الحلقة العاشرة

التوجيه الإستراتيجى وخطة الحرب

 

كتب نص التوجيه الإستراتيجى لحرب أكتوبر 1973  الكاتب الصحفى المعروف محمد حسنين هيكل ، وذكر ذلك صراحة فى كتابه بعنوان " عند مفترق الطرق / حرب أكتوبر .. ماذا حدث فيها وماذا حدث بعدها ! "  (الناشر : شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – بيروت / الطبعة الخامسة 1985) .. وقد  كان هيكل من أكثر المقربين لعبد الناصر كصحفى منذ بدايات ثورة يوليو 1952، ثم كانت له عند السادات منزلة خاصة فاستمر أكثر قربا والتصاقا بمؤسسة الرئاسة مشاركا فى صنع القرار السياسى بمصر ، إلى أن غضب السادات منه وانقلب عليه على أثر  كتاباته المعاكسة لتوجهاته وتوجيهاته السياسية فى مسألة القبول بوقف إطلاق النار فى 20 أكتوبر ، وملابسات لقاءه بكيسينجر فى القاهرة يوم 7 نوفمبر 1973 حسب قول هيكل ، فاستبدله السادات بالكاتب الصحفى أنيس منصور ، الذى كتب له فيما بعد مذكراته  المسماة " البحث عن الذات / قصة حياتى" ، أو صاغها له ، ونشرها السادات وهو فى أوج سلطانه وتسلطه بثلاثة عشر لغة ، غير اللغة العربية التى نشر بها أول طبعات مذكراته فى إبريل 1978 ( الناشر : المكتب المصرى الحديث)  ، وأساء فى تلك المذكرات للكثيرين ، من بينهم هيكل نفسه الذى وصفه بالإنهزامية ، كما هاجم فيها سلفه عبد الناصر . ولم يسلم أحد فيها من اتهاماته سوى بعض الشخصيات القليلة مثل هنرى كيسينجر ومحمد رضا بهلوى شاه إيران والملك فيصل ملك السعودية . كما كتب أنيس منصور للسادات مذكرات أخرى له بعنوان " من أوراق السادات " ( الناشر: دار المعارف بالقاهرة) ، يقول أنيس منصور فى مقدمتها : " لاأعرف كم جلسة مع الرئيس السادات أملى فيها علىّ هذه المذكرات .. وفى إحدى المرات استغرقت إحدى الجلسات 18 ساعة لدرجة أن السيدة جيهان السادات كانت تجيئ وتنظر إلينا وتنتظر ولم يكن الرئيس يلتفت إليها " .... !!

يقول الرئيس محمد أنور السادات فى مذكراته بكتاب " البحث عن الذات" ص 329 : " حينما بدأت أفكر فى وضع التخطيط الإستراتيجى للمعركة ، كان أمامى عدة أشياء أولها الأساس الإستراتيجى الذى أبنى عليه الخطة ... وفى حياة عبد الناصر كنت أقول له على سبيل المبالغة أننا لو أخذنا حتى عشرة سنتيمترات من سيناء ووقفنا فيها ، ولم ننسحب فسوف يتغير الموقف شرقا وغربا وكل شيئ " . ويقول أمين هويدى فى كتابه "الفرص الضائعة" ص 339 : " وفى ظل هذه العقيدة أصدر السادات توجيها إلى القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية الفريق أول أحمد إسماعيل على يوم 1/10/1973 ، وتوجيها استراتيجيا آخرا إلى الفريق أول أحمد إسماعيل على وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة يوم 5/10 /1973 " (ذكر نصهما) . واحتل نص التوجيه الأول 3 صفحات من كتاب أمين هويدى .

وقد أبدى أمين هويدى عدة ملاحظات على نص التوجيهين بحكم خبرته العسكرية والمخابراتية والسياسية الطويلة فى الصفحات 344 ، 345 ،346 بكتابه "الفرص الضائعة" نلخصها فيما يلى :

·      تساءل أمين هويدى عن الإضافات الحقيقية للتوجيهين بالنسبة لتوجيه سير العمليات المقبلة ؟ فالتوجيه الأول توجيه عام والتوجيه الثانى لم يتحدث إلا عن توقيت العمليات الذى كان قد سبق تحديده فى أحد مؤتمرات القادة أوائل سبتمبر 1973 والذى تم بعده العد التنازلى ولمدة 30 يوم لبدء العمليات .

·      المفروض فى التوجيه الأول وهو سياسى أن يكون قاعدة لتحديد مسيرة التخطيط والتجهيز للعمليات المقبلة . ومعنى ذلك أنه لابد من صدوره قبل هذه المراحل بفترة تسمح بذلك ، وكونه قد صدر فى 1/10/1973 ، وبعد انتهاء التخطيط والتحضير ، وقبل بدء العمليات العسكرية بخمسة أيام ، إذن فقد كان صدوره شكليا ..!!

