تمهيد : لاحظت باعتبارى مشرفا على قاعة القضايا السياسية بمنتدى أبناء مصر http://www.egyptsons.com/misr/  ، أن بعض الأعضاء قد تأثروا للأسف ببعض تيارات الغزو الفكرى الخبيث الذى يخدم مصالح الصهيونية العالمية ، التى تسعى إلى ترسيخ مفاهيمها وتبرير أهدافها بغرض الهيمنة على أقدار البشر فى منطقتنا العربية المنكسرة ، وذلك ببعض الدعاوى والإدعاءات المدسوسة بخبث وفساد نيه ، وتصويرها كأنها نصوصا مقدسة سماوية ومصيرية .. مما أدى إلى استسلام البعض لهذا الفكر والشطط فى مسايرته ، وإلى خلق مناخ فكرى متخاذل عند البعض ، يشيع فيه التشاؤم وضعف التواكل والإستسلام .. .. فوجدت نفسى لاأملك حق السكوت  ، فكان الموضوع التالى  الذى بدأت نشره على هيئة مشاركات فى منتدى أبناء مصر تحت عنوان " هذا بلاغ لبعض الناس " .. وكنتيجة لمداخلات الأعضاء ومطالبتهم بالإستمرار أكملت الموضوع بعد ذلك على هيئة حلقات .. ولم يكن هدفى رغم وعورة الموضوع هو سرد تاريخ اليهود .. ولكن الهدف الرئيسى كان هو التركيز على تطور أفكارهم وعقائدهم على مدى تاريخهم الطويل منذ نشأتهم كقوم "بنى إسرائيل" على أرض مصر .. وآمل أن يكون جهدى المتواضع مجرد شرارة على طريق الإستنارة ، فيتحدد إحساسنا بقيمتنا كعرب وكمسلمين ، ونتمكن من إعادة صياغة مستقبلنا بطريقة أفضل وسط تلك الفوضى وهذا التشرذم الذى أصابنا فأضعفنا ، فأعطينا بذلك الفرصة لأعدائنا وأعداء الله للتسلط علينا وفرض الهيمنة المرذولة  على نقاء عقيدتنا ونبل أعرافنا ورفعة تاريخنا .. وعلى الله التوفيق .

 ___________

 

          الحلقة الأولى :

هذا بلاغ للناس

 


وجدت نفسى لاأملك حق السكوت على شبهة خطيرة يمكن أن تضل بها نفوس البسطاء منا ، وتختل بها موازينهم ورؤيتهم لما يدور على أرض فلسطين وماحولها من دمار وموت يسكن الديار ، ويطارد الأبرياء والمسنين والأطفال فى نومهم وصحوهم .. .. بحجة ضد الله  يسوقها شيطان الصهاينة بأن هذا هو وعد الله الذى وعد به اليهود .... !!!

وأرجو أن لاندير ظهورنا فى غفلة لتاريخ الأرض التى نقف عليها ، جهلا بالتاريخ نفسه أو تغييبا متعمدا لنا عنه ، فنركض بعد ذلك وإلى الأبد مع الراكضين على طريق الندامة والضياع ، وخاصة بعد أن شاعت بيننا لعبة تزوير التاريخ وتزييفه لحساب صهاينة اليهود وحلفائهم ولحساب مصالحهم وأطماعهم فى المنطقة العربية  .  ونعلم فى شأن ذلك أن العدو الصهيونى لايكتفى بما ارتكبه ويرتكبه من مجازر وإبادة للشعب الفلسطينى وبالتهجير القسرى الكامل له من أرضه وتحويله إلى شعب من اللاجئين . كما لايكتفى هذا العدو الكريه بالعبث بالمفاهيم الواضحة النبيلة التى ورثناه عن آبائنا ، مثل مفهوم "المقاومة" للإحتلال ومفهوم "المقاومة" للإستعباد والظلم  و "المقاومة" لجرائم السطو والقهر وانتهاك الحرمات ، فيحيل هذا المفهوم النبيل بخبثه وجبروته وباستقوائه بالعصابة العالمية التى زرعته فى أرضنا إلى مفهوم ومصطلح آخر هو "الإرهاب" ليبرر به مايرتكبه من مذابح وجرائم فى حق الإنسانية  وفى حق المقاومين لشيطانه ومذابحه وجرائمه التى لاتتوقف عند حد . وهو عدو قبيح قبح الشيطان نفسه ، لم يترك لنا فرصة لقبوله ، ولم يترك لنا فرصة واحدة للكف عن كرهه وبغضه ، حيث لم يكتفى بالمجازر وسفك دماء الأبرياء وطردهم خارج تاريخهم ، ولم يكتفى بالعبث بمفاهيمنا النبيلة الواضحة ، بل بدأ أيضا ومنذ وقت مبكر بسرقة تاريخ الأرض من أصحابها تمهيدا لسرقة الأرض نفسها ، فسرق تاريخ فلسطين وتاريخ شعب فلسطين باعتباره تاريخا إسرائيليا فى زعمه الباطل ، ووصل الآن إلى آخر مراحل سطوه على التاريخ بعد هيمنته الشيطانية على ماتبقى من أرض فلسطين وإعلانها بالكامل أرضا ودولة عنصرية ليهود العالم ... وهو بهذا الشكل قد اختزل  أربعين قرنا كاملة من تاريخ فلسطين القديمة (كنعان) اختزالا غبيا وباطلا ومفضوحا فى أربعة قرون أو خمسة على الأكثر من أحداث هذا التاريخ ، أوقف فيهم التاريخ كله لحسابه عاريا من كل منطق ، وفاقدا لكل دليل وشاهد ، ليصطنع لنفسه ومن أوهامه تاريخا مفتعلا لنفسه .. فإن كان خروج موسى عليه السلام من مصر ومعه أسباط بنى إسرائيل  هو بداية التاريخ الإسرائيلى (وليس اليهودى أو العبرى) كما يدعون ، فإن غزو أسباط بنى إسرائيل واحتلالهم لأرض كنعان (فلسطين) بعد ذلك ينفى تماما إمكانية وجود أى علاقة تاريخية سابقة بين بنى إسرائيل وتلك الأرض قبل توقيت هذا الخروج وهذا الغزو ، أى أنه كان غزوا واحتلالا لأرض لم تكن أرضا ووطنا لبنى إسرائيل من قبل ، وكان احتلالا إسرائيليا عارضا ومؤقتا لأرض كنعان (فلسطين) سرعان أن انتهى بطردهم منها على يد من هم أعتى وأكثر تجبرا منهم فتشتتوا بما يسمى تاريخيا بالشتات البابلى ، ثم تشتتوا بعد ذلك فى أنحاء الأرض من شتات إلى شتات آخر وآخر ... إلى أن يؤول بإذن الله مصيرهم فى النهاية إلى شتات أبدى بقوة إيمان أصحاب الحق بحقهم وبقوة انتمائهم واعتزازهم بتاريخهم وتاريخ أرضهم .  كما أنه من العبث  وفساد العقل وغياب الوعى أن نقول أيضا بما يقوله صهاينة هذا الزمن العجيب بأن التاريخ اليهودى يبدأ مع إبراهيم عليه السلام (أبو الأنبياء) ومع زعماء القبائل التى صاحبته وجاءت معه من بلاد النهرين (العراق) وتجولت بلا هدف إلى أن استقر بعضها فى أنحاء كنعان ، وانتهى تجوال البعض الآخر واستقراره بأرض بمصر . حيث لم تكن التسمية  بلفظ "بنى إسرائيل" معروفة أو موجودة أصلا فى زمن إبراهيم عليه السلام ولم يكن يعقوب (إسرائيل) قد وُلِد بعد ، كما لم تكن التسمية بلفظ "اليهود" معروفة بعد ذلك فى زمن موسى عليه السلام (من نسل يعقوب) أو بعده بكثير ، وسوف نتحدث عن نشأة تلك التسميات فيما بعد .

وعندما يركز الإنسان همه ليتصيد من هنا وهناك نصا قرآنيا كريما ، ويسعى جاهدا لعرضه مبتورا عن سياقه العام ، ومنفصلا عن دلالته ، ويعدل فى هذا الشأن عن ظاهر النص القرآنى وأصل معناه وحكمته ، بغية الوصول إلى مايرضاه اتفاقا مع الفكر الصهيونى الخبيث بطريقة غير مباشرة ، فإنه بذلك يدس – بقصد أو دون قصد – سما وشحنة قذرة مرفوضة من الإسرائيليات على الفهم القرآنى الصحيح .. ويصبح عندئذ لنا وقفة لابد منها .

---------

وعندما بدأ صاحبى (كمال عوض) مشاركته (المشاركة رقم 9)  فى موضوع تم طرحه بعنوان  "العداء للسامية ومحاكم التفتيش"  بتاريخ 19/10/2004  بقاعة السياسة منذ أيام بسؤاله :

أرض الميعاد .. هل هى وعد الله .. أم .. وعد بلفور ؟!! .



ماذا فعل بعد سؤاله هذا ؟ .. بدأ يحكى لنا حكاية سيدنا يعقوب وأبنائه وأحفاده فى مصر إلى سيدنا موسى عليه السلام .. ثم اختار نصوصا من التنزيل الحكيم ليدعم حكايته كما يريدها هو ، فاستشهد بالآية الكريمة " ولما توجه تلقاء مدين قال عسى أن يهدينى الله سواء السبيل " (القصص /22) ، ليثبت بأن موسى توجه إلى مدين التى بها أهله عندما فر هاربا بعد أن قتل رجلا من المصريين ، واعتمد صاحبنا فى ذلك كما قال على تفسير الطبرى ، فخلط بذلك بين الطبرى والقرطبى ، لأن القرطبى هو الذى انفرد بالقول أن موسى ذهب نحو مدين للنسب بينه وبينهم ، لأن مدين من ولد إبراهيم ، وموسى من ولد يعقوب ابن إسحق ابن إبراهيم .. والأصوب طبقا للسياق القرآنى هو ماجاء فى تفسير ابن كثير لعبارة "توجه تلقاء نفسه " قوله أن موسى أخذ طريقا سهلا فرح به ، ذلك لأن موسى عندما فر هاربا من القصاص ، هرب وحده دون رفيق يؤنسه ، وكان خائفا مذعورا من عين الرقباء بعد قتله للمصرى ، إلى أن هداه الله إلى "مدين" ، وعندما وصل إليها لم يكن يعرف أحدا بها ، إلى أن وجد حشدا من الناس قد تزاحموا على مورد ماء ، ورأى امرأتين فساعدهما على سقى أغنامهما .. ويقول الشيخ محمد جاد المولى فى كتابه " قصص القرآن " : لقد كان موسى شريدا فى بلاد مدين ، ووحيدا وطريدا ، نائيا عن الأهل ، قصيا عن الأخلاء ، بما يعنى أن موسى عليه السلام لم يكن له نسب أو أهل بمدين ، إلى أن تزوج إحدى الإمرأتين .. فلماذا يركز صاحبنا على أحد التفسيرات المعلولة ليؤكد لنا أن موسى عندما هرب خطط لهروبه مكانا يسكن فيه أهله ونسبه .. !! .

ثم بدأ صاحبنا يكمل حكايته بقوله : عندما طارد فرعون موسى ومن آمن معه ، قال : أن موسى انطلق بقومه بنى إسرائيل هاربا من مصر قاصدا فلسطين ، فحدد بذلك أرض "فلسطين" كوعد من الله لموسى وقومه .. رغم أن كلمة "فلسطين" لم ترد بأى من آيات الله فى التنزيل الحكيم ، وأن خروج بنى إسرائيل من مصر هربا من فرعون كان لـ " الأرض المقدسة " واختلف العلماء فى تحديد مكان تلك الأرض ، منهم من قال أن وصف الله للأرض بالمقدسة يعنى بذلك أنها أرض مطهرة مباركة ، أى مطهرة من القحط والجوع ونحوه ، ومباركة بخيرات الله ونعمه . ومنهم من قال أنها الطور بسيناء ، ومنهم من قال أنها الشام على اتساعها ، وانفرد ابن كثير بأنها بيت المقدس . وحتى لو افترضنا جدلا بأن الأرض هى أرض فلسطين وهى الأرض المقدسة التى كانوا مقدمين عليها ، ومكتوبة لهم بوعد الله : "ياقوم أدخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ولاترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " (المائدة-21) . فلا نفهم منها سوى أن ذلك مرتبط بوعد من الله فى زمن مضى لقوم فى ظروف محددة ، ومعاصرة لحدث هروبهم من فرعون مصر ورجاله . كما أن الآية الكريمة والآيات التى تليها تعنى أن بنى إسرائيل يريدون الأرض نصرا رخيصا لاثمن له ، نصرا مريحا يتنزل عليهم تنزل المن والسلوى .. ويوضح هذا المعنى الآيات 24 ،25 ، 26 من نفس السورة : "قالوا ياموسى إنا لن ندخلها أبدا ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، قال رب إنى لاأملك إلا نفسى وأخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ، قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون فى الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين " . هنا نفهم أن موسى أطلق على قومه صفة الفسق ، فقضى الله بالجزاء العدل على الفاسقين ، وهو أن أسلمهم للتيه أربعين عاما ، كما نفهم أيضا أن الله لايميز خلقا عن خلق ولايختار شعبا دون شعب إلا على أساس تقواهم ، تصديقا لقوله تعالى : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ، وتصديقا لما قاله رسوله الخاتم " خيركم عند الله أتقاكم " . كما أن تلك الآيات تعطينا درسا يجب أن يعيه كل مسلم هو : أنه لانصر مع وقاحة العاجز الجبان ، التى لاتكلفه وقاحة اللسان سوى مد اللسان .

أقول قبل أن أختم كلماتى ، أننا كمسلمين يجب أن نستوعب الحكمة من وراء قصص القرآن الكريم ، فالقصة فى القرآن لايقصد بها سرد أحداث وأخبار بترتيبها وتتابعها ، أو أنها تسجيلا تاريخيا لفترة زمنية معينة ، إنما يقصد منها الحكمة المنشودة من ورائها ، نقرؤها فى قوله تعالى " لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب "(يوسف-111) . يقول الشيخ محمد الغزالى رحمه الله : إن روح القصص القرآنى هو احتواؤها على جملة من سنن الله الكونية متمثلة فى قيام الأمم وفنائها ، وليس الغرض هو استقراء الوقائع ، ولاتحديد الأزمان ، ولاتناول الظروف والملابسات ، ولا التسجيل المجرد للحوادث والأشخاص ، ولا البحث التاريخى الإصطلاحى بمعناه الفنى ، وإنما الغرض منها هو الهداية والعظة والعبرة ، وتقرير قواعد هذه الهداية فى النفوس               ...
إن لجوء زعماء الصهاينة فى العالم لترسيخ مفهوم احتلال اليهود لفلسطين وإذلال العرب وكسر إرادتهم ، على أن ذلك يتم بناءا على وعد من الله لهم ، تمهيدا لعودة المسيح ، هو استهزاء بعقول العقلاء من المسيحيين واليهود أنفسهم ، ومحض خديعة وافتراء على الله لمجرد شحذ همم البسطاء والأغبياء وحشد عزائمهم لتحقيق مصالح ونفوذ الصهيونية العالمية . كما أنه تخدير لبعض أغبياء الناس من مسلمى هذا الزمن للتسليم الأعمى بأن ذلك هى إرادة الله فى الأرض وليست هى إرادة الصهاينة ، وتتحقق بذلك
أهداف الخبثاء وأصحاب المصلحة .

أرجو ممن يتعرض لتفسير نص من نصوص القصص القرآنى ، أن لايتجاهل جوهره وحكمته ، وأن لايفسره طبقا لأهوائه ، فيتفق بقصد أودون قصد مع الإسرائيليات ومع ماتخططه الصهيونية بخبث لدمار العرب والمسلمين .. فقد جاهد علماؤنا طويلا لتحرير فهمنا من العناصر الإسرائيلية التى دسها اليهود علينا ، فعجز اليهود أن يحرفوا كتاب الله كما حرفوا توراتهم وأسفارهم .

الصهيونية ياصاحبى هى أولا وأخيرا حركة تزعمها تيودور هرتزل الذى دعى فى أخريات القرن 19 إلى أول مؤتمر صهيونى عقد فى بال بسويسرا ، ثم جاء وعد بلفور 1917 الذى سمح لليهود بتكوين وطن لهم فى فلسطين ، ولم يكن وعد بلفور تنفيذا لوعد من الله ، فقد نَفَذ وعد الله وانقضى بعد عقابه للفاسقين من بنى إسرائيل بالتيه أربعين عاما فى سيناء ، فوصل موسى بعد ذلك بمن تبقى من غير الجبناء من قومه إلى شاطئ نهر الأردن حيث توفاه الله قبل أن يعبر النهر إلى أرض فلسطين ، فأكمل شاؤول وسيدنا داود مسيرته وانتصرا على الجبارين (شعب فلسطين ) . ويعد سيدنا داود من أعظم الأبطال القوميين عند اليهود حيث أسس مملكة إسرائيل واتخذ أورشليم (القدس) عاصمة لحكمه (1012-972 ق.م.) ، واحتفظت سلالته بالحكم حتى عام 586 ق.م. أى 426 عاما ، إلى أن سقطت أورشليم عام 585 ق.م. ، وسيق آلاف اليهود بعد سقوطها أسرى إلى أرض الرافدين (العراق) بما يسمى فى التاريخ القديم بالأسر البابلى ، وانتهت مملكة إسرائيل للأبد بإذن الله .. أما الحديث عن وعد الله لهم فى القرآن الكريم ، فقد كان وعدا فى زمن قد تولى وظروف قد تولت وانتهت ،، ولقوم لاوجود لهم بعد سقوط مملكة إسرائيل القديمة .. وليس هو بالوعد الممتد إلى أبد الآبدين .. وأقول أنه حتى أصحاب الأقل القليل من الفهم لو افترضوا جدلا أن وعد الله ممتدا إلى زمننا الحالى ، فلن يكون لغير المؤمنين بدينه ، والإسلام هو دين الله لقوله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا " (المائدة-3) . ولولا غفلة العرب وتفرق كلمتهم لذهبت ريح الصهيونية ، وسُحقت دولتهم المزعومة ..

وأرجو فى هذا المقام – رحمة ببسطاء الناس فينا – عدم دس الفكر الصهيونى الخبيث عن غفلة أو سوء نية ، أو عن استسلام مشين ومخز لمنطق طغاة العصر وجبابرته بجبروت أسلحة دمارهم للنفوس والذمم والديار ، أو استسلاما مخزيا منهم لوعد بجنة مزعومة على تلال من الخراب وجماجم الأطفال والنساء .

" قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا"
(الإسراء – 84)
صدق الله العظيم

 

 وأقول أن الكيان الصهيونى أصبح أمرا واقعا للأسف نتيجة تفككنا وتفرق كلمتنا وضعفنا ، ونتيجة لتخاذل حكامنا وضعفهم أمام الصهاينة وهرولتهم القبيحة إلى حظيرتهم  مقابل جبروتهم وتسلطهم علينا وعلى أقدارنا وأقدار المنطقة العربية . ولاأملك للأسف سوى الكلمة أسعى بها إلى إيقاظ الوعى والضمير أملا فى صحوة قوية قادمة بإذن الله .. وعلينا أن نؤكد دائما أن موضوع وعد الله الذى يقول به الصهاينة بعد أن كان فى أساسه وعدا من بلفور عام 1917 ماهو إلا خرافة اصطنعها مضللى هذا العالم من  اليهود الصهاينة ، ويريد بعض المنافقين ترويج هذا القول المضلل بيننا لحسابهم وحساب أطماعهم ، وإشاعته بين البسطاء تضليلا لوعيهم وإفسادا لإيمانهم بحقهم وتزيينا للباطل فى أفهامهم وضمائرهم .

