الحلقة الثامنة

خطة الحرب وعنصر المفاجأة

 

أدرك السادات أنه لاخلاص من الأزمة عن طريق الأمل فى حل سلمى ، يمكن أن يأتى له سهلا - كما كان يأمل -  بمبادرات من الشرق أو من الغرب بحجة الحفاظ على السلام فى الشرق الأوسط . أو عن طريق المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع العدو الإسرائيلى المتعنت . أو عن طريق المحاولات العبثية  بحثا عن حل عادل مع عدو منتصر ومغرور ، تلعب فيها الإدارة الأمريكية أو الإتحاد السوفييتى دورا يتم فرضه على أطراف النزاع  العربى الإسرائيلى . وقد أدرك عبد الناصر قبله بعد الهزيمة الكارثية للجيشين المصرى والسورى فى يونيو 1967 بأن الحل يتلخص فى عدد من الكلمات تقول :  "أن ماأخذ بالقوة لايسترد بغير القوة" ، فقد كانت حتمية الحرب قرارا مصيريا وشعبيا لارجعة فيه ، مفروضا على أى رئيس لمصر ولا خيار له فيه ... وقد فرض هذا القرار نفسه وبقسوة على الرئيس السادات ، رغم محاولاته المتكررة تجنب مسئولية اتخاذ هذا القرار، وخاصة مع عدم استقرار السلطة له ، ومع ظروف صراعه على السلطة مع من سماهم بمراكز القوى . وحتى بعد أن تم له تصفية تلك المراكز ، وانفرد انفرادا كاملا مطلقا بالسلطة دون معارض له أو منازع ، تردد كثيرا فى تحمل مسئولية اتخاذ قرار الحرب ، رغم  مرارة  طول فترة "اللا حرب واللا سلم " ، التى عانت منها مصر كثيرا مع بدء وقف إطلاق النار بمبادرة روجرز الثانية ، اعتبارا من الساعة الواحدة من صباح السبت 8 أغسطس 1970 ، قبل وفاة عبد الناصر بحوالى خمسين يوما فى مساء يوم 27 سبتمبر 1970 . ثم أخذ وقف إطلاق النار يتجدد تباعا بعد ذلك ، حتى تم اتخاذ قرار الحرب فى أكتوبر1973 .  - (ملاحظة : مراكز القوى كانت مجموعة على رأسها على صبرى ، وكان القادة السوفييت يرون أنها أقرب إلى التعاون معهم من مجموعة السادات التى يرون أنها تميل إلى الولايات المتحدة والغرب، ولذلك فقد شعروا بأن عليهم أن يترووا فى إجابة طلبات مصر من الأسلحة ، حتى يتحققوا من ولاء السادات للعلاقات المصرية السوفييتية، وحين نجح السادات فى التخلص من مراكز القوى التى حاولت الإنقلاب على نظامه فى 15 مايو 1971  ، أطلق على نجاحه هذا إسم "ثورة التصحيح" ) .

 

