مشروعى توشكى وترعة السلام

وقضية المياه وحق مصر التاريخى

 

 

مقدمة :

وصل تعداد مصر لأكثر من من 60 مليون نسمة يسكنون فى مساحة تمثل 5% فقط من مساحة مصر الكلية ، ويعلم الجميع أن مصر تواجه حاليا أزمة لإشباع حاجات السكان الغذائية ، وسوف تتفاقم هذه الأزمة مع الأيام إن لم تبدأ الدولة فورا فى إيجاد حل حاسم وسريع لتلك المشكلة . وتخطط الدولة حاليا لتنفيذ مشروعات كبيرة لتوفير المياه واستزراع أراضى جديدة ، منها مشروع توشكى ومشروع ترعة السلام .

ومن المعروف أنه قد تكونت بحيرات طبيعية فى منطقة جنوب غرب الصحراء الغربية بالمنطقة التى تسمى توشكا ، وذلك بفعل فيضانات بحيرة ناصر .وأول بحيرة تكونت نشأت عام 1998 بمنخفض توشكا غرب بحيرة ناصر وغطت مساحة قدرها 40 كم مربع ، وفى عام 2000 تكونت ثلاث بحيرات أخرى عبر الأراضى المنخفضة بمساحة قدرها 750 كم مربع ، وتكونت بحيرة خامسة بنفس الطريقة فى اتجاه شمال غرب بحيرة ناصر . ويبلغ إجمالى مسطحات البحيرات الخمسة المتكونة بفعل فيضانات بحيرة ناصر حوالى 1300 كم مربع ، تمثل حوالى 20% من مساحة بحيرة ناصر عند أقصى امتلاء لها (أنظر الشكل أدناه) .

 

 

The Aswan High Dam, constructed in Egypt in 1964-1968, created Lake Nasser, with a maximum water level of 183 m above Sea Level. In 1978 Egypt began building the Sadat Canal NW from Lake Nasser through Wadi Toshka to allow water levels higher than 178 m to be drained off into a depression at the south end of the Eocene Limestone plateau. In the late 1990s, water began flowing through the Sadat Canal into the Western Desert.

 

The outlet from Lake Nasser was created in 1978, named Sadat Canal, but the surface of Lake Nasser didn't reach it before nearly 20 years later.

The first lake was formed in 1998, and in 2000 water had filled this basin, and 3 more lakes have since then been formed. One of them is small, the other three about the same size.

The first lake lies at 172 metres above sea level, the lowest at 147 metres. A fifth lake has been established at 144 metres but is since 2001 dried up. The lakes contain about 80 billion cubic metres of water. The total surface of the lakes are about 1,150 km².

The lakes are intended to become part of a new water way, arriving at the oases of Paris and Kharga.

At the moment no infrastructure, like roads, has been established for anything more than along the wadi from Lake Nasser to the first lake.


Source : Wikipedia the free Encyclopedia and Looklex Encyclopedia

 

المميزات الجغرافية لموقع توشكى (المصدر – وزارة الرى والموارد المائية)

تقع منطقة جنوب الوادى فى الصحراء الغربية وهذه الصحراء تتضمن مجموعة منخفضات على خط موازى تقريباً لنهر النيل ويبعد عنة مابين 50 إلى 200 كم ومنخفض جنوب الوادى يعتبر امتدادا طبيعيا لمنخفض الواحات الخارجة ويمتد جنوباً حتى وديان ومنخفضات توشكى جنوب أسوان بحوالى 250 كم وتبلغ مساحة منخفض جنوب الوادى حوالى 8 مليون فدان وإلى الغرب منة درب الأربعين الذى يصل السودان بمصر عبر الواحات الخارجة .

 

مشروع توشكى من منظور إستراتيجى (المصدر – وزارة الرى والموارد المائية)

بالإضافة إلى موارد وإمكانيات التنمية والإستثمار فى هذه المناطق الواعدة فان للجنوب بعداً إستراتيجياً يجب العمل على تنميتة وتلك قضية ترتبط بمستقبل الأمن القومى المصرى لاسيما وأن جنوب الوادى يحتوى على ثروات طبيعية فى باطن الأرض لا يجب إهمالها ، كذالك فإن وقوع المشروع فى مناطق شاسعة من جنوب وغرب جمهورية مصر العربية يمثل دعما لأهداف التنمية الإستراتيجية نظراً لما يستتبع المشروع من تكثيف النشاط السكانى والتنموى والخدمات والتواصل مع دول الجوار واهمها السودان وليبيا .

 

وتقول بيانات وزارة الرى والموارد المائية ، أن المشروع يهدف إلى إصلاح مساحات كبيرة من الأراضى التى تقع جنوب غرب الصحراء ، وذلك باستخدام مياه النيل التى تضيع وتتبدد من مياه بحيرة ناصر .. ولكن هذه المياه التى كونت خمس بحيرات طبيعية كما أوضحنا من قبل تكونت بفضل الفيضانات الزائدة ، ولقد امتاز القرن الماضى بفضل الله بخلوه من أعوام غيض أو قحط فأفاض النيل على مصر بخيراته ، بالإضافة إلى أن إثيوبيا ودول أعالى النيل فى الهضبة الإستوائية حتى نهاية القرن الماضى لم يكن لديهم أى مشروعات لزيادة حصتهم من مياه النيل ببناء السدود بغرض استصلاح الأراضى وتوليد الكهرباء ، وكانوا يعتمدون على مياه الأمطار الوفيرة فى زراعاتهم .. ولذلك كان ينساب الماء لمصر دون قيود .. هذا برغم أن هناك اتفاقية بين مصر والسودان عام 1959 بتقييد حصة مصر من مياه النيل بكمية مقدارها 55.5 مليار متر مكعب. وإذا كان حد الفقر المائى يقاس بمقدار 1000 متر مكعب سنويا كمتوسط لنصيب الفرد من المياه العذبة والمتجددة ، وإذا كان إجمالى موارد مصر من مياه النيل والمياه الجوفية ومن الأمطار والسيول ومن تحلية مياه البحار هو 62.45 مليار متر مكعب، وتعداد مصر المقدر عام 2000 هو 68.5 مليون نسمة ، إذن يكون متوسط نصيب الفرد فى مصر من المياه العذبة والمتجددة يكون 912 متر مكعب ، أى أن مصر بدأت تعيش تحت خط الفقر بالنسبة للمياه . وعلى أى حال نبدأ فى قراءة ماتقوله وزارة الرى والموارد المائية عن مشروع توشكى فيما يلى :

مكونات المشروع

 

محطة الطلمبات الرئيسية

صممت المحطة بحيث يكون أقصى رفع إستاتيكى لها حوالى 52.5 متر مع ضمان إستمرارية تشغيلها عندما ينخفض منسوب المياه ببحيرة ناصر إلى أدنى حد للتخزين الحى وهو 147.5 متر ومنسوب المياه بالقناة الرئيسية هو 200 متر فوق منسوب سطح البحر ويقدر التصرف التصميمى الأقصى لمحطة الرفع بمقدار 300 متر مكعب/ثانية (25 مليون متر مكعب/يوم)  ويمكن زيادتها إذا إقتضى الأمر فى المستقبل من خلال الوحدات الثلاث المأخوذة فى إعتبارات الإنشاء والمبانى السكنية للعاملين بالمحطة التى تسع 900  عامل وفنى ومزودة بكافة خدمات الأضاءة والصحة والثقافة ، وتبلغ التكاليف الإجمالية لإنشاء المحطة 1480 مليون جنية مصرى منها ما يعادل 258 مليون دولار أمريكى للأعمال والمعدات الأجنبية الصنع و (602) مليون جنية مصرى للأعمال المحلية .

 

قناة مأخد المحطة

وقد تم تحديد قناة المأخذ والتى ستمتد من حوض المحطة حتى داخل البحيرة حيث يتوافر أعماق مياه كافية وقريبة من خط الشاطىء. وطول القناة من بحيرة ناصر إلى حوض محطة الطلبات 4 كم .

 

محطة المحولات وخطوط نقل وتوزيع الكهرباء

وقامت بتنفيذها وزارة الكهرباء وتبلغ قدرة المحطة 300 ميجا وات/ساعة وخطوط النقل والتوزيع بطول 280 بتكلفة 300 مليون جنية منها 20 مليون دولار نقد أجنبى . مقدر منها 288 ميجاوات لمحطة الطلمبات فقط .

