الحلقة السادسة

لاخيار للسادات فى قرار الحرب

ليس من الحكمة  إهمال ماكتبه محمد حسنين هيكل عن فترة حرب الإستنزاف وحرب أكتوبر  1973 حتى وقف إطلاق النار ، ليس لأن معظم ماكتبه عن تلك الفترة كان ثابتا بما  كان يعرضه بكتاباته من أدلة ووثائق فقط ، ولكن لأن ماكتبه ونشره من تلك الأدلة والوثائق لم يتعرض حتى الآن للتكذيب من أى جهة رسمية أو غير رسمية ممن يدعون أنهم من حملة أسرار حرب الإستنزاف وحرب أكتوبر وتداعياتهما السياسية ، إضافة لذلك فقد كان هيكل قريبا جدا من القمم الصانعة للقرار بمصر ، بل كان من بين تلك القمم أيضا . وشغل إلى جانب رئاسته لأكبر مؤسسة صحفية بمصر منصب وزير الإرشاد القومى ومنصب مستشار عبد الناصر للأمن القومى وقت فترة حرب الإستنزاف ، واستمر فى عمله كمستشار للرئيس السادات ، وهو الذى كتب أيضا للسادات نص التوجيه الإستراتيجى لحرب أكتوبر ، إلى أن اختلف مع السادات على نتائج حرب أكتوبر السياسية ككثرين غيره ، فتم إقصاؤه ...  وسوف نعتمد فى طرح معلومات الحلقة الحالية على بعض مانشره هيكل من معلومات موثقة .

ونذكر أنه بعد قبول كل من مصر وإسرائيل لمبادرة روجرز ، أخذت حكومة الولايات المتحدة تعد لخطوات تنفيذ المبادرة ، وكان أول تلك الخطوات ، هى خطوة التوصل إلى ترتيبات لوقف إطلاق النار : ويقول هيكل فى كتابه "عواصف الحرب وعواصف السلام" ص 171 : " ... وبدا أن ذلك سيأخذ وقتا خصوصا وأن التوابع السياسية لزلزال القبول بالمبادرة على الجانبين كانت عميقة فى آثارها ومضاعفاتها" .

ويقول هيكل بنفس الصفحة من كتابه المذكور : " .. فى ذلك الوقت كان "محمد حسنين هيكل" يقوم بأعمال وزير الخارجية بالنيابة ، إلى جانب عمله كوزير للإرشاد القومى ، لأن السيد "محمود رياض" –  وزير الخارجية – كان خارج البلاد . وفى يوم 4 أغسطس اتصل القائم بالأعمال الأمريكى "دونالد بيرجس" يطلب موعدا عاجلا معه ، بوصفه وزيرا للخارجية بالنيابة ، لإبلاغه برسالة شخصية من "ويليام روجرز" وزير الخارجية الأمريكية " .

كانت رسالة روجرز تقترح وقفا لإطلاق النار فى المواقع standstill ceasefire (بما يعنى أن يمتنع الطرفان عن تغيير الوضع العسكرى شرق وغرب القناة لأعماق محددة  على الجبهتين بعد وقف إطلاق النار) ، وقال روجرز إنه لضمان ذلك ، فيمكن للطرفين استعمال طائرات التصوير لديهما على شريط (من الأرض) يتم الإتفاق عليه بحيث يتمكن من التصوير فى أمان . وإذا شك طرف بأن الطرف الآخر أجرى تحركات فى قواته تعطيه ميزة (بعد وقف إطلاق النار) ، فإنه يستطيع أن يقدم مالديه من صور تظهر وجهة نظره إلى الولايات المتحدة لكى تقوم بمراجعة الطرف الآخر . 

رفض هيكل - باعتباره وزير الخارجية بالنيابة – أن تكون الولايات المتحدة هى المرجعية التى يعود إليها الطرفان فى أية مخالفات تظهر لهما فى أوضاع القوات . واقترح أن تكون المرجعية للأمم المتحدة ولسفيرها يارنج ، كما رفض قبول إقتراح السماح لطائرات إسرائيلية بالطيران على مسارات تسمح لها بتصوير الخطوط المصرية . وعاد "بيرجس" باقتراح من "روجرز" مؤداه أن الولايات المتحدة تقترح أن تقوم هى بعملية الطيران فوق الخطوط لتضمن عدم مخالفة أى من الطرفين وقف إطلاق النار فى المواقع  Standstill Ceasefire .

وانعقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن القومى فى منزل عبد الناصر جرى فيه بحث المشكلة من جميع جوانبها ، وبعد مناقشات طويلة تقررت الموافقة على اقتراح روجرز لعدة أسباب منها : أن الولايات المتحدة سوف تقوم بهذه العملية عن طريق استخدام طائرات "يو2" للتجسس ، وهى طائرات تحلق على ارتفاعات عالية لايصل إليها مدى أى صواريخ موجودة فى الشرق الأوسط ، وسواء وافقت مصر أو لم توافق فإن هذه الطائرات سوف تقوم بمهمتها ولايكون أمام مصر سوى الإحتجاج العقيم . وبعد انتهاء الإجتماع بمنزل عبد الناصر ، استبقى عبد الناصر هيكل واستدعاه لمكتبه بالمنزل قائلا له : " إن الأمريكان سوف يفاجئوننا فى أى لحظة بتوقيت محدد لتنفيذ وقف إطلاق النار فى المواقع standstill ceasefire ، وإن عليه تحت أى ظرف ألا يقبل توقيتا إلا إذا ارتبط بمهلة للتنفيذ العملى على الأرض تصل إلى مابين 6 ساعات و 12 ساعة " وبعد الرجوع للفريق محمد فوزى وزير الحربية. وأضاف عبد الناصر أنه يتصور أن الإبلاغ الأمريكى بالتوقيت سوف يتم فى وقت قريب ، وأنه قد أمر الفريق "محمد فوزى " بأن ينتهز كل دقيقة متاحة له قبل توقيت وقف إطلاق النار لتعزيز مواقع حائط الصواريخ المصرى على الجبهة المصرية وفى أعماقها . وبعد عدة أسابيع من هذا الإجتماع انتقل عبد الناصر إلى رحاب الله فى 27 سبتمبر 1970 ، بعد سريان وقف إطلاق النار لمدة  35 يوما من إجمالى 90 يوما .

وبعد يومين من رحيل عبد الناصر ، تلقى "أنور السادات" و "على صبرى" فى وقت واحد رسالة من إسرائيل يوم 30 سبتمبر 1970 ، ولم يكن السادات قد أصبح رئيسا لمصر ، وإنما كان بحكم كونه نائبا للرئيس عبد الناصر ، فقد أصبح رئيسا لمصر بالنيابه بعد وفاته لحين اتخاذ الإجراءات الدستورية . أما على صبرى  الخصم اللدود للسادات فقد كان هو الرجل الأقوى بعد وفاة عبد الناصر بحكم منصبه كأمين عام للإتحاد الإشتراكى وكمساعد لرئيس الجمهورية لشئون الدفاع الجوى وكمسئول الإتصال بين القوات المسلحة والقيادة السوفييتية فيما يختص بتسليح القوات المسلحة ، وقد كان الإتحاد الإشتراكى وقتها سلطة قوية موازية فى قوتها للسلطة التنفيذية ، إضافة لكونه سلطة رقابية على السلطة التنفيذية أقوى تأثيرا بكثير من مجلس الأمة (مجلس الشعب حاليا)  ، وكان على صبرى من أكثر رجال عبد الناصر الذين نال منهم السادات فى 15 مايو 1971 فيما عُرف بثورة التصحيح ، التى أعلن فيها السادات لمجرد امتصاص غضب الشارع إنهاء مرحلة الشرعية الثورية التى كان يحكم بها عبد الناصر وإرساء مرحلة الشرعية الدستورية .

 أى أن الرسالة الإسرائيلية وصلت للسادات ولعلى صبرى فى وقت واحد ، وكان حامل الرسالة هو رئيس وزراء رومانيا الذى جاء إلى القاهرة للمشاركة فى تشييع جنازة عبد الناصر . وكان ملخص الرسالة هو أن إسرائيل لن تستغل الموقف الناتج عن وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ، وأنها مستعدة أن تمد اتفاقية وقف إطلاق النار عند انتهاء أجلها لأجل غير مسمى ، وأن إسرائيل مستعدة لإرسال مندوبين على أى مستوى تراه مصر لإجراء محادثات لاتتعارض مع المحادثات التى يجريها يارنج سفير الأمم المتحدة . ولم يرد كل من على صبرى والسادات على تلك  الرسالة . ولفت نظر الحكومة الرومانية والرئيس شاوشيسكوا رئيس رومانيا أن مصر تسير على نفس الخط ونفس السياسة التى رسمها الرئيس جمال عبد الناصر دون أى تغيير . وكان على صبرى مبالغا فى تفاؤله حين ظن أن السادات - الذى طرح إسمه للإستفتاء على رئاسة مصر بعد أيام من هذه الرسالة ، وأصبح رئيسا لمصر بعد أسبوعين – سوف يلتزم بنفس خط عبد الناصر وسياسته ، حسب ماكان يعلنه ويؤكده دائما ... !!

ومع ملاحظة أن كل التفاصيل الكاملة لكل محاولات السادات على طريق التسوية السلمية لأزمة الشرق الأوسط منشورة بوثائقها فى كتاب محمد حسنين هيكل "أكتوبر 1973 السلاح والسياسة" الصادر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر . فإنه استنادا إلى ماورد بهذا الكتاب  من وثائق يقول هيكل : إن متابعة إدارة الرئيس السادات لأزمة الشرق الأوسط على طول الفترة مابين توليه رئاسة الجمهورية إلى حرب أكتوبر ونتائجها ، تُظهر أن هذه الإدارة مرت بعدة مراحل يسهل تمييز كل واحدة منها بملامحها الخاصة وقسماتها كالآتى :

المرحلة الأولى :  من أكتوبر من أكتوبر 1970 إلى أكتوبر 1971 – وخلالها فإن الرئيس السادات مارس إدارته للأزمة بواسطة التعامل مع "مبادرة روجرز" . فقد جاء للسلطة وهذه المبادرة هى الورقة الوحيدة المطروحة . ثم وصل لمرحلة اليأس منها ورمى بها جانبا بعد أن التقى وجها لوجه مع ويليام روجرز وزير الخارجية الأمريكية صاحب المبادرة ، حيث اقتنع السادات وتأكد تماما أن السلطة الحقيقية فى واشنطن موجودة فى البيت الأبيض وليس فى يد روجرز ووزارة الخارجية الأمريكية .

المرحلة الثانية : وقد امتدت من أكتوبر 1971 إلى أكتوبر 1972 .. وكان السادات خلالها يحاول الوصول إلى البيت الأبيض ، وكانت وسيلته إلى واشنطن والوصول إلى البيت الأبيض هى المملكة العربية السعودية التى تصورها الباب الملكى إلى المكتب البيضاوى – معقل سلطة القرار الرئاسى فى واشنطن.

 المرحلة الثالثة : وقد امتدت من أكتوبر 1972 إلى أكتوبر 1973 .. وبها وصل السادات أمام البيت الأبيض ، لكن الأبواب لم تتفتح أمامه  ، لأن ساكن هذا البيت – "ريتشارد نيكسون" – كان فى ذلك الوقت مشغولا بفضيحة كبرى هى "فضيحة ووترجيت" Watergate Scandal التى أدت إلى خروج نيكسون من البيت الأبيض فى 9 أغسطس 1974 وإعفائه من منصبه كرئيس للولايات المتحدة . وكان الواقف على بوابة البيت الأبيض هو الدكتور "هنرى كيسينجر" مستشار الرئيس للأمن القومى ووزير الخارجية فى نفس الوقت . وكان الرئيس السادات يريد هذا الواقف بباب البيت الأبيض أكثر مما يريد السيد المعتقل بالفضيحة داخله . لكن كيسينجر كان يعد أولوياته وفق مخططاته ، ولم تكن أزمة الشرق الأوسط متقدمة فيها تلك اللحظة ، وقد أراد كيسينجر أن يتركها "فى الثلاجة" على حد تعبيره - ( مذكراته تحت عنوان Years of Upheaval ) – حتى يتفرغ لها على مهل ويعطيها بعض وقته .