ويقول المؤرخ العسكرى جمال حماد فى كتابه " المعارك الحربية على الجبهة المصرية" (دار الشروق – الطبعة الأولى 2002) الصفحة 27 ، 28   :  ومنذ شهر يوليو 1967 ظلت خطط العمليات العسكرية تتبدل وتتغير عدة مرات ، سواء فى أهدافها المرحلية أو فى أهدافها النهائية ، حتى استقر الرأى فى النهاية على تبنى "الخطة جرانيت 2 المعدلة" ، والتى تم بموجبها تنظيم التعاون بين القيادتين المصرية والسورية يوم 7 يونيو 73 بمقر القيادة العامة المصرية بمدينة نصر .. وهى الخطة التى تم تغيير إسمها الكودى فى شهر سبتمبر 73 إلى الخطة بدر. ويقول المؤرخ عبد العظيم رمضان فى المقابل ( كتابه "حرب أكتوبر فى محكمة التاريخ " بالصفحة  45) : ".. ومن الأمور ذات المغزى ، والتى تشير إلى تدهور الثقة فى السوفييت حالة القيام بهجوم مصرى ، هو أن القيادة المصرية كانت تخفى عن السوفييت خطة "المآذن العالية" المحدودة (خطة العبور) ، ولم تظهر لهم سوى خطة "العملية 41" التى تستهدف الوصول إلى المضايق ! ، والتى قامت بتحضيرها بالتعاون مع المستشارين السوفييت ، " لاطلاعهم على مايجب أن يكون لدينا من سلاح وقوات" – حسب تعبير الفريق الشاذلى . أما خطة "المآذن العالية" فيقول الشاذلى : " كنا نقوم بتحضيرها فى سرية تامة ، ولم يكن يعلم بها أحد من المستشارين السوفييت ، كما أن عدد القادة المصريين الذين سُمح لهم بالإشتراك فى مناقشتها كان محدودا للغاية" . ورغم معرفة السوفييت باحتياجات مصر لتنفيذ الخطة 41 ، إلا أنهم لم يقدموا لمصر مايكفى لتغطية الأسلحة اللازمة لتنفيذها ، كوسيلة لشل يدها عن تنفيذها" ! . وعلى ذلك فإنه حسب هذا القول الذى قال به المؤرخ الدكتور عبد العظيم بكتابه المذكور قبل (الناشر: مكتبة الأسرة 1995) ، فلم يكن هناك قبل الدخول فى الحرب مباشرة سوى خطتان للعمليات ، خطة محدودة وسرية هى خطة "المآذن العالية" ، وخطة أخرى مشاعة ومعروفة للسوفييت ولمعظم القادة المصريين هى الخطة "41" ، بغرض اطلاع السوفييت على مايجب أن يكون لدى القوات المصرية من سلاح ومعدات عسكرية ، ولكن لم يقدم السوفييت مايكفى لتغطية الأسلحة اللازمة لتنفيذ هذه الخطة ، وهذا ماسوف نناقشه تفصيلا عند الحديث عن أوضاع جبهة القتال من 10 إلى 14 أكتوبر 73 وعن ثغرة الدفرسوار وحصار الجيش الثالث الميدانى . 

ويقول جمال حماد (نفس المصدر السابق)  : مما يدعو إلى الإلتفات أن كل من تولى منصب القائد العام (وزير الحربية) كان قد تولى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة قبل إسناد منصب القائد العام له . الفريق أول محمد فوزى تولى منصب رئيس الأركان قبل هزيمة يونيو 67 ، ثم تولى منصب القائد العام للقوات المسلحة من 11 يونيو حتى تم إقالته فى 13 مايو 71 مع ماسماه السادات فى 15 مايو 71 بثورة التصحيح ،  التى كانت انقلابا من السادات على مراكز القوى التى نازعته السلطة واتخاذ القرار .  والفريق محمد أحمد صادق تولى منصب رئيس الأركان اعتبارا من 10 سبتمبر 69 ، ثم رقاه السادات إلى رتبة فريق أول عندما عهد إليه بمنصب القائد العام فى 13 مايو 71 لما قدمه من عون ومساندة له فى حركة 15 مايو 71 ، واستمر محمد صادق فى منصبه حوالى عام ونصف العام حتى تمت للسادات تنحيته فى 26 أكتوبر 72 . أما المشير أحمد إسماعيل فقد تولى منصب رئيس الأركان برتبة فريق على أثر استشهاد الفريق عبد المنعم رياض فى 10 مارس 69 ، ولم يبق فى منصبه سوى ستة أشهر فقط ، فقد أمر عبد الناصر بتنحيته عن منصبه فى 10 سبتمبر 69 على أثر وقوع الإغارة البرمائية الإسرائيلية على الزعفرانة فى اليوم السابق ، ولكن الرئيس السادات أسند إليه منصب القائد العام فى يوم 26 أكتوبر 72 – ( لولائه المطلق له ، رغم علمه بمرضه بالسرطان ، ورغم نُصح الأطباء له بأن حالته الصحية لاتسمح له باتخاذ القرارات) - ، وكان ذلك على أثر تنحية السادات للفريق أول محمد صادق ، أى قبل نشوب حرب أكتوبر بعام واحد فقط . (ملاحظة : تعين أمين هويدى وزيرا للحربية بجانب منصبه كرئيس للمخابرات العامة فى 21/7/1967 ، حيث كان محمد فوزى قائدا عاما للقوات المسلحة فقط ، إلى أن جمع محمد فوزى بين منصبه كقائد عام ومنصب وزير الحربية فى 24/1/1968 ، والجمع بين منصبى القائد العام ووزير الحربية كان تعديلا أجراه لأول مرة عبد الناصر واستمر بعد ذلك حتى الآن ) .

