الحلقة التاسعة

القادة الكبار لحرب أكتوبر 1973

 

أشرنا فى الحلقة السابعة أن القائد السياسى والقائد الأعلى للقوات المسلحة فى نفس الوقت لمعركة أكتوبر هو الرئيس أنور السادات باعتباره رئيسا لجمهورية مصر فى نظام حكم جمهورى رئاسى تسلطى ، يمسك فيه رئيس الجمهورية بيده كل السلطات ، وهو أيضا الحكم بين تلك السلطات فى نفس الوقت ! طبقا للدستور! .  يقابله فى الجانب الإسرائيلى جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل كقائد سياسى للمعركة فى نظام حكم جمهورى برلمانى . وكان الفريق أول أحمد إسماعيل وزيرا للحربية وهو منصب سياسى ، ولكنه يشغل أيضا طبقا للنظام المصرى – خلافا لنظم الدول المستقرة - منصب القائد العام للقوات المسلحة Commander in chief . ويقابله فى الجانب الإسرائيلى  موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلى . وكان الفريق Lieutenant General سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية Chief of Staff قائدا للمؤسسة العسكرية المصرية . يقابله فى الجانب الإسرائيلى دافيد أليعازر رئيس أركان حرب القوات الإسرائيلية ومعه صموئيل جونن قائد الجبهة الجنوبية   Southern Command Major General Shmuel Gonen  (فى مواجهة الجبهة المصرية) . وكان اللواء General محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة العمليات Chief of Operations وهو منصب مساعد لرئيس أركان حرب القوات المسلحة ، وقد حل محل رئيس الأركان فى آخر أيام الحرب عندما إختلف الرئيس السادات مع الشاذلى . ويقابله من الجانب الإسرائيلى  إسرائيل تال نائب رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية Major General Israel Tal, Deputy Chief of Staff . وفى الجانب السورى فإن رئيس الجمهورية حافظ الأسد هو أيضا الفريق حافظ الأسد القائد العام للجيش والقوات المسلحة فى نفس الوقت ، واللواء مصطفى طلاس وزير الدفاع ونائب القائد العام ، واللواء يوسف راغب شكور رئيس أركان حرب القوات المسلحة السورية ، واللواء عبد الرازق الدردى رئيس شعبة العمليات .  ويقول إيلى زاعيرا رئيس المخابرات الحربية الإسرائيلية وقت معركة أكتوبر 73 فى مذكراته "حرب يوم الغفران" (ترجمة وحيد حامد - الناشر : المكتبة الثقافية / بيروت 1996) : " قرار الحرب هو قرار سياسى وليس عسكريا ، سواء فى نظام حكم ديموقراطى أو فى نظام حكم ديكتاتورى . وتجدر الإشارة هنا إلى أن السادات والأسد كانا رئيسى دولة فى أنظمة حكم ديكتاتورية ، وكانا يشغلان أيضا منصب القائد الأعلى لجيشهما" .

 ويقول إيلى زاعير (مذكراته المذكورة قبل ص 20) : " أن أكبر منصب عسكرى فى إسرائيل هو منصب رئيس هيئة الأركان وليس قائد  الجيش أو قائد القوات المسلحة ، وهناك وضع مماثل موجود أيضا فى الولايات المتحدة الأمريكية حيث أن الدستور يقرر صراحة أن الرئيس ( وهو مواطن وليس رجل جيش) هو قائد القوات المسلحة " .... ونجد أن الذى جمع بين منصبى رئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة فى إسرائيل هو ديفيد بن جوريون (أحد أهم مؤسسى إسرائيل ، وأول رئيس وزراء لها ، وهو الذى قاد حرب 1948  التى يُطلق عليها الإسرائيليون حرب الإستقلال) ... ويقول إيلى زاعيرا (مذكراته ص 20) : " .. وهو الذى أسس جيش الدفاع الإسرائيلى ووضع له قوانينه ، فاعتبر نفسه القائد الأعلى له ، ولم يكن هناك أى نوع من المصادفة حين تصور ديفيد بن جوريون أن القيادة السياسية المنتخبة هى التى تتمتع بالصلاحيات ، وعلى أكتافها تقع المسئولية النهائية فى كل قضايا الأمة ، العسكرية وغير العسكرية ، هكذا تصور وهكذا تصرف " .   