وقصارى ماأمكن السادات التوصل إليه مع كيسينجر وقتها منذ 1972 هو إنشاء قناة اتصال سرية تصل بينه – عن طريق مستشاره للأمن القومى "حافظ إسماعيل" – وبين كيسينجر باعتباره مستشار الأمن القومى للرئيس نيكسون .

كانت هذه القناة السرية تقوم بدورها بوسائل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، وكان موصل الرسائل باستمرار هو المستر "يوجين ترون" رئيس محطة وكالة المخابرات المركزية فى مصر . (يمكن مراجعة كل التفاصيل عن هذه القناة السرية ونصوص الرسائل المتبادلة عليها – قبل حرب أكتوبر وخلالها وبعدها – فى كتاب محمد حسنين هيكل "أكتوبر 1973 السلاح والسياسة" الصادر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر ) .

المرحلة الرابعة : وقد امتدت مدة أسبوعين من شهر أكتوبر 1973 ، وكانت بدايتها قرار السادات التاريخى ببدء الحرب ، وحتى قراره فى نهاية هذين الأسبوعين من أكتوبر ، بوضع مصير الأزمة كله فى يد "هنرى كيسينجر" وحده ودون غيره .

 

أما بالنسبة لهنرى كيسينجر ، فإنه بعد أربع سنوات من العمل المميز والمنتج  له كمستشار للرئيس نيكسون للأمن القومى ، وقعت أحداثها وإنجازاتها الهامة خلال ولاية نيكسون الأولى ، وتم عرضها فى مذكرات كيسينجر تحت عنوان "سنوات فى البيت الأبيض" (تاريخ النشر1979) ، والتى كان من بينها الإنفتاح على الصين الشعبية ، وتطوير العلاقات بشكل حيوى ومتفاهم بين واشنطن وموسكو ، وتحقيق بداية إنهاء التورط الأمريكى فى حرب فيتنام . ومع بداية تنفيذ "المشروع الكبير" "Grand Design" الذى خطط له  كيسينجر مع نيكسون ، فكر كيسينجر فى الإستقالة ولكنه عدل عنها مع بداية انفجار الشرق الأوسط بحرب أكتوبر 1973 ، وتزامن ذلك مع فضيحة ووتر جيت Watergate المشهورة التى تورط فيها نيكسون وأدت إلى هشاشة وضعه الدستورى وإلى تنحيه بعد ذلك عن الرئاسة فى 8 أغسطس 1974، وتولى نائبه جيرالد فورد رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية باقى فترته الرئاسية الثانية . ويتلخص "المشروع الكبير" فى رسم استراتيجية تتأسس على إعادة تشكيل العلاقات الدولية بتركيز الديبلوماسية الأمريكية فى آسيا على الأدوات الإقتصادية كبديل عن الأدوات العسكرية  ، وعلى تقييد التدخل الأمريكى العسكرى وحصره فى ردع التهديدات التى تمارسها إحدى القوى النووية (ويعنى بها الإتحاد السوفييتى) ، مع إمكانية ردع التهديدات التقليدية التى تحدث على نطاق ضخم ، وتهدد المصالح الأمريكية فى أى مكان بالعالم ، أو التى لاقبل لحلفاء أمريكا فى مواجهتها  . 

وقد شهدت فترة ولاية الرئيس نيكسون الثانية قبل تنحيه بسبب فضيحة ووترجيت ، وبجهود كيسينجر الشخصية ، التوصل إلى اتفاقيات الفصل بين القوات الإسرائيلية من جهة ، والسورية والمصرية من جهة أخرى فى أعقاب حرب أكتوبر 1973 .  ومن الجدير بالذكر أنه بعد ثمان أشهر من رئاسة نيكسون الثانية  للولايات المتحدة ، التى بدأت فى 20 يناير 1973 ،  أصبح كيسينجر وزيرا لخارجية الولايات المتحدة بالإضافة إلى عمله كمستشار الرئيس للأمن القومى ، وأصبح بذلك مسيطرا وبمفرده على القرارات الخارجية ، وخاصة مع زيادة تورط نيكسون فى فضيحة ووتر جيت وبداية مناقشات الكونجرس الأمريكى لتقرير عزله . وبعد أن حل محل نيكسون نائبه جيرالد فورد فى أغسطس 1974 ، ظل كيسينجر يجمع بين وزارة الخارجية والأمن القومى معظم فترة رئاسة فورد ، إلى أن عيّن فورد خلال عام 1975 مستشارا آخرا للأمن القومى ، ولكن استمرت قوة تأثير كيسنجر فى صياغة العلاقات الخارجية للولايات المتحدة والهيمنة على النشاط الدبلوماسى إلى نهاية المدة الرئاسية لـ جيرالد فورد  فى يناير 1977، كما لم يستغنى أيضا عن رأيه ومشورته أيضا جيمى كارتر الرئيس التالى للولايات المتحدة مع  كل خطوة من خطوات مباحثات كامب دافيد حتى توقيع السادات رئيس مصر ومناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل معاهدة السلام فى 26 مارس 1979 ، ووقع معهم جيمى كارتر نيابة عن الولايات المتحدة باعتبارها الراعية لهذا السلام .. !!  

كان رأى كيسينجر أن الدبلوماسية لن تؤدى إلى شيئ فى أزمة الشرق الأوسط ، وخاصة مع تمسك إسرائيل بعدم الإنسحاب من الحدود التى وصلت إليها عسكريا واعتبارها كحدود آمنة  لها ، وهى قناة السويس ونهر الأردن ومرتفعات الجولان . وكانت المشكلة من وجهة نظر كيسينجر هى العلاقة بين السيادة والأمن ( سيادة دول المواجهة العربية عل أراضيها التى تبحث عنها وأمن إسرائيل الذى تستهدفه) ، كما كان يرى أثناء محاولات السادات البحث عن حل سلمى بأن على مصر أن تحاول التقدم إلى إسرائيل بمقترحات لاتستطيع أن ترفضها "Egypt Should try to develop a proposal that Israel cannot refuse"  .  

فبدأ الرئيس السادات ، يدرك أنه لاخلاص عن طريق المفاوضات ومحاولات  البحث عن حل سلمى ، وأنه لم يعد هناك مخرج للأزمة غير طريق الحرب ، وراحت حالة اللاسلم واللاحرب التى تعيشها مصر تضغط على الجميع بشدة وخاصة على أوضاع الضباط بالجبهة نفسيا واجتماعيا ، وحدثت على الجبهة حالات انفلات كثيرة تبدت أعراضها على كثير من الضباط الكبار والصغار والجنود  كنت شاهدا - (أى عاطف هلال كاتب الموضوع كضابط بجبهة القتال فى ذلك الوقت) - على بعضها ووصل إلى سمعى بعضها الآخر . وأشهرها حالة موثقة بكتاب هيكل (أكتوبر 73 – السلاح والسياسة) ، وهى ماسجلته وثيقة برئاسة المخابرات العامة برقم 271 بتاريخ أكتوبر 1972 ، حيث قام النقيب على حسن من قوة الفرقة 23 مشاة ميكانيكى بجمع القوات التى كانت تحت قيادته ، وأفهمها بتكليفها بحراسة هدف حيوى ، وتحرك بها على طريق السويس وصولا إلى ميدان الحسين بالقاهرة ، حيث وصل إليه بثلاث عربات مدرعة كاملة الذخيرة ، بعد أن تم احتجاز بعض العربات بمعرفة الشرطة العسكرية بعد مداهمة بعض نقطها ، وبعد تخلف بعضها عند القلعة . وقام النقيب المذكور بالتحدث للأهالى الذين تجمعوا حوله بميدان الحسين وقال : "نحن أمضينا خمس سنوات فى الرمال بلا فائدة " ، وعندما اعترضه ضابط شرطة مدنية وضابط شرطة عسكرية كان يلاحقه صاح فيهما النقيب : " إحنا بقالنا خمس سنوات فى التراب على الجبهة ياكلاب السلطة .. دعونى أفهم الناس الوضع ... الخ " .

وكانت تلك الظواهر ، إضافة إلى حالة غليان شباب الجامعات التى تمثلت فى عديد من الإضرابات والصدامات العنيفة مع قوات الأمن ، إضافة إلى صدام السادات مع المثقفين لإصدارهم بيانا كان على قائمة الموقعين عليه توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وأحمد بهاء الدين ولويس عوض ويوسف إدريس ، اعتبره السادات تعريضا به وبسياساته . فكان كل ذلك يضغط على السادات وبشدة ، ويضعه فى حالة حصار نفسى دائم ، وهو نفسه – أى السادات- كان يرى بوضوح حقول الألغام السياسية التى زرعها حوله السوفييت والأمريكان ، فأدرك تماما أن قرار تأجيل الحرب سوف يصل به إلى طريق مسدود وأشد خطورة ، بعد أن أجله عام 1971 الذى سماه "عام الحسم" ، وأجله عام 1972 وسماه أيضا "عام الحسم" . ورأى بعض المحللين لحرب أكتوبر أن إطلاق السادات على عامى 1971 و 1972 عامى الحسم  ، قد خدم  دون قصد وإلى حد كبير فى تحقيق عنصر المفاجأة فى حرب أكتوبر 1973 . وقال كيسينجر فى هذا الشأن بمذكراته بالجزء الثانى التى نشرها عام 1982 بعنوان "سنوات مضطربة" Years of Upheaval : لقد هددنا السادات بالحرب كل عام منذ عام 1971 فلم نصدقه ، فتم بهذا الشكل  إغراقنا بمقدمات أوصلتنا إلى نتيجة خاطئة .   

Sadat had been threatening to go to war every year since 1971—and we did not believe him. He overwhelmed us with information and let us draw the wrong conclusion.

ويقول هيكل بالصفحة 137 (كتابه "خريف الغضب" الطبعة 11 عام 1985) : من الصعب على أى إنسان أن يتصور المشاعر التى كانت تعتمل فى أعماق "أنور السادات" فى تلك الأيام الحاسمة ، كان قد استقر على الحركة (فى اتجاه اتخاذ قرار الحرب) ، فلم يكن أمامه سبيل غير ذلك ، وكان أكثر مايضغط عليه وجود جيش ضخم تم تجهيزه وإعداده لهدف واحد لابديل له وهو دخول المعركة . ومالم يصدر إليه أمر البدء فإن العواقب يمكن أن تكون وخيمة . كان السادات يُدفع دفعاً بفعل عوامل كثيرة إلى دخول المعركة - وربما يمكن للإنصاف فهم بعض أسباب تردده بسبب ضخامة القرار وفداحة العواقب التى يمكن أن تترتب على أى خطأ فى الحساب . ولقد كان من السهل عليه أن يتهم الآخرين بالإنهزامية ، ولكن الإنصاف يقتضى أيضا أن يُقال أن تردده هو لم يكن أمرا بسيطا يمكن أن يصدق معه وصفه بمثل الوصف بالإنهزامية أو بغيره من الأوصاف . فالمسؤولية التى كان يتحملها هائلة ، والمخاطر على كل خطوة من الطريق .

وإلى الحلقتين القادمتين بإذن الله مع قراءة لساعة صفر المعركة ولعنصر مفاجأة العدو ومباغتته بمذكرات كيسينجر ، وبمذكرات بعض قادة الحرب على الجانبين ، وبمذكرات بعض المحللين المصريين والأجانب .

____________

فهرست الموضوعات

الحلقة السابعة

الحلقة السابقة