واستمر جمال حماد (ص 28) قائلا : هذا وقد تولى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة خلال هذه الفترة أربعة من القادة ، ذكرنا منهم اثنين وهما ، أحمد إسماعيل ومحمد صادق . وهناك إثنان آخران توليا هذا المنصب هما : الفريق عبد المنعم رياض تولى فى 12 يونيو 67 حتى استشهاده فى 9 مارس 69 خلال حرب الإستنزاف ، والفريق سعد الشاذلى وقد تولى منصب رئيس الأركان يوم 16 مايو 71 على أثر أحداث حركة 15 مايو التى سماها السادات بثورة التصحيح ، أى قبل نشوب حرب أكتوبر بحوالى عامين ونصف .... ثم يقول جمال حماد : هؤلاء القادة الخمسة ( محمد فوزى ، عبد المنعم رياض ، أحمد إسماعيل ، محمد صادق ، سعد الشاذلى)  ، كانوا هم بلا شك المسئولين طوال الفترة بين الحربين (يونيو 67 وأكتوبر 73) وفقا لترتيب توليهم لمناصبهم عن وضع الأسس والتوجيهات لهيئة العمليات الحربية لإعداد خطط الحرب والعمليات العسكرية بشتى أشكالها ومراحلها مع مراعاة مدى إمكانات وقدرات القوات المسلحة على التنفيذ . وقد تمت لهم بالطبع مناقشة هذه الخطط على المستوى العسكرى مع هيئة العمليات ومديرى الأفرع والأسلحة وقادة الجيوش الميدانية ، وعلى المستوى السياسى مع رئيسى الجمهورية الراحلين عبد الناصر والسادات .  

وحتى 6 يونيو 72 ، وهو تاريخ اجتماع مصغر للمجلس الأعلى للقوات المسلحة باستراحة الرئيس السادات بالقناطر الخيرية ، لم يكن قد تم الإتفاق على خطة واضحة لإتخاذ قرار الحرب . ويقول جمال حماد : أن الفريق فوزى أوضح عقب مرور ثلاثة أعوام على هزيمة يونيو 67 أن القوات المسلحة فى إمكانها بدء معركة تحرير سيناء والوصول إلى الحدود الدولية فى 12 يوم ،  بمجرد صدور الأمر إليها بذلك . واتضح بعد ذلك أنه لاوجود لخطة هجومية لهذه المعركة ، وذلك بشهادتى الفريق الشاذلى والرئيس السادات فى مذكراتهما . ونشر بعد ذلك الفريق أول محمد صادق مقالا فى نوفمبر 84 ، ذكر فيه أن التفكير فى حرب شاملة لتحرير كل الأراضى المحتلة أمر لم يكن مطروحا عندما كان قائدا عاما للقوات المسلحة ، لأن ميزان القوى كان وقتئذ لصالح إسرائيل .  وقدم محمد صادق خطة تتلخص فى عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف شرق القناة وتحريره ، ثم إسقاط وحدات مظلات وصاعقة وقوة اقتحام جوى فوق المضايق للتمسك بها لحين وصول القوات المدرعة والمشاة الميكانيكية إلى المضايق الثلاثة لتعزيز تحريرها (المصدر : جمال حماد ص 29-35) .

وبنفس هذا الإجتماع المصغر لمجلس القوات المسلحة الأعلى ، فى 6 يونيو 72 المذكور قبل ، يقول جمال حماد : أن السادات كان يؤيد رأى الفريق محمد صادق فى عدم بدء المعركة إلا بعد أن تتوافر لمصر قوة ردع جوى قادرة على ضرب عمق العدو ، ولكنه تساءل فى نفس الوقت عما يكون العمل إذا اضطرنا الموقف السياسى إلى بدء المعركة قبل الإنتهاء من بناء قوة الردع  ؟ . فأوضح الفريق الشاذلى بنفس الإجتماع : أنه يمكن التغلب على هذه المشكلة فى حالة تنفيذ الفكرة التى أبداها من قبل ، وهى التخطيط لمعركة هجومية محدودة فى ظل تفوق جوى معاد . وذكر الشاذلى "أنه يمكن الإعتماد فى تحدينا للتفوق الجوى الإسرائيلى خلال تلك المعركة على الصواريخ المضادة للطائرات (سام) " . وقد أكد الفريق الشاذلى أن اللواء المسيرى الذى حضر هذا الإجتماع مندوبا عن القوات الجوية قد أيد رأيه تماما . (المصدر : جمال حماد ص 36) . وكان يشير الشاذلى فى هذا الإجتماع المصغر إلى الخطة التى كان يفكر بها دائما فى ظل تفوق العدو الجوى ، وهى نفس الخطة التى تم وضع مكوناتها وتفاصيلها وتسميتها فيما بعد بخطة "المآذن العالية" .