 

قناة الشيخ زايد

صممت محطة الطلمبات الرئيسية بحيث تسمح بتغذية القناة الرئيسية الناقلة للمياه (قناة الشيخ زايد) بصفة مستمرة بغض النظر عن مستوى المياه فى البحيرة . وقد تم تخطيط القناة الرئيسية بحيث تتغذى منها عدة فروع وتشمل مكونات البنية الأساسية لها العناصر الآتية : القناة الرئيسية وطولها حوالى 50.8 كم وتشمل الأعمال الترابية والتبطين والأعمال الصناعية والطرق والجسور وأعمال التشجير وخلافه ، وقد صمم قطاع القناة الرئيسية بحيث يكون مبطناً لمنع أى تسرب للمياه وبعرض للقاع 30 متر وبعمق للمياه 6 متر  ،بالإضافة إلى متر آخر للطوارىء  ، وعرض القطاع من أعلى 54 متر ويشمل القطاع المائى أعلى مساطيح على الجانيبين بعرض 8 متر وجسور بعرض 20 متر .

 

الموارد المائية المتاحة للمشروع

الموارد المائية المتاحة للمشروع وكيفية توفيرها وتنميتها - ( علما بأن موارد مصر المائية  تتركز أساسا فى مياة النيل وحصة مصر منها55.5 مليار متر مكعب سنويا طبقاً للإتفاقية الموقعة مع الســودان عام 1959 بالإضافة إلى مليار متر مكعب أمطار وحوالى 7.5 مليار متر مكعب مياه جوفية . هذا بلإضافة إلى إعادة إســتخدام مياه الصرف الزراعى وهى حوالى 5 مليار متر مكعب  والمياه غير التقليدية الأخرى ) - .. وقد قدرت الإحتياجات لمنطقة المشروع فى المرحلة الأولى بمقدار 5 مليار متر مكعب فى العام على أســاس زراعة 500 ألف فدان ومع التقدم فى أعمال الإستصلاح وإجادة إستخدام تكنولوجيات الرى الحديث فسوف يكون بالإمكان التوسع فى المســاحة المنزرعة والأنشطة الأخرى وتدخل حصة المشروع من المياه ضمن البرامج والسياسات المائية الخاصة بالتوسع فى مساحة 3.4 مليون فدان حتى عام 2017 والتى تتركز على المحاور الأتية:

 

1.    الحد من زراعة المحاصيل الشرهة للمياه وذلك من خلال تقليل المساحات المنزرعة بالمحاصيل ذات الإستهلاك المائى المرتفع داخل الوادى والدلتا  مما يوفر حوالى  3 مليار متر مكعب فى السنة.

2.    مشــروعات تطوير الرى والتى تهدف إلى إستقطاب الفاقد من مياه الرى بشبكة الرى الحالية والتى سوف توفر مايقرب من 3 - 4 مليار متر مكعب سنوياً فى نهاية الخطة عام 2012 .

3.    مشروعات الصرف الزراعى وإعادة إستخدام مياه الصرف الزراعى ذات النوعية المناسبة والتى سوف تؤدى إلى توفير وإعادة إستخدام 3.5 مليار متر مكعب سنوياً حتى عام 2017 .

4.    مشروعات تنمية المياه الجوفية عن طريق تكثيف شبكات الأبار فى كل من الوادى والدلتا والصحراء الغربية وسيناء لزيادة إستخدامات المياه الجوفية إلى حوالى 4 مليار متر مكعب سنوياً حتى عام 2017.

5.    زيادة التعاون مع دول حوض النيل لإستقطاب فواقد أعالى النيل لصالح مشروعات التنمية فى دول الحوض.

 

المياه الجوفية

تعتمد الأراضى الجديدة فى توشكى على مياه النيل والمياه الجوفيه أيضاً والتى تأتى ضمن البرامج الأساسية للسياسة المائية للوزارة ومن المعروف أن وجود خزان الحجر الرملى النوبى بمنطقة توشكى والذى أثبتت الدراسات الأقتصادية أن معدلات تنمية المياه الجوفية فى منطقة جنوب الوادى والصحراء الغربية يمكن أن تصل إلى ما يقرب من 2.5 مليار متر مكعب سنوياً فى حدود السحب الأقتصادى والآمن مما أعطى المشــروع ميزة كبرى وهى أنه ولأول مرة فى تاريخ مشــروعات الزراعات المروية فى مصر يتم إستخدام خزانات المياه الجوفية حيث يبلغ عدد الآبار المستهدف تنفيذها 316 بئر إنتاجى لزراعة حوالى 36 ألف فدان بمناطق متفرقة وقد تم الإنتهاء من حفر عدد 137 بئر جوفى زود حوالى 15 بئر منها بالرى المطور. أما أعمال الشحن الصناعى لخزان المياه الجوفية فقد بدأت فى نوفمبر عام 1999 بإستخدام مياه الفيضان الزائدة من خور توشكى فى شمال أبو سمبل بتكلفة تقدر بحوالى 7 مليون جنية .

 

كلفة المشروع

التكاليف الرأس مالية (الإستثمارية)

يبلغ إجمالى التكاليف الرأسمالية للبنية الأساسية للمشروع 5.48 مليار جنية تمثل تكاليف المأخذ ومحطة الرفع حوالى 1.48 مليار جنية مصرى بنسبة 27% من إجمالى التكاليف الرأس مالية بينما تمثل تكاليف إنشاء ترعة الشيخ زايد الرئيسية والفرعية حوالى 4 مليار جنية بنسبة مئوية قدرها 73% من إجمالى التكاليف الرأسمالية.

التكاليف السنوية (تكلفة التشغيل السنوية)

تقدر التكاليف السنوية للمشروع بحوالى 168.333 مليون جنية وتبلغ قيمة الأجور منها حوالى 2.7 مليون جنيه وقيمة المستلزمات السلعية والخدمية حوالى 5 مليون جنية فى حين تبلغ قيمة قطع الغيار والصيانة حوالى 20.1 مليون جنيه وقيمة استهلاك الكهرباء حوالى 120 مليون جنيه واستهلاك رأس المال حوالى 25.013 مليون جنيه وذلك بنسبة مئوية 1.6% , 3% , 11.9% , 71.3% , 14.9% على الترتيب ولقد بلغ نصيب الفدان من المساحة الكلية للزمام حوالى 311.5 جنية كتكلفة رى للفدان سنويا .

اجمالى ما تم تنفيذه

بلغ إجمالى ما تم تنفيذه بالمشروع من اعمال منذ بدء العمل حتى سبتمبر 1999 بتكلفة حوالى1987 مليون جنيه على النحو التالى :

§        أعمال محطة الطلمبات الرئيسية 481 مليون جنيه .

§        أعمال التغذية بالكهرباء 231 مليون جنيه .

§        أعمال الحفر والتبطين بترعة الشيخ زايد 1275 مليون جنيه.

 

ملاحظة :

بينما تؤكد الحكومة أن مشروع توشكى وباقى مشروعات إصلاح الأراضى التى تكلفها سنويا 3.7 مليار دولار سنويا ، سوف تعتمد على حصة مصر من مياه النيل وهى 55.5 مليار متر مكعب سنويا طبقا لمعاهدة 1959 مع السودان على أساس أن هناك 1 مليار متر مكعب أمطار متوقعة بالإضافة إلى 7.5 مليار متر مكعب ممكن سحبها من رصيد المياه الجوفية .. يعلق البنك الدولى ومنظمة الفاو FAO على ذلك : بأنه بينما تصرف الحكومة المصرية 3.7 مليار دولار سنويا على مشروعاتها الكبرى فى إصلاح الأراضى وتأهيلها للزراعة ، يستمر إنشاء العشوائيات السكنية دون توقف على الأراضى الزراعية الخصبة بعد تبويرها ، وتتآكل أرض مصر الخصيبة بهذا الشكل يوميا . وأنه إذا كان مشروع توشكا يحتاج إلى 5 مليار متر مكعب مياه سنويا لتنفيذ المرحلة الأولى منه وهى إصلاح 540 ألف فدان ، يتم سحبهم بمعدل يومى 14.5 مليون متر مكعب من بحيرة ناصر ، فإن هناك تقارير تؤكد أن جزءا كبيرا من الأراضى الزراعية بالوادى والدلتا لاتستقيل مايكفيها من مياه الرى وعلى رأسها زراعات قصب السكر فى صعيد مصر . وأن مشروع توشكى أصبح مصدرا لقلق الدول التسعة الأخرى المشتركة فى جوض النيل ، ولقد عبرت كل من السودان وإثيوبيا عن استيائهما منذ بدأ المشروع ، وذهبت إثيوبيا إلى أبعد من ذلك بأن طلبت تعديلا على اتفاقية 1959 بين مصر والسودان ، واتهمت مصر بأنها لاتهتم بمطالب واحتياجات دول أعالى النيل من المياه اللازمة لمشروعاتهم التنموية ، وأصبحت مخاوف ندرة المياه بين دول أعالى النيل ومصر جزءا من المشكلة العالمية .