 

وسوف أركز هنا وفيما يلى من حلقات على الجبهة المصرية من الناحية العسكرية ، باعتبارى كنت ضابطا مصريا مكلفا بواجب عمليات أثناء حرب الإستنزاف وحرب أكتوبر 1973 ، حيث امتلأت حواسى بما تعلمته ، وشاركت فيه وعايشته ، ورأيته وسمعته ولمسته وقت الحرب ، فغزرت معرفتى إلى حد كبير بما كان يدور حولى قبل المعركة وأثناءها وبعدها ، مما أعتقد أنه أهّلنى وساعدنى كثيرا  على استيعاب تفاصيل ماقرأته بعد الحرب من مذكرات قادتها العسكريين والسياسيين على الجانبين ، وماكتبه بعض المحللين والمعلقين والمؤرخين العسكريين الأجانب وغير الأجانب ، وأن أكتسب قدرا كبيرا من القدرة على تحليل ماورد بكتاباتهم من معلومات ، ومقارنة بعضه ببعض لتمييز المنضبط من غير المنضبط من تلك الكتابات بمنأى عن الصعوبات التى قد تنشأ عن ذاتية أصحابها ، واستخدام بعضهم لأدوات اللغة أحيانا لمداعبة عواطف ومشاعر القارئ العادى .  

 

ومعروف أن قرار الحرب هو قرار سياسى يتخذه  رئيس الجمهورية فى أى نظام جمهورى رئاسى بعد مناقشته وأخذ رأى وزير الحربية (وزير الدفاع) ورئيس الأركان واللجان المختصة بالأمن والدفاع فى مجلس النواب وغير ذلك من اللجان التى يرى رئيس الجمهورية تشكيلها فى هذا الشأن . ويتخذ قرار الحرب رئيس الوزراء فى النظام الجمهورى البرلمانى بعد مناقشته مع وزير الدفاع ورئيس الأركان ومع لجنة الأمن والدفاع بمجلس النواب (الكنيست بإسرائيل) وغير ذلك من اللجان . ومن يملك اتخاذ قرار الحرب يملك بالطبع قرار إيقاف الحرب أو إيقاف النيران أثناء سير العمليات العسكرية ، ولكن بعد موافقة صريحة من رئيس الأركان وحسب مايراه  رئيس الأركان من أوضاع للقوات المسلحة على أرض المعركة .. إذن فماذا هو دور منصب القائد العام للقوات المسلحة المضاف إلى منصب وزير الحربية فى النظام المصرى ؟ . يقول أمين حامد هويدى فى كتابه "الفرص الضائعة" ص 90 ، 91 ، 92 / شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – بيروت/ الطبعة الأولى 1992 . وأمين هويدى كان وزيرا للحربية بعد نكسة يونيو 1967 بتكليف من الرئيس عبد الناصر فى الفترة 21/7/1967 حتى 24/1/68 بجانب عمله كرئيس للمخابرات العامة ، ثم طلب إعفاءه من منصب وزير الحربية ، واستمر فى عمله كرئيس للمخابرات العامة حتى 20/5/1970 ..  يقول أمين هويدى :

" فى يوم 24/1/1968 اتصل بى سامى شرف سكرتير الرئيس للمعلومات من مكتب عبد المحسن أبو النور وكان معهما شعراوى جمعة ليخبرنى أن الرئيس عبد الناصر أمر بإجراء عدة تعديلات وزارية  .. وكانت التعديلات عود على بدء فكل رجع إلى مكانه مرة أخرى - (هو أى أمين هويدى رجع كرئيس للمخابرات العامة فقط حيث كان طلبه من عبد الناصر أن يتخفف من من منصب وزير الحربية المكلف به ليتفرع لعمله كرئيس للمخابرات العامة " ... ثم يقول أمين هويدى : " فيما عدا التعديل الخطير الذى حدث لأول مرة ، وهو الجمع بين منصبى  القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية وتعيين محمد فوزى لشغلهما ، إذ كان من المتبع حتى قبل الثورة (ثورة يوليو 1952) الفصل بين بين منصب الوزير – وهو منصب سياسى- ومنصب رئيس الأركان أو القائد العام – وهو منصب عسكرى - ، ولهذا حكمة عميقة تتبع فى كافة الدول ذات النظم المستقرة ، إذ يحمل هذا الفصل بين المنصبين معنى يؤكد خضوع القيادة العسكرية إلى القيادة السياسية ... فوزير الحربية يمثل القيادة السياسية على قمة المؤسسة العسكرية ، ويتحمل مسؤولياته الوزارية والبرلمانية فى كل مايخص القوات المسلحة ، خاصة بعد دروس الماضى حينما حالت الظروف دون توفر الرقابة السياسية على القوات المسلحة . وقد استمر هذا الوضع (الجمع بين المنصبين) حتى أيامنا هذه مما يحتاج إلى معالجة واعية ، لأن القائد العام (أو رئيس الأركان) إذا تولى فى نفس الوقت مسئوليات وزير الحربية يصبح فى حقيقة الأمر مسؤولا أمام نفسه ، وهذا وضع خطير يجعل أمن البلاد موكولا لتقدير شخص واحد وهو أمر يبعث على القلق .... كيف يمكن لشخص واحد أن يقوم بمسئوليات المنصبين ؟ الواجب الأساسى لوزير الحربية أو الدفاع هو إعداد الدولة من ناحية الدفاع بما فى ذلك طبعا القوات المسلحة ، وهذه مسؤولية ضخمة تحتم عليه بذل جهد متواصل إلى جانب حضوره جلسات مجلس الوزراء واللجان الوزارية ولجنة الأمن ومجالس الدفاع المتعددة ، علاوة على قيامه  بمقابلاته والتزاماته الشخصية ومأمورياته الخارجية .. وعليه بصفته قائدا عاما للقوات المسلحة  (أو رئيسا للأركان) القيام بتنظيم وتدريب وتسليح قواته والتحضير للعمليات المقبلة بما فى ذلك التخطيط والتدريب عليها ، بل تدريب نفسه ومركز رئاسته وحضور المناورات والمشروعات .... "

