الحلقة الخامسة

أسباب قبول إسرائيل لمبادرة روجرز

ملاحظة : وضعت هنا النص الإنجليزى  لبعض الإقتباسات بالحلقة الحالية تحت تصرف القارئ  لإعطائه حرية تفسيرها بنفسه .  

______________________

ونذكر هنا استكمالا للحلقة السابقة  أسباب قبول إسرائيل لمبادرة روجرز الثانية (مشروع روجرز)  بعد إعلان رفضها لتلك المبادرة ، وتمسكها بهذا الرفض لشهر كامل عاشت فيه الحكومة الإسرائيلية التى تشكلت مع حرب يونيو 1967 كحكومة حرب إئتلافية إلى أن إنفرط عقد هذا الإئتلاف مع قبول جولدا مائير لتلك المبادرة . وبمناسبة ذكر جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل فى ذلك الوقت ، فمن المهم أن نذكر هنا أن كيسينجر كان معجبا بها جدا كأحد مؤسسى دولة إسرائيل ، وكانت عقيدتها أن كل بوصة من الأرض تحارب من أجلها إسرائيل هى رمز لبقاء شعبها حيا ، وحسب قول كيسينجر فى مذكراته :

She was a founder of her country. Every inch of land for which Israel had fought was to her a token of her peopl's survival   .

 ويقول كيسينجر أن جولدا مائير كانت تتصرف نحوه كعمة حنون تجاه ابن أخ تختصه بحبها ، وأن زوجته كانت تميل إلى القول : بأن هناك شيئ من الأداء الدرامى المسرحى الزائد تلاحظه بين جولدا مائير وبينه حين يختلفان على أمر ما . أما بالنسبة لروجرز وزير خارجية الولايات المتحدة فيقول كيسينجر : كانت جولدا مائير تعامله وكأن مبادراته لاتحتمل أى صواب ، وأنها متأكدة لو أنه أخذ فرصة كافية مع نفسه فسوف يتضح له سوء الفهم الناتج عن مبادراته السريعة التلغرافية وعدم ملاءمتها المحتومة  وأن مصير مبادراته سوف يكون دائما إلى لاشيئ ، وعندئذ – عندما يتضح له ذلك ، فسوف تعد بالعفو عنه .. !! . وأنقل النص الإنجليزى الكامل لما سبق على لسان كيسينجر بمذكراته الجزء الثانى الفصل العاشر ص 444 :

To me she acted as a benevolent aunt toward an especially favored nephew. My wife is fond of saying that some of the most dramatic theatrical performances she witnessed were between Golda Meir and me when we disagreed. Mrs. Meir treated Secretary Rogers as if the reports of his views could not possibly be true; she was certain that once he had a chance to explain himself the misunderstandings caused by the inevitable inadequacy of reporting telegrams would vanish; she then promised forgiveness.

ومن هنا نستطيع أن نتفهم مدة قوة تأثير الإسرائيليين على مراكز صنع القرار بالولايات المتحدة ، وخاصة حين نعلم أن قد تم تعيين  كيسينجر فيما بعد وزيرا للخارجية – وهو الذى كانت تتصرف جولدا مائير نحوه  كعمة حنون - بدلا من روجرز المسكين . وكان كيسينجر بعد ذلك هو نفسه محل إعجاب شديد من السادات ومحل ثقته ، حيث قال السادات  بالنص فى أول مقابلة لكيسينجر : "" وبعد ساعة واحدة من لقائى بهنرى كيسينجر قلت لنفسى : أخيرا جاءنا من أمريكا رجل يمكن أن أثق به وأعتمد عليه ... "" .. !!

______________________________

ونعود الآن  إلى أهم الأسباب التى دعت إسرائيل لقبول مبادرة روجرز :

السبب الأول : تزايد الوجود السوفييتى العسكرى فى مصر أدى إلى وضع بالغ الحساسية فى المنطقة  بالنسبة للولايات المتحدة ، ففى 1 يناير 1970 وقبل زيارة عبد الناصر السرية إلى موسكو – حسب قول هيكل - كان عدد الخبراء السوفييت فى مصر طبقا لتقديرات المخابرات الإسرائيلية يتراوح مابين 2500 خبير إلى 4000 خبير . وفى 31 مارس 1970 – بعد الزيارة السرية لعبد الناصر – وصل العدد طبقا لنفس التقديرات إلى مابين 6560 و 8080 خبيرا سوفييتيا . كما ظهرت 22 بطارية دفاع جوى سام 3 لم تكن موجودة من قبل ، وفى 30 يونيو 1970 ظهرت فى مصر طبقا لتقديرات المخابرات الإسرائيلية مابين 100 إلى 150 طيارا سوفييتيا وحوالى 120 طيارة مقاتلة ميج 21 ج س ، وزاد عدد الخبراء السوفييت إلى مابين 10600 و 12150 ، وزادت بطاريات صواريخ الدفاع الجوى إلى مابين 45 إلى 55 سام 3 ... هذا مايقوله هيكل ولايختلف كثيرا عما قاله كيسينجر فى مذكراته "سنوات البيت الأبيض " الجزء الثالث من النسخة الإنجليزية ص 684 الجزء الثالث فصل 14 ، حيث قال : أنه فى 10 يونيو إجتمع مجلس الأمن القومى NSC ، حيث لخّص هلمز Helms  مدير المخابرات المركزية الأمريكية CIA تدهور الموقف بالمنطقة بتواجد من 4 إلى 5 أفواج صواريخ دفاع جوى سوفييتى سام 3 ، ومن 3 إلى 5 أسراب ميج 21 س يقودها طيارين سوفييت ، وعدد من المحاربين الروس يصل عددهم إلى 10 آلاف محارب منذ مارس ، وتزايدت كثيرا قدرة مصر على تدمير الطيران الإسرائيلى  ، وأصبح التساؤل الرئيسى  إذا ماكان السوفييت سوف يحركون صواريخ سام 3 وطائراتهم المقاتلة فى اتجاه قناة السويس ، وهل سيمنع ذلك إسرائيل من تحديهم عند اقترابهم ، وعلى كل حال سوف يتغير الموقف كثيرا وبطريقة سريعة ضد مصلحة إسرائيل ..

وخسرت إسرائيل عددا ليس قليلا من الطائرات حين حاولت تهديد العمق المصرى فتصدى لها الطيارين السوفييت وصواريخ  الدفاع الجوى سام 3 ، واضطر نيكسون إلى تعويض خسائرها بناءا على إقتراح كيسينجر .

Nixon the same day approved my suggestion to replace Israeli aircraft losses with up to eight Phantoms and twenty Skyhawks in 1970.(Source:Page 674 part 3 chapter XIV)

وأخذ كيسينجر يتساءل لماذا وافق عبد الناصر على مبادرة روجرز ، وطرح كيسينجر وقتها حسب قوله فى مذكراته عدة إجابات كان من بينها أن عبد الناصر قد يكون مصمما منذ البداية أن يستفيد من عرض الولايات المتحدة بوقف إطلاق النار كأحد بنود المبادرة لتغطية تحرك منظومة صواريخ الدفاع الجوى إلى الأمام ناحية القنال بأقل خسائر . (أذكر هنا –كاتب تلك الحلقات - وكنت مشرفا على بناء أحد مواقع الصواريخ القريبة من قناة السويس ، أنه قد تم الإنتهاء منها جميعا رغم هجمات طيران العدو الليلية ومع أول ضوء يوميا قبل سريان وقف إطلاق النار ، وكان الجمسى صادقا فى مذكراته حين قال أنه قد تم استكمال بناء جميع مواقع صواريخ سام 3 قبل سريان وقف إطلاق النار فى 8 أغسطس 1970 / عاطف هلال) . ويقول إيلى زاعيرا رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية بمذكراته "حرب يوم الغفران" ص 44 (الناشر : المكتبة الثقافية - بيروت 1996) : " فى شهر يوليو 1970 حدث التحول الحاد بالنسبة لحرية العمل الجوى لإسرائيل فى منطقة قناة السويس . وعن هذه النقطة كتب الطيار المعروف أليعازر كوهين قائلا : فى شهر يوليو آخر شهور حرب الإستنزاف كان يتم إسقاط طائرات الفانتوم بمعدل وبكمية غير متوقعة ، وأدى ضياع أفضل الطيارين والملاحين إلى زعزعة هيئة الأركان والقيادة السياسية ، وإلى خفض الروح المعنوية وبث الرعب فى قلوب صانعى القرارات .... وهذه الهزيمة التى منى بها السلاح الجوى ، دفعت قادته إلى أن يفكرو بصورة جذرية فى مشكلة الصراع بين الصاروخ والطائرة " .

