام ومفرقعات وأسلاك شائكة ومصاطب دبابات .... واختراقه كان فى غاية الصعوبة بالوسائل التقليدية زى المفرقعات والمتفجرات والصواريخ وقنابل الطيران وبعدين قالوا قنابل نووية .... " .

وقال كما نطق بالحلقة : " أنا لما جيت من السد العالى على الفرقة 19 فى بداية 1969 ( كضابط مركبات الفرقة برتبة مقدم) ، كان قائد الفرقة المرحوم سعد زغلول ... وجمع قائد الفرقة قيادة الفرقة ورؤساء الإستطلاع والمهندسين والمركبات فى أواخر مايو 1969 لشرح المهمة ، ووصف ضابط المهندسين الساتر الترابى وتكوينه ، وأنا اللى شدنى مش ارتفاعه وعرضه ولكن تكوينه .. ولما جه علىّ الدور أتكلم قلت إن التقارير بتقول .... ( كذا وكذا عن الساتر الترابى) ... يبقى الحل فى إيدينا طلمبات ماصة كابسة على زوارق خفيفة وتسحب المية وتضخها باندفاع كبير هتحرك الرملة وتنزلها بتقلها لقاع القناة ... ويتم فتح الثغرة بعمق الساتر الترابى وبالعرض المطلوب للثغرة .. وقلت على فكرة الكلام ده تم فى السد العالى ... " .

قال أيضا : " قائد الفرقة كلم قائد الجيش الثالث الساعة 1.30 بعد منتصف الليل على الفكرة ، وذهبت مع قائد الفرقة لقائد الجيش صباح اليوم التالى ، وكلم قائد الجيش عمليات الجيش التى أرسلتنى إلى مدير سلاح المهندسين ( اللواء جمال محمد على)  ، فطلب اللواء جمال العقيد شريف مختار ( من سلاح المهندسين) الذى كان يعمل بالسد العالى فوافق على الفكرة ( أى استخدام ضغط المياه) ... وعدت إلى الفرقة 19 ، حيث طلبنى قائد الفرقة وطلب منى عمل تقرير بسيط عن الفكرة ، لعرضها على عبد الناصر ( فى إحدى زياراته للجبهة) الذى أمر بدراستها وتجربتها .... " .

وقال : بدأت إدارة المهندسين بعمل تجارب على الفكرة ... وعملت الإدارة تجربة فى سبتمبر 1969 بحلوان ، وبعد كده تجارب بطلمبات ميكانيكية وبعدين بطلمبات توربينية ..!! ، وكل الكلام ده كان بيتعمل فى إدارة المهندسين ... لغاية متعمل بيان عملى فى يناير 72 بجزيرة البلاح على ساتر ترابى " . - - ولم يقل "باقى زكى" أنه اشترك أو حتى شاهد هذا البيان العملى أو أنه شارك فى تجارب إدارة المهندسين  ..

 

وفى كل ماقاله  "باقى زكى" فى الحلقة المذاعة على الهواء مباشرة على قناة ONTV ، أرى أن هناك نقطتان يستحقان التعقيب . أولهما هل كان هناك ساترا ترابيا من رمال سائبة تم رفعه بالإزاحة أو بأى وسيلة أخرى ليستقر على الأرض بزاوية "زى قائمة" كما قال "باقى" أو حتى بزاوية 80 درجة طبقا لما أوضحه بعد ذلك ، وهل هذا يتفق مع أبسط المبادئ الهندسية التى يُفترض أن تكون معروفة لديه كمهندس تخرج من إحدى كليات الهندسة كما يقول .  ومعروف لطالب الهندسة المبتدئ أن زاوية الميل أو على وجه الدقة زاوية الإرتكاز الطبيعى angle of repose ، وهى خاصية هندسية ، لأى أكوام أو سواتر ترابية أو رملية طبيعية يتم رفعها وتشوينها على الأرض الفضاء لاتزيد عادة عن 45 درجة ، وتصل أحيانا فى بعض  السواتر الحصوية الطينية أو التى تتكون من كسر طبيعى أو صناعى خشن السطح لأحجار متدرجة الحجم إلى حوالى 65 درجة ، وتتوقف زاوية الإرتكاز  لتلك الأكوام على الأرض على طبيعة المواد المكونة لها وعلى حجمها وشكل أسطح مكوناتها وعلى معامل الإحتكاك الداخلى بين تلك المكونات وعلى قوة إلتصاق cohesion بعضها ببعض . وفى حالة المكونات الرسوبية الجافة من الرمال وغيرها تتراوح زاوية الإرتكاز الطبيعية عادة بين 25 درجة و 40 درجة حسب حجم حبيبات الرمال .. فكيف يقول مهندسنا المخترع "باقى زكى" أن زاوية ميل الساتر الترابى "زى زاوية قائمة"  رغم وصفه لمكوناته بأنها من الرمال السايبة ... !!

أما النقطة الثانية التى تستحق التعقيب هى : هل كان هناك بالفعل ساترا ترابيا مستمرا وممتدا على طول جبهة قناة السويس من بورسعيد حتى السويس فى عام 1969 تحديدا  وبارتفاع 20 متر  كما قال "باقى زكى" ؟! فيمثل الساتر بهذا الشكل مانعا وعائقا عسكريا لأى هجوم محتمل من جانبنا ، لكى يستحق البحث فى مشكلته ، وأن يفكر "باقى زكى" أو غيره فى طريقة لفتح الثغرات به ؟؟ ... وللإجابة على هذا السؤال أقول مايلى كشاهد :

كنت مهندسا بمناجم حديد أسوان قبل أن يتم تجنيدى وتأهيلى كضابط استطلاع هندسى ،  وأتذكر جيدا ، حيث كنت موجودا على الجبهة بعد دورات تدريبية مكثفة ، فى مواجهة العدو مباشرة بخمس نقط ملاحظة  تابعة لقيادتى بشمال جزيرة البلاح وبالقنطرة غرب وبالكاب والتينة والحرش (تغطى مواجهة الفرقة 16 مشاة) ، تم إنشاؤها مموهة فى ملاجئ تحت الأرض ، ومجهزة لإستخدام كاميرا بيروسكوبية تخرج من فتحة بأعلى الملجأ وبأدوات رؤية نهارية وليلية وأجهزة قياس إلكترونية للمسافات وبغير ذلك من الأدوات المتطورة ، وكنت مدربا على إلتقاط الصور من على بعد لتحركات العدو ولنشاطه الهندسى ، ثم تحميض وتثبيت الأفلام الملتقطة بأماكن تصويرها وإلتقاطها بطريقة سريعة ميدانية داخل علبتين صغيرتين محكمتى الغلق بهما محاليل لإظهار الأفلام وتثبيتها ، بحيث أعمل على طبع الصور وتجميعها بعد ذلك على هيئة بانوراما ، وأكتب تقريرا دوريا لرئيس فرع استطلاع اللواء التاسع مهندسين ، وكان التقرير يحتوى تفسيرا لكل ماتم إلتقاطه من صور ، ولكل ماتم جمعه من معلومات تم تسجيلها بسجل نقط الملاحظة التابعة لقيادتى فى مواجهة العدو مباشرة .