ويستمر أمين هويدى قائلا فى كتابه المذكور قبل : " يحكى سعد الشاذلى أيام كان رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة أنه حينما حدث بينه وبين الفريق محمد صادق وزير الحربية والقائد العام خلاف على اختصاصاته ، حينما شعر بأنه يقوم بمجرد أعمال مدير مكتب وليس رئيسا للأركان أن الوزير أخرج من مكتبه القرار الجمهورى الذى استصدره سلفه الفريق فوزى وقال له : تفضل واقرأ هذا القرار وأنت تعرف أننى أعمل فى حدود سلطاتى . لقد كان القرار غامضا فى بعض النواحى ولكنه كان يعطى سلطات واسعة للقائد العام الذى قام بتحريره بنفسه والتصديق عليه من الرئيس دون دراسته من الأجهزة الفنية ، وهذا أحد الدروس التى يجب أن نتعلمها من أخطاء الماضى . فعندما يكون شخص ما من السلطة فإنه يقوم باستصدار قانون أو قرار جمهورى يخدم أغراضه ويقنن تصرفاته . ولإصلاح هذا الوضع دعوت لجنة لدراسة الموضوع مكونة من اللواء عمر رئيس هيئة التنظيم واللواء الجمسى رئيس هيئة العمليات وآخرين . وكان رأى الجميع دون استثاء هى أن تكون هناك شخصية سياسية هى شخص وزير الحربية لإتخاذ القرار السياسى والإستراتيجى ، أما جميع القرارات دون ذلك ، بما فى ذلك إدارة العمليات الحربية والسيطرة والإدارة اليومية ، فإنها تكون من اختصاص وظيفة عسكرية هى رئيس هيئة أركان حرب القوات المسلحة ، وعرضت هذه الإقتراحات على الوزير فرفضها "  

 ثم يقول أمين هويدى : " ولايمكن أن ننهى هذا الموضوع إلا بأن ننقل قول موشيه دايان وزير الدفاع الإسرائيلى أيام حرب أكتوبر 1973 : " فى دولة ديموقراطية كإسرائيل تخضع القوات للسيطرة الكاملة للحكومة المدنية من خلال وزير الدفاع ، ولكن سلطة وزير الدفاع لاتتعدى القرارات الخاصة بالسياسة إلى قرارات العمليات العسكرية . فعلى سبيل المثال فالحكومة الإسرائيلية – عادة من خلال وزير الدفاع – تعطى أوامر باختراق الحدود اللبنانية ، كما يمكن لوزير الدفاع ممثلا للحكومة إعطاء الأوامر بضرب القواعد العسكرية بالقرب من دمشق ، ولكن ليس من حق وزير الدفاع أو فى استطاعته أن يخبر الجيش كيف ينفذ ذلك ، ولو أنه يمكنه إبداء وجهة نظره كرأى فى بعض الحالات ، إذ أن العمليات العسكرية والتخطيط لها هى من إختصاص رئيس الأركان ، ووزير الدفاع هو القائد السياسى للمؤسسة العسكرية وليس رئيسا للأركان أو رئيسا أكبر لرئيس الأركان حتى لو كان يتمتع بالمعرفة الفنية ، فإنه يفتقد إلى السلطة الفنية وأدواتها . فالسلطة الفنية هى ملك لهيئة الأركان لقوة الدفاع الوطنية يرأسها رئيس الأركان وله مساعدون عسكريون عليهم التخطيط ، وله رفضه أو التصديق عليه وجعله قابلا للتنفيذ على أرض المعركة " .