·      إن التوجيه الأول تنقصه الدقة فى تحديد العلاقة بين القيادة السياسية والعسكرية . فقد صدر إلى "القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية" ، مما يوحى بخضوع القائد السياسى (وزير الحربية) للقائد العام وهذا أمر لايجوز ، وقد تم تصحيح هذا الوضع فى التوجيه الثانى .

·      كاتب التوجيه الأول هو محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام فى ذلك الوقت ، وهذا  هو السبب فى أن التوجيه جاء أقرب للمقال السياسى منه إلى توجيه سياسى لعمليات عسكرية مقبلة ، ففى الوقت الذى أطال فيه هيكل فى سرد معلومات سياسية معروفة ، فإنه قد عجز تماما عن تحديد الرغبات السياسية للقيادة السياسية ونظام السيطرة على العمليات المقبلة سواء فى أهدافها أو حدودها ، وهذا هو الغرض الحقيقى فى مثل هذه التوجيهات .

·      تضمن التوجيه الأول الذى كتبه هيكل الحديث عن استراتيجية العدو العسكرية . وتساءل هويدى من الذى يحدد استراتيجية العدو : هل هو رئيس الجمهورية أم القيادة العامة للقوات المسلحة مع الأجهزة الأخرى المختصة . ويستطرد هويدى قائلا فى ص 346 : " إن كتابة توجيه على المستوى الإستراتيجى أصعب كثيرا من كتابة المقال ، لأن ترجمة كلمات التوجيه إلى واقع يلزمها دماء وضحايا أما كتابة المقال فهو أمر غير ملزم ... ومجرد كلمات على ورق !!! وكان على هيكل أن يعتذر عن القيام بمسؤولية كبرى غير مؤهل لها مهما كان الضغط عليه ومهما كان تعطشه للمشاركة فى الأحداث .

·      حرص كاتب التوجيه الإستراتيجى الثانى بتاريخ 5/10/1973 أن يتلافى عيوب التوجيه الأول بقدر الإمكان ، وحاول أن يكون أكثر تحديدا فى توضيح المهام الإستراتيجية للقوات المسلحة . ويقول هويدى ص 346 : " لاأعتقد أن التوجيهين الأول والثانى كانا قد صدرا لتحديد إطار التخطيط للعمليات المقبلة وتطوراتها المحتملة ، ولكن صدر التوجيهان بطلب من الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية فى آخر لحظة قبل بدء العمليات مباشرة لتأمين نفسه من تبعات العمليات المقبلة لو أن الأمور سارت على غير مايشتهى !!!" .

 

ونعود الآن إلى هيكل  حيث يقول فى كتابه المذكور بأول سطور الحلقة الحالية (ص 11) : " أننى الذى كتبت التوجيه الإستراتيجى الأول الصادر من الرئيس السادات إلى القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية الفريق أول أحمد إسماعيل على .. وفى هذا التوجيه تحددت إستراتيجية الحرب ، بما فيها أهدافها . وقد وقعه الرئيس السادات بتاريخ أول أكتوبر 1973 " ... " وترتب على هذا التوجيه إصدار التوجيه الثانى للفريق أول أحمد إسماعيل ببدأ العمليات العسكرية ، ووقعه الرئيس السادات يوم 5 أكتوبر 1973 ".  ويقول هيكل بنفس الصفحة : " وقد ذكرت هذه الواقعة وسجلتها فى محاضر تحقيق المدعى الإشتراكى معى فى صيف 1978 وفى حياة الرئيس  السادات وفى عنفوان سلطته ." .... ويقول هيكل  أيضا بنفس الصفحة : " إننى أنا الذى كتبت للرئيس السادات خطابه أمام مجلس الشعب بتاريخ 16 أكتوبر ، وفيه أعلن الرئيس السادات خطته لما بعد المعارك ، بما فيها مقترحاته لمؤتمر دولى فى جنيف يجرى فيه حل الأزمة فى إطار الأمم المتحدة وتنفيذ قرار مجلس الأمن 242 " .

 

ونص التوجيه الإستراتيجى (الثانى) الذى تم على أساسه تكليف وزير الحربية والقائد العام  للقوات الفريق أول أحمد إسماعيل  ببدأ العمليات العسكرية ، وقعه السادات فى 5 أكتوبر 1973 م ( 9 رمضان 1393 ه.)  ، ونصه  كما  ورد بكتاب هيكل المذكور (ص 14)  هو مايلى :

توجيه إستراتيجى من رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة

إلى الفريق أول أحمد إسماعيل على وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة

1- بناء على التوجيه السياسى العسكرى الصادر لكم منى فى أول أكتوبر 1973 وبناء على الظروف المحيطة بالموقف السياسى والإستراتيجى :

                                                                                         أ‌-  إزالة الجمود العسكرى الحالى بكسر وقف إطلاق النار اعتبارا من يوم 6 أكتوبر 1973 .

                                                                                      ب‌-  تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة فى الأفراد والأسلحة والمعدات .

                                                                                      ت‌-  العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة .

2- تنفيذ هذه المهام بواسطة القوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية .

 

 ويتضح مما سبق أن الهدف الإستراتيجى الأول للحرب كان إزالة الجمود العسكرى وكسر وقف إطلاق النار الذى بدأ سريانه فى 8 أغسطس 1970 ، واستمر لأكثر من ثلاث سنوات فى حالة صعبة وقاسية تم تسميتها بحالة اللا حرب واللا سلم  ، تأزم فيها كثيرا الشعب المصرى اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا إلى حد الكارثة ، كما تأزم فيها جنود مصر البواسل المرابطين على جبهة القتال فى أوضاع حياتية ومعيشية صعبة إلى حد الإنفجار والتمرد أحيانا دون أمل فى حسم قريب لتلك الحالة . وفى المقابل كان العدو الإسرائيلى المحتل لسيناء مستقرا  تماما ، يعيش واثقا من قدراته ، مغرورا بتفوقه وهيمنته ، ولم يتكلف شيئا من احتلاله لسيناء ، فقد كان يستنزف خيراتها وآبار بترولها ، ويستغل خاماتها ومواردها لصالحه أسوأ استغلال ، إلى درجة نزعه لقضبان وفلنكات السكك الحديدية بشمال سيناء  ليدعم بها مواقعه ونقاطه القوية الحصينة على خط بارليف شرق القناة ، وكان يتصرف وكأن سيناء أصبحت جزءا لايتجزأ من أرض ورثها عن أجداده وأسلافه ، فأنشأ على أرضها المستوطنات ، وزرع بها مايكفى احتياجات مستوطنيها اليهود المستجلبين من شتات الأرض ، ومايكفى ويزيد على احتياجات قواته المسلحة المحتلة .

 

أما البند الثانى من التوجيه الإستراتيجى ، وهو تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة ، لم يكن سوى نتيجة مرجوّة من تحقيق الهدف الأول وليس هدفا فى حد ذاته . وعلى ذلك يكون الهدف  الإسترتيجى الثانى من الحرب ، هو العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة .. أى أن الرئيس السادات المسئول الأول عن السياسة العامة للبلاد ، وضع هدفا سياسيا استراتيجيا هو تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية ، وترك تفاصيل ذلك للمؤسسة العسكرية حسب موقف العمليات وتطور المعركة ، وبما يتفق مع إمكانيات وقدرات القوات المسلحة.

وعلى ماسبق فقد حدد السادات بقرار الحرب أو بالتوجيه الإستراتيجى أهدافا سياسية ، يُفترض تناسبها مع استعداد القوات المسلحة المصرية وقدرتها وقوة نيرانها وظروفها ، لا تعلوا عليها ولا تهبط دونها ، فوضع بقراره إطارا عاما للهدف المنشود من الحرب ، يمكن مع تحقيقه على الأرض أن يشكل مرحلة من مراحل تتلوها لتحرير سيناء بالقوة المسلحة ، أو يشكل عنصرا للضغط ، يمكن أن يساهم فى اتجاه فرض الحل السياسى العادل وإجبار العدو على الإنسحاب الكامل من سيناء . وقرار الحرب كما ذكرنا بــــــ "الحلقة التاسعة" هو قرار سياسى بالدرجة الأولى ، فالحرب أداة من أدوات السياسة الخارجية ، والسياسة الخارجية أحد العناصر الرئيسة المكونة للسياسة العامة للدولة ، تتضمن اتخاذ القرارات المتعلقة بالأمن الوطنى والكيان الإقليمى للدولة ، ومن ثم فهى تحتل موقعا مركزيا فى السياسة العامة . وينطوي تطبيقها عادة على توظيف مجموعات مختلفة من الأدوات والمهارات، كأن تلجأ الدولة إلى العمل الدبلوماسى والمفاوضات ، أو إلى الضغط العسكرى والحرب ، أو إلى استخدام السلاح الإقتصادى ، أو أن تلجأ إليهم جميعا فى آن واحد لتحقيق هدف معين كما حدث بالنسبة للدول العربية أثناء حرب أكتوبر 1973 ، حيث شارك العرب بأهم سلاح اقتصادى تم استخدامه أثناء المعركة ، هو سلاح البترول ، الذى جعل أوروبا الغربية تفيق من نومها وراحت تهرول إلى وسيلة تخفف عنها ضغط سلاح البترول العربى .

 

أما بالنسبة لخطة الحرب ، فقد تم تجنيد معظم قدرات الشعب المصرى وموارده لصالح ماتم تسميته وقتها بــ " المجهود الحربى" ، كما تم تجنيد الشباب من حملة المؤهلات العليا وتأهيلهم على أعلى مستوى كضباط لقيادة التشكيلات والوحدات الصغرى المقاتلة ، وتم البدء بعد هزيمة يونيو 1967 مباشرة فى إعادة بناء القوات المسلحة وتشكيلاتها من جديد وبنظام فعال مختلف من تحت الصفر ، وكأن مصر البائسة لم تكن تملك قواتا مسلحة من قبل . وكان الشعب المصرى يعلم تماما أن الحرب قادمة كأحكام القدر تفرض نفسها على الجميع ، ولاخيار لأحد فى ذلك ( الحلقة السادسة) ، فقد كنا أمام عدو قذر لايحترم ميثاقا أو عهدا أو اتفاقا أو قرارا دوليا ، عدو اصطنع لنفسه تاريخا مزيفا عاريا من كل منطق وفاقدا لكل دليل وشاهد ليبرر به لنفسه ولأغبياء العالم مذابحه الوحشية ومجازره الشيطانية ضد أصحاب الأرض لسرقة تاريخهم واغتصاب أرضهم ، مدعيا  بأنها أرض الميعاد وأن الله قد وعده بها . ولم يترك لنا هذا العدو القذر فرصة للكف عن كرهه وبغضه ، فكنا جميعا غاضبين ثائرين فى صمت يشبه صمت البراكين التى تغلى من الداخل ، منتظرين لحظة الإنفجار لتطهير أرض سيناء من دنس هذا العدو ونجسه . ويقول المؤرخ الدكتور عبد العظيم رمضان : كانت الأوضاع الداخلية فى مصر تضغط ضغطا شديدا فى اتجاه الحسم بالحرب (الحلقة الثامنة) .  ويقول المؤرخ العسكرى جمال حماد ( الحلقة الثامنة أيضا ) : ومنذ شهر يوليو 1967 ظلت خطط العمليات العسكرية تتبدل وتتغير عدة مرات ، سواء فى أهدافها المرحلية أو فى أهدافها النهائية .

 

وكانت خطط العمليات العسكرية التى تم إعداداها منذ يوليو 1967 تشترك جميعها فى هدف سياسى واستراتيجى واحد - رغم تغيرها وتبدلها الدائم - وهو القيام باقتحام مدبر لقناة السويس وتدمير خط بارليف وتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة لإهدار نظرية الأمن القومى الإسرائيلى القائمة على أكذوبة "الحدود الآمنة" والإستعداد لتنفيذ أى مهام قتالية أخرى ...  وما يعنينا فى هذا الشأن هو ضرورة الإستماع جيدا إلى الشاذلى رئيس الأركان حرب أكتوبر 1973  بحكم مسئوليته الأولى عن إدارة العمليات العسكرية على أرض المعركة ، وعدم إهمال رأيه وتخطيه إلى رأى ماهم دونه عسكريا فى الخبرة والرتبة والمهام ، لحسم إجابة السؤال الآتى :  هل كان الهدف العسكرى المباشر هو مجرد الإكتفاء بالإقتحام المدبر لقناة السويس وتدمير خط بارليف الحصين والإستيلاء على رءوس كبارى بعمق 10-15 كيلومتر على الضفة الشرقية لقناة السويس وصد وتدمير هجمات وضربات العدو المضادة تحت حماية مظلة الدفاع الجوى ضد طيران العدو المتفوق ؟ أم كان ضرورة تطوير ذلك ، ليصبح الهدف العسكرى المباشر من خطة الحرب هو إحتلال منطقة  المضايق والممرات - ( الخاتمية والجدى ومتلا وصدر الحيطان – التى تبعد حوالى 45-60 كم شرق قناة السويس كما هو موضح بالخريطة أدناه ) - ؟ . وإذا وضعنا فى الإعتبار أن أكبر منصب عسكرى ميدانى فى مصر وفى غيرها هو منصب رئيس الأركان وليس القائد العام للقوات المسلحة أو القائد الأعلى للقوات المسلحة ، ويساعده رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة مع قادة التشكيلات الرئيسية المقاتلة وقادة الأسلحة والإدارات المعاونة فى إعداد الخطة ومكوناتها وتفاصيلها إنتظارا  لقرار الحرب من القائد السياسى الذى يمثله سياسيا على قمة المؤسسة العسكرية وزير الحربية أو الدفاع (القائد العام) ... فعلى ذلك كان لا يجب أن نجد مفاجأة غريبة وتناقضا معيبا بعد الحرب متمثلا فى إختلاف اللواء محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة العمليات مع رئيسه الفريق سعد الدين الشاذلى Chief of Staff فى أمر خطة الحرب وهدفها العسكرى المباشر .. !!  طبقا لما تم نشره بمذكراتهما .

 

 

يقول اللواء محمد عبد الغنى الجمسى فى مذكراته (الطبعة الأولى 1989) ص 386 : أن الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس الأركان كان يعارض فكرة تطوير الهجوم لأسباب أبداها بنفسه للقائد العام الفريق أول أحمد إسماعيل . ويقول بصفحة 387 : "... والحقيقة التى أقررها ، أن التخطيط لحرب أكتوبر 1973 لم يكن قاصرا أبدا على الإستيلاء على خط بارليف كهدف نهائى . بل كان التخطيط يهدف إلى تحقيق هدف استراتيجى أبعد من ذلك وهو الوصول إلى خط المضايق والإستيلاء عليه كهدف نهائى" . وأقول أنه  لايمكن لأحد أن يتهم الجمسى بأنه يقول غير الحقيقة التى كان يعلمها فى ذلك الوقت كرئيس لهيئة العمليات ، ولكن مالمانع أن تكون الحقيقة التى كان يعلمها ليست هى الحقيقة التى كان يعرفها رئيس الأركان ويجهز نفسه وقواته لها باعتباره المنفذ للمعركة وللعمليات العسكرية مع مرؤوسيه قادة الجيشين الثانى والثالث الميدانين والأسلحة الملحقة بهما والمعاونة لهما   !!