____
 

بعد أن خرج سيدنا موسى عليه السلام مع قومه من مصر حوالى عام 1300 ق.م. هربا من اضطهاد فرعون الذى استعبدهم وأذلهم انتقاما منهم لتعاونهم فى خيانة واضحة مع الهكسوس غزاة مصر كما يقول بذلك المؤرخ المعروف الدكتور جمال حمدان .. ونعلم إن الخيانة ليست أمرا مستبعدا بالنسبة لهم ، فقد اتهمهم موسى عليه السلام نفسه بأنهم قوم فاسقون وعاقبهم الله على فسقهم بالتيه أربعين عاما بصحراء سيناء . وقد ذكرت أسفار اليهود أن قوة هذا الخروج كان 600 ألف نسمة ، ولولا تأييد الله ووعده لسيدنا موسى وجرأة وشجاعة سيدنا داود من بعده لما استطاعوا أن يتغلبوا على العمالقة بفلسطين ويؤسسون مملكة اسرائيل على أرض فلسطين .. ويقول الدكتور جمال حمدان أن إقامة اليهود المتصلة فى فلسطين لم تزد فى ذلك الوقت عن ستة قرون ، ويقول آخرون أنها تراوحت بين 450 سنة إلى 500 سنة .


وإذا عدنا إلى سيدنا يعقوب "إسرائيل" ، الذى هاجر هو وأولاده وأحفاده (70 شخصا) إلى مصر بسبب القحط المشهور ، واستضافهم فرعون مصر فى ذلك الوقت إكراما لسيدنا يوسف , وإكراما لحكمته فى تفسير الأحلام ، وفيها استقروا بأرض جاشان Land of Goshen ( وادى الطليمات والشرقية بالخريطة الموضحة بعد ) نحوا من 350 سنة إلى 400 سنة أو يزيد ، إلى أن خرج بهم منها موسى (من الجيل السابع بعد سيدنا إبراهيم) ، كما يقول المؤرخ المعروف جمال حمدان ، وكان عددهم 600 ألف نسمة كما تقول أسفارهم .. فى حين يقول بعض المؤرخين اليهود أن موسى وبنى إسرائيل خرجوا من مصر بعد 405 سنة من الإقامة المستمرة بهم .


وبنفس المنطق الصهيونى ، وحيث أنهم أقاموا بمصر إقامة مستمرة حوالى 400 سنة كما أقاموا على أرض فلسطين حوالى 500 سنة فى الماضى القديم ، فقد علقوا خريطة بالكنيست الإسرائيلى تشمل سيناء وجزء من دلتا مصر (أرض جاشان بأسفار اليهود) كجزء من الأرض التى يزعمون أن الله وعدهم بها كشعب مختار ..!! . كما نعلم جيدا من واقع أحوال هذا الزمن الكئيب أن اتجاه الصهاينة فى المستقبل القريب وبمساعدة البيت الأسود الأمريكى هو إعادة تشكيل الخريطة السياسية للأرض العربية (الشرق الأوسط الجديد)  بما يتفق مع مصالحهم على أساس أن مايقرره القانون الدولى هو أن ترك أى شعب لوطنه آلافا سحيقة من السنين نتيجة للغزوات والهجرات وتوزيعات الماضى الغابر ، لايمكن أن تحرمه كل حق فى المطالبة بالعودة إليه .. !! . ويصبح مقتضى مايدعيه الصهاينة اليهود والأمريكان هو أن ننتظر بعد أن يفرغوا من سوريا ولبنان (أرض كنعان) والعراق ، أن يبدأوا المطالبة بأرض الدلتا وسيناء (أرض جاشان) .. ونحن لانبالى مستغرقين فى النوم والغفلة ، والأكثر من ذلك أن نجد البعض الأكثر غفلة والمنافقين الخائنين ، يروجون بخبث لمعتقداتهم بقصد أو دون قصد ، وهذه كارثة الكوارث ، التى يجب أن لانسكت عليها ونكرر بقوة بلاغنا للناس ، أن يفيقوا من غفلتهم وأن يتوقفوا عن ترويج تلك الغفلة العفنة وإشاعتها بضلالهم وخبثهم .