وفى مصر – وهى دولة غير مستقرة – منذ ثورة يوليو 1952 ، حال الجيش فيها يختلف عن حال الجيش فى أى دولة مستقرة بالعالم المتحضر ، فرأس النظام فيها وهو رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة  فى نفس الوقت  طبقا لنص المادة 150 من الدستور ، وغير واضح بالدستور أو فى أى قانون مكمل له الوصف الوظيفى لواجبات ومسئوليات القائد الأعلى للقوات المسلحة أو نائب القائد الأعلى التى كان يشغلها عبد الحكيم عامر حتى هزيمة مصر فى يونيو 1967 ، وهل هى وظيفة عسكرية يمارسها الرئيس بجانب عمله كرئيس للجمهورية على رأس السلطة التنفيذية ، أم هى وظيفة سياسية ، أم هى وظيفة شرفية . ووزير الحربية أيضا فى النظام المصرى هو القائد العام للقوات المسلحة فى نفس الوقت ، وهذا خلط غريب وشاذ فى الإختصاصات والمسئوليات . وعانينا كثيرا كشعب مغلوب على أمره من هذا الخلط الوظيفى ومن تداخل المسئوليات والواجبات الوظيفية فى كل وظائف مراكز القرار العليا الحاكمة بمصر على شعب مصر . ويقول أمين هويدى فى كتابه المذكور قبل بالصفحات 42 ، 43 ، 44 ، 45  : " هذا الموضوع الحساس وهو تحديد العلاقة بين القيادتين السياسية والعسكرية فيه خلط كبير ، وقد كان الغموض الشديد الذى يحيط بتحديد هذه العلاقة السبب الرئيسى فى نكسة يونيو 1967 ، إذ كانت القيادة العسكرية تعمل منفردة خارج مظلة القيادة السياسية ، وأكبر مثل على ذلك ، تلك الإختصاصات التى تجاوزت كل حد والتى انتزعها نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة المشير عبد الحكيم عامر فى ذلك الوقت ، والتى أصبحت القوات المسلحة بموجبها دولة داخل الدولة ، جعلت نائب القائد الأعلى يصدر أغرب قرار مخالف للدستور يمكن أن يصدر عن جهة مسئولة وهو القرار رقم 367 عام 1966 فى شأن تحديد اختصاصات ومسؤوليات السيد شمس بدران وزير الحربية" ... ثم يقول أمين هويدى : " وهو الأمر الذى واجهته بعد تعيينى وزيرا للحربية ورفضته بحسم . إذ أن وزير الحربية هو ممثل القيادة السياسية على قمة المؤسسة العسكرية ... ولذلك فالجمع بين منصبى وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة جمع خاطئ وشاذ إذ تختلط مسؤوليات السلطة السياسية بالسلطة العسكرية ، فالقائد العام أو رئيس الأركان يخضع تماما لوزير الدفاع ، الأول (رئيس الأركان) قائد للجهاز العسكرى والثانى  ممثل للقيادة السياسية ومخول بسلطاتها ... وإعلان الحرب وإيقافها من أعمال القيادة السياسية . ومعنى ذلك فإن توجيه الضربة الأولى الهجومية الإستباقية قرار سياسى يعنى إعلان الحرب ، كما أن توجيه الضربة الثانية الدفاعية وحجمها ومداها قرار سياسى أيضا ، وتعنى مواجهة العدوان وصده . وللقيادة العسكرية أن تعترض على كل المهام التى تُكلف بها أو على جزء منها ، فإذا أصرت القيادة السياسية على المهمة مع استمرار عدم اقتناع القيادة العسكرية بها ، فعليها – أى القيادى العسكرية – إما أن تقبل وتنفذ وحينئذ تصبح مسؤولة مباشرة عن النتائج ، وإما أن تتنحى لتخلى موقعها لمن يقبل التنفيذ عن قناعة ... ويستمر أمين هويدى قائلا : وعلى سبيل المثال لم تعترض القيادة العسكرية على تصعيد الموقف فى 15/5/1967 بل أيدت وباركت وقبلت المهمة ، فلا معنى عندئذ أن تتحدث عن السلبيات والنقائص بعد هزيمة يونيو 1967 ، فأين كانت ؟ ولِم قبلت ؟ ....  ومن جانب آخر لم أقبل استمرار بعض المسؤولين عن هزيمة يونيو فى مواقعهم ، ولم أقبل ميوعة الإختصاصات فى قمة المؤسسة العسكرية  بعد أن عُينت وزيرا للدفاع بعد الهزيمة ، فلما عجزت عن تصحيح الأوضاع امتنعت عن القيام بمسئولياتى حتى تم حسم الموقف ، وتفرغت لمسؤوليات جسيمة أخرى برئاستى للمخابرات العامة " .

هذا ماكتبه أمين هويدى بكتابه المذكور قبل والذى تم نشر طبعته الأولى عام 1992 . ولا يختلف ماكتبه كثيرا فى شأن الخلط الشاذ لمسؤوليات السلطة السياسية بالسلطة العسكرية عن ماكتبه عام 1980  سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة فى مذكراته عن حرب أكتوبر 1973 ، التى تم نشرها باللغة العربية بمنشورات الوطن العربى / باريس 1980 ردا على مذكرات الرئيس السادات التى كتبها فى فترة رئاسته ! وسماها "البحث عن الذات " ! ونشرها المكتب المصرى الحديث باللغة العربية فى إبريل عام 1978  . قال الشاذلى فى مذكراته  بالصفحة 21 -24 من الباب الثالث : " كانت وظيفة القائد العام للقوات المسلحة هي وظيفة جديدة خلقتها الثورة، وهي وظيفة غير موجودة إطلاقا لا في التنظيم الغربي ولا في التنظيم الشرقي، حيث يعتبر رئيس أركان حرب القوات المسلحة في كل من الكتلتين الشرقية والغربية هو قمة الجهاز العسكري ويتبع وزير الحربية الذي يمثل القيادة السياسية. أما في مصر فإن إدخال هذا النظام قد خلق تنازعا على السلطات وأضاع المسئولية بين القيادة السيـاسية والقيادة العسكرية، فبينما لا يوجد خـلاف حول. شخصية رئيس أركان القوات المسلحة من حيث كونه رجلا عسكريا فهناك جدل كبير حول شخصية وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة. هل هو رجل عسكري أم مدني؟ هل أي خطأ يرتكبه يعتبر خطأ للقيادة السياسية أم لا ؟ هل أي قرار يتخذه يعتبر هو المسئول عنه كقائد عسكري أم أن مسئوليته تتوقف عند القرار السياسي ". ثم قال : " وفي سبيل أن يضمن عبد الحكيم عامر ولاء القوات المسلحـة جعل ثلاث إدارات تتبع له تبعية مباشرة بحيث لا يكون لرئيس أركان حرب القوات المسلحة أي سلطات عليها، اللهم إلا من ناحية الشكل فقط وهذه الإدارات هي إدارة المخابرات الحربية، وإدارة شئون الضباط وهيئـة الشئون المالية. إنه عن طريق إدارة المخابرات الحربية يستطيع أن يحدد من هم الموالون ومن هم السـاخطون. وهو عن طريق إدارة شئون الضـباط يستطيع أن يقصر القيادات والمناصب الحسـاسة على العناصر الموالية له، وعن طريق الهيئة المالية والحسابات السرية يستطيع أن يغدق عطائه على المخلصين والتابعين. وبعد ذهاب المشير عامر حل محله الفريق فوزي (بعد الفترة المؤقتة التى شغلها أمين هويدى كوزير للحربية) فحافظ على التراث وقننه. كان عبد الحكيم عامر يستمد قوته وسلطاته من الشرعية الثورية بحكم انتمائه إلى الثورة وكونه عضوا بارزا في مجلس قيادة الثورة ، فلم يكن في حاجة إلى قانون أو قرار جمهوري يحدد له سلطاته ، بل العكس هو الصحيح. فمنذ أوائل الستينيات كان قد اصبح في استطاعته أن يتحدى سلطات رئيس الجمهورية. فلما ورث الفريق محمد فوزي هذا المنصب لم يكن يطمع في تحدي سلطات رئيس الجمهورية ولكنه كان يطمع في كل ما هو دون ذلك،  فاستصدر من رئيس الجمهورية قرارا جمهوريا يعطي له سلطات ضخمة وكانت جميع هذه السلطات طبعا على حساب سلطات رئيس أركان حرب القوات المسلحة ، وبذلك اصبح الفريق محمد فوزي يمارس سلطاته طبقا لقرار جمهوري. ثم جـاء من بعده الفريق محمد صادق فوجد هذه السلطات فبدا يمارسها بالأسلوب نفسه الذي كان يمارسها به عبد الحكيم عامر ومحمد فوزي ".

" لقد كان هذا هو الوضع عندما تسلمت عملي كرئيس لأركان حرب القوات المسلحة . وجدت نفسي مبعدا تماما عن تلك الإدارات الثلاث ، ولم تكن لدى أية رغبة في أن أقحم نفسي في مشكلات السلطة، فقد كانت أمامي مجالات كثيرة للعمل يمكن أن تستنفد طاقاتي كلها، ولكن تتابع الأحداث كان يجرفني أحيانا لكي أجد نفسي في قلب المشكلة " .....ثم يقول الشاذلى : " لقد كـان صادق هو أحد رجال الانقلاب الذي قام به السادات في مايو 71 (سماه السادات بثورة التصحيح) ، وكانت هذه الصفة بالإضافة إلى كونه وزيراً للحربية وقائدا عاما للقوات المسلحة تعطيه سلطات واسعة على المستويين السياسي والعسكري. كان الجميع يعرفون قوة صادق بما فيهم أنا طبعا. ولكنه مع ذلك- كبشر- كان أحيانا يحب أن يستعرض هذه القوة " ...... ثم يقول الشاذلى : " قاتل الله السلطة التي تجمع بصاحبها فتدمره لقد أخذت سلطات صادق تتعاظم يوما بعد يوم حتى دمرته. لقد ارتكب صـادق أخطاء من سبقوه نفسها. أنه يبطش بأي ضابط يعترض طريقه ويغدق العطاء على من يسير في ركابه. ويضيق صدره إذا سمع رأيا يختلف عن رأيه. لقد بدأت السلطة تجمح به في أواخر عام 1971 وبدا الخلاف بيني وبينه يظهر ولم نكن قد عملنا معا سوى ستة أشهر. لقد كان صادق صديقا عزيزاً لي منذ أيام شبابنا. وأنا مازلت احبه وأقدره إني اختلف معه في كثير من الآراء ولكني مازلت اعتقد انه عنصر وطني يمكن أن يخطئ وأني اقف بجانبه ضد الاتهامات الباطلة التي يوجهها إليه السادات اليوم دون أن يعطيه الفرصة للدفاع عن نفسه. أن كل ما ألوم صادق عليه هو انه خضع للسلطة فجمحت به حتى اصبح لا يطيق أن يسمع رأيا يخالف رأيه. انه الضعف الإنساني. لم يكن صـادق أول هؤلاء ولن يكون قطعا آخرهم أني اشعر أن من واجبي أن أظهر هذه الحقائق عسى أن يستفيد منها بعضهم فلا يقعوا في الخطأ نفسه الذي وقع فيه أسلافهم" .

 

ويقول الشاذلى بمذكراته (الباب الرابع ) تحت عنوان " لماذا اختار السادات الفريق أحمد إسماعيل" :  

" أن طرد صادق وتعيين احمد إسماعيل في مكانه كانا خطوة مهمة اتخذها السادات لتدعيم مركزه كما قلت فيما سبق. فقد كان صادق هو أحد الرجال الثلاثة الذين أعتمد عليهم السادات في انقلاب 15 مايو 71، ونتيجة لذلك فقد كان صادق يشعر بأنه يجب أن يكون له نصيب أكبر في ممارسـة السلطة. حيث كان يعبر عن آرائه بصراحة وعلنية حتى وإن كانت هذه الآراء تتعارض مع آراء السادات ، كان صادق بالإضافة الى ذلك شخصية محبوبة نتيجة اللمسات الاذسانيـة والخدمات التى يؤديها للكثيرين من الضباط والجنود كتحسين الرواتب والمعاشات وتوزيع الأوسمة ، وإيفاد بعضهم في رحلات ترفيهية إلى الخارج ، والإغداق على بعض المحيطين به بالأموال والامتيازات الخ. وان شخصية بهذه المواصفات لابد إنها تنازع رئيس الجمهورية سلطاته وتعارض الهدف الذي كان يعمل السـادات من اجله، والذي كان يرمي إلى أن يجعل من نفسه حاكما مطلقا لا ينازعه في السلطة أحد. وقد وجد السادات في احمد إسماعيل الصفات جميعها التى يبحث عنها في شخص يعينه وزيرا للحـربية وقائدا عاما للقوات المسلحة، وكان أهم هذه الصفات ما يلي:

§      كراهيته الشديدة لعبد الناصر : .........................

§      ولاؤه المطلق للسادات : ...............................

§      شخصيته الضعيفة : لقد كان لطرد أحمد إسماعيل من الخدمة في القوات المسلحة مرتين خلال عهد جمال عبد الناصر اثر كبير على أخلاقه، حـيث اصبح بعد ذلك يخشى المسئولية واتخـاذ القرارات، وأصبح يفضل أن يتلقى الأوامر وينفذها على أن يصدرها، وقد زاد في ترسيخ هذه الصفات الحادث الذي يتعلق بقيام العدو بسرقة محطة رادار كـاملة من منطقة البحر الأحمر في ديسمبر 69. ومع ان هذه الواقعة حدثت بعد عزله من منصب ر.ا.ح.ق.م.م بثلاثة اشهر، فإن أسمه كان قد ذكر في أثناء التحقيق في هذا الحـادث على أساس انه اتخذ قرارا نتج عنه إعطاء الفرصة للعدو لتنفيذ هذه العملية.

§      كان رجلا مريضا : لقد كان احمد إسماعيل رجلا مريضا وكان السادات يعلم ذلك. لقد مات أحمد إسماعيل بمرض السرطان في ديسمبر 74 في مستشفي ولنجتون في لندن، وقد سجل الأطباء في تقريرهم الطبي ان إصابته بهذا المرض لابد إنها كانت واضحة وظاهرة قبل ذلك بثلاث سنوات على الأقل. وفي إحدى خطب الرئيس عام 1977، اعترف بأنه كان يعلم بمرض احمد إسماعيل قبل و اثناء حرب اكتوبر 73، وان الأطباء أخطروه بأن حالته الصـحية لا تسمح له باتخاذ القرارات ، أن مثل هذا الموقف يجب ألا يمر دون مناقشـة جادة. إن الصحة هي هبة من الله يشكر أصحابها ربهم على ما آتاهم به من فضله وكرمه، ولا يجوز لأحد ان يتباهى بها على غيره من المرضى. ولكن هل يعني ذلك أن نكلف المريض بما لا يستطيع ولاسيما إذا كان خطؤه نتيجـة مرضه قد يعرض للخطر حياة الآخرين؟ إننا لكي نمنح رخصة قيادة سيارة خاصة لأحد الأفراد نقوم بإجراء الكشف الطبي عليه للتأكد من سلامة نظره وقدرته على قيـادة السيارة حتى لا تعرض حياة الآخرين الذين يسيرون على الطريق العام للخطر فكيف - والحال هكذا- نقوم بتعيين رجل مريض لا يستطيع ان يتخذ قرارا، قائدا عاما للقوات المسلحة؟! إن أي خطأ يرتكبه هذا الرجل لن يؤثر على حياة آلاف المواطنين فحسب بل انه قد يؤثر أيضا على تاريخ ومستقبل أمة! . إن اعتراف السادات بتعيين احمد إسماعيل قائدا عاما- وهو يعلم بمرضـه- يعتبر جريمة كبرى يرتكبها في حق الشعب والوطن لا لشيء إلا لكي يصون مصالحه الشخصية ونزعته الدكتاتورية.

§      كان شخصية غير محبوبة : ...................................

§      كان على خلافات مع رئيس أركان حرب القوات المسلحة : كان الخلاف بين احمد إسماعيل وبين سـعد الدين الشاذلي أيضا من الأسباب القوية التى تدعو السـادات إلى تعيينه وزيرا للحربية وقائدا عاما للقوات المسلحة. لقد كـان السادات يطبق مبدأ "فرق تسد" الذي مارسه الحكام الطغاة منذ فجر التاريخ.

ويقول الشاذلى : "ولهذه الأسباب كلها فاني اقرر أن تعيين احمد إسماعيل وزيرا للحربية وقائدا عاما كان قرارا خاطئا . كان قرارا لا يـخدم مصالح مصر بل يخدم مصالح السادات وطموحه فقط. لقد كان في استطاعتنا أن نحقق خلال حرب اكتوبر 73 نتائج أفضل بكثير مما حققناه في هذه الحرب لو ان هناك قائدا عاما اكثر قوة وأقوى شخصية من الفريق أحمد إسماعيل. لو تيسر هذا لكان في إمكاننا أن نكبح جماح الرئيس السادات ونرفض تدخله في الشؤون العسكرية البحتة. لو تيسر هذا لما كان في استطاعة العدو إحداث ثغرة الدفرسوار. ولو افترض وحدثت الثغرة لكان في استطاعتنا أن تقضي عليها فور وقوعها، لو تيسر قائد عام قوي يستطيع معارضة السادات لاستمر القتال طبقا للأسلوب الذي نريده وليس طبقا للأسلوب الذي يختاره العدو".

ثم يقول : " أني اشعر بالأسف وأنا أتكلم بمثل هذه الصراحة على رجل ميت ولكنه السادات هو الذي دفعني إلى ذلك. إنه يريد أن يخفي الحـقائق عن الشعب فيدعي ان سبب الثغرة هو أنني ضيعت ليلة كاملة لكي أشكل فيها قيادة أنافس بها غريمي احمد إسماعيل، وهو إدعاء باطل لا أساس له من الصحة. وبالإضافة الى ذلك فإن ما قلته هو حقائق وهو ملك التاريخ، تاريخ مصر وتاريخ العرب. وأنى أرجو الله تعالى ان تتعلم الأجيال المصرية والعربية القادمة من تلك الأخطاء التى ارتكبها أسلافهم ".

_______________

إضافات :

يقول الدكتور جورج جاوريش George W. Gawrych فى كتابه The 1973 Arab-Israel War : The Albatross of Decisive Victory  بالصفحة 25 ( نشره عام 1996 معهد القادة والدراسات العسكرية بالولايات المتحدة) : فى 3 أكتوبر 1973 سافر وزير الحربية المصرى أحمد إسماعيل إلى دمشق ، الذى يعمل قائدا عاما للقوات المسلحة المصرية والسورية ومعه اللواء بهاء الدين نوفل مساعده المسئول عن العمليات على الجبهتين المصرية والسورية لمراجعة كافة تفاصيل الإستعدادات وتحديد  وقت ساعة الصفر ، واتفق مع الجانب السورى أن تكون الساعة 1405 بعد أن كان السوريون يريدونها مع أول ضوء يوم 6 أكتوبر ، والمصريون يريدونها الساعة 1800 مع آخر ضوء ...  ومايعنينا هو : هل بعد عودة وزير الحربية المصرى إلى القاهرة وبدء المعركة ؟ كان مازال هو القائد العام للجبهتين المصرية والسورية ، أم أن هذا المنصب كان لمجرد التنسيق فقط بين الجيشين قبل الحرب ، وماهى علاقة اللواء نوفل المسئول عن العمليات على الجبهتين المصرية والسورية بالفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية واللواء محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة المصرية ، أم أن وظيفته اقتصرت على مجرد مساعدة وزير الحربية المصرى والقائد العام للجبهتين فى التنسيق بين الجبهتين فى أمور محددة قبل بدء الحرب فقط ، ولاعمل له بعد ذلك .. ؟!! 

ونذكر فيما يلى أسماء القادة العسكريين ومديرى الأسلحة التابعين لرئاسة الفريق سعد الدين الشاذلى Chief of Staff رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقت معركة أكتوبر 1973 :

  • اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس هيئة العمليات .

  • اللواء فؤاد نصار رئيس المخابرات‏ العسكرية .

  • لواء سعد مأمون قائد الجيش الثانى الميدانى (  أصابته صدمة قلبية بعد ثغرة الدفرسوار فحل محله اللواء عبد المنعم خليل قائد المنطقة المركزية ، الذى كان قائدا للجيش الثانى الميدانى أثناء حرب الإستنزاف) .

  • لواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميدانى .

  • اللواء مهندس محمد علي فهمي قائد قوات الدفاع الجوي .‏

  • اللواء حسني مبارك قائد القوات الجوية‏ (أصبح بالصدفة رئيسا لجمهورية مصر خلفا للسادات وخلعه الشعب عن منصبه بثورة 25 يناير 2011)

  • اللواء فؤاد ذكري قائد القوات البحرية‏ .

  • اللواء مهندس جمال محمد على مدير سلاح المهندسين .

  • عميد مهندس أحمد حمدى نائب مدير سلاح المهندسين (استشهد فى 7 أكتوبر ثانى أيام المعركة) .

  • اللواء محمد سعيد الماحى مدير سلاح المدفعية .

  • اللواء كمال حسن على مدير سلاح المدرعات .

____________

فهرست الموضوعات

الحلقة العاشرة

الحلقة السابقة