أتذكر جيدا حين تواجدت بجبهة قناة السويس فى يناير أو فبراير 1969 بقطاع الفرقة 16  مشاة لتنفيذ مهامى كضابط استطلاع هندسى بالكتيبة 16 مهندسين التى تشكلت مع وجودى بأربع ضباط مهندسين إحتياط دفعة 21 وبرائد عامل كقائد للكتيبة ونقيب عامل كرئيس لعمليات الكتيبة ، أننى كنت أنفذ مهامى المكلف بها خارج تشكيل الكتيبة كقائد لفصيلة الإستطلاع الهندسى ، وداخل تشكيل الكتيبة كقائد لجماعة اللاسلكى بها وكضابط أمن لها . وأتذكر جيدا أننى حين كنت أستطلع الضفة الشرقية لقناة السويس بأجهزة الرؤية من إحدى نقط الملاحظة التابعة لى لم أكن ألاحظ على الإطلاق ساترا ترابيا  مستمرا بطول الجبهة ومرفوعا بارتفاع 20 متر على طول المواجهة مع العدو بالضفة الشرقية لقناة السويس ، بل كنت ألاحظ تلالا  رملية متقطعة من ناتج حفر وأعمال تطهير قاع القناة - مختلفة الإرتفاع يتراوح ارتفاعها فى كثير من المناطق بين 2 ، 3 متر  ، ولايزيد ارتفاعها فى بعض المناطق عن سبعة أمتار ، وبين تلك التلال فواصل مستوية تقريبا بمسافات مختلفة ، ولاتمثل تلك التلال فى مجملها مانعا عسكريا أو عائقا لأى هجوم محدود أو شامل فى المستقبل ، لكى تشغل بال القيادات المسؤولة مقدما فى إيجاد وسيلة لفتح الثغرات بها ، فالثغرات متوفرة أصلا فى الفواصل الطبيعية الموجودة بينها . هذا وقد استفاد العدو من تلك التلال فأنشأ خلفها نقاطه القوية عام 1969. وفى هذا الشأن ذَكرت هيئة البحوث العسكرية المصرية فى كتابها الذى أصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1998 بعنوان " صفحات مضيئة من تاريخ مصر العسكرى / حرب الإستنزاف يونيو 1967 إلى أغسطس 1970"  بالصفحة 76 مايلى : " وصلت قوات إسرائيل إلى الضفة الشرقية لقناة السويس فى يونيو 1967 لتجد ساترا من الرمال من ناتج حفر قناة السويس وكان هذا الساتر يبتعد عن القناة عشرات الأمتار ويتراوح ارتفاعه بين مترين وثمانية أمتار " . ومع افتراض دقة الوصف لهذا الساتر  كما ورد بكتاب هيئة البحوث العسكرية ، فإن ابتعاده عشرات الأمتار عن القناة ، لايعوق العبور بمعدات تحريك التربة والتسوية ، ثم التقدم بها لإخترق تلك الرمال ، وفتح الثغرات بها فى الأماكن الأقل انخفاضا (2 متر) ، وهذا أسهل وأسرع من الناحية الفنية والعسكرية ، وأكثر كفاءة بكثير من استخدام  مدافع المياه  .    

وشهدت جبهة قناة السويس أهم مراحل التصعيد العسكرى فى حرب الإستنزاف من  مارس 1969 وحتى وقف إطلاق النيران فى 8 أغسطس 1970 ، فصبت مدفعيتنا فى 8 مارس  1969  آلاف القذائف على حصون العدو بأكبر حشد نيرانى مؤثر من كتائب المدفعية ، واستشهد البطل عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة يوم 9 مارس 1969 بالنقطة نمرة 6 شرق الإسماعيلية حين توجه لجبهة القتال بصحبة قائد الجيش الثانى ومدير سلاح المدفعية ليشد على أيدى الرجال وليشاهد آثار التدمير عند العدو. واشتعلت الجبهة بعد ذلك دون توقف بأعمال الإغارة والكمائن ودوريات الإستطلاع من تشكيلات الإستطلاع العام والهندسى . وعبَرت (كاتب الحلقات) للضفة الشرقية من نقط عبور مختلفة على امتداد قناة السويس فى مواجهة قطاع الفرقة 16 مشاة  كقائد لسبعة عمليات استطلاع ولعملية كمين واحدة ، كان الهدف من الكمين هو قطع أحد خطوط إمداد العدو أثناء إغارة قوات الصاعقة المصرية على النقطين القويتين بشمال وجنوب جزيرة البلاح ، ولم أشهد أنا وجنودى حين كنا نعبر قناة السويس للضفة الشرقية ساترا ترابيا اضطررنا لتسلقه لكى نصل لأهدافنا فى الأرض المحتلة .. وأستطيع أن أؤكد كشاهد وضع أقدامه على أرض سيناء المحتلة فى تلك الفترة ، أنه لم يكن يوجد ساترا بالمواصفات التى قالها "باقى زكى"  خلال عام 1969 وحتى وقف إطلاق النيران فى 8 أغسطس 1970 . كما أتذكر جيدا أنه فى أكتوبر أو نوفمبر بعد وقف إطلاق النار، أبلغت نقط الملاحظة التابعة لقيادتى أن نشاطا مكثفا للعدو من رجال المساحة كان يستخدم موازينا مساحية  ويحملون قامات مدرجة لرصد المناسيب ، ولم يكن يعنى ذلك سوى أن العدو يقوم بعمل ميزانية لمناسيب الأرض ، فكان الإستنتاج المرجح هو أن العدو ينوى رفع  ساتر على الضفة الشرقية ، فتم الإبلاغ عن ذلك فى حينه . وحدث فعلا أنه حشد بعد ذلك عددا كبيرا  - من السهل رؤيته بالعين المجردة - من معدات تحريك التربة كالبلدوزرات واللوادر، وكانت كلها من ماركة "كاتربللر" لأعمال الإزاحة ورفع الساتر الترابى الذى توقعناه وأبلغنا به . ولم يكن العدو فى مقدوره أن يكون مكشوفا أمامنا بهذه الطريقة وبهذا العدد الكثيف  من الرجال والمعدات الثقيلة إلا بعد وقف إطلاق النار فى 8 أغسطس 1970 . وعلى ذلك فإنى أجزم بأن كل ماقيل من كلام واجتهادات لفتح الثغرات بساتر ترابى لم يكن موجودا أصلا قبل أغسطس 1970  ، هو كلام لامعنى له ولايعبر عن الحقيقة .