ومايعنينا فى أمر ماسبق ، أنه حتى 6 يونيو 72 ، كانت خطة الحرب أمرا  لم يتم الإتفاق عليه بعد ،  وعلى ذلك فإن  تكرار إطلاق السادات على عام 71  صفة عام الحسم ، ثم إطلاق نفس الصفة على عام 72 ، لايمكن أن يعطى لهذا الحسم تفسيرا بأنه سوف يكون حسما بالحرب والقتال ، هذا رغم ماصرح به السادات  بالنص  قائلا : "لن أسمح أن تمر سنة 1971 دون أن تُحسم هذه المعركة " ، ورغم قوله أيضا :  "إن هذه السنة  سنة 1971 سوف تكون حاسمة فى أزمة الشرق الأوسط .. وأن هذه السنة يجب أن تشهد – بعون الله – تحركنا العملى نحو إزالة آثار العدوان " – (المصدر : أنيس منصور ص 161 من كتابه "من أوراق السادات" الطبعة الرابعة 2010 دار المعارف ) ..

ومن المعروف أن عام 71 شهد صراعا حادا  مع السادات على السلطة ممن سماهم بمراكز القوى ، التى كان يتزعمها على صبرى كما أوضحنا من قبل ، ولم تكن سلطة اتخاذ القرار فى أى أمر فى شئون مصر داخليا أو خارجيا ، قد استقرت خالصة تماما فى يد السادات فى ذلك الوقت ، وفى شأن ذلك قال السادات (المصدر السابق /جمال حماد) : " .. وقلت على مسمع من السوفييت والشعب والعالم : أن التحقيقات أثبتت أن على صبرى كان ينتظر فرقعة .. فرقعة داخل مصر .. فإذا حدثت الفرقعة وآلت لهم السلطة فلا داعى للحرب .. فلا أحد يحارب ولا أحد من شعبنا يصاب بسوء .. ولكنى أقول وأكرر أن سنة 1971 حاسمة ، وإذا اقتضت المعركة أن يكون هناك مليون من الضحايا فنحن على استعداد لذلك .. " !! . وعلى أى حال فقد كانت لحالة السادات النفسية فى تلك الفترة المضطربة آثارا جانبية بالغة الحساسية ، أصبح معها السادات فاقدا لصفة الصراحة مع الشعب أو مع معاونيه أو مع العالم الخارجى ، بهدف تمرير بعض سياساته ، ولازمته تلك الحالة حتى إغتياله فى 6 أكتوبر 1981 . ومن المؤكد أن تلك الحالة قد أفادت – دون قصد منه - فى خداع إسرائيل والقوتين الأعظم ، عندما فاجأتهم مصر بالحرب فى 6 أكتوبر 1973 .

 ويقول المؤرخ الدكتور عبد العظيم رمضان فى كتابه "حرب أكتوبر- فى محكمة التاريخ " بالصفحة 42 : فى الحق أن الأوضاع الداخلية فى مصر فى ذلك الحين كانت تضغط ضغطا شديدا فى هذا الإتجاه (أى فى اتجاه الحسم بالحرب) . ففى خلال عام 1971 كان الرئيس السادات يرفع شعار "الحسم" ويكرره فى كل مناسبة ! ، وذلك لكى يحمل المجتمع الدولى على التحرك من أجل فرض الحل السياسى العادل الشامل " . وهذا يعنى أن السادات كان يأمل كثيرا  فى الحل السلمى عن طريق ماكان يعتبره ضغطا على الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتى . وكان رفعه لشعار الحسم هو رد فعل لضغوط الداخل ، ويمثل عنده أملا فى المجتمع الدولى بأن يأخذ كلامه على محمل الجد ، فيسارع المجتمع الدولى بالتحرك نحو فرض الحل السلمى حفاظا على الإستقرار والسلام بمنطقة الشرق الأوسط ، ولكن حين انقضى عام 71 دون أى حسم ،  اضطر السادات كما يقول المؤرخ عبد العظيم رمضان بالصفحة 43 من كتابه ، أن يتذرع باندلاع الحرب الهندية الباكستانية فى 3 ديسمبر 1971 مختلقا قصة الضباب المشهورة .