 

ملاحظة أخرى

تم نشر خبر يتعلق بما كتبناه عن مشروع قناة جونجلى ، الذى إذا تم - فى رأيى - فستتوفر المياه لمشروع توشكى دون أى مشاكل تؤثر على احتياجات الأراضى الزراعية فى الوادى والدلتا (الخبر منشورفى جريدة الأهرام عدد اليوم الجمعة 24 سبتمبر 2004)  _ والخبر على لسان وزير الرى كما يلى :

 

وزير الري: المشروعات المشتركة بين السودان

 ومصر واثيوبيا تنفذ من أكتوبر المقبل
 بقلم : محمد زايد

 

وتعليقا علي أول صورة تنشر في مصر التقطت بالقمر الصناعي للقطاع المائي لقناة جونجلي ، يقول د. محمود أبوزيد وزيرالموارد المائية والري إنه تم وضع الدراسات الكاملة لمشروعها، وتخدم القناة سكان جنوب السودان ويتيح التخطيط الحالي للقناة ترك مساحات كبيرة من المستنقعات للحياة البرية والنباتية بجنوب السودان الذي يوجد به أكبر مساحة مستنقعات بالعالم .

وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب تقييم الموقف مع السودان للتعرف علي ملائمة الوقت لتنفيذ ما تبقي من أعمال وذلك للإسراع بخطط التنمية بجنوب السودان .

كما صرح الدكتور الوزير بأن شهري سبتمبر وأكتوبر سوف يشهدان العديد من الاجتماعات المهمة لدعم التعاون ما بين دول حوض نهر النيل‏,‏ سواء علي مستوي دول الحوض جميعها أو علي مستوي أحواضه الفرعية بالهضبة الإثيوبية وبهضبة البحيرات الاستوائية .

وقال إن العاصمة الأوغندية عنتيبي تشهد حاليا اجتماعات اللجنة القانونية لوضع الإطار المؤسسي والقانوني للتعاون ما بين دول الحوض في تنفيذ مشروعات إدارة متكاملة ومتوازنة للمصادر المائية.كما يعقد أيضا اجتماع آخر للجنة الفنية الاستشارية للفنيين من دول حوض النيل لمناقشة تقدم سير العمل بمشروعات الرؤية المشتركة ولمناقشة وسائل تطوير التعاون ما بين دول حوض النيل والمعهد الدولي لإدارة المياه بسيريلانكا وجامعة بيرجن بالنرويج .

وأضاف الوزير أن العاصمة التنزانية دار الســـــلام تشهد في نفس الوقت أعمال ورشــــة عمــــل للتقييم البيئي والاستراتيجي والاجتمـــــاعي للبدائل الخاصة بتطوير مشروعات

 

الطاقة للمرحلة الأولي بمنطقة النيل الجنوبي .

وأضاف الوزير أنه سيلتقي باللجنة الفنية للمشروع المصري الاوغندي لمقاومة الحشائش المائية بالبحيرات العظمي بأوغندا فور عودتها من مهمتها لمتابعة أعمال التطهير الميكانيكي وكذلك للإعداد لعملية افتتاح مرحلة التشغيل لكامل المعدات الميكانيكية .

أما علي مستوي دول الهضبة الإثيوبية فسوف يعقد - كما قال الوزير - في أوائل أكتوبر المقبل اجتماعات وزراء المصادر المائية بدول حوض النيل الشرقي للتنسيق في شأن المشروعات التي يتم دراستها سواء في مجالات توليد الطاقة وحماية الهضبة من الانجراف ومشروعات التنمية الزراعية بالدول الثلاث متضمنة مشروع غرب الدلتا بمصر .

وأكد الوزير أن المرحلة القادمة ستشهد تنفيذ المشروعات المشتركة بين مصر والسودان واثيوبيا علي ارض الواقع لخدمة مصالح الدول الثلاث. وعلي المستوي الدولي قال الدكتور محمود أبوزيد ان شهر أكتوبر المقبل سوف يشهد أيضا اجتماعات مهمة بمدينة مرسيليا بفرنسا لمجلس إدارة معهد البحر المتوسط للمياه واجتماع مجلس المحافظين للمجلس العالمي للمياه وكذلك سيعقد بمدينة جنيف بسويسرا الاجتماع الثالث عشر للجنة الهيدرولوجيا بمنظمة الأرصاد العالمية والذي يعقد كل أربع سنوات .

Atef Helal

 

 ___________

 

مشروع تنمية شمال سيناء (مشروع ترعة السلام)
Northern Sinai Agricultural Development Program
(NSADP)

 

 

أثار مشروع تنمية شمال سيناء جدلا كثيرا ، سواء من الناحية السياسية أو من الناحية التنموية والبيئية .. فقد بدأ المشروع كفكرة فى رأس السادات أثناء محادثات السلام مع الجانب الإسرائيلى ، ثم تم الإعلان عنه صراحة بإسم "مشروع زمزم الجديد" ، وتم نشر ذلك فى مجلة "أكتوبر" الأسبوعية لسان الحزب الحاكم فى عددها بتاريخ  16 يناير 1979 حيث أوضح السادات نيته فى توصيل جزء من مياه النيل إلى القدس .. وسوف نتعرض لاحقا لهذا الموضوع بالتفصيل ونوضح أطماع إسرائيل فى مياه النيل وكذلك النزاعات القائمة والمحتملة عليها بين الدول المشتركة فى حوضه ، وحق مصر التاريخى الثابت فى مياهه والمعاهدات المتعلقة بذلك .. ونعرض الآن مانشرته وزارة الرى والموارد المائية عن مشروع تنمية شمال سيناء :


أهمية المشروع :

يعد مشروع تنمية شمال سيناء أحد المشروعات القومية العملاقة التى تنفذها وزارة الموارد المائية والرى حتي يمكن دخول القرن الحادي والعشرين بخريطة زراعية جديدة لمصر.


أهداف المشروع :

·        تقوية وتدعيم سياسة مصر الزراعية بزيادة الرقعة الزراعية والانتاج الزراعى .

·        الاستفادة من مياه الصرف الزراعى التى كانت تضيع سدى فى البحر .

·        إعادة توزيع وتوطين السكان بصحراء مصر .

·        ربط سيناء بمنطقة شرق الدلتا وجعلها امتدادا طبيعيا للوادى .

·        استغلال الطاقات البشرية للشباب فى أغراض التنمية الشاملة.


مصادر الري

تقدر الاحتياجات المائية السنوية اللازمة لاستصلاح واستزراع 620 ألف فدان على مياه ترعة السلام وترعة الشيخ جابر الصباح بنحو 4.45 مليار متر مكعب من المياه المخلوطة بين مياه النيل العذبة ومياه الصرف الزراعى بنسبة 1:1 بحيث لا تزيد نسبة الملوحة عن 1000 جزء فى المليون مع اختيار التراكيب المحصولية المناسبة.

 

ومصادر التغذية السنوية موزعة كالاتى :

·        مياه عذبة : 2.11 مليار متر مكعب من نهر النيل فرع دمياط .

·        مياه صرف زراعي :2.34 مليار متر مكعب من مصرفي حادوس والسرو .

 

الزمام الاجمالي للمشروع :

المرحلة الاولي : يبلغ اجمالي الزمام المترتب ريه علي ترعة السلام من الفم حتي السحارة 220 ألف فدان غرب قناة السويس . و المرحلة الثانية : يبلغ اجمالي الزمام المترتب ريه علي ترعة الشيخ جابر الصباح من خلف السحارة حتي وادي العريش 400 ألف فدان .


مكونات المشروع :


ترعة السلام

يبدأ مأخذ ترعة السلام غرب قناة السويس عند الكيلو 219 علي فرع دمياط أمام سد وهويس دمياط – تمتد الترعة جنوب شرق في اتجاه بحيرة المنزلة ثم جنوبا حتي تتلقي مياه مصرف السرو – ثم تتجه شرقا فجنوبا علي حواف بحيرة المنزلة حتي تتلقي مياه مصرف حادوس – ثم تتجه شرقا حتي قناة السويس عند الكيلو 27.800 جنوب بورسعيد – ثم تعبر أسفل قناة السويس عن طريق السحارة .

 

سحارة ترعة السلام :

صممت السحارة لإمرار تصرف قدرة 160 مترمكعب فى الثانية من مياه ترعة السلام غرب قناة السويس من كيلو 87.00 الى ترعة الشيخ جابر الصباح شرق قناة السويس تتكون السحارة من أربعة انفاق بالخصائص التالية : 770 مترا طول النفق ، 5.1 مترا القطر الداخلي للنفق ، 6.34 مترا القطر الخارجي للنفق .


ترعة الشيخ جابر الصباح و فروعها :

يطلق على امتداد ترعة السلام شرق قناة السويس ترعة الشيخ جابر الصباح وهى الترعة الرئيسية لرى 400 ألف فدان وتمتد مباشرة من خلف سحارة ترعة السلام حتى نهايتها بوادى العريش بطول 175 كيلو متر ويتفرع من الترعة مجموعة من الترع الفرعية والتوزيعية.