 

ويصبح كلام صدقى سليمان عام 1969 رئيس وزراء مصر الأسبق من أنه أشار باستخدام فكرة التجريف استعانة بخبرة السد العالى لفتح الثغرات بالساتر الترابى ، كما تصبح روايات المهندس محب أبو قمر عن تجاربه لفتح الثغرات بمدافع المياه خلال عام 1969 ، وكذلك حكايات "باقى زكى" المهندس ضابط مركبات الفرقة 19 مشاة بأنه صاحب فكرة فتح الثغرات عام 1969 باستخدام ضغط المياه وكان شاهده الوحيد هو المرحوم سعد زغلول قائد الفرقة 19 مشاة ، هى كلها مجرد حكايات غير مقنعة وغير قابلة للتصديق ومن تأليف أصحابها. والأعجب من ذلك أن يوسف عفيفى قائد الفرقة 19 مشاة عام 1972-1974 ، أضاف شخصا آخرا  لقائمة أصحاب فكرة مدافع المياه ، حين قال فى مذكراته التى نشرها بعنوان " أبطال الفرقة 19 مقاتلون فوق العادة " الطبعة الثانية 1992 / الناشر دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع ، قال فى الصفحة 26  : " ... وكانت فكرة مدافع المياه التى ابتكرها الشهيد اللواء مهندس جلال سرى أحد أبناء القوات المسلحة ، والتى تم تجربتها عشرات المرات على نماذج متشابهة ....الخ ، وقد استطاعت مدافع المياه هذه أن تفتح 85 ممرا فى الساتر الترابى خلال 5 ساعات " – (جلال سرى رحمه الله لقى مصرعه هو وثلاثة عشر من كبار قادة القوات المسلحة فى 2 مارس 1981 ، عندما سقطت بهم طائرة عمودية فى منطقة سيوة  ، وهناك شكوك كبيرة حول مصرعهم وخاصة مع نجاة طاقم الطائرة فقط .. !!) .....   

وخلت كل مذكرات قادة حرب أكتوبر تماما من أى إشارة إلى "باقى زكى يوسف". وأشار سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة فى مذكراته بالفصل السابع بعنوان "مشكلات العبور وكيف تم التغلب عليها" ... إلى  أن من فكر فى فتح الثغرات بالساتر الترابى بالمياه هو مهندس شاب دون أن يذكر إسمه حين قال : " .... خلال شهرى مايو ويونيو 1971 حضرت عدة بيانات عملية قامت إدارة المهندسين العسكريين بتنظيمها لإظهار الأسلوب المتبع فى فتح الثغرات بالساتر الترابى نهارا وليلا ... وكان الأسلوب المتبع هو التفجير ثم الإزاحة بالبلدوزرات ... وفى خلال يونيو من العام نفسه أخبرنى اللواء جمال على (مدير إدارة المهندسين) أن أحد ضباط المهندسين يقترح فتح الثغرات فى الساتر الترابى بأسلوب ضغط المياه ، وأنه قد مارس هذا العمل عندما كان يعمل بالسد العالى ... " .. أى أن المهندس هو من ضباط  سلاح المهندسين وليس من ضباط المركبات طبقا لنص كلام اللواء جمال على مدير السلاح ، وأن ذلك حدث خلال يونيو 1971 – أى أنه ليس "باقى زكى يوسف" وليس صدقى سليمان وليس محب أبو قمر، وليس هو بالقطع جلال سرى رحمه الله ، حيث كان جلال سرى قائدا للواء التاسع مهندسين أثناء حرب الإستنزاف وليس ضابطا صغيرا يمكن تجاهل إسمه طبقا للعرف الفاسد السائد مع فساد النظم الحاكمة فى مصر... !! .

ويقول المؤرخ العسكرى Dr.George W. Gawrych  بالصفحة رقم 19 فى كتابه الذى ذكرناه فى الحلقة التاسعة ونشره معهد القادة والدراسات العسكرية بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1996 :

At the end of 1971, a young Egyptian officer suggested a small, light, gasoline-fueled pump as the answer to the crossing dilemma. So, the Egyptian military purchased 300 British-made pumps and found that 5 such pumps should blast 1500 m3 of sand in three hours. Then, in 1972 the Corps of Engineers acquired 150 more-powerful German pumps. Now a combination of two German and three British pumps would cut the breaching time down to only two hours. This timetable fell far below that predicted by the Israelis, who apparently failed to appreciate the significance of the water cannons used by the Egyptians during their training excercises.

أى أن المؤرخ العسكرى الأمريكى يقول أن فكرة فتح الثغرات بالساتر الترابى بضغط المياه ، إقترحها ضابط صغير فى نهاية عام 1971 ... وتعريف الضابط الصغير Young or Junior Officer فى كل جيوش العالم هو الضابط الذى رتبته تقع بين أول ثلاثة  رتب  عسكرية للضابط بعد تخرجه مباشرة ، أى أن الضابط المقصود لابد أن يكون برتبة ملازم ثان أو ملازم أول أو نقيب ، وقد يكون مازال ملازما مجندا إن كان من الضباط الإحتياط المجندين . وكون الفكرة كانت فى عام  1971 أيضا ، إذن فليس صاحب الفكرة هو المقدم "باقى زكى" أو رئيس وزراء مصر الأسبق أو العقيد جلال سرى ، وسوف يبقى للأسف إسم هذا الضابط الصغير مجهولا ليس لأنه كان ضابطا صغيرا  فحسب ، ولكن أيضا لأنى أكاد أجزم أنه  قد مات شهيدا فى حرب أكتوبر ، فعجز لغيابه أن يدافع عن حقه ضد حيتان الشهرة الكاذبة التى لاترحم ، أو أن يدهس بأقدامه الشريفة ديدان البطولات المصطنعة التى تتوالد بمستنقعات الإعلام المصرى الفاسد .. وأجد نفسى مضطرا فى النهاية إلى تصديق  مجلس جامعة المنوفية حين أراد ترشيح الضابط المهندس الذى ابتكر أسلوب التجريف لفتح الثغرات فى الساتر الترابى لينال جائزة الدولة فى التطبيقات العملية ، فلم يستدل المجلس على إسمه موثقا بأى وثيقة ، أو وجد إسمه معروفا لدى أى جهة رسمية .. !! وسوف يظل إسمه مجهولا لأن أصحاب السلطة والمتسلقين للمراكز العليا وأصحاب الصوت العالى ببلدى المسكين ، تعودوا على مدى تاريخ الظلم الطويل والتسلط والقهر، على نسب الذكاء والإلهام والعبقرية لأنفسهم وأشخاصهم باستغباء مفضوح ، ويندهشون دهشة سوقية متوحشة حين يكتشفون إلهاما مطبوعا أو ذكاءً واضحا موهوبا عند مواطن من طبقة أخرى غير طبقتهم المتسلطة ، فلا يستحون  عندئذ من إنكاره ومطاردته ، ولايخشون الله  حين يسرقون موهبته علنا ونسب ماأعطاه الله لهذا المواطن من ذكاء وإلهام لأنفسهم ببجاحة ساقطة  واستغباء مرذول ... !! وحزنت جدا عندما قال الشاذلى بمذكراته (الفصل السابع) : " شكرا للمهندس الشاب صاحب الإقتراح ... "  فاكتفى بالشكر دون أن يذكر إسمه ، ولم يعتذر إن كان قد تاه الإسم عن ذاكرته أثناء انشغاله بالرد على أكاذيب السادات واتهامه له  بالخيانة العظمى ، فأصبح لاجئا مطاردا خارج مصر ....

  

ولكى يزيد العدو من صعوبة عبور قناة السويس كمانع مائى قبل الوصول إلى الساتر الترابى والتعامل معه ، لجأ إلى جعل سطح القناة مشتعلا بالنيران فى حالة عبور قواتنا ... حيث رصدت نقاط الملاحظة الهندسية على طول جبهة القناة فى مواجهة نقاط العدو القوية تجهيزاته ووسيلته إلى إشعال تلك النيران ، وهى عبارة عن خزانات ممتلئة بمواد قابلة للإشتعال مدفونة دفنا جيدا فى رمال الساتر الترابى ، يصل بينها وبين سطح القناة أنبوب رئيسى متفرع إلى عدد من الأنابيب الفرعية مدفونة جميعها أيضا فى رمال الساتر الترابى  ، وتظهر فتحات الأنابيب  الفرعية بوضوح فى حالة الجزر بالقرب من سطح القناة ، وكان يمكن استنتاج أن العدو يملك وسيلة للتحكم فى غلق وفتح الأنبوب الرئيسى وفى إشعال السائل على سطح القناة  من داخل نقاطه القوية . ويقول الشاذلى بمذكراته (الفصل السابع) : " كان يجب علينا – كجزء من التخطيط – أن نغلق هذه الفتحات أثناء فترة تحضيرات المدفعية التى تسبق الهجوم " . ثم يقول فى الفصل 31 تحت عنوان "معركة العبور" : "  قامت عناصر من المهندسين ليلة 5/6 أكتوبر بالتسلل إلى الشاطئ البعيد حيث قامت بإغلاق فتحات الأنابيب التى تنقل السائل الملتهب إلى سطح مياه القناة ". وذكر الدكتور جورج جاوريش Gawrych فى كتابه ص 16 أن بعض المصادر الإسرائيلية صرحت بأن نظام السائل المشتعل لم يكن من الممكن عمليا الإعتماد عليه ، ومع ذلك أخذ المصريون تهديد هذا السائل مأخذ الجد وفى منتصف ليل السادس من أكتوبر ، دفع المصريون بجماعات من الضفادع البشرية لسد فتحات تجهيزات هذا النظام بالخرسانة .

 

أما عن خط بارليف المشهور ، فهو خط دفاعى حصين ، تمت تسميته بهذا الإسم نسبة إلى حاييم بارليف Chaim Bar-Lev رئيس أركان حرب القوات المسلحة الإسرائيلية ، وكان قد تم استكمال إنشاؤه مع نهاية عام 1969 . وجاء وصفه تفصيلا بكثير من مذكرات القادة من الجانبين المصرى والإسرائيلى وبكثير من كتابات المؤرخين والمحللين العسكريين الأجانب ،  ومن ناحيتى فإنى أفضل الوصف الذى أتى بكتاب المحلل العسكرى  Simon Dunstan فى كتابه The Yom Kippur War 1973  (الناشر Osprey Publishing 2003 ) بالصفحة 9-11 كما يلى :

يمتد خط بارليف على طول قناة السويس من خليج السويس حتى البحر الأبيض المتوسط  ، بطول حوالى 160 كم ، ويتكون من عدد 30 نقطة قوية strongpoint ، (يُطلق عليها باللغة العبرية Maozim) ، وعدد آخر من النقط الحصينة strongholds  (يُطلق عليها باللغة العبرية Taozim) تقع خلفها بحوالى 8 كم  كما هو موضح بالخريطة أعلاه . وكان يتم استغلال تلال الرمال ناتج حفر وتطهير قاع قناة السويس كساتر للأفراد والمعدات  أثناء إنشاء النقاط القوية - أنظر الشكل رقم 3 ورقم 4 برابط الأشكال والرموز العسكرية اللذان يوضحان نموذج النقطة القوية فى شكلها النهائى قبل حرب أكتوبر 1973 ، وكانت هذه النقاط مدفونة فى الأرض ، ذات أسقف قوية من الخرسانة المسلحة ومدعومة بقضبان السكك الحديدية ، تجعلها قادرة على أن تتحمل قصف مباشر بالقنابل  وزن حتى ألف رطل دون أن تتأثر بها ، ويحيط بكل نقطة حزام من الخنادق والأسلاك الشائكة الكثيفة والسواتر الرملية وحقول الألغام. وتحتلها فى العادة فصيلة -(من 30 إلى 40 فرد) - مسلحة بأسلحة صغيرة وبرشاشات ثقيلة ومدافع هاون . وخلف النقاط القوية بمسافات تترواح بين 500 إلى 1000 متر كانت تقع مرابض للدبابات لتغطية الثغرات بين النقاط القوية ، جاهزة لدعم النقاط القوية عند الحاجة ، ولايحتلها العدو بصفة دائمة . وتم تجهيز النقط القوية بأجهزة تكييف وبكافة وسائل الراحة والترفيه للأفراد ، وبوسائل اتصال جيدة بقيادتها الخلفية . وتتركز مهمة أفراد النقطة أساسا فى أعمال المراقبة لقناة السويس ولكافة تحركات المصريين وأنشطتهم العسكرية ، وكذلك مراقبة أجناب النقطة وطرق الإمداد والمواصلات الخلفية لها ، والتصدى لأى عملية  إغارة من الجيش المصرى بغرض تعطيلها حتى يصل إليها الدعم من الخلف . وفى 6 أكتوبر 1973 يوم الهجوم المصرى الموافق عيد الغفران عند اليهود ، تم تخفيض مرتب تلك النقاط من الأفراد ، فكان عدد 16 نقطة فقط مكتملة القوة ، وعدد نقطتين بنصف قوتها من الأفراد ، وكانت باقى النقط إما مغلقة أو يشغلها بعض الأفراد للمراقبة النهارية . وتم تزويد بعض النقاط القوية بتجهيزات السائل المشتعل كما أوضحنا من قبل لضخه على سطح القناة وإشعاله لإعاقة تقدم أى عملية عبور محتملة للقوات المصرية . ويقول Simon Dunstan  فى كتابه المذكور قبل : أن الإسرائيليين كانوا يتوقعون عدم فاعلية تلك التجهيزات بسبب  قوة تيارات المياه على سطح مجرى مياه قناة السويس ، فتعرض معظمها للإهمال إلى أن أصبحت فى حالة سيئة ، فاستبدلوها ببعض الهياكل الخداعية لخداع المصريين ، ويقول Dunstan أن دوريات استطلاع المهندسين المصريين اكتشفت حقيقة هذا الخداع أثناء حرب الإستنزاف ...!!   

أما النقط الحصينة strongholds  فكانت تقع على بعد حوالى 8 كم خلف النقط القوية strongpoints . وتحتل كل نقطة حصينة سرية مشاة (السرية مكونة من ثلاثة فصائل ) . ويمتد طريقان  خلف النقط الحصينة شرق قناة السويس على طول المحور الشمالى الجنوبى لسيناء ، أولهما على بعد 10 كم من قناة السويس معروف بإسم طريق المدفعية ، والثانى على بعد 30 كم من قناة السويس ، ويمثلان شريانى الحركة على باقى الطرق والمدقات العرضية المنتشرة فى اتجاه الشرق لقناة السويس وفى اتجاه الغرب إلى باقى أنحاء سيناء . وتم تجهيز طريق المدفعية (الشريان الأول) بمتاريس ومكامن حصينة للمدفعية ذاتية الحركة وللنسق الأول من الدبابات وللعربات نصف المجنزرة ، بحيث يسهل إنتشارها جميعا وتحركها إلى أماكن الدفاعات المجهزة على طول قناة السويس . أما احتياطى المدرعات بسيناء فينتشر على طول طول الطريق الثانى (الشريان الثانى) وعلى الطرق العرضية الرئيسية بسيناء وعلى بعض وصلات الطرق والمدقات بين الطريقين الرئيسيين الأول والثانى اللذان يعتبران شريانى الحركة فى اتجاه قناة السويس . وكانت وسائل الإتصال بين خط بارليف وبين كافة القيادات الصغرى والكبرى للعدو بسيناء مضمونة بشكل جيد وعلى أعلى درجة من الكفاءة عن طريق كابلات أرضية تحت الأرض وعن طريق شبكة إتصال لاسلكية وبأجهزة إنذار إلكترونية متقدمة ومنتشرة فى الأماكن الحيوية الهامة ، وانتهى إنشاء خط بارليف فى عام 1969 ، ثم جرت عليه إضافات وتحسينات كثيرة مستمرة بعد وقف إطلاق النار فى 8 أغسطس 1970 .  

 

__________

فهرست الموضوعات

الحلقة السابقة

الحلقة 12