وما يؤكد صدق حقيقة  استكمال منظومة صواريخ الدفاع الجوى وتغطيتها لعمق مصر ولمنطقة قناة السويس ، أنه حسب قول كيسينجر بمذكراته  فى ص 690-691 : أن جولدا مائير أرسلت خطابا مريرا للرئيس نيكسون فى 1 يوليو 1970 ، أشارت فيه  إلى أن صواريخ الدفاع الجوى المصرى سام 2 وسام 3 أصبحت تغطى منطقة قناة السويس ، وحذرت من أن لايكون هناك خيار لإسرائيل سوى تدمير تلك المواقع . ويقول كيسينجر : لو حدث وأن هاجمت إسرائيل تلك المواقع التى يشارك فى إدارتها السوفييت ، فسوف يكون هناك إحتمال غالب هو أن يدافع السوفييت عنها ويحدث مواجهة وإشتباك مباشر بين إسرائيل والإتحاد السوفييتى لايمكن أن تتجاهله الولايات المتحدة . ثم يقول كيسينجر أنه كان قد وضع مخططا عاجلا مع الوكالات غير المتحمسة (يقصد روجرز وزير الخارجية والأجهزة المعاونة له) التى مازالت تتمتم بطريقة غير واضحة للضغط على إسرائيل الكبرى للدخول فى مفاوضات مع العرب بصرف النظر عن المشاكل التى تواجه الولايات المتحدة . ثم قال كيسينجر : ولقد فوجئنا فى 22 يوليو – حيث  كان الإشتباك العسكرى بيننا وبين الإتحاد السوفييتى احتمالا لايمكن تجنبه – بقبول عبد الناصر إقتراحنا بوقف إطلاق النار والمفاوضات (يقصد مبادرة روجرز) . والنص الإنجليزى الكامل هو كما يلى :

On July 1 Golda Meir wrote a bitter letter to the President. Noting that both SA-2 and SA-3 batteries were being installed to cover the Suez Canal, she pointed out: “While these developments were going on, we were being told that the balance of power has remained intact.” She warned that Israel would have no choice except to bomb these installations . But if Israel attacked a missile complex manned in part by Soviet personnel, there was a distinct possibility that the Soviets would defend it with their own aircraft. A direct clash between Israel and the Soviet Union was a danger that we could no longer ignore. I instituted urgent planning with unenthusiastic agencies who were still mumbling about forcing greater Israeli flexibility in negotiations—irrelevant to the problem we faced.

Then, on July 22—just when a military clash seemed unavoidable—Nasser suddenly accepted our proposal for a cease-fire and negotiations.(p.690-691)

 

السبب الثانى : حسب قول كيسينجر ، وهو حقيقة مؤكدة أكدها الكثيرون غيره ، أنه فى شهر مايو ويونيو ويوليو من عام 1970 ، أصبحت كل جبهات إسرائيل مسرحا يوميا مشتعلا بهجمات وغارات شرسة من الفدائيين الفلسطينيين على إسرائيل انطلاقا من الجبهة الأردنية ، وكذلك من القوات الخاصة والفدائيين انطلاقا من الجبهتين المصرية والأردنية . وازداد عنف تلك الهجمات على كل الجبهات فى أوائل أغسطس – قبل سريان وقف إطلاق النار -  وخاصة على طول قناة السويس . وشكل ذلك ضغطا أمنيا قاسيا على إسرائيل ،  مما دعى كيسينجر إلى وصف هذا الوضع باللوحة المحزنة التى تتطلب إعادة النظر فى السياسة الأمريكية بالشرق الأوسط ، ويقول كيسنجر فى مذكراته : أن الرئيس نيكسون بعث أثناء ذلك برسالة أخرى فى 23 يوليو إلى جولدا مائير يحثها على الإستفادة بميزة قبول العرب لمبادرة روجرز لكى تقبلها ، مؤكدا لها فى نفس الوقت أن الولايات المتحدة لن تضغط على إسرائيل لكى توافق على تفسير العرب لقرار مجلس الأمن رقم 242 فى حال موافقتها على المبادرة ، والنص الإنجليزى الكامل كما ورد بمذكرات كيسينجر هو كما يلى :