فما هى علاقة الحرب الهندية الباكستانية بانقضاء عام الحسم دون حسم ! ، وهى التى حدثت فى الأيام الأخيرة من عام 71. من الصعب اكتشاف أى علاقة منطقية بين تلك  الحرب وبين فشل الحسم الذى كان السادات يكرره طوال عام 71 ، إلا إن كان هذا الحسم الذى كان يقصده كان حسما سلميا ، يعتمد فيه السادات على مجهودات آخرين مؤثرين على نظام عالم هذا الزمن ، الذى كان معروفا بزمن الحرب الباردة بين قطبى العالم - الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتى . وكان كل مانعرفه فى ذلك الوقت عن تلك الحرب الهندية الباكستانية ، أنها بدأت بضربة جوية استباقية فاشلة من الباكستان ضد الهند مساء يوم 3 ديسمبر عام 71 ، فأعلنت أنديرا غاندى رئيسة الهند الحرب على الباكستان ، وانتهت الحرب سريعا يوم 16 ديسمبر بهزيمة قاسية للباكستان ، فقدت فيها الباكستان  نصف أرضها الشرقية ، ونشأ عن تلك الحرب دولة جديدة ذات سيادة مستقلة فى الجزء الشرقى منها هى دولة بانجلاديش . وكانت تلك الحرب فرصة للقوتين الأعظم فى زمن الحرب الباردة ، لإستعراض القوة ، فى محاولة لكسب مناطق نفوذ بعالم هذا الزمن . وسارع  نيكسون رئيس الولايات المتحدة  بدعم باكستان بالسلاح وحرك الأسطول الثامن إلى خليج البنغال وحاملة الطائرات النووية إنتربرايز Enterprise . فسارع الإتحاد السوفييتى بدعم الهند بالسلاح ، وحرك هو الآخر بارجتين وغواصة مسلحين بالصواريخ النووية فى اتجاه خليج البنغال أيضا  بالمحيط الهندى . وعلى ذلك نتساءل : هل قصة الضباب التى اختلقها السادات كانت بسبب انشغال القوتين الأعظم عن لعب دور فعال فى أزمة الشرق الأوسط والصراع العربى الإسرائيلى ، نتيجة انشغالهما بالحرب الهندية الباكستانية ، رغم أن انشغالهما كان لأيام قليلة فى نهاية عام 71 ، كسب فيها الإتحاد السوفييتى نفوذا سياسيا وعسكريا جديدا عندما حسمت الهند الحرب لصالحها ضد الباكستان . فهل كان هذا الإنشغال سببا لضياع حلم السادات بالحسم سلما أو حربا وسط ضباب دولى كثيف ؟! ، مما جعله مضطرا إلى تأليف قصة الضباب المشهورة تبريرا لعدم الحسم الذى كان يكرر إعلانه ، فاضطر أن يبرر ذلك بقوله :  "أنه لولا قيام الحرب الهندية الباكستانية لقامت الحرب عام 71  وتم الحسم" . هنا يجب أن نقول أن السادات قد أخطأ كثيرا باستغبائه للشعب المصرى ، عندما اعتقد أن هذا الشعب يستطيع أن يبتلع ويهضم قصة الضباب التى ألفها . وكانت قصة الضباب قصة مفضوحة للجميع ، وكان مصطلح الحسم نفسه مصطلحا ضبابيا تاه معناه عند السادات ، فترك أمر معناه والمراد من مقصده للقوتين الأعظم ، فخذلته القوتان بضباب انشغالهما عنه بالصراع والتنافس على مناطق نفوذ أخرى بمنطقة بعيدة بالقارة الآسيوية . وأتذكر أن الكاتب الروائى  المشهور توفيق الحكيم رحمه الله أصدر بيانا فى شأن تأخير الحسم بسبب الضباب - نيابة عن كتاب مصر وعن النخبة من مثقفيها - وجهه للسادات قائلا : إذا لم تكن ترى غير الضباب فاترك أمر الحