معركة أكتوبر 1973 وثغرة الدفرسوار

(وتعليق على رأى مؤرخ عسكرى صهيونى فى الجيش المصرى وفى نصرأكتوبر 1973 )

 

 الفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية أثناء معركة أكتوبر عام 1973 .. هو بحكم منصبه على رأس المؤسسة العسكرية المصرية ، والقائد العسكرى الميدانى الأعلى وقت معركة أكتوبر 73 ، والمسئول الأول عن سير العمليات على الأرض ، وعن تنسيق المهام للقوات والمناورة بها وتوجيهها وتحديد واجب العمليات لها ، وعن تحقيق الهدف الإستراتيجى السياسى للمعركة الذى وافق عليه بعد الإعداد والتخطيط له ، ويتبعه بحكم مسئوليات هذا المنصب وواجباته رئيس هيئة العمليات اللواء الجمسى وباقى قادة الأسلحة الرئيسية والفرعية الأخرى ، ومن بينهم اللواء حسنى مبارك قائد القوات الجوية فى ذلك الوقت ، والذى أصبح بالصدفة رئيسا لمصر بعد مقتل السادات منذ أكثر من ربع قرن مضت .. وكان قد عينه السادات قبل اغتياله نائبا له   ..

أما السادات فهو بحكم منصبه وقت المعركة كرئيس لجمهورية مصر  والقائد الأعلى للقوات المسلحة ، فقد كان القائد السياسى للمعركة  ، ويملك بحكم منصبه إصدار قرار الحرب كقرار سياسى وإصدار قرار إيقاف الحرب كذلك بعد التشاور مع وزير الدفاع ورئيس أركان حرب القوات المسلحة على الأقل دون التدخل فى الشأن العسكرى على أرض المعركة ، ، وقرار الحرب أو الضغط العسكرى هو أحد أدوات السياسة الخارجية ، وتعتبر السياسة الخارجية أحد العناصر الرئيسية المكونة للسياسة العامة للدولة ، وينطوى تطبيق السياسة الخارجية عادة على توظيف مجموعات مختلفة من الأدوات فى آن واحد منها ماهو دبلوماسى وماهو عسكرى وماهو اقتصادى لتحقيق هدف معين كما حدث بالنسبة للدول العربية أثناء حرب أكتوبر 1973   . ( أنظر أيضا : القادة الكبار لحرب أكتوبر 1973) .

 

وعندما يتكلم الشاذلى عن المعركة بحكم منصبه من الناحية العسكرية  فهو الأدرى بتفاصيلها وأسرارها  وهو المصدر الأهم والأساسى لتفاصيل مسار تلك المعركة من ساعة الصفر حتى ساعة وقف إطلاق النار ... وقد اتهم الشاذلى السادات صراحة بالكذب والخيانة العظمى وقدم الأدلة على ذلك فى بلاغ للنائب العام  بمذكراته التى نشرها فى الفترة مابين ديسمبر 78 ويوليو 1979 فى مجلة "الوطن العربى"  فى حياة الرئيس السادات وكرد فعل على أكاذيبه المفضوحة وإدعاءاته الباطلة التى وردت فى مذكراته والتى سماها بنفسه "البحث عن الذات / قصة حياتى"  ونشرها السادات بكافة اللغات الحية ، وكان الناشر باللغة العربية " المكتب المصرى الحديث فى إبريل عام 1978  . وسكت السادات  ومعاونوه ، ولم يجرؤ على محاكمة الشاذلى أو حتى يدافع عن نفسه ، ولم يتقدم أحد من معاونيه لدفع اتهامات الشاذلى للسادات بالكذب والخيانة العظمى . وأصدرت محكمة عسكرية بتاريخ 16/7/83  بعد مقتل السادات وأثناء حكم خلفه حسنى مبارك حكما غيابيا  على الشاذلى بالاشغال الشاقة لمدة ثلاث سنوات بتهمة إفشاء أسرار عسكرية بمذكراته التى نشرها ، ترتب علي إذاعتها الإضرار بأمن وسلامة البلاد !  كما تقول حيثيات الحكم ، رغم أن تلك الأسرار كان قد أذاعها السادات بنفسه وبطريقته  فى بحثه عن ذاته بقصة حياته التى نشرها فى إبريل 1978  ... ولم يتطرق الحكم  فى حيثياته ومنطوقه بأى إشارة تفيد اتهام الشاذلى أو إدانته بتهمة سب السادات حين وصفه بالكاذب والخائن حين اتهمه بارتكاب جريمة الخيانة العظمى ، وكان السادات وقتها رئيسا للجمهورية وديكتاتورا عى رأس كافة السلطات بمصر المحروسة .... !!

 

إذن فهناك أسرارا أراد السادات بصمته المريب أمام اتهامات الشاذلى له بالخيانة العظمى أن يحجبها عن الشعب المصرى والعربى ، وأن يصطنع أحداثا تعظيما مصطنعا لذاته  بنشره لقصة حياته وهو فى قمة السلطة فى نظام سلطوى ديكتاتورى ، واستمر حسنى مبارك كامتداد له فى حجب تلك الأسرار ، لأنه من غير المسموح فى نظامهما أن يعرف الشعب المصرى  شيئا عن حقيقة معركة أكتوبر ومسارها العسكرى الحقيقى على الأرض غير مايتم السماح بنشره ومعرفته ، فكانت مذكرات الشاذلى تحديا خطيرا وجريئا لهذه القاعدة القمعية وفى حياة الدكتاتور نفسه ..

 

قال الشاذلى فى خاتمة مذكراته :  " لقد كان في استطاعتنا أن نحقق الكثير لولا تدخل السادات المستمر واصدار سلسلة من  القرارات الخاطئة التي كانت تجهض قدراتنا العسكرية. والآن وقد أذيعت الأسرار كلها التي كـان يحرص السادات على  إخفائها، فقد آن الأوان لكي نجري في مصـر حوارا نناقش فيه أخطائنا ونحدد المسئول عن كل خطأ حتى نعرف من هم  أبطال هذه الحـرب الحقيقيين ومن هم الأبطال المزيفون "

وبدأ الكثيرون فى الوقت الحالى بعد أن تكشفت بعض أسرار معركة أكتوبر من مصادر أخرى غير كتاب الشاذلى يؤكدون اتهام السادات بالخيانة العظمى .. ويتساءلون : كيف نصف قيام  السادات بالإتصال السرى بوزير الخارجية  الأمريكى  هنرى كيسنجر ، وإرساله رسالته الشهيرة إليه يوم الأحد 7 أكتوبر عام 1973 فى ثانى يوم من أيام الحرب وأثناء إدارة  العمليات الحربية ، والتى يخطره فيها ، وكذلك يخطر إسرائيل عبر كيسنجر بأنه لاينوى (توسيع نطاق الحرب) وهو ماكان  يجرى التأكد منه من جانب إسرائيل لحظة بلحظة ... ويتساءلون : ألا يندرج ذلك فى توصيف جريمة نقل معلومات  والتخابر مع العدو ، وكشف نوايا القيادة السياسية والقيادة العسكرية المصرية تجاه خط سير العمليات واتجاهاتها .. وعلى  الرغم من ذلك لم يقدم السادات للمحاكمة بتهمة "الخيانة العظمى" .. بل وجد السادات بعض المطبلين والمنافقين الذين  خلعوا عليه صفات الدهاء والعبقرية ، وتم بذلك تخدير الوعى لمعظم شباب هذا الجيل بالنسبة لأسرار حرب أكتوبر وكيف أدار السادات تلك المعركة سياسيا ... كما تم خداعهم بتضخيم مفتعل لشخصية السادات ولتصرفاته كرئيس لجمهورية  مصر .. وأقول  عندما تكون الحقيقة ملكا للشعب ، ولايحبسها البعض لمصلحته ، فسوف يتمكن الشعب عندئذ  من أن يكون له رأيه  فيما يخصه وأن يكون سيدا لمصالحه ، وأن يتجنب بذلك صدمات المستقبل ، وأن يكتشف عن طريقها من هو المخلص  ومن هو غير المخلص لحاضر مصر ومستقبلها .. ولكن الحقيقة للأسف لايعلمها الشعب إلا متأخرا جدا وقد لايعلمها  إطلاقا ..

وأعيد هنا أننى أو غيرى لايمكنه التقليل من تضحيات جنود مصر وانتصارهم فى معركة العبور الجسورة معركة أكتوبر 1973 وقد  كنت أحد جنودها .. ولكن الناس يختلفون فى حقيقة نجاح القيادة السياسية من عدمه فى استثمار هذا النصر وتطويره ، سواء  نتيجة للغباء السياسى أو نتيجة لتحكم فرد واحد فى اتخاذ قرارات خطيرة تتعلق بمستقبل مصر وبمستقبل الأمة العربية كلها ، وقد ثبت بكافة الأدلة احتكار السادات للقرارات فى الشأن العسكرى أثناء سير المعركة وبعد وقف إطلاق النار دون الرجوع إلى العسكريين أو حتى إخطارهم مسبقا بها لدرجة إصابة محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة بالدهشة والصدمة عندما كان يجلس كمفاوض  ويجد نده الصهيونى الذى يفاوضه على علم بما اتخذه السادات من قرارات مسبقة هى موضوع التفاوض بينهما (حسب  ماذكره الجمسى فى مذكراته ) ، إذن فلم يكن هناك ضرورة لجلوس الجمسى أساسا للتفاوض .. والسادات لم يكن يستهزئ بهذا الشكل بالجمسى فقط بل كان يستهزئ بمصر كلها ويقلل من شأنها .. ولاأعرف لماذا لم يقدم الجمسى استقالته فى الوقت المناسب حفاظا على كرامته العسكرية وكرامة مصر وترك نفسه حتى عينه السادات وزيرا للحربية وقائدا عاما  للقوات المسلحة ،  وحين قدم استقالته بعد ذلك  كتب فيها : " لقد كنت جنديا محترفا طوال مدة خدمتى ، وأعتز بذلك  كثيرا إيمانا منى بأن السياسة إذا دخلت الجيش أفسدته " .. وبعد حوالى أسبوعين من توقيع اتفاقية كامب دافيد ، وقبل بدء  المباحثات لعقد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كان الجمسى خارج الوزارة بعيدا عن العمل العام بالدولة ، وتم قبول  استقالته بصدور القرار الجمهورى فى 11 نوفمبر 1980 ، وفيه النص الذى كان يتمناه وأراده الجمسى وهو التقاعد بناءا  على طلبه .

إن من حق أبنائنا وأحفادنا أن يعرفوا ماقام به آباؤهم وأجدادهم من بطولات فى حرب أكتوبر لكى يفخروا به ويتعلموا منه ، ولكن من حقهم أيضا أن يعرفوا هل تم استثمار بطولات الآباء والأجداد لصالحهم وصالح مصر.. أم أن  القيادة السياسية فى ذلك الوقت قد فشلت فى ذلك وخانت تضحيات الآباء وماكانوا يحلمون به لأبنائهم (كما يقول الفريق الشاذلى القائد الميدانى لحرب أكتوبر 1973 المجيدة) .

__________

فهل  أجهض السادات انتصار جنود مصر الأبطال فى حرب أكتوبر 1973 .. كما يقول الشاذلى القائد الفعلى لمعركة أكتوبر باعتباره رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة فى ذلك الوقت .

 

أعرض هنا بعض مقتطفات سريعة من مذكرات الشاذلى عن معركة أكتوبر (الباب السابع من الفصلين 33،34) :

 

"إني على استعداد دائم لأن أضحي بحياتي في سبيل وطني ولكني لا أستطيع أن أقامر بمستقبل بلادي لقد كنت دائما ضد  فكرة تطوير الهجوم نحو الشرق سواء كان ذلك في مرحلة التخطيط أم في مرحلة إدارة العمليات الحربية للأسباب الكثيرة  التي سبق لي أن ذكرتها. وقد أبديت رأيي هذا بصراحة تامة أمام كثيرين ممن ما يزالون أحياء يرزقون."

_______

"بعد عودتي من الجبهة يوم الخميس 11 من أكتوبر فاتحني الوزير في موضوع تطوير هجومنا نحو ألمضائق. ولكني  عارضت الفكرة للأسباب نفسها التي سبق أن ذكرتها سابقا. وأضفت قائلا "مازالت القوات الجوية الإسرائيلية قوية وتشكل  تهديدا خطيرا لأية قوات برية تتحرك في العراء دون غطاء جوي. وبدا لي وكأنه اقتنع بهذا واغلق الموضوع. ولكنه عاد  وفاتحني في الموضوع مرة أخرى في صباح اليوم التالي مدعيا هذه المرة أن الهدف من هجومنا هو تخفيف الضغط على  الجبهة السورية. عارضت الفكرة مرة أخرى على أساس أن هجومنا لن ينجح ولن يخفف الضغط على الجبهة السورية.  وقواتنا الجوية ضعيفة ولا تستطيع تحدى القوات الجوية الإسرائيلية في معارك جوية وبالتالي فإن قواتنا البرية ستقع فريسة  للقوات الجوية الإسرائيلية بمجرد خروجها من تحت مظلة الدفاع الجوي أي بعد حوالي 15 كيلومترا شرق القناة. إذا نحن  قمنا بهذه العملية فإننا سوف ندمر قواتنا دون أن نقدم أية مساعدة لتخفيف الضغط على الجبهة السورية""وحوالي الظهر تطرق الوزير لهذا الموضوع للمرة الثالثة خلال 24 ساعة. وقال هذه المرة: "القرار السياسي يحتم علينا  ضرورة تطوير الهجوم نحو المضائق، ويجب أن يبدا ذلك صباح غد 13 من أكتوبر!!".

"وحوالي الساعة 1530 كان اللواء سعد مأمون قائد الجيش الثاني يطلبني على الهاتف وقد قال بغضب "سيادة الفريق أنا  مستقيل. أنا لا أستطيع أن أقوم بتنفيذ التعليمات التي أرسلتموها مع اللواء غنيم"، ولم يمض بضع دقائق حتى كان اللواء عبد  المنعم واصل هو الآخر على الخط الهاتفي وأبدى معارضة شديدة لتلك التعليمات التي وصلته مع اللواء طه المجدوب. ولكن كان هناك إصرار من الوزير على أن القرار سياسي ويجب أن نلتزم ."

"لقد كان هذا القرار هو أول غلطة كبيرة ترتكبها القيادة المصرية خلال الحرب وقد جرتنا هذه الغلطة إلى سلسلة أخرى من  الأخطاء التي كان لها اثر كبير على سير الحرب ونتائجها ."

__________

" وأني لأشعر بالخجل وأنا اذكر أوضاع قواتنا فجر يوم 17 من أكـتوبر. ولكن من اجل مصر ومن أجل أن نتعلم من  أخطائنا ومن أجل أن يعرف العرب من هم الذين تآمروا على القوات المسلحة لأغراض سياسية خفية. من اجل ذلك كله  يجب أن أتكلم."

__________

"لم يفهم رئيس الجمهورية ووزير الحربية أهمية المناورة بالقوات إلا بعد ظهر يوم 18 من أكتوبر، وبعد أن أصبحت قواتنا  مهددة بالتطويق، وبعد أن دمر العدو الكثير من مواقع صواريخنا سام وبعد أن أصبحت القوات الجوية المعادية قادرة على  العمل بحرية من خلال الثغرة التي أحدثتها في دفاعنا الجـوي وحتى عندما فهما أنني كنت على حق في المطالبة بسحب  جزء من قواتنا من الشرق فإنهما لم تكن لديهما المقدرة على تصور ما يمكن أن يحدث بعد يومين أو ثلاثة "

_________

"بعد أن فشلت في إقناع الوزير بوجهة نظري، أفضيت لبعض مساعدي بقلقي على الموقف وأفضيت لهم بأنه إذا لم نسحب  جزءا من قواتـنا من الشرق إلى الغرب فسوف تقع كارثة لا يعلم أبعادها إلا الله."

________

"يدعي السادات في مذكراته (الصفحة 348) بأنني عدت من الجبهة منهارا يوم 19 من أكتوبر وأنني طالبت "بسحب قواتنا  في شرق القناة لأن الغرب مهدد ويؤسفني بأن أقول إن هذا كذب رخيص. لقد كنا تسعة أشـخاص مات واحد ومـازال  الثمانية الآخـرون أحياء وإني أتحدى إذا كان أحد من هؤلاء الأحياء يستطيع أن يشهد بصدق ما يدعيه السادات. لقد طالبت  حقا بسحب جـزء من قواتنا من الشرق إلى الغرب وكانت مطالبتـي بهذه العملية يوم 20 من أكتوبر خامس محاولة جادة  لإنقاذ الموقف."

_________

 ويقول الشاذلى عن "مسئوليه السادات عن حصار الجيش الثالث":

"إن شرف القوات المسلحـة المصرية وتاريخها الرائع الذي كـتبته بدمائها في أكتوبر 73 يتطلبان منا أن نحـدد من هو  المسئول الحقيقي عن حدوث الثغرة ولماذا لم تدمر في حينها ، ومن هو المسئول الحقيقي عن حصار الجيش الثالث. إن  حصار الجيش الثالث جريمة لا تغتفر وإني لاتهم السادات بأنه هو المسئول الأول عنها. يقول السادات في مذكراتـه  صفحة 353 إنه أمر قائد الجيش الثالث بالا يسمح للعدو بتحقيق أي تقدم نحو الجنوب وأن قائد الجيش الثالث أهمل تنفيذ  ذلك. هذا كلام غريب لا يعتمد على المنطق أو العلم العسكري. كيف يستطيع قائد الجيش أن يمنع العدو من التقدم جنوبا في  الوقت الذي لا يستطيع فيه أن يسحب جنديا أو أية بندقية من الشرق ولا يملك في الغرب سوى لواء مشاة مقابل فرقتين  مدرعتين للعدو. لا أعتقد أن عاقلا يمكنه أن يلوم قائد الجيش الثالث على ذلك. "

"ومن الغريب حقا أن السادات يعترف في مذكراته (صفحـتا 350 و 351) بأنه قرر في هذه الليلة أن يطلب وقف إطلاق  النار ولكنه يعطي لذلك أسبابا ومسوغات غريبة. فلو أنه أخذ برأيي أيام 13 و 15 و 16 أكتوبر لما ظهر موقف يوم 20  أكتوبر، ولو اخذ برأيي يوم 20 أكتوبر لما كانت له حـاجة إلى طلب وقف إطلاق النار ولأصبح في إمكاننا أن نقـاتل  ونمنع العدو من حصار الجيش الثالث وندمر قوات العدو غرب القناة بدلا من أن يطلب وقف إطلاق النار وهو في موقف  ضعف. لقد رفض السـادات وقف إطلاق النار عندما كنا في موقف قوة وطلب وقف إطلاق النار عندما أصبحنا في موقف  ضعف. إن هذا يدل على انه لايستطيع أن يرى أو يتصور المستقبل. انه يعيش حاضره ومـاضيه فقط، وليس هذا من  صفات الرجل السياسي المحنك لقد كان اقتراحي الخاص بسحب 4 ألوية مدرعة من الشرق ليلة 20/21 من أكتوبر هي  الفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرف العسكري المصري. لقد فقـدنا المبادرة نهائيا بعد ذلك وحتى نهاية الحرب."

"لقد كان القضاء على الثغرة يوم 16 من أكتوبر سهلا ميسورا لو لم يثر السادات في وجهي وكـأني ارتكبت حماقة، وفي  يوم 20 من أكتوبر كان الموقف ما يزال تحت سيطرتنا ويمكن القضاء على الثغرة لو أن السادات اخذ برأيي ولم يرفض  سحب جزء من قواتنا في الشرق. إن في ذلك لعبرة ودرسا لمصر وأبنائها. أنه درس قاس دفعت مصر والعرب ثمنا غاليا  له، ولكنه درس على أي حـال. إن السادات هو أحد مئات من حكام مصر الذين حكموا هذه البلاد عبر 7000 عام  سيذهب ويجئ من بعده مئات آخرون، وستبقى مصر شامخة عزيزة الجانب وسيشهد التاريخ أن حرب أكتوبر 73 قد أبلى  فيها الجندي المصري احسن بلاء وأن الضباط والجنود جميعا قد بذلوا جهدهم وأدوه أروع أداء، إلا أن حاكم مصر في  ذلك الوقت المتعطش إلى السلطة وحب الظهور- قد أجهض انتصارهم. "

(انتهى الإقتباس من مذكرات الشاذلى)

 _____________

 

كتب   محمد عبود فى   ١/ أكتوبر / ٢٠٠9 (المصرى اليوم عدد رقم 1936 )

اعترف المؤرخ العسكرى الإسرائيلى المعروف أورى ميلشتاين بانتصار مصر فى حرب أكتوبر بجدارة، مؤكداً أن سلاح الجو الإسرائيلى كاد يتعرض للتدمير أثناء الحرب، بسبب صواريخ «سام ٦» التى استخدمها الجيش المصرى.

ووصف ميلشتاين ثغرة الدفرسوار بأنها كانت «خطوة عسكرية استعراضية» لم تغير من نتيجة الهزيمة الإسرائيلية، كما أنها لم تقلل شيئاً من الانتصار المصرى، مشيراً إلى أن الجيش المصرى حقق أهدافه من وراء الحرب، ونجح فى عبور القناة، ونشر قواته داخل سيناء.

وتوقع المؤرخ الإسرائيلى، فى حوار مطول لإذاعة أورشليم الجديدة، بمناسبة ذكرى أكتوبر، أن إسرائيل لن تصمد فى مواجهة مصر إذا اندلعت حرب جديدة، خاصة أن الحرب المقبلة لن تدور فى الميادين العسكرية فقط، بل قد تلجأ مصر لقصف العمق الإسرائيلى بالصواريخ المتطورة، بما يهدد بإصابات بالغة فى صفوف المدنيين، قد تؤدى إلى انهيار إسرائيل، مشيراً إلى أن ثقافة الشارع الإسرائيلى تقوم على الصراخ والبكاء، ولا يتحمل الإسرائيليون مواجهة مقاتلين يتحلون بالعناد والشراسة أثناء القتال.

واتهم المؤرخ العسكرى، فى الحوار الذى تنشر «المصرى اليوم» نصه غداً، الجيش الإسرائيلى برفض الاعتراف بالهزيمة، والإصرار على عدم الكشف عن جميع الوثائق المتعلقة بهذه الحرب، وقد أدى إخفاء هذه الوثائق إلى منع إسرائيل من فرصة استيعاب جميع الدروس المستفادة من الحرب رغم مرور ٣٦ عاماً على الهزيمة التى يعرف الإسرائيليون عنها القليل جداً.

وقال ميلشتاين إن سلاح الجو الإسرائيلى لم تكن لديه القدرة على تحييد الصواريخ الدفاعية المصرية، وكان سيتعرض لضربة قاصمة لو نفذ ضربة استباقية للقوات المصرية، كما أن عملية الدفرسوار كانت مجرد خطوة معنوية، وتكشف عن خطة سيئة عسكرياً، ولم يكن لها أى جدوى، والادعاء بأنها دليل على الانتصار «كذب وتلفيق».

وكشف المؤرخ الإسرائيلى أن موشى ديان جمع الصحفيين فى اليوم الثالث للحرب، ليعترف بالهزيمة وبسقوط خط بارليف، لكن جولدا مائير ورؤساء التحرير حجبوا ذلك عن الرأى العام.

___________

التعليق

 

تعلمت من تجاربى ومن تجارب الآخرين - أن الأحداث أو القرارت الهامة التى لها آثارها وتداعياتها على مستقبل فرد أو أمة - حين نتناولها لايجب أن يتقلب الرأى فيها بين التفاؤل الخادع الذى يصحبه الإقدام المندفع أو التشاؤم الذى يعقبه الإحجام والإرتداد إلى الخلف والتخلف ... كما عرفت أيضا مع الدم وتوقع الموت والإستشهاد فى أى لحظة - كضابط استطلاع دفعة 21 احتياط شارك فى حرب الإستنزاف وحرب أكتوبر -  الفرق بين صفتين هما الجرأة والشجاعة ، فالجرأة طبع وطبيعة ملازمة للشخص ، أما الشجاعة فهى لحظة وموقف ... فقد ترتعد الأم من صرصار يمشى متبخترا فى مطبخها ، ولكنها قد تضحى بحياتها فى قتال شرس وشجاع بمواجهة وحش يريد أن يلتهم طفلها أو يختطفه ... ورأيت نماذجا أسطورية بطولية أثناء حرب الإستنزاف وحرب أكتوبر 1973 من رجال يتصفون بصفة الجرأة ، ومن لم يكن جريئا كان شرسا شجاعا وفدائيا بفعل الغضب الموروث وكراهية العدو الصهيونى ، هذا الغضب الذى يحاول الصهاينة الآن إحلاله بما يسمونه زورا وبهتانا بـ "التطبيع" والسلام ولكن هيهات ، فهذا الغضب المصحوب بالنفور والكراهية ليس حالة نفسية طارئة ، بل حالة طبيعية وصحية تجاه عدو لم يترك لنا فرصة واحدة لقبوله والعيش بيننا فى سلام حقيقى وشجاع ، ولم يترك لنا فرصة للكف عن كرهه وعدائه   ...

 

وقول المؤرخ الإسرائيلى : " ... ولايتحمل الإسرائيليون مواجهة مقاتلين يتحلون بالعناد والشراسة .. " ... هو قول حق ليس به أدنى مبالغة ... لأن المقاتل المصرى فى ذلك الوقت كان أقوى أسلحة الجيش المصرى ... أما عن تأكيده تعرض سلاح الجو الإسرائيلى للتدمير أثناء حرب أكتوبر 73 ، فمن المعروف أن سلاح الطيران الإسرائيلى كان وسوف يظل متفوقا على كل أسلحة الطيران العربية مجتمعة بدعم واضح وصريح من الولايات المتحدة الأمريكية ... ولكن كان قد تم تحييده تماما وإسقاط الكثير من مقاتلاته وقاذفاته بفضل من الله وبفضل منظومة الدفاع الجوى التى كانت تتكون من قواعد صواريخ سام الثابتة ومن أعداد قليلة جدا من صواريخ سام 6 الخفيفة الحركة التى يمكن أن تتحرك ضمن تشكيلات القوات المهاجمة وتستطيع أن تملأ الثغرات بين قواعد الصواريخ الثابتة . وكان قد تم استكمال تلك المنظومة بالكامل والتى تسمى منظومة الدفاع الجوى عام 1970 قبل وفاة عبد الناصر فى نفس العام ، فحمت سماء مصر كلها من طيران العدو المتفوق ، بالإضافة إلى حماية عشرة كيلومترات شرق قناة السويس بأرض سيناء المحتلة . وعلى ذلك فقول المؤرخ العسكرى الإسرائلى : " .. أن سلاح الجو الإسرائيلى كاد يتعرض للتدمير أثناء الحرب بسبب صواريخ سام التى استخدمها الجيش المصرى " ... هو قول صحيح تماما .

 

أما قوله : بـ " أن إسرائيل لن تصمد فى مواجهة مصر إذا اندلعت حرب جديدة " ... فهو نوع من الإستدراج الخبيث إلى فخ الغرور والتقاعس عن الإستعداد لأى مواجهة قادمة محتملة ، ولا يجب أن يدفعنا هذا القول إلى التفاؤل الخادع بقدرتنا العسكرية فننام ونطمئن إلى إمكان سحق إسرائيل وردعها بسهولة كما حدث من قبل .. وأتذكر أننا قبل نكسة يونيو 1967 أخذت إسرائيل تملأ الدنيا عويلا وإدعاءا وبتركيز شديد بموجات دعائية فى كل أنحاء العالم بأنها دولة  صغيرة وضعيفة وسط محيط من العرب ينوى إلتهامها وتدميرها فى لحظات .. وكان الإعلام المصرى يروج أيضا لذلك ، وكان هذا يسعدنا كثيرا كشباب يعيش مراهقة الحكام ، ويجعلنا ننتظر بشوق تلك اللحظة التى يبادر فيها جيشنا بتحرير فلسطين من الصهاينة  ، وأقنعنا الإعلام المصرى الحكومى الذى لم يكن متاحا لأسماعنا غيره ، بأن الجيش المصرى قادر وبسهولة على الوصول إلى تل أبيب فى ساعات وأن يلقى بالصهاينة الكلاب فى عرض البحر وأن يمحو مايسمى بالكيان الإسرائيلى من خريطة العالم ... وكانت تلك اللغة التى نسمعها من إعلامنا المصرى قريبة الشبه بلغة الصهاينة المبالغة ولكن فى الترويج عن رعبها وضعفها أمام مصر  والعرب لكى تستدر عطف العالم وعونه ومعوناته .. حتى فوجئنا ذات يوم كئيب بهزيمة الجيش المصرى بل بهزيمة مصر كلها فى ستة ساعات بما سموها لنا بـ نكسة يونيو 1967 . وعلى ذلك فإننى أرى أن من أهم دروس النكسة التى يجب أن نعيها ونستوعبها جيدا ، هو أن نقى أنفسنا شر الغرور والتغرير الإعلامى المتعمد  عن طريق الإيحاء من أمثال هذا المؤرخ الصهيونى بأن إسرائيل لن تصمد أمامنا فى أى مواجهة عسكرية فيقعدنا ذلك عن الإستعداد الصحيح الفعال لمثل تلك المواجهة التى تؤكد لنا تداعيات الواقع الحالى أنها آتية حتما يوما ما . كما يجب أن لانفقد ذاكرتنا ، وخاصة بعد أن امتلأت حواسنا بما عايشناه من قبل ومازلنا نعايشه ونسمعه ونلمسه حتى الآن ، وعزز كل ذلك معرفتنا وخبرتنا بما يدور حولنا وما قد حدث ومازال يحدث أمامنا على أرض الواقع .. وعلى ذلك فيجب أن نتناول كل مايتم نشره علينا وإعلامنا به بالعقل والمنطق الواعى الرشيد دون مغالطات ، وبمنأى عن الصعوبات التى ينشأ بعضها عن ذاتية العملاء المنافقين المتسلطين علينا ، وأن نلتزم بالخط المعرفى البسيط الواضح فنتجنب مداعبة الأخبار والإعلام الكاذب لمشاعرنا وأحلامنا .

 

أما عن ثغرة الدفرسوار التى قال عنها المؤرخ العسكرى الإسرائيلى بأنها كانت "خطوة عسكرية استعراضية " .. فهل أراد هذا المؤرخ بذلك تقرير الحق والحقيقة لوجه الله والحقيقة  ، أم أن ذلك كان لغرض التهوين من شأنها تزويرا للحقيقة سعيا خبيثا منه وراء تخديرنا بنشوة الزهو الكاذب بقدرتنا العسكرية بغرض استدراجنا  بعد ذلك لفخه ، ليسهل عليه اصطيادنا والتغرير بنا ودفعنا دفعا سهلا إلى التفاؤل الخادع  دون منطق أو سند صحيح من الواقع ، ليتكرر مثل ماحدث تماما لنا قبل نكسة يونيو 1967 ، حيث كان تزوير الحقيقة هو اللعبة المفضلة للإعلام المصرى ، ونعلم أن تزوير الحقيقة  فى مثل هذا الشأن الخطير ينتهى بنا إلى شر النكسات والضياع  والهزائم  ، وقد ساهم النظام المصرى فى خديعتنا وتخديرنا ، وخاصة حين كان يقال لنا الكثير عن قدرات الجيش المصرى قبل نكسة يونيو وعن امتلاك مصر لصواريخ سماها النظام الحاكم بإسم "القاهر" وبإسم  "الظافر" يصل مداها إلى أكثر من 200 كم ، وكانوا يزيدون فى تغذية عقولنا ووعينا بتلك الخديعة بتكرار عرض تلك الصواريخ فى جميع الإستعراضات العسكرية التى سبقت نكسة يونيو 1967 .. فتهامسنا كشباب بحسرة الغافلين المُستَغفَلين بعد النكسة وتساءلنا : أين هما "القاهر" و "الظافر" ولماذا لم يتم استخدامهما فى الحرب .. وعلمنا بعد ذلك أن ماكان يسير أمامنا فى الإستعراضات العسكرية فى ذكرى الثورة لم يكن  قاهرا أو ظافرا بل كان بعض الهياكل الخشبية المطلية بلون الصواريخ  على سبيل التمويه والخداع ... فلم يخدعوا بذلك سوى أنفسهم والشعب المصرى الحزين  !! .

 

وأقول أن النجاح فى فتح ثغرة فى أى معركة ليس هدفا عسكريا فى حد ذاته طبقا للمفاهيم العسكرية . والعدو الصهيونى لم يكن غبيا فى حربه معنا ، ولم يُعرف عنه يوما ما أنه من هواة المخاطرة برجاله من أجل حب المخاطرة والإستعراض كما يقول هذا المؤرخ الخبيث .. !!  .  وكان الهدف من الثغرة هو تطويق وحصار الجيشين الثانى والثالث ... ونجح العدو فى فتح ثغرة الدفرسوار يوم 17 أكتوبر 1973 ، وفى ليلة 17/18 أكتوبر نجح فى بناء أول كوبرى له على قناة السويس ، وبدأ حصار الجيش الثالث خلال ليلة 20/21 أكتوبر والليلة التالية . ورغم أن إيقاف إطلاق النار أصبح ساريا بقرار من مجلس الأمن بناءا على طلب السادات الساعة 1825 يوم 22 أكتوبر 1973 ، إلا أن العدو استأنف القتال صباح يوم 23 أكتوبر بهدف إتمام حصار الجيش الثالث بحجة أن الجيش الثالث انتهك قرار وقف إطلاق النار ، ثم قام العدو بتطويق مدينة السويس وفشل فى احتلالها بفضل المقاومة الشعبية ، ثم استمر فى اندفاعه بدباباته حتى وصل إلى ميناء الأدبية  واستولى عليه عند منتصف الليل ، وبحلول يوم 24 أكتوبر كان الموقف سيئا للغاية فقد أتم العدو إحكام الحصار على قوات الجيش الثالث ، وهاجمت دباباته مركز قيادته فى غرب القناة ودمرته تماما ، ونجا عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث بأعجوبة ، كما تقدم العدو فى طريق السويس القاهرة الصحراوى وتمكن من قطعه واحتلاله حتى علامة الكيلو 101 ، كما دمر أثناء انتشاره بغرب قناة السويس كل قواعد صواريخ الدفاع الجوى . ولولا القتال الشرس والدفاع المستميت الذى قام به لواء مظلات وكتيبتان من الصاعقة خلال ليلة 18/19 والأيام التالية لنجح العدو أيضا فى تطويق الجيش الثانى وحصاره واحتلال مدينة الإسماعيلية .

 

وأصبح الجيش الثالث منذ لحظة حصاره رهينة فى يد إسرائيل وفى يد كيسينجر اليهودى وزير خارجية الولايات المتحدة فى ذلك الوقت ، وأصبح مصير الجيش الثالث مرتبطا بمدى المطالب التى تطلبها إسرائيل وأمريكا ومدى خضوع السادات لتلك المطالب ، وقد استغلت كل من إسرائيل وأمريكا هذه الرهينة أحسن استغلال ... وأنصح بقراءة كتاب الجمسى رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة فى ذلك الوقت الذى نشره تحت عنوان "مذكرات حرب أكتوبر "  (الطبعة الأولى) إن كان مازال موجودا فى سوق الكتب بمصر  .. وكان الجمسى مكلفا بمفاوضة الصهاينة عند علامة الكيلو 101 طريق مصر السويس لكى يسمحوا لنا بإرسال الحد الأدنى من الماء والغذاء والدواء لقوات الجيش الثالث المحاصر ، وكانوا يجرون تفتيشا مهينا للعربات التى تحمل تلك التموينات ، ثم يستبدلون سائقيها بسائقين إسرائيليين ، ولاتعود معظم العربات ثانية لنا ... أو إقرأوا كتاب الفريق الشاذلى الممنوع من النشر والمتاح فقط على شبكة الإنترنت ، فقد كان هذا الرجل هو القائد العسكرى الفعلى للمعركة وكان يرأس كل قادة الأسلحة الأخرى وكل هيئات القوات المسلحة . الشاذلى أصدر كتابه عام 1979 ، أى بعد خطاب السادات فى الكنيست فى 20 نوفمبر 1977 ، كما أن السادات كان قد أصدر كتابه "البحث عن الذات" قبل صدور مذكرات الشاذلى بعامين أى فى عام 1977 .. والذى اتهم فيه السادات الشاذلى بأنه كان السبب الأساسى فى الثغرة ..!! ، كما اتهمه بأنه عاد من الجبهة منهارا ..!!.

 

وقال الجمسى بالحرف الواحد معلقا على موضوع انهيار الشاذلى :

" الشاذلى ليس من ذلك النوع من الرجال الذى ينهار فهو يتميز بالشجاعة والجرأة .. وطبيعة شخصية الشاذلى لاتتسم مطلقا بالجبن والإنهيار بل بالشجاعة والإقدام فهو حقيقة وعلى مدى تاريخه العسكرى كان جسورا ولايخشى شيئا ، وقد أختلف مع الشاذلى فى بعض أفكاره ولكن لاخلاف على أنه بطل من أبطال حرب أكتوبر المجيدة مهما حاول السادات أن يطمس هذه الحقيقة ." وقال الجمسى : " لقد عاصرت الشاذلى خلال الحرب ، وأقرر هنا أنه عندما عاد من الجبهة يوم 20 أكتوبر لم يكن منهارا كما وصفه السادات فى مذكراته " البحث عن الذات" .. لاأقول ذلك دفاعا عن الفريق الشاذلى ولكنها الحقيقة أقدمها للتاريخ ".

 

وأنا أصدق الجمسى ، كما لاأصدق القول بإمكان انهيار الشاذلى كنتيجة مباشرة لإنطباعاتى عن شخصية الشاذلى ..

 

والكتاب الثانى الذى قرأته بعد كتاب الشاذلى عن حرب أكتوبر هو مذكرات الجمسى . ولم يختلف الجمسى مع الشاذلى فى سرد وقائع حرب أكتوبر ، ولكنه اختلف معه فى تفسير بعض تلك الوقائع وأسبابها وخاصة بالنسبة لثغرة الدفرسوار ، ورغم اتفاقهما فى أن الثغرة كانت نجاحا تكتيكيا حققته إسرائيل فى معركة الدفرسوار ، إلا أن الجمسى يقول أنها خلقت أوضاعا استراتيجية غير ملائمة للقوات الإسرائيلى ، ويقول الشاذلى عكس ذلك مما أثر بالسلب على القرارات السياسية بعد ذلك .

 

وأرجو أن نرجع دائما  للقادة الكبار الحقيقيين لمعركة الكرامة أكتوبر 1973، علّنا نصل إلى شيئ من حقيقة نتائجها العسكرية والسياسية المباشرة ، إلى أن تتكشف الحقيقة كاملة بانتهاء عهود من يحاصرونها لحسابهم ولمصلحتهم ، ولقد مات 13 قائدا عسكريا مع المشير أحمد بدوى دفعة واحدة ، وهم فريق هام من حملة  أسرار تلك المعركة فى حادث سقوط الطائرة الهيلوكبتر فى أول مارس 1981 واحتار الناس فقال بعضهم أنه حادث مدبر وقال آخرون أنه قضاء وقدر . ومع موتهم مات الكثير من أسرار تلك الحرب ، وتمكن أصحاب المصلحة من سهولة حجبها عن الشعب المصرى ، ومهما قيل من كلام أو تكشف لنا من أسرار فهذا لايقلل من بطولة أبناء مصر وتضحياتهم فى العبور الجسور للمانع المائى وتحصينات خط بارليف ، ولايقلل من انتصارهم الذى أنجزوه بإيمان وشجاعة واقتدار فى حرب أكتوبر 1973 .. ويبقى الإختلاف هو كيف تم استثمار النصر الساحق فى أول أسبوعين للحرب .. وحتى مع الثغرة ومع حصار الجيش الثالث وتطويق مدينة السويس واحتلال ميناء الأدبية ووصول العدو الصهيونى إلى علامة الكيلو 101 طريق السويس – القاهرة ، فأنا أوافق الجمسى بأن أوضاعنا العسكرية كانت أفضل وكان يجب استثمارها سياسيا بشكل أفضل ..

___________

 

قلت فيما سبق أنه رغم اتفاق الشاذلى والجمسى فى أن الثغرة وماأدت إليه من حصار للجيش الثالث كانت نجاحا تكتيكيا حققته إسرائيل فى معركة الدفرسوار ، إلا أن الجمسى يقول أنها خلقت أوضاعا استراتيجية غير ملائمة للقوات الإسرائيلى ، ويقول الشاذلى عكس ذلك وأنها أثرت بالسلب على القرارات السياسية بعد ذلك . وكان السادات قد عين الجمسى رئيسا لهيئة أركان حرب القوات المسلحة بعد أن أقال الشاذلى ، ثم عينه بعد ذلك وزيرا للحربية وقائدا عاما للقوات المسلحة . وذكرت أيضا فى مداخلتى السابقة : أنه حتى مع الثغرة وحصار الجيش الثالث فأنا أوافق الجمسى بأن أوضاعنا العسكرية كانت أفضل وكان يجب استثمارها سياسيا بشكل أفضل ... أى أن رأيه الذى أوافقه عليه هو : أن السادات لم يستثمر أوضاعنا العسكرية سياسيا بشكل أفضل ... ولأن الرجل (أقصد الجمسى) قد تعاملت معه عندما كنت أنفذ بأنشاص طابورا يسمى طابور تطعيم المعركة اللازم لتأهيل ضباط الإستطلاع حيث كان قائدا لهذا الطابور، ورأيت منه الحزم وقمة الإنضباط العسكرى مع الذكاء واللباقة وسرعة البديهة والقدرة المتميزة على السيطرة والإقناع وطرح وجهة نظره أو إصدار أوامره دون انفعال أو مصادمة ، وعلى ذلك فلم يكن متوقعا أن تكون عبارته السابقة مباشرة وصادمة فيقول مثلا : أن السادات فشل فشلا سياسيا ذريعا فى استثمار أوضاعنا العسكرية ، وإن كان لايعنى سوى ذلك  ... وقدم الجمسى استقالته أخيرا التى كتب فيها بذكاء ودون مصادمة أيضا : " لقد كنت جنديا محترفا طوال مدة خدمتى ، وأعتز بذلك كثيرا إيمانا منى بأن السياسة إذا دخلت الجيش أفسدته " .. وبعد حوالى أسبوعين من توقيع اتفاقية كامب دافيد ، وقبل بدء المباحثات لعقد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية كان الجمسى خارج الوزارة بعيدا عن العمل العام بالدولة .

 

وكنت مقتنعا بوجهة نظر الجمسى بأن السادات لم يستثمر أوضاعنا العسكرية سياسيا بطريقة صحيحة ... وصحيح كان للثغرة أثرا نفسيا وسياسيا سيئا خطيرا لاينكره أحد  ، ولكن من ناحية أخرى فإن إسرائيل كانت مضطرة لحماية الثغرة وطرق المواصلات إليها بخمسة ألوية فى غرب قناة السويس ، وكان من المستحيل أن تجازف إسرائيل عسكريا فتتقدم من هذه الثغرة لتهديد القاهرة مثلا ، كما أن بقاء قوات الثغرة يعرضها لحرب استنزاف يومية ، كما يعنى أيضا بقاء قواتها بالثغرة بقاء حالة التعبئة العامة بإسرائيل وهو ما لا تستطيعه احتماله إسرائيل إلى وقت غير محدود .. وأما عن الجيش الثالث المحاصر فكان رأى بعض العسكريين الذين عايشوا الموقف ودرسوه جيدا هو : إن كان ذلك قد جعله فى مصيدة سهلة لنيران العدو ، فإن قوات العدو التى تحاصره أصبحت هى الأخرى  فى مصيدة  أكثر سهولة . أى أن أوضاعنا العسكرية لم تكن تستدعى كل هذه التنازلات الكثيرة الكاسرة التى قدمها السادات فى مفاوضاته مع الصهاينة فى كامب دافيد ومعاهدة السلام ... !

 

وفى جميع الأحوال فمهما قيل منى كضابط صغير شارك فى حرب الإستنزاف وحرب أكتوبر 1973 أو من أى شخص آخر ،  فليس أقدر من الحديث عن معاهدة كامب دافيد وعن زيارة السادات التاريخية لإسرائل مساء السبت 19 نوفمبر 1977 من الذين عايشوها فكرا وعملا .. نبضا وكيانا .. وزراء خارجية مصر فى تاريخها الطويل .. ابتداءا من آخر وزير وفدى قبل ثورة 23 يوليو 1952 د. محمد صلاح الدين ، حتى محمد إبراهيم كامل الذى رفض التوقيع على اتفاق كامب دافيد وقال : لا ، لأنور السادات .. ولا لكامب دافيد فى قلعة كامب دافيد نفسها ، ورفض كل تنازلات السادات  .. ووصلت العلاقة بينه وبين السادات إلى أسوأ حالاتها ؟ ولكن ماذا كان حواره الأخير مع السادات وهو يقدم إليه الإستقالة فى كامب دافيد ؟ وكيف استطاع أن يخرج من قلعة كامب دافيد دون أن يحضر توقيع الإتفاقية  ، لا أحد يعرف تفاصيل ذلك حتى الآن ... !!

 

وسبق محمد إبراهيم كامل فى الإستقالة الوزير إسماعيل فهمى الذى كانت رغبته فى السلام لاتقل عن رغبة السادات ، وكان إسماعيل فهمى قد نجح فى فض الإشتباك الأول على الجبهة المصرية الإسرائيلية فى شرق وغرب قناة السويس فى يناير 1974 ، ولكنه رفض أن يوقع على فض الإشتباك الثانى لأسباب سياسية رأى أنها ليست فى مصلحة مصر . ورغم أنه كان يؤمن بأنه طالما أن إسرائيل تتفوق على مصر وغيرها من البلاد العربية من الناحية العسكرية فإنه من الصعب تحقيق انتصار صريح وحاسم عليها ، إلا أنه كان يعتبر أن مبادرة السادات بزيارة إسرائيل إضعاف مأساوى لموقف مصر السياسى والعسكرى ، فرفض مصاحبة السادات فى تلك الزيارة كوزير لخارجية مصر ، وقدم استقالته فى نفس يوم زيارة السادات  السبت 19 نوفمبر 1977 ، وبعدها بساعات قليلة استقال أيضا محمد رياض وزير الدولة للشئون الخارجية من منصبه لنفس الأسباب ... وكان الرأى الذى وصل إلينا هو أن السادات قد أخطأ فى حق مصر حيث بدأ من حيث كان يجب أن ينتهى .. اعترف بإسرائيل حتى قبل أن يفاوضها على أى شيئ ... وكان تعليقنا كشباب شارك فى معركة الكرامة هو : كيف لمنتصر أن يذهب لبيت مهزوم خبيث طالبا منه السلام ، فلم يحدث ذلك على المستوى التاريخى بين أى دول متحاربة ... !!

 

أما د. محمد صلاح الدين آخر وزير خارجية وفدى قبل الثورة ، ويعتبر بحق عميد وزراء خارجية مصر وشاهد على القرن العشرين ، واختاره التاريخ ليصبح يوما وزيرا لخارجية مصر الذى يضع نهاية لمعاهدة 1936 ، واختارته مصر أيام فى بداية ثمانينيات القرن الماضى أثناء حكم حسنى مبارك لمصر ليرأس الوفد المصرى المدافع عن حق مصر فى "طابا" عندما كان النزاع عليها بين مصر وإسرائيل مطروحا على التحكيم الدولى ...  كان رأيه بأن تنازلات السادات بكامب دافيد كانت إذعانا صريحا للنفوذ الأمريكى الذى يسيطر عليه اللوبى الصهيونى ، وكان د. محمد صلاح الدين عميد وزراء خارجية مصر يتساءل قائلا : "إذا كان السادات ليست له قدرة على التفاوض ، فلماذا إذن لم ينتصح بوزراء خارجيته أو برأى المستشارين من حوله قبل أن يقدم على هذه الخطوة التى كلفت مصر والوطن العربى الكثير .. إنها حقيقة مأساة مروعة " ...

وهناك كلام كثير للدكتور محمد حسن الزيات وزير خارجية مصر فى حرب أكتوبر ، ملخصه أن السادات أوقع مصر فى كارثة سياسية بدءا من زيارته للقدس وانتهاءا بتوقيعه على معاهدة السلام . ولاتتسع الصفحة الحالية لطرح تفاصيل أقواله أو أقوال الآخرين من وزراء خارجية مصر فى هذا الشأن . كما لاتتسع لما قاله د. مراد غالب أحد وزراء خارجية مصر عن شخصية السادات التآمرية الذى يهوى السير على سياسة بينما الأجهزة المعاونة له تسير فى سياسة أخرى   ، ولا تتسع لشهادة آخرين مثل  شهادة محمود رياض وهى فى غاية الأهمية ، فهو بلا شك السياسى والخبير الأول فى الشرق الأوسط فى النزاع العربى الإسرائيلى . وتولى وزارة خارجية مصر لأكثر من ثمان سنوات فى عهدى عبد الناصر والسادات ، وأمين عام جامعة الدول العربية لأكثر من سبعة سنوات ، ولهذا فهو قد تنفس بعمق أساليب الصهاينة القذرة وطرقهم الملتوية الخبيثة على مدى أربعين عاما . لهذا فإن حديثه عن زيارة السادات لإسرائيل وعن اتفاقية كامب دافيد يأتى عن فهم دقيق ومعايشة كاملة لكل أحداث وقضايا مصر والمنطقة العربية .  وكان رأيه فى تنازلات السادات بكامب دافيد ومعاهدة السلام لايختلف عن رأى د. محمد صلاح الدين عميد وزراء خارجية مصر .

_____________

 

اللون الأزرق بالخريطة لقوات العدو واللون الآخر للقوات المصرية

defresour

 

وإلحاقا بما سبق ... ومن  أجل الحق والحقيقة أقول .. بأن الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة بمعركة أكتوبر 1973 ، قد شهد له القادة والخبراء العسكريين من مصر ومن خارج مصر بالنبوغ فى الحرب وفى فنون القتال وبأنه كان موفقا للغاية فى إدارة المسار العسكرى بمعركة الكرامة  ، وشهد له من عايشه أثناء المعركة مثل الجمسى الذى كان رئيس عملياته وذراعه الأيمن فى تلك المعركة بجرأته وشجاعته كمقاتل وبأنه كان القدوة والمثل النبيل الحى لكل الضباط والصف والجنود على جبهة القتال ، كما شهد له خصومه بأنه رغم صرامته العسكرية كان فارساً نبيلاً نظيف اليد شديد الدقة والتنظيم لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا ويعطيها ذات الاهتمام ، وبأنه يتميز بقدرة واضحة علي الوصول إلي الهدف ..

 

وأعرض هنا عاليه خريطة بخطة الشاذلى كان قد اقترحها أثناء سير المعركة للقضاء على ثغرة الدفرسوار فى بداياتها الأولى ، ولكن رفضها السادات دون سبب معقول ورغم محدودية خبرته العسكرية ورغم عدم معايشته لتفاصيل الأوضاع العسكرية على الأرض مثل من كان يعيشها لحظة بلحظة ومسئولا مباشرا عن إدارتها وقيادتها .. وكان ذلك الرفض يمثل قمة الصدام الذى حدث بين السادات والشاذلى وانتهى بإقالة السادات للشاذلى ..أما لماذا أصر السادات على رفض خطة الشاذلى دون مبرر عسكرى مقنع .. وكان يصر على رفض أشياءا أخرى غير ذلك كان يراها الشاذلى أنها فى صالح قواتنا المقاتلة أثناء الإشتباك مع العدو ، ويلح بإصرار على أخذ الموافقة على تنفيذها ، فلا يوافق السادات ووزير الحربية ، فهذا ما سوف يوضحه المستقبل لنا مع انتهاء عهود من يحاصرون الحقيقة لمصلحتهم ، كما سوف يوضح المستقبل أسرارا أخرى لخلافات الشاذلى مع السادات أثناء سير معركة أكتوبر وخاصة فى أيامها الأولى التى تلت العبور البطولى الجسور للمانع المائى وموانع النبالم والساتر الترابى والألغام والنيران وخط بارليف بنقطه الحصينة ... ومن الطبيعى أن نقول بأن تدخل السادات بالشأن العسكرى البحت أثناء سير المعركة لم يكن يبرره أى منطق ، كما لم يكن يبرره خبرته العسكرية المحدودة جدا  والتى كانت قد توقفت قبل حركة أو ثورة يوليو 1952 على كونه كان ضابطا (بعض الوقت) بسلاح الإشارة ، وحيث كانت أجهزة اللاسلكى فى ذلك الوقت محدودة المدى وتعمل بالبطاريات السائلة ولا يستطيع حملها وحمل مكوناتها إلا عدد لايقل عن جنديين من الجنود الأشداء .. وكان يفضل استعمالها من الثبات  وليس من الحركة وبعد نصب هوائيات معقدة لها ...

 

 

ملاحظة : الموضوع الحالى بعض مداخلات لى على موضوع تم طرحه بقاعة السياسة التى أتشرف بالإشراف عليها بمنتدى أبناء مصر بتاريخ 6 أكتوبر 2009 ، ويمكن الرجوع إلى الموضوع والمداخلات عليه بالرابط التالى : 

 

http://www.egyptsons.com/misr/thread133014-3.html

 

عاطف هلال

________

 

فهرست الموضوعات