 

 

 

يقول المؤرخ جمال حمدان : لابد لنا من وقفة سريعة عند تسمية - أو بالأحرى عند تسميات-اليهود ... ثم يقول ثمة تسميات مترادفات : بنى إسرائيل ، والعبريون ، واليهود .. ولكنى أقول أن تلك التسميات جميعها تخلو من أى ترادف ، فترادف الكلمات يعنى اختلافها فى اللفظ فقط واتحادها فى معنى واحد . وأرى أن التسميات السابقة ليست متحدة فى الأصل أو المعنى ، وهذا الرأى تؤكده أيضا كتب اليهود وأسفارهم التى كتبوها بأيديهم .. وعلى الرغم من أن العبرانيين هم أصل بنى إسرائيل ولكن ليس كل العبرانيين بنى إسرائيل ، كما أن ليس كل يهود اليوم من قوم موسى ، فإنهم جميعا ليسوا شيئا واحدا أو جنسا واحدا .. وإلا قلنا أيضا وبنفس المنطق أن الأفارقة والآسيويين والأوروبيين والأمريكيين وغيرهم هم جميعا شيئا واحدا ، لأن جميعهم من آدم عليه السلام وآدم من تراب . وسوف نعود لهذا الموضوع فى حلقة أخرى .

 

فما هو أصل تلك التسميات التى ذكرناها ، ولماذا كان لفظ "اليهود" هوآخر تسمية تطلق على هؤلاء القوم ،ولماذا كانت "اليهودية" هى آخر تسمية تطلق على دين هؤلاء القوم ، وكيف نشأت فى الأساس التسمية باليهود واليهودية .. حيث لم تكن تلك التسمية موجودة فى زمن موسى وقومه بنى إسرائيل ، ولم تكن موجودة كذلك أيام ملوك إسرائيل شاؤول وداود وسليمان عليهم السلام ، إلى أن حدث الأسر البابلى الشهير بعد هدم هيكل سليمان عام 586 ق.م .

 

وماذا حدث من تطورات فى تاريخ اليهود الحديث ، وخاصة عندما ظهر تياران متعارضان مع نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر بعد الميلاد . يدعو أولهما إلى رسالة ثقافية دينية ، فكان ضربا من الإصلاح الدينى تزعمه موسى مندلسون ، وأخذ به كثير من يهود ألمانيا وأمريكا .... أما التيار الثانى فكان يدعو إلى رسالة سياسية وهى الصهيونية ، وكان على رأسه تيودور هرتزل 1896 م ، وكان لظهور النازية أثر كبير فى تعزيز هذا التيار .. وكان هناك التيار التقليدى وهو تيار اليهود الأرثوذكس الذى يعارض التيار الأول ، وتشتد معارضته للتيار الثانى فى كل دعاويه يالنسبة للصهيونية وخاصة فى إنشاء دولة إسرائيل والعنصرية السامية المصطنعة . وكيف أصبح المسمى الجديد للصهيونية هو المسيحية الصهيونيةو Christian Zionism ،كيف اجتمعت كلمة المسيحية وكلمة الصهيونية فى عبارة واحدة . ثم كيف  سيطرت المسيحية الصهيونية - كتيار سياسى جديد للصهيونية – على البيت الأسود الأمريكى ، وسيطرت على كل توجهاته وقرارته السياسية ، إلى الدرجة التى يرغم بها رئيس هذا البيت شعوب العالم على تصديق أكاذيبه التى يروجها ، أوالإستسلام لأكاذيبه قهرا وضعفا . وأسباب غزو العراق التى اصطنعها بوش هى خير مثال لذلك ، ودعمه المستمر لإسرائيل فى إبادة شعب فلسطين وطرده من وطنه هو مثال آخر ، ثم الإستغباء القاهر لكل عقلاء وأحرار العالم حين وقّع على مشروع قانون فى 18 أكتوبر الماضى من العام الحالى بإسم "مشروع قانون معاداة السامية" .. لتبرير الدعم الكامل لدولة إسرائيل دون أى تدبر أو اعتبار للأعراف والقوانين الدولية ، بعد أن اختزل بجبروت آلة دماره وبالحرب الأمريكية ، وشوه وضلل بغبائه  المتعمد مفهوم السامية فحصرها فى يهود إسرائيل ومن تبعهم .

 

من الطبيعى أن تختلف لغة الخطاب فى المسائل والتسميات السابقة .. فحين يخاطب المسلمون المسلمين فى شأنها فسوف يكون القرآن الكريم هو صوت الحق الذى نستشهد به ، والذى اختصه الله بالحفظ والخلود ، وحصّنه من التحريف ، فأصبح حقيقة تغالب الفناء وتغلبه . وحين يخاطب المسلمون يهود اليوم أو من والاهم ، فسوف يختلف سردنا للأحداث وتفسيرها ، بحيث نؤسسها على ماورد بكتبهم وأسفارهم حتى ولو عارض السرد فى بعض دقائقه ماجاء فى القرآن الكريم ، وسوف نحاول اقتناص الحقيقة من بين تناقضاتهم الكثيرة ، وتخبطاتهم التى تأسست على الوهم وتزييف التاريخ واصطناع الأحداث لتحقيق مصالحهم المادية والدنيوية ، التى لاعلاقة لها بأى دين أو رسالة سماوية ، كما لاتخفى ضلالاتهم على أى عاقل حتى ولو حاول استغباؤه طواغيت البيت الأسود وأتباعهم .


حين نخاطب المسلمين نقول .. قال الله تعالى : " فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله .... " )البقرة 79) .


يقول ابن كثير : قوله تعالى "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم" ثم يقولون "هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا" الآية. هؤلاء صنف من اليهود وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله وأكل أموال الناس بالباطل ، وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون" قال "الويل جبل في النار" وهو الذي أنزل في اليهود لأنهم حرفوا التوراة زادوا فيها ما أحبوا ومحوا منها ما يكرهون .

 

ونقول ... قال الله تعالى : "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه .. " النساء46 "

يقول ابن كثير : يحرفون الكلم عن مواضعه أي يتأولونه على غير تأويله ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل قصدا منهم وافتراء


ونقول بالنسبة إلى بائعى الوهم من اليهود وادعائهم بأنهم شعب الله المختار ... قال الله تعالى :

" وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" (المائدة 18)                                               .
 والقول (الطبرى) في تأويل قوله تعالى: "بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء" .. يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ليس الأمر كما زعمتم أنكم أبناء الله وأحباؤه بل أنتم بشر ممن خلق, يقول: خلق من بني آدم, خلقكم الله مثل سائر بني آدم, إن أحسنتم جوزيتم بإحسانكم كما سائر بني آدم مجزيون بإحسانهم, وإن أسأتم جوزيتم بإساءتكم كما غيركم مجزي بها, ليس لكم عند الله إلا ما لغيركم من خلقه, فإنه يغفر لمن يشاء من أهل الإيمان به ذنوبه, فيصفح عنه بفضله, ويسترها عليه برحمته, فلا يعاقبه بها.


وورد فى صحيح البخارى           :

حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَكِتَابُكُمْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْدَثُ الْأَخْبَارِ بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ لَمْ يُشَبْ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ وَغَيَّرُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَابَ فَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ وَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا قَطُّ يَسْأَلُكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ
عَلَيْكُمْ .


وَقَوْله : ( لَمْ يُشَبْ ) بِضَمِّ أَوَّله وَفَتْح الْمُعْجَمَة بَعْدهَا مُوَحَّدَة أَيْ لَمْ يُخْلَط ..


وللحديث بقية فى أصل التسميات التى ذكرناها ، وكيف ضاع أصل وحى الله إلى نبيه موسى .. وقد اعترف اليهود أنفسهم بذلك إلى درجة عدم قدرتهم على تحديد اللغة التى نزل بها الوحى على سيدنا موسى فى سيناء .

 

عاطف هلال فى 25/10/2004

 

 ______

 

فهرست  الموضوعات

 

الحلقة الثانية