محطات رفع المياه الرئيسية :

تم تنفيذ 3 محطات رفع على ترعة السلام غرب قناة السويس كما تم انشاء محطة السلام 4 على ترعة الشيخ جابر الصباح وجارى انشاء المحطات أرقام 5،6،7 كما سيتم انشاء محطتين رئيسيتين على ترعة جنوب القنطرة شرق .


التكلفة الاجمالية للمشروع :

بلغت تكاليف البنية الاساسية للمرحلة الاولى بغرب القناة 300 مليون جنيه شاملة الاعمال الاتية:

§        انشاء سد دمياط على النيل فرع دمياط كيلو 222 .

§        انشاء مأخذ ترعة السلام بر أيمن فرع دمياط كيلو 219 .

§        انشاء مجرى ترعة السلام بطول 87 كم من فرع دمياط حتى السحارة شاملة الاعمال الصناعية كباري وسحارات وأفمام ترع و جنابيات .

§        انشاء مغذى ترعة السلام من طرد السرو و سحارة السرو تحت ترعة السلام بالكيلو 22 .

§        انشاء سحارتى ترعة السلام تحت مصرفى بحر حادوس و بحر البقر المللحين إقامة 3 محطات للرفع والخلط السلام 1، السلام2 والسلام3 .


وبلغ إجمالى تكاليف اعمال السحارة و المدخل و المخرج 196 مليون جنيه مصرى:

منها 124 مليون جنيه تمويل من الصندوق الكويتى و72 مليون جنيه نقد محلى بتمويل من بنك الاستثمار القومى . وقدرت التكاليف الكلية للمشروع شرق قناة السويس بمبلغ 5.7 مليار جنيه مصرى منها 655 مليون جنيه تمويل من الصندوق الكويتي للتنمية و 84 مليون جنيه من الصندوق السعودي للتنمية .

______ 

 تعقيب على مشروع تنمية شمال سيناء :

أشرنا من قبل إلى أن هذا المشروع أثار جدلا كثير وخاصة من الناحية السياسية وكذلك من الناحية التنموية والناحية البيئية . ونبدأ أولا فى تفهم طبيعة الجدل السياسى المثار حول هذا المشروع ونلخصه فيما يلى :

فنجد تاريخيا أن تيودور هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية ، قد اهتم بإمكانية توصيل مياه النيل إلى سيناء ثم إلى فلسطين قبل أن يبدأ الصهاينة فى سرقة أراضيها وإنشاء الدولة الإسرائيلية ، وقد عرض هيرتزل بالفعل أثناء زيارته لمصر عام 1903 دراسة فنية لنقل مياه النيل عبر قناة السويس إلى سيناء ، ولكن السلطات المصرية والبريطانية أهملت عرضه فى ذلك الوقت .

وبالرجوع إلى تقرير الإجتماع الذى تم عقده فى مسقط وعمان فى الفترة من 17 إلى 19 من إبريل عام 1994 ، حيث حضر هذا الإجتماع ممثلون من 55 دولة بينهم ممثلين من إسرائيل وتركيا ، لمناقشة موارد مياه الشرق الأوسط .. أشار التقرير إلى أن تركيا هى البلد الوحيد الذى يمتلك فائضا كبيرا من المياه ، وأشار كذلك إلى اقتراح قدمته تركيا بلد المنبع لنهرى دجلة والفرات ، تقترح فيه وقف تدفق المياه إلى نهر الفرات وتحويلها إلى أنبوب ضخم يصل دول الخليج وإسرائيل لحل مشكلة ندرة المياه فى تلك الدول ، وسبب هذا الإقتراح قلقا شديدا لكل من سوريا والعراق واعترضتا رسميا عليه ، فى حين أعلن وزير الزراعة الإسرائيلى رفائيل إيتان فى ذلك الوقت : أن استيراد إسرائيل للمياه من تركيا سوف يكون مكلفا بالنسبة لإسرائيل .

ويقول الدكتور إليشا كالى الرئيس الأسبق لهيئة تخطيط موارد المياه فى إسرائيل  (TAHAL ) فى دراسة نشرها عام 1974 أن نهر النيل هو المورد الأجنبى المفضل لإمداد قطاع غزة بالمياه ، وأكد ذلك فى كتاب منشور له عام 1978 (طبعة ثانية) بعنوان The struggle for water  ، ثم فى كتابه المنشور عام 1986 بعنوان Water in   Peace  حيث ألحق به بحثا كان قد نشره فى نفس العام يشمل خريطة توضح ترعة السلام وهى تتفرع من نقطة من فرع دمياط بدلتا مصر .


ومن المعروف أن الرئيس السابق أنور السادات شرع فى التخطيط لمشروع ترعة السلام بعد أن أعلن فى حيفا أنه سوف ينقل مياه النيل لصحراء النقب فى إسرائيل ، ثم أكد بعد ذلك أن ترعة السلام سوف تصل إلى القدس ..

وفى خطاب بعثه السادات إلى مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق قال فيه : " حيث أننا شرعنا فى حل شامل للمشكلة الفلسطينية ، فسوف نجعل مياه النيل مساهمة من الشعب المصرى بإسم ملايين المسلمين كرمز خالد وباق على اتفاق السلام ، وسوف تصبح هذه المياه بمثابة مياه زمزم لكل المؤمنين أصحاب الرسالات السماوية فى القدس ودليلا على أننا رعاة سلام ورخاء لكافة البشر" . وتم نشر نص هذا الخطاب فى مجلة أكتوبر الأسبوعية لسان الحزب الوطنى الحاكم فى عددها بتاريخ 16 يناير عام 1979 تحت عنوان "مشروع زمزم الجديد " .. وقالت المجلة أن السادات أعطى بالفعل إشارة البدأ لحفر ترعة السلام بين فارسكور (تقع على قرع دمياط) وبين التينة (تقع على قناة السويس شمال الإسماعيلية) حيث تقطع مياه الترعة بعد ذلك قناة السويس خلال ثلاثة أنفاق لتروى نصف مليون فدان .. وأن السادات طلب عمل دراسة جدوى دولية لتوصيل المياه إلى القدس ، وعندما اهتاج الرأى العام ، تراجع السادات شكليا عن فكرة توصيل المياه إلى القدس دون تصريح رسمى منه بذاك ..

وقد أعلن بعد ذلك منبر شاش محافظ شمال سيناء الأسبق فى جريدة الأهرام اليومية عدد 22 أغسطس 1993 : " أن ترعة السلام العمود الفقرى للتنمية الزراعية فى شمال سيناء سوف تصل إلى رفح ..!! ." ، هذا رغم أن المشروع المعلن على الشعب المصرى حتى الآن هو وصوله وتوقفه عند وادى العريش على بعد 40 كم من حدود مصر الدولية مع قطاع غزة (إسرائيل) .. ويجب فى هذا المقام ربط ماطلبته منظمة التحرير الفلسطينية من توحيد مشاريع التنمية الزراعية فى كل من رفح مصر ورفح فلسطين والإستفادة بمياه ترعة السلام وموافقة الحكومة الإسرائيلية على ذلك مبدئيا بما أعلنه منير شاش .

وقد أعلن حسنى مبارك فى مؤتمر صحفى انعقد فى القاهرة فى 20 نوفمبر 1996 افتتاح النفق الثالث تحت قناة السويس وقال : أنها لحظة تاريخية فى حياة مصر ، ننطلق منها إلى خريطة سكانية جديدة ندخل  بها القرن الواحد والعشرين .


والتساؤل المطروح الآن : هو لماذا فكر السادات فى إرسال مياه النيل إلى اسرائيل من حصة مصر المائية ، ومصر  تعانى مجاعة مائية ، وهمها الرئيسى هو توفير المياه بأى شكل من الأشكال ، سواء بإعادة تدوير مياه الصرف الزراعى والصناعى والصحى الملوثة بكافة السموم أو بإقامة مشروعات فى أعالى النيل منها مشروع قناة جونجلى ، الذى توقف نتيجة ثورة متمردى جنوب السودان .. هل كان ذلك استجابة من السادات لضغوط أمريكا وإسرائيل التى لانعلم عنها شيئا .. أم أنه رد فعل طبيعى لما قامت به إسرائيل من دعم صريح بالقوات والخبراء العسكريين لإثيوبيا فى السبعينيات من القرن الماضى لمساعدة حكومة هيلاسيلاسى ثم حكومة منجستو فى معاركهما ضد الصومال وفى مواجهتهما لإنتفاضات متمردى إريتريا .. وقد يكون ذلك إشارة من إسرائيل للسادات يأن فى قدرتها حث إثيوبيا على تقليل حصة مصر من مياه النيل التى ترد لها كل عام من الهضبة الإثيوبية .

 

ولاحظنا فى عصر مبارك أن الخبراء الإسرائيليون يساعدون إثيوبيا فى تصميم وإنشاء 40 سدا على النيل الأزرق ، وهذه إشارة أخرى لمبارك لايمكن أن يتجاهلها .. وأرسلت مصر احتجاجا رسميا لإسرائيل على نشاط خبرائهم فى إثيوبيا لإنشاء السدود ونظم الرى الجديدة التى سوف تؤدى إلى تقليل تدفق مياه النيل إلى مصر .

كما احتج حسن البشير رئيس السودان على زيارة جون قرنق John   Garang  زعيم حركة التمرد فى جنوب السودان إلى إسرائيل عام 1994 ، مما يشير إلى أن هناك تعاونا بشكل أو بآخر بين تلك الحركة وإسرائيل ، ونعلم أن مشروع قناة جونجلى يقع فى المنطقة التى يسيطر عليها جون قرنق ، وكان قد تم تنفيذ معظمه ثم توقف بسبب هذا التمرد .. وهذا المشروع عندما يتم تنفيذه بالكامل سوف تزيد حصة المياه المصرية بحوالى 4 مليار متر مكعب مياه عذبة ومثلها أيضا للسودان .


ومع افتتاح مبارك للنفق الثالث لترعة السلام تحت قناة السويس كما أشرنا من قبل فى 20 نوفمبر 1996 ، علقت الإذاعة البريطانية على لسان بعض الخبراء المصريين بالآتى : أنه إذا كان الغرض من النفق الأول هو إمداد شمال سيناء بالمياه الكافية اللازمة للتنمية الزراعية ، وأن النفق الثانى طبقا لأصول العمل الهندسى هو احتياطى للنفق الأول للطوارئ ولأعمال الصيانة .. فما هو الغرض من النفق الثالث إلا إذا كان مخصصا لإمداد قطاع غزة واسرائيل بالمياه تحت الإشراف الفنى للحكومة الإسرائيلية ..!! . وأقول إضافة لذلك أنه فى المرحلة الخامسة للمشروع التى تسمى Block 5 عند وادى العريش سوف يتم رفع المياه بمحطة طلمبات عملاقة إلى منسوب أعلى من 100 متر فوق سطح البحر لتصل إلى الوادى بتكلفة عالية .. فى حين أن الأمطار والمياه الجوفية فى ذلك الوادى كما يقول الخبراء تكفى لإنتاج ماينتجه هذا الوادى حاليا ثلاث مرات على الأقل وتكفى احتياجات السكان فى تلك المنطقة ثلاث مرات على الأقل .. فما هو المقصود بهذه المرحلة من المشروع مع عدم جدواها الإقتصادية إلا إذا كان هناك إلتزاما استراتيجيا لانعلمه بحتمية إمداد إسرائيل بمياه النيل ومن حصة مصر التى تعانى فقرا فى المياه يتزايد مع الأيام .


ومن قراءاتى العديدة ومن مصادر مختلفة عن أطماع إسرائيل فى مياه النيل ، وصلت إلى قناعة كافية أن مشروع ترعة السلام وتنمية شمال سيناء سينتهى فى مرحلة من مراحله كأحد أهدافه الغير معلنة إلى إمداد إسرائيل بما يكفيها من مياه النيل على حساب الشعب المصرى دون إرادة منه .. وسوف يقودنا حكامنا من خلال تخديرنا بتصريحاتهم خطوة بعد خطوة إلى هذا الواقع الأليم فى يوم قد يكون قريبا نرجو أن لايأتى أبدا .


وأقول إن إسرائيل ليست دولة من دول حوض النيل ، ولايجب أن تكون من دول هذا الحوض رحمة بأطفالنا وأحفادنا ، وإن وصلتها نقطة واحدة من مياه النيل فسوف تصبح رغما عنا من ضمن دول الحوض ، وسوف يكون ذلك ألعن مسمار دققناه بأنفسنا لحسابها فى مصر والقارة الأفريقية كلها ، وبعد أن كانت إسرائيل هى مسمار جحا فى مناطق دول الجوار فقط ، ثم امتدت كمسامير إلى المنطقة العربية كلها .. هاهى الآن تمهد لدق نفسها مسمارا جديدا فى أفريقيا كلها بعد أن مهدت لذلك من أيام تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية الذى زار القاهرة عام 1903 ليخدع المصريين بحجة تنمية شمال سيناء وتوصيل مياه النيل من فرع دمياط بالدلتا إلى القدس .. على أمل أن تتحقق إسرائيل الكبرى التى كان يحلم بها من النيل إلى الفرات والمعلقة خريطتها بالكنيست الإسرائيلى .. وقد رفض آباؤنا عام 1903 ماقدمه هرتزل واكتشفوا خديعته رغم أنهم كانوا تحت الإحتلال البريطانى ، فأى احتلال بغيض يجثم فوق صدورنا الآن ويكاد يخنق أنفاسنا فلا نستطيع حتى أن نجتمع على كلمة "لا " بصوت قوى جسور يهز ضمير  الجبناء والغافلين ، ونحطم  به عروش المنافقين والمتسلقين .

 ومن المنطقى أن نؤيد أى مشرعات لتنمية سيناء ، ليس بغرض تخفيف ضغط الكثافة السكانية عن الوادى والدلتا فقط ، ولكن لإيجاد جبهة تنموية سكانية بكثافة معقولة بيننا وبين إسرائيل العدو التقليدى لنا ، لأنه حتى لو ارتبطنا معها بمعاهدات سلام وتطبيع موثقة دوليا ، فأطماع إسرائيل لاحدود لها وتتعدى بها حدود أى إلتزام بأى مواثيق ومعاهدات ، ويساندها فى ذلك أكبر قوة دمار فى العالم وهى الولايات المتحدة الأمريكية .. ولذلك فإنه يجب حين تضع حكومات مصر فى أولويات اهتماماتها تكثيف مشروعات التنمية فى سيناء .. أن لايوجد أى شبهة لأى مشروع منها لتواجد أى نشاط إسرائيلى مستديم أو غير مستديم  بسيناء ، أو أى شبهة ارتباط بأى مصلحة إسرائيلية بأى مشروع يقام على أرضها  ..

 

ولقد وصلنا من قبل فى عرضنا السابق إلى أن أطماع إسرائيل فى مياه النيل عن طريق ترعة السلام هى أطماع مؤكدة .. فإذا وضعنا فى الإعتبار أن الوضع أصبح متفجرا ، لأن مياه النيل ببساطة لم تعد تكفى احتياجات مصر وإثيوبيا – فضلا عن احتياجات باقى دول الحوض - ، وأن الهضبة الإثيوبية تحت سيطرة إثيوبيا تمد النيل وحدها عند أسوان بحوالى 85% من متوسط الإيراد السنوى لحصة مصر من مياه النيل .. وأنه طبقا لتصريحات وزراء الرى والموارد المائية فى العقدين الأخيرين ، قد هبط متوسط نصيب الفرد من الماء فى مصر إلى ماتحت خط الفقر المائى المقدر عالميا بألف متر مكعب سنويا ، وإذا فكرت إثيوبيا - وهى تفكر فعلا - فى زراعة نصف أراضيها الخصبة الصالحة للزراعة فى أراضيها فسوف يقل رصيد مصر من مياه النيل 9 مليار متر مكعب سنويا تمثل 16% من رصيدها المائى الحالى . إذن فمن الجنون المطبق أن يفكر أحد المجانين من حكامنا بالتبرع بنقطة واحدة لايملكها من حصة مصر المائية لإسرائيل أو لغيرها .. وحين نعلم أن ليبيا وهى الدولة العربية الشقيقة قد طالبت من قبل بنصيب فى مياه النيل ، وقد تطالب الأردن ولبنان بالمعاملة بالمثل فنعطيهما جزءا من حياتنا .. فمعنى ذلك أننا نضحى بحياتنا وهى ماء النيل فى سبيل حياة أفضل للصهاينة الأعداء ونبخل بها فى تفس الوقت على أنفسنا وعلى الأشقاء .. !! .


وإذا نظرنا إلى تكلفة توصيل مياه النيل فقط إلى مناطق التنمية والتى سوف تزيد على 1.5 مليار دولار ، وأن هدف المشروع النهائى من ترعة السلام هو إصلاح ورى 400 ألف فدان ، منهم 50 ألف فدان شرق قناة السويس بمنطقة سهل التينة  Block 1 ، والباقى Block 2,3,4  من جنوب القنطرة شرق حتى بير العبد ، ثم  Block 5  بمنطقة وادى العريش 135 ألف فدان من الـ 400 ألف فدان إجمالى هدف المشروع ، مع انعدام الجدوى الإقتصادية للمنطقة الأخيرة Block 5 وأكدنا ذلك من قبل ، بما يعنى أن الغرض منها ليس مصلحة مصر بل أن تكون مرحلة لمرحلة تالية لم يعلن عنها ، وهى إمداد إسرائيل بمياه ترعة السلام .. !! . والعجيب فى أمر تلك المنطقة ، أن مشروع تنمية سيناء لم يكن يتضمنها ، وقد تم ضمها فى عام 1990 بناءا على طلب منير شاش محافظ شمال سيناء فى ذلك الوقت ، وقد أدى هذا المحافظ دورا بهذا الشكل كان مرسوما من قبل فى تلك المهزلة .. وانتقلت سلطة تنفيذ المشروع عام 1991 من يوسف والى وزير الزراعة إلى وزير الرى والموارد المائية رغم أن الإختصاص كان يجب أن يكون من البداية لوزير الموارد المائية فلماذا كان الإختصاص  ليوسف والى .. وماذا كان دوره ..!! .