On July 23 Nixon sent Mrs. Meir another message urging the Israelis to take advantage of Arab acceptance of the US initiative. At the same time he assured her that we would not force Israel to accept the Arab interpretation of Security Council Resolution 242 in developing guidelines for the Jarring mission. It was just as well that this letter was not publicized until later, for the Arabs had been given precisely the opposite impression when the ceasefire initiative was presented to them. (Source:Page 693 part 3 chapter XIV)

 

والسبب الثالث : هو لعبة المصالح والتوازنات الدولية بين القوتين الأعظم - أمريكا والإتحاد السوفييتى- وخاصة فى منطقة الشرق الأوسط ، حيث اقتنع الرئيس نيكسون بالإستراتيجية التى نصحه بها مستشاره كيسينجر للأمن القومى ، التى كانت تعتمد فى الأساس على إضعاف الوجود السوفييتى بالمنطقة ، والعمل على طرد الوجود العسكرى السوفييتى منها Expel the soviet military presence  ، وأن ميزة تلك الإستراتيجية للولايات المتحدة فى رأى كيسينجر، هى إيصال العرب إلى قناعة بأن الولايات المتحدة وليس الإتحاد السوفييتى هى التى تمسك بيدها مفاتيح الحل ، ثم أردف قائلا فى مذكراته : "ولكنى لم أكن فى وضع يسمح لى بتنفيذ تلك الإستراتيجية" ، والنص الإنجليزى طبقا لما ورد بمذكراته هو :

“The advantage to us,” I advised Nixon in early February, “is that the Arabs will come to realize that it is the U.S. and not the USSR that holds the key to what they want.”…… But I was in no position to carry out such a strategy.(page 664)

ورغم  إقتناع نيكسون باستراتيجية العمل بمنطقة الشرق الأوسط التى نصح بها كيسينجر إلا أنه رأى أن مبادرة روجرز هى الخطوة الأولى لتنفيذ تلك الإستراتيجية على عكس ماكان يراه كيسينجر . فأغرى نيكسون إسرائيل بقبول المبادرة بعد أن وعد بإمدادها بعدد 50 طائرة فانتوم وعدد 80 طائرة سكاى هوك فى وقت كان يتزايد فيه عنف معارك الإستنزاف ضدها ، كما نصحها بأن الغلظة التى تتعامل بها مع السياسة الأمريكية هى مغامرة لاينبغى أن تستمر عليها .

وأخيرا قبلت إسرائيل مبادرة روجرز ، وكان كيسينجر يتابع أزمة الشرق الأوسط بحكم موقعه كمستشار للرئيس نيكسون للأمن القومى ، ولكنه كان يتشوق إلى أن يمسك بزمام بتلك الأزمة فى يده ويتولى وحده منفردا حلها ، وحدث ذلك أيام السادات حين تولى كيسنجر رئاسة وزارة الخارجية الأمريكية بالإضافة إلى عمله كمستشار للرئيس للأمن القومى . وكان تعليق كيسنجر على قبول إسرائيل لمبادرة روجرز : بأن اهتمامات إسرائيل كانت قريبة من فقدان الحكمة فى اتخاذ القرار الصحيح ، فقد انتهز السوفييت والمصريين فترة ماقبل وقف إطلاق النار للإنتهاء فى وقت قياسى من إنشاء مواقع صواريخ الدفاع الجوى على طول القناة ، وأصبحت مصر لا تملك فقط القدرة على حماية السماء غرب قناة السويس من الطيران الإسرائيلى المتفوق ، بل تملك القدرة  أيضا على حماية السماء فوق جنودها بشرق القناة ، إن هى قررت عبور قناة السويس وتحرير الأرض شرقها . ومع قبول إسرائيل فى وقت متأخر لمبادرة روجرز وتنفيذ وقف إطلاق النار كأول بند من بنودها ، فقد أعطت بتأخرها هذا حصانة لتلك المواقع المصرية التى تم إنشائها بغرض الثأر والإنتقام Retaliation وضده ... !!

كاتب الموضوع (عاطف هلال) يتوسط بعض جنوده بالجبهة بعد سريان وقف إطلاق النيران

فى 8 أغسطس 1970 ، وفى الصورة أدناه جنود إسرائيليين فى نفس التوقيت فى المواجهة

فى حالة استرخاء على شاطئ قناة السويس الشرقى / تصوير عاطف هلال

________________

فهرست الموضوعات

الحلقة السادسة

الحلقة السابقة