 

ولم يجد الجمسى أفضل من الحديث الصحفى الذى أدلى به الفريق أول أحمد إسماعيل للأستاذ محمد حسنين هيكل رئيس تحرير الأهرام يوم 18/11/1973 ليؤكد صحة وصدق اختلافه مع الشاذلى. ولكن جاء نص الحديث الذى استشهد به الجمسى فى مذكراته بالصفحة 389 ، 390 ، 391 خاليا تماما من التأكيد الصريح الواضح لصحة اختلافه ، فلم يكن فى حديث أحمد إسماعيل (رحمه الله) مايشير صراحة وبوضوح بأن الهدف العسكرى المباشر والنهائى للخطة هو تطوير الهجوم  والوصول إلى خط المضايق والإستيلاء عليها . وعندما حاصره هيكل بأسئلته عن هذا التطوير قال أحمد إسماعيل رحمه الله بالنص مايلى :  " إننا بدأنا العملية فى حماية شبكة الصواريخ الشهيرة ، وإن كان على أن أتقدم بعدها ، فقد كان لابد – سواء كانت هناك فرص يراها غيرى أو حتى أراها بنفسى –  أن أنتظر حتى أتأكد أن قواتى وراءها الحماية الكافية " .  وقال أيضا : " ... أننى التزمت بالتخطيط . كان التخطيط – الخطة الأصلية أقصد – يقتضى وقفة تعبوية بعد إتمام العبور وبعد تأمين رءوس الكبارى .. وقفة أعيد فيها تقدير الموقف على ضوء رد فعل العدو ، وأتأهب للخطوة التالية واتخذ لها احتياطاتها الكافية وأتقدم" . ثم قال : " ... لست أذيع سرا لايعرفه العدو – فإننا اضطررنا إلى القيام بهجوم واسع بأسرع من الوقت المناسب . وكان هدفنا من ذلك تخفيف الضغط على سوريا ، ولقد حدثت معارك ضخمة بالمدرعات ، وكانت هذه المعارك خارج نطاق حماية الصواريخ " . ومالم يقله المرحوم أحمد إسماعيل هو الخسارة الفادحة التى مُنيت بها قوات الهجوم المدرعة حين خرجت خارج نطاق حماية مظلة صواريخ الدفاع الجوى . وهو حين يقول اضطررنا للهجوم ، ولم يكن هذا  الهجوم هجوما دفاعيا يتطلبه وضع قواتنا على الأرض فى ذلك الوقت على سبيل المناورة المحسوبة بالقوات ،  بل كان كما قال أحمد إسماعيل هجوما سريعا وفى وقت غير مناسب ، وليس  هدفه الإستيلاء على خط المضايق ، بل من أجل تخفيف الضغط على سوريا ، فإن ذلك يكون تصريحا واضحا منه - أى من الفريق أول أحمد إسماعيل - بأن ماقامت به قواتنا المسلحة لم يكن تطويرا تطلبته خطة الحرب المتفق عليها من قبل ، بل كان ذلك أمرا فوقيا طرأ على بال رأس القيادة السياسية فجأة ، أو خططت له تلك القيادة سرا دون علم القيادة العسكرية ، فجاء مقامرة  سياسية غير محسوبة تم فرضها على المؤسسة العسكرية دون استعداد أو تأهيل ، وأدى إلى خسارة جسيمة فى الرجال والعتاد مُنيت بها قواتنا الباسلة دون أن تحقق هدف تخفيف الضغط على الجبهة السورية أو أى هدف آخر .

 

ومع ذلك يقول الجمسى فى ص 391 : " إن خطة الحرب التى لاخلاف عليها – عسكريا وسياسيا – قد وضعت للوصول إلى خط المضايق كهدف نهائى " . ويقول فى نفس الصفحة : " ويقع عبء إدارة العمليات الحربية لتنفيذ الخطة على القيادة العسكرية - (أى على الشاذلى رئيس الأركان رحمه الله) - دون تدخل من القيادة السياسية ، وهو الأسلوب الصحيح لإدارة العمليات " . وهنا يجب أن نكرر التأكيد على أن مسئولية القيادة العسكرية هى مسئولية رئيس الأركان وحده وهو الفريق سعد الدين الشاذلى . ويقول الجمسى بصفحة 392 :  "أن قرار الهجوم لتخفيف الضغط على سوريا كان قرارا سياسيا من الرئيس السادات أى أنه لم يكن قرارا عسكريا" _ بما يعنى بشكل قاطع أن تطوير الهجوم لم يكن هدفا عسكريا تضمنته خطة الحرب ، لأن الضغط الإسرائيلى العسكرى على سوريا لايصح أن يكون سببا يؤدى إلى الخلل بأوضاع قواتنا المسلحة بسيناء وإلى إنهاكها وإضعاف قدراتها ، فينقلب الضغط على سوريا إلى ضغط أسوأ على قواتنا ، وتنهار عندئذ الجبهتين المصرية والسورية معا دون جدوى كما حدث ،  ولم يكن هذا التطوير المفروض على القوات المصرية متفقا على الإطلاق مع  استعداد وإمكانيات القوات المصرية المقاتلة وأوضاعها ، أو مع  تطور وسير العمليات العسكرية على الأرض .. !!

 

ويقول الجمسى بمذكراته بالصفحة 394 : " " والموضوع الثانى الذى صدمنى وأفزعنى ، ماجاء فى مذكرات مستشار رئيس الجمهورية للأمن القومى السيد حافظ إسماعيل فى كتابه (أمن مصر القومى فى عصر التحديات ص323) تحت عنوان 10-13 أكتوبر ، وقفة تعبوية – بالنص التالى :

("كانت قواتنا خلال المرحلة التى انتهت قد أتمت تحقيق الهدف المباشر . وكنت من خلال أحاديثى مع الفريق أول أحمد إسماعيل من قبل نشوب الحرب ، أُدرك أنه لاينوى التقدم حتى الممرات الجبلية . وأن ماجاء بتعليمات القيادة العامة بأن الهدف هو احتلال المضايق ... إنما قُصِد به أن يستحث القيادات الصغرى خلال مرحلة بناء رءوس الكبارى على استمرار التقدم حتى الهدف المباشر ") . وهنا يجب أن أذكر أيضا أن هناك صدمة أخرى ، تم الإشارة إليها فى مذكرات الشاذلى حدثت أثناء مسار العمليات العسكرية (وهنا الخطورة) أغضبت الشاذلى جدا  وشاركه هذا  الغضب قادة الجيشين الثانى والثالث الميدانين ، وكانت الصدمة على نقيض الصدمة التى أصابت الجمسى وأفزعته ، وتمثلت فى قرار القيادة السياسية – على غير توقع – بتطوير الهجوم حتى الممرات !  واعتبر الشاذلى أن هذا القرار الذى تمسكت به القيادة السياسية كان جهلا ومقامرة وغرورا منها ، وأنه كان سببا لإختلال الموازين العسكرية ، وأدى ذلك إلى أن يكون الموقف مثاليا لكى يقوم العدو بمحاولة لإختراق مواقعنا ، ونجح فيها  ... الخ ، طبقا لما سيأتى بيانه فى الحلقات القادمة .

ويقول الجمسى بصفحة 386، 387 : " اختلف الكتاب والمحللون ، منهم من استنتج أن التخطيط المصرى لحرب أكتوبر كان يهدف إلى القيام بعملية  هجومية ذات هدف محدود هو : الهجوم مع اقتحام القناة والإستيلاء على خط بارليف فقط . ومنهم من استنتج أن التخطيط العسكرى كان يهدف إلى القيام بعملية هجومية لإقتحام القناة وتدمير خط بارليف والإستيلاء على خط المضايق كهدف نهائى . وهنا تنوعت آراء الكتاب .... الخ"  .. .. وأقول مازال هذا الإختلاف والتنوع والتضارب مستمرا للأسف حتى الآن بعد 38 عاما من حرب أكتوبر . ويقول أمين هويدى فى كتابه (الفرص الضائعة) ص 330 بعد أن استعرض تفاصيل الخلاف بين الشاذلى والجمسى وبعد أن قدم تحليلا عسكريا وسياسيا رصينا لأوضاع قواتنا المسلحة وقدراتها : " .... ولكن الحقائق التالية - (ذكرها تفصيلا) – تثبت صدق ماذهب إليه الشاذلى من أن الخطة لم تهدف على الإطلاق احتلال خط المضايق الخاتمية – الجدى – متلا – صدر الحيطان " .  

 

أما الشاذلى رئيس الأركان ، وهو المسئول الأول عن الإدارة العسكرية لحرب أكتوبر 1973 والمناورة بالقوات طبقا لسير العمليات ، والذى يقع على كاهله مسؤولية بذل الجهد لتنفيذ الأهداف العسكرية لخطة الحرب ، فيقول بمذكراته التى نشرها على حلقات بمجلة "الوطن العربى" فى الفترة مابين ديسمبر 78 ويوليو 1979 ، وفى حياة أنور السادات رئيس الجمهورية الذى نشر هو الآخر مذكراته فى إبريل عام 1978 . يقول الشاذلى نقلا عن مذكراته (الطبعة الرابعة 2003) الفصل الثالث - يقول :

 

" قبل مرور شهرين على تعييني رئيساً للأركان العامة، كنت قد أصبحت مقتنعاً بان معركتنا القادمة يجب أن تكون محدودة ويجب أن يكون هدفها هو "عبور قناة السويس وتدمير خط بارليف واحتلاله ثم اتخاذ أوضاع دفاعية بمسافة تتراوح ما بين 10 و 12 كم شرق القناة" وأن نبقى في هذه الأوضاع الجديدة إلى أن يتم تجهيز القوات وتدريبها للقيام بالمرحلة التالية من تحرير الأرض. وعندما عرضت هذه الأفكار على الفريق أول محمد أحمد صادق بصفته وزيرا للحربية وقائدا عاما للقوات المسلحة عارض هذه الفكرة بشده وقال إنها لا تحقق أي هدف سياسي أو عسكري،  فهي من الناحية السياسية لن تحقق شيئاً. وسوف يبقي ما يزيد على 60000 كيلو متر مربع من سيناء، بالإضافة إلى قطاع غزة تحت الاحتلال الإسرائيلي. ومن الناحية العسكرية سوف تخلق لنا موقفا صعبا فبدلا من خطنا الدفاعي الحالي الذي يستند إلى مانع مائي جيد، فأن خطنا الدفاعي الجديد سوف يكون في العراء وأجنابه معرضة للتطويق. وبالإضافة إلى ذلك فسوف تكون خطوط مواصلاتنا عبر كباري القناة تحت رحمة العدو. لقد كانت فكرته في العملية الهجومية هي أن نقوم بتدمير جميع قوات العدو في سيناء، والتقدم السريع لتحريرها هي وقطاع غزة في عملية واحدة ومستمرة ! قلت له كم أود أن نقوم بتنفيذ ذلك، ولكن ليس لدينا الإمكانات للقيام بذلك سواء في الوقت الحالي أم في المستقبل القريب، رد قائلا: "لو أن السوفيت أعطونا الأسلحة التي نطلبها فإننا نستطيع أن نقوم بهجومنا هذا في خلال عام أو أقل". لم أوافقه على رأيه هذا وأخبرته أننا قد نحتاج إلى عدة سنين لكي نحصل ونتدرب على الأسلحـة اللازمة لمثل هذا الهجوم. واعدت ذكـر الأسباب التي تفرض علينا القيام بعملية هجومية محـدودة. وبعد مناقشات مطولة وعبر جلسات وأيام متعددة وصلنا إلى حل وسط وهو تجهيز خطتين: خطة تهدف إلى الاستيلاء على المضائق ، وأخرى تهدف إلى الاستيلاء فقط على خط بارليف."

 

"أطلقنا على الخطة الأولى اسم "العملية 41 "، وقمنا بتحضيرها بالتعاون مع المستشارين السوفيت بهدف إطلاعهم على ما يجب أن يكون لدينا من سلاح وقوات لكي نصبح قادرين على تنفيذ هذه الخطة. أما الخطة الثانية، فقد أطلقنا عليها الاسم الكودي"المآذن العالية"،وكنا نقوم بتحضيرها في سرية تامة. ولم يكن يعلم بها أحد من المستشارين السوفييت، كما أن عدد القادة المصريين الذين سمح لهم بالاشتراك في مناقشتها كان محدودا للغاية ، وفي خلال يوليو وأغسطس 1971 كانت الخطتان قد تم استكمالهما. كانت الخطة 41 غير قابلة للتنفيذ إلا إذا توافرت أسلحة ووحدات افترضنا وجودها، أما خطة المآذن العالية فقد كانت أول خطة هجومية مصرية واقعية."

وفي خلال عام 1972 أخذنا ندخل بعض التعديلات الطفيفة على كل من "الخطة رقم 41" و"خطة المآذن العالية"، وذلك بناء على التغير المستمر في حجم قواتنا وحجم قوات العدو، ولكن جوهر كل خطة بقي كما هو عليه، ولكن تم تغيير اسم "الخطة 41" لتكون "جرانيت 2"، وبنهاية عام 1972 بقيت "خطة المآذن العالية" هي الخطة الوحيدة الممكنة، بينما كانت الخطة جرانيت 2 هي خطة المستقبل التي يشترط لتنفيذها حدوث تغييرات أساسية في إمكانات قواتنا المسلحة.

 

"عندما عُين الفريق أحمد إسماعيل وزيراً للحربية وقائداً عاماً للقوات المسلحة خلفاً للفريق صادق في نهاية شهر أكتوبر 1972، عرضت عليه خططنا الهجومية لمناقشتها معه"  ... ... اقتنع بعدم قدرتنا على تنفيذ الخطة "جرانيت 2" وانه يجب علينا أن نركز على خطة "المآذن العالية " وتحدد ربيع 1973 كميعاد محتمل للهجوم." .... "عندما بدأت في وضع اللمسات النهائية على خطة "المآذن العالية" كان يتحتم علينا أن نوسع عدد القادة الذين يلمون بالخطة ومناقشة كافة المشكلات والاحتمالات المنتظرة " ..... "  ..... " كانت الخطوط العريضة لخطتنا الهجومية بعد أن أخذت صورتها النهائية وبعد أن تغير اسمها من "المآذن العالية"، إلى "بدر"  تتلخص فيما يلي: ..................... "  ...