 ولو تم إلغاء الإمتداد غير الإقتصادى لمياه ترعة السلام برفع مياهها بمحطة طلمبات عملاقة إلى منسوب أعلى من 100 متر فوق سطح البحر لكى تصل إلى وادى العريش على بعد 40 كم من الحدود الإسرائيلية ، لأبعدنا الشبهة السوداء عن النخبة الحاكمة فى الإستجابة لأطماع إسرائيل فى مياه النيل على حساب الفقر المائى للشعب المصرى ، ولقفلنا الباب أمام أطماع أشقائنا فى الإلحاح على نصيب لهم أيضا من حصة مياه مصر البائسة ..


كما أن مجمل المشروع فى باقى المناطق عدا منطقة وادى العريش عديمة الجدوى ، وهو إن حقق بعض المكاسب ، فلن تعوض مكاسيه ماتم إنفاقه عليه ، لأن الأرض المستهدف إصلاحها شديدة الملوحة وتحتاج إلى كميات كبيرة من المياه لمدة طويلة لغسيلها ، وإذا تم ذلك فسوف تعطى محصولا ضعيفا ، كما أن الإستخدام المتوقع للأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية ، ثم تسرب مياه الرى الحاملة لتلك السموم وأملاح التربة إلى المياه الجوفية سيفسد صلاحيتها للشرب والإستخدام الآدمى ، وتسربها المتوقع أيضا إلى بحيرة البردويل سوف يدمر بيئتها الحيوية ويؤثر بالسلب على ثروتها السمكية فتلحق بأخواتها البحيرات الأربعة شمال الدلتا . وتعتبر بحيرة البردويل فى وضعها الحالى من أحسن أماكن صيد الأسماك فى مصر ويعيش عليها حوالى 3000 صياد وعائلاتهم ، وبها أربع هيئات تعاونية كبيرة لصيد الأسماك ، وقد توسع نشاطها إلى تصدير الأنواع الممتازة من الأسماك بأسعار مرتفعة لدول البحر الأبيض المتوسط ، والبحيرة يمكن أن تستوعب عددا مماثلا من الصيادين وعائلاتهم بعد أن يتم التخلص من مافيا أعمال الصيد بها .

Atef Helal

____________

 

مداخلات على الموضوع

 

مداخلة من الأخ الأستاذ إسلام شمس الدين

فى 5/10/ 2004

 

أستاذيّ الفاضلان عاطف هلال و د. أحمد فنديس

ما أعظمه من مجهود و ما أروعها من قيمة فكرية تلك التي نتابعها معكما هنا
ما كان لي أن أقطع ذلك التسلسل المتميز في عرض الدراسة
لكن رأيت أنه عليّ شكركما
فبارك الله بكما و جزاكما الله خيراً

و نتمنى أن يتم جمع هذه المشاركات في دراسة مطبوعة لتعم الإفادة

لكما وافر محبتي و عظيم تقديري .

____________

مداخلة من الدكتور أحمد فنديس فى 5/10/2004

العزيز الغالي إسلام

شكرا لك علي متابعة هذه القضايا.هي زفرات تطلقها قلوبنا قبل عقولنا ما أردنا بها الا التنبيه والتحذير فما يراد لمصر كثير من أعدائها وبعض أصدقائها ولن ينجيها من مشكلاتها الا إخلاص أبنائها.كل في مجاله وكل بما يستطيع.ولم يعد لنا أنا وأستاذنا الجليل عاطف الا الكلمة والقلم...فلم يعد(السيف أصدق أنباءً من الكتب) في عهد الخمود والخمول...فقد غمدناه وأغمضنا العيون..وأخشي أن نفيق فلا نجد أنفسنا..

مبروك...رفع سعر الماء الي 23 قرشا...يالله بقا حافظوا علي ماء النيل (حته عامية أناكفك بيها لغاية ما نتقابل عنده برضه) وعصير المانجو عليك المرة دى .

____________

مداخلة كاتب الموضوع

أنا سعيد بمداخلة أخى الفاضل الحبيب إسلام شمس الدين ..

 

وسعيد أيضا أن أستاذنا الحبيب الدكتور أحمد فنديس وجد وقتا مع زحمة بداية العام الدراسى ليشارك حتى ولو بكلمتين وبس .. وأنا أعذرك يادكتور بس مش على طول وفى انتظار اللقاء والمانجو على حسابى / عاطف هلال .

_____________

قضية مياه النيل

هل قضية مياه النيل سوف تكون سببا للحرب والتوتر بين مصر ودول حوض النيل ، وتصبح التمهيد المرسوم لفرض الهيمنة الأمريكية الإسرائيلة على إرادة مصر والمصريين دون تدخل من آلة الحرب والدمار الأمريكية ..؟ ! .


عندما أعلن الرئيس الراحل أنور السادات نيته فى نقل مياه النيل إلى إسرائيل خلال مفاوضات كامب دافيد – وبصرف النظر عن جدية السادات رغم تعهداته المكتوبة أو أن ذلك كان نوعا من المناورات السياسية مع اليهود ..!!. – فقد بدأت مع إعلانه هذا بوادر أزمة حقيقية فى السبعينيات بين مصر ودول الحوض .. أدت إلى أن يصرح السادات معلقا على ماأثير بشأن نية إثيوبيا بناء سدود على فروع النيل بالهضبة الحبشية ، "بأن العبث بمياه النيل من أى طرف من الأطراف لن يكون له إلا رد فعل واحد هو اللجوء إلى قوة السلاح" .. ورد عليه الرئيس الإثيوبى – فى ذلك الوقت – مانجستو هيلاماريام بالتهديد علنا بتحويل حوض النيل من مجمع للمياه إلى بركة من الدماء .


والحادثة الأخرى – هى المحاولة الفاشلة لإغتيال حسنى مبارك فى يونيو 1995 بالسودان ، التى أدت إلى تدهور العلاقات الثنائية بين مصر والسودان ، وهدد حسن الترابى بوقف انسياب مياه النيل إلى مصر ، فأعلنت الحكومة المصرية ردا حادا وقويا بأن الذين يلعبون بالنار فى الخرطوم يدفعون مصر إلى الدفاع عن حقوقها وحياتها .


وفى الجانب الآخر نرى أن أمريكا تلعب دورا غريبا فى منطقة حوض النيل ، بهدف أن ترضخ مصر وتلعب دورا يتمشى مع الأهداف الأمريكية لمصلحتها ومصلحة إسرائيل فى المنطقة العربية ، باعتبار أن مصر دولة محورية فى المنطقة العربية ... فقد ربطت السياسة الأمريكية موضوعات المياه والبيئة فى المنطقتين العربية والأفريقية باهتماماتها الإستراتيجية والعسكرية بدول المنطقتين .. ويتضح ذلك فى المؤتمرات الثنائية أو متعددة الأطراف التى تشارك فيها السياسة الأمريكية أو تقترحها .. وذلك بهدف استثمار قضايا المياه بالمعنى السياسى والإستراتيجى فى إطار السياسة الأمريكية لتصب فى النهاية فى اتجاه مصالحها ومصالح إسرائيل .. والمثل الذى يجرى حاليا ، هو الدعوة التى تتبناها أمريكا لمؤتمر موسع يعقد فى مصر حول العراق ويضم بشكل أساسى العراق والدول المجاورة له ومجموعة الدول الصناعية الثمانى الكبرى .. وقد أكد السفير الأمريكى أمس اهتمام بلاده البالغ بعقد هذا المؤتمر فى القاهرة ، وبهذا الشكل سوف تقوم مصر للأسف بدورها الداعم الناعم لعصابة بوش فى البيت الأبيض ، وخاصة بعد أن تراجعت سوريا عن كثير من مواقفها نتيجة الضغط الذى مارسته أمريكا عليها .


إن إهتمام أمريكا بمياه النيل له تاريخ سابق منذ فترة إنشاء السد العالى ، حيث قام الخبراء الأمريكيون فى ذلك الوقت بصفة رسمية بدراسة شاملة لإثيوبيا على مستوى الأراضى الصالحة للزراعة وعلى مستوى السدود لتخزين المياه وتوليد الطاقة الكهرومائية ، وتم ذلك فى عهد الإمبراطور هيلاسلاسى والدراسات الكاملة منشورة بالكامل . ثم بدأت أمريكا منذ عام 1991 وحتى اليوم بمساندة إثيوبيا فى إنشاء مجموعة من السدود على الروافد بداخل أراضيها ... واستطرادا يجب الإشارة إلى أن المؤسسات الأمريكية والأوروبية والبنك الدولى هى التى قدمت التمويل للسدود التى يجرى تشييدها حاليا .

الشكل عاليه يوضح أهم السدود التى تم إنشائها بإثيوبيا ، والجارى إنشاؤها أيضا بإثيوبيا مثل "سد الحدود" بالقرب من الحدود الإثيوبيه السودانية ... وأرى فى هذا الشأن أنه يجب التفكير هندسيا فى تأثير تلك السدود على حصة مصر من مياه النيل قبل الخوض فى إثارة المشاكل والأزمات السياسية مع إثيوبيا ، وخاصة أن بعض المتخصصين يرى استحالة استخدام تلك السدود لتخزين المياه من أجل الزراعة والرى مع طبيعة الأرض الجبلية بإثيوبيا ومع توفر مياه الأمطار بمعدلات عالية ، كما أن شدة انحدار الأرض كما هو واضح بالشكل عاليه من بحيرة تانا حتى  الحدود السودانية وإلتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض عند الخرطوم بالسودان  ، إضافة إلى إحتمال إرتفاع معدلات تجمع الرواسب خلف تلك السدود  قد يعوق التخزين بكميات كبيرة وراء تلك السدود ، وبالتالى قد  ينحصر الهدف الرئيسى من إنشاء تلك السدود فى  استخدامها هيدروليكيا لتوليد الكهرباء .   

والنقطة الجديرة بالإهتمام والدراسة ثم المتابعة مستقبلا هى مدى تأثير العلاقات الأمريكية الإثيوبية ، ومدى تأثير ماتنويه أمريكا من تمزيق للسودان إلى ثلاث كيانات ضعيفة  على المصالح القومية لمصر .. فهل تنوى أمريكا إخضاع إرادة مصر والمصريين دون استخدام آلة حربها ودمارها لتحقيق أطماعها ومصالحها ومصالح إسرائيل فى مصر والمنطقتين العربية والأفريقية ... ؟؟ .


المراجع :

-  السياسة المصرية ومياه النيل فى القرن العشرين للدكتور عبد الملك عودة .

-  ملف المياه / منشور فى مجلة السياسة الدولية عدد أكتوبر 2004 .

__________________
Atef Helal

_____
حق مصر التاريخى

عندما نقول أن مصر لها حق تاريخى فى مياه النيل ...

فماذا تعنى عبارة "حق تاريخى" ..؟ .. هل الدراسات التاريخية الموثقة التى تتعلق بحق مصر والإتفاقات التى تم إبرامها فى شأن مياه النيل يمكن أن تغطى هذا التعريف ، وأولهما البروتوكول الموقع بين بريطانيا العظمى وإيطاليا فى عام 1891 م  كدولتين مستعمرتين ، حيث جاء فى البند الثالث منه " تتعهد الحكومة الإيطالية بعدم إقامة أى إشغالات على نهر عطبرة لأغراض الرى يكون من شأنها تقليل تدفق مياهه إلى نهر النيل على نحو ملموس" . ومنها بعض الأحداث الموثقة مثل الطلب البريطانى من مصر إطلاق يد حكومة السودان المصرى البريطانى فى زيادة مساحة أراضى مشروع الجزيرة فى السودان لزراعة مزيد من القطن الذى تحتاجه المصانع فى بريطانيا من 300 ألف فدان إلى مساحات غير محددة تبعا لما تقتضيه حاجة تلك المصانع ، ورفضت حكومة سعد زغلول الطلب البريطانى لأن هذا يؤدى إلى الإضرار بالرى فى مصر .. وكان الرد البريطانى بأن لمصر حقوقا تاريخية وطبيعية فى مياه النيل ، وأن بريطانيا تعترف بها ، وترى تشكيل لجنة خبراء من الجانبين المصرى والبريطانى خلال عام 1925 ، تقترح قواعد توزيع مياه النيل بين مصر والسودان ... إلى أن توصلا فى النهاية إلى اتفاقية عام 1929 م ، وكان أهم مانصت عليه تلك الإتفاقية هو إقرارها بحق مصر التاريخى فى مياه النيل وضمان تدفقه لإحتياجات الزراعة ، كما أقرت بنصيب عادل فى كل زيادة تطرأ على موارد النهر فى حالة القيام بمشروعات جديدة بأعالى النيل أو بروافده مستقبلا ، وحددت حصة مصر السنوية بمقدار 48 مليار م3 سنويا ، وحددت حصة السودان بمقدار 4 مليار م3 سنويا .

 

ومجمل القول بالنسبة لإتفاقية عام 1929 بين مصر وبريطانيا (الأخيرة ممثلة للسودان) ، أن بعض الدارسين يرى أنها تسوية تاريخية حصلت مصر بموجبها على إقرار قانونى مكتوب بحقوقها التاريخية المكتسبة ، وحصل السودان بموجبها على حصة أكبر من المياه لتوسعاته الزراعية فى إطار نظام الرى الدائم .

 

ومع استقلال السودان فى يناير 1956 ، وقيام قائد الجيش السودانى الفريق عبود تسلم الحكم عام 1958 ، وظهور موضوع السد العالى وعقد اتفاقية تنفيذ مرحلته الأولى مع الإتحاد السوفييتى عام 1958 . بدأت بعض القلاقل ، حيث تنصلت حكومة السودان من اتفاقية عام 1929 ، وخرقتها من جانب واحد عندما بدأت فى تنفيذ أعمال تعلية سد خزان سنار ، بدعوى أن اتفاقية عام 1929 كانت بين مصر وبريطانيا وليست بين مصر والسودان المستقل . فبدأت المفاوضات بين حكومتى مصر والسودان ، حتى توصل الطرفان إلى توقيع اتفاقية الإنتفاع الكامل بمياه النيل يوم 8 نوفمبر 1959 ، وهى المعروفة لدى الرأى العام بإسم اتفاقية السد العالى ، وأهم ماورد بها :

§        يكون ماتستخدمه مصر حتى توقيع الإتفاق وقدره 48 مليار متر مكعب مقدرة عند أسوان سنويا هو الحق المكتسب لها ، ويكون ماتستخدمه السودان حتى توقيع الإتفاق وقدره 4 مليار متر مكعب سنويا مقدرة عند أسوان هو حقه المكتسب قبل الحصول على الفوائد من المشروعات المشار إليها ( السد العالى فى مصر وخزان الروصيرص على النيل الأزرق بالسودان) .

§        لضبط مياه النهر والتحكم فى منع انسياب المياه إلى البحر ، تم الإتفاق على قيام مصر بإنشاء السد العالى عند أسوان كأول حلقة من سلسلة مشروعات التخزين المستمر على النيل ، ولتمكين السودان من استغلال نصيبه ، والإتفاق على أن يقوم السودان بإنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق ، وأن يقوم بأعمال أخرى يراها لازمة لإستغلال نصيبه .

§        يتم تقسيم المياه عند السد العالى بين الدولتين على أساس متوسط إيراد النهر الطبيعى عند أسوان المقدر بحوالى 84 مليار متر مكعب سنويا . وتستبعد من هذه الكمية الحقوق المكتسبة للدولتين وقدرها 52 مليار متر مكعب سنويا ، كما يستبعد فاقد التخزين (بالبخر والتسرب) فى السد العالى وقدره 10 مليار متر مكعب سنويا ، ويتم توزيع الصافى على أساس 14.5 مليار متر مكعب للسودان و 7.5 مليار متر مكعب لمصر ، ويُضم هذين النصيبين إلى حقهما المكتسب ، ليصبح نصيب السودان من صافى إيراد النهر بعد تشغيل السد العالى هو 18.5 مليار متر مكعب سنويا ولمصر 55.5 مليار متر مكعب سنويا .فإذا زاد الإيراد فإن الزيادة فى صافى الفائدة الناتجة عن زيادة الإيراد تُقسم مناصفة بين الدولتين ، وتكون الكميات المذكورة محل مراجعة الطرفين بعد فترات كافية يتفقان عليها بعد تشغيل خزان السد العالى بالكامل .

 

ويقول الدكتور ضياء الدين القوصى (خبير مياه ورى) : " .. كان أحد نصوص اتفاقية مياه النيل أن أى إعتراض من أى من دول الحوض سينظر إليه بعين الإعتبار ، وأن أى تعديل يحدث بسبب هذا الإعتراض سيتم توزيعه بالخصم من حصتى البلدين الموقعين على الإتفاقية ... وعلى الرغم من وجود هذا النص إلا أن أى من دول الحوض لم تتقدم رسميا بأى إعتراض لفترة طويلة ، ومن ثم فقد أصبح الإتفاق حائزا لقرينة التسامح العام التى تؤكد أن الحصول على حصة من مياه نهر مشترك يشكل ظاهر  (معلن وغير مستتر) ومستمر (دائم وغير منقطع) ومتسق (بكميات متساوية تقريبا كل عام) دون إعتراض من أى من دول الحوض يؤكد ويرسخ الحق التاريخى الذى لايمكن المساس به طبقا لأحكام محكمة العدل الدولية (1951) .


لاشك بعد السرد السابق أن لمصر حقا تاريخيا ثابتا فى حصتها الحالية من ماء النيل .. ولكن هل الحقوق - أى حقوق – يمكن أن يحترمها الكافة حتى ولو تم تأكيدها بحكم نهائى وبات من أى محكمة دولية ، وهل أحكام محكمة العدل الدولية هى أحكام واجبة النفاذ ... ولدينا مثال مخز لأوضاع المجتمع الدولى هذه الأيام ... فقد حكمت محكمة العدل الدولية بعدم مشروعية جدار الفصل العنصرى الذى يبنيه شارون رئيس وزراء إسرائيل ، فكان رد فعل شارون هوالإستهزاء يالمحكمة وحكمها ، وعندما سأله صحفى ماذا سوف تفعل لو ذهبت السلطة الفلسطينية إلى مجلس الأمن لتستصدر قرارا بتنفيذ حكم المحكمة ، كان رد شارون : " لن ننفذه " .. فهو يضمن أساسا عدم إصدار أى قرار من مجلس الأمن ضد رغبته أو ضد المطامع الصهيونية ، لتأكده واطمئنانه بأن أمريكا سوف تستخدم حق الفيتو من أجل عيون إسرائيل . ففى عالم اليوم لاتوجد أى حرمة لأى حق دون سند من قوة كافية تحميه .

وتمثل اتفاقية 1959 أول تعامل مصرى مع دولة مستقلة فى حوض النيل بعد أن رفضت السودان أحكام اتفاقية 1929 بحجة أنها تمت وهى تحت الحكم الإستعمارى البريطانى المصرى ، فماذا عن باقى دول حوض النيل : الكونغو استقلت عام 1960 ، واوغندا ورواندا وبوروندى عام 1962 ، وكينيا عام 1963 ، وتنجانيقا عام 1964 ... ولم يصل أى اعتراض رسمى من أى من تلك الدول بعد استقلالها على أى بند من بنود اتفاقية عام 1959 .


عالم اليوم عالم مضحك ومبكى فى وقت واحد ومليئ بالمتناقضات وازدواجية المعايير ، فبينما رسم الإستعمار حدود الدول فى المنطقتين العربية والأفريقية طبقا لمصالحه ، وأصبحت حدودا دولية قانونية معترفا بها ، إلا أن مااتفق عليه الإستعمار فى حوض النيل بالنسبة لمياهه هو محل إعتراض من دول الحوض بعد استقلالها .. !! .

أما بالنسبة لعبارة " الحق التاريخى" ، فقد أنشأت إسرائيل هذا الحق لنفسها فى أرض فلسطين من أوهام صنعتها ، ثم فرضتها وحولتها إلى واقع ملموس منذ وعدت الحكومة البريطانية إعطاء أرض بفلسطين لليهود ، واشتهر هذا الوعد بإسم وعد بلفور عام 1917 . ومع الفارق فى التشبيه نذكر أن السير هنرى ماكماهون أعطى نيابة عن الحكومة البريطانية وعودا للشريف حسين عندما قابله فى مكة عام 1915 غيرت خريطة المنطقة العربية بعد ذلك ، وتم بناءا على تلك الوعود تعيين فيصل الإبن الثالث له عام 1922 ملكا على الدولة العراقية الجديدة وكذلك تعيين ابنه عبد الله ملكا على الأردن ، وذلك بعد أن هزم عبد العزيز آل سعود الهاشميين شمال الجزيرة العربية وأعلن نفسه ملكا على السعودية العربية . وبعد اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وهى اتفاقية تفاهم بين حكومتى فرنسا وبريطانيا ، تم تقسيم الدول العربية (بعد هزيمة تركيا) إلى منطقتين منطقة تحت الحماية الفرنسية ومنطقة تحت الحماية البريطانية . وإذا علمنا كيف نشأت دول الخليج الخمسة (الكويت والبحرين وقطر والإمارات وعمان ) حيث تأسست على تفاهم بعض مشايخ القبائل ورؤساء الأسر مع الإستعمار البريطانى ، سوف نعذر تلك الدول إن لجأت لحماية حدودها إلى أى بلد ليست من بلاد العرب .. والإستعمار فى أى صورة له يفضل التعامل دائما مع فرد أو أفراد ويكره التعامل مع الشعوب .. فالكويت مثلا منذ استقلالها عن الحكم البريطانى عام 1961 دخلت فى مشاكل مع العراق التى طالبت بحقها فى أراضى الكويت بحجة أن بريطانيا العظمى إعترفت بالسيادة العثمانية على أرض الكويت قبل الحرب العالمية الأولى ، وكانت الكويت تحت حكم العراق كأحد محافظاتها .. إذن فالكويت يجب أن تتبع السيادة العراقية كحق تاريخى للعراق .. وتكررت محاولات العراق استرداد الكويت منذ عام 1939 حتى حكم صدام حسين .. .. ولاأذكر ذلك تأييدا لحق العراق فى استرداد الكويت ولكن لكى أوضح مدى تناقض عبارة " الحق التاريخى" واستخدامها أحيانا لتحقيق أوهام البعض أو مصالحهم ... مثلما فعلت إسرائيل عندما حولت وهما محضا إلى حق تاريخى ثم إلى واقع مأساوى نعيشه الآن ..حيث يتم التلاعب بهذه العبارة من منطلق القوة وجبروت الحماية أحيانا ...

فنرى اليهود يدعون أن لهم حقا تاريخيا فى فلسطين ، ويدعمون ذلك بقولهم : أنه بعد أن أخرجهم أحد فراعنة مصر مطرودين منها وتاهوا فى الصحراء سنين عديدة ، قادهم شاؤول أول ملك عليهم إلى فلسطين حيث أحرز نصرا على أهلها ، وبنى ابنه سليمان أول هيكل بالقدس ، ثم جاء البابليون وهدموه عام 586 ق.م. ، وأخذوا اليهود أسرى فى بابل (العراق) بما يسمى تاريخيا بالأسر البابلى ، وبقوا هناك حتى سمح لهم قورش بالعودة إلى فلسطين ، وأعادوا بناء هيكلهم مرة أخرى عام 516 ق.م. . ثم جاء الرومان عام 70 ق.م فهدموا القدس على من فيها من اليهود ، فهرب من تبقى منهم إلى غرب أوروبا .. من هنا قال اليهود أن لهم حقا تاريخيا فى فلسطين رغم أنهم فى الأساس كانوا محتلين لها بالقوة قبل أن يتم طردهم منها مرتين ... وزادوا على ذلك بأن لهم حقا تاريخيا فى العراق لمجرد أسرهم وتسخيرهم فيها لمدة سبعين عاما ، ثم زادوا وقالوا أن لهم حقا تاريخيا فى شمال شرق الدلتا بمصر ، وذلك لمجرد أن أحد فراعنة مصر كان كريما واستضاف يعقوب وأبنائه من أجل خاطر ابنه سيدنا يوسف ، وعاشوا بها آكلين شاربين متناسلين ، إلى أن جاء فرعون آخر وطردهم من مصر أيام سيدنا موسى عليه السلام بعد أن أثاروا الفتن وثبتت الخيانة فى حقهم عندما تعاونوا مع الهكسوس ضد شعب مصر . .. وفى جميع الأحوال لاأستطيع القول إلا أن اليهود شطار فقد حولوا جزءا كبير من أوهامهم إلى حقيقة .. ولكن العرب فلهم الله فهم مصرون على تحويل كل حقيقة إلى وهم وخرافة .. ولعلنا فهمنا الآن كيف يتم التلاعب بعبارة "الحق التاريخى" تزييفا للحق نفسه واعتداءا على حقوق الآخرين ، وكيف يتم ضياع الحق التاريخى الحقيقى ويتحول إلى وهم على أيدى السفهاء من حكامنا وبسبب الضعف والوهن الذى أصاب شعوبنا .. !!.

__________________
Atef Helal

 

مداخلة من الدكتور أحمد فنديس

فى 6/10/2004

 بارك الله فيك أستاذنا العزيز.هذا علم ينتفع به يعتبر صدقة جارية أدعو الله أن تكون في ميزان حسناتكم
وأرجو أن نلتقي علي الخير دائما .
 دمت مشرقا

____________

 

فهرست

الصفحة السابقة

 

إلحاقا لما هو مطروح بالصفحة الحالية ، إقرأ أيضا : "مشروع تنمية جنوب الوادى" و  " المشروع القومى لتنمية سيناء" .