ملاحظة : لم يُطلق إسم "بدر" على العملية الهجومية إلا خلال شهر سبتمبر 73 بعد أن تحدد يوم الهجوم ليكون 6 أكتوبر الموافق 10 رمضان 1393 هجرية – كما يقول الشاذلى فى أحد هوامش الفصل الرابع من مذكراته .

 

 ويقول الشاذلى : "قمنا بتجهيز الخطة الجديدة التي لم تكن إلا الخطة "جرانيت 2" بعد إجراء بعض التعديلات الطفيفة، وبعد أن تم وضع هذه الخطة دُمجت مع "الخطة بدر" -التي هي خطة العبور- في خطة واحدة أصبحنا نطلق على خطة العبور لفظ "المرحلة الأولى"، وخطة التطوير لفظ "المرحلة الثانية"، ولكي نعمق الفاصل بين المرحلتين فقد كنا عندما ننتقل من شرح المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية، نقول. "وبعد وقفة تعبوية نقوم بتطوير كذا كذا - ". إن التعبير العسكري "وقفة تعبوية" يعني التوقف إلى أن تتغير الظروف التي أدت إلى هذا التوقف، وقد تكون الوقفة التعبوية عدة أسابيع، وقد تكون عدة شهور أو اكثر، كنا نشرح ونناقش خطة العبور بالتفصيل الدقيق ثم نمر مرورا سريعاً على المرحلة الثانية. لم أتوقع قط أن يُطلب إلينا تنفيذ هذه المرحلة، وكان يشاركني هذا الشعور قادة الجيوش ويتظاهر بذلك على الأقل وزير الحربية."

 

ويقول الشاذلى فى ص 30  : " قصة التوجيه الاستراتيجي التي ذكرها الرئيس السادات في الصفحة رقم 331 من مذكراته، بأسلوب روائي يقول فيه: "كنت قبل ذلك في سبتمبر 1973 قد أصدرت الأمر الاستراتيجي للقائد العام ووضعت فيه تصوري للهدف الإستراتيجي ، وقد كان هذا الأمر هو الأول من نوعه في تاريخ مصر الحديث". نعم لقد كان الأمر الأول من نوعه، ولكن لماذا؟ لأنه كانت هناك شكوك خفية- مهما حاول الطرفان إخفاءها- بين رئيس الدولة ووزير الحربية. وإن التناقض في أقوال السـادات واضح في هذه النقطة كما هو واضح في نقاط أخرى كثيرة، ففي كتابه في الصفحة رقم 331، يقول: انه حرر التوجيه الاستراتيجي في سبتمبر ووقع أمر القتال في 2 من أكتوبر ، في حين أن الصور الزنكوغرافية المنشورة في الكتاب نفسه- بعد استبعاد الأخطاء اللغوية- في صفحتي 443 و 444 تقول: إن تاريخ الوثيقتين هو أول أكتوبر و5 من أكتوبر على التوالي، بماذا يفسر لنا السادات هنا التناقض الغريب في وثيقتين تاريخيتين يقول عنهما أنهما قمة العمل العسكري؟! ...... " .

 

وقبل ختام الحلقة الحالية ، أرى أنه من الجدير بالذكر القول بأن أكثر المحللين العسكريين الأجانب ، كان يرى أن الهدف الإستراتيجى لحرب أكتوبر لم يكن سوى كسر جمود الموقف العسكرى والسياسى الذى أصاب الحياة فى مصر بالشلل لأكثر من 3 سنوات وذلك بعبور القناة وتحرير جزء من الأرض فى حرب محدودة تحت حماية مظلة صواريخ الدفاع الجوى ضد الطيران الإسرائيلى المتفوق .. وكان آخر المحللين العسكريين الذى قال بذلك هو الأمريكى هو " آرثر لوفشتيت" ، كما يلى :

 

"The strategic goals which Egyptian President Sadat hoped to achieve by initiating the attack across the canal were apparently limited to successfully crossing the canal and retaining a foothold in Suez in order to break the political and military stalemate existing between Egypt and Israel."

 Source :  Arthur B. Loefstedt / page 7 of : An Operational Analysis of the Sinai Campaign, a paper submitted in satisfaction of requirements of the Department of Joint Military Operations/ U.S.Army-12 Feb. 1996).

 

ويقول الشاذلى فى مذكراته : " وبعد انتهاء الحرب وفك الاشتباك الثاني في سبتمبر 1975، تكلم السادات ولأول مرة بان هدف القوات المسلحة من حرب أكتوبر 73 كان هو"احتلال شريحة من الأرض بعمق حوالي 10 كيلومترات شرق القناة". ثم تساءل الشاذلى : " لماذا إذن أمرت يا سادات بتطوير الهجوم نحو الشرق يوم 14 من أكتوبر على الرغم من معارضـة القادة جميعهم ؟! " ... ويقصد بالقادة نفسه وقائدى الجيشين الثانى والثالث الميدانيين . 

__________

فهرست الموضوعات

الحلقة السابقة

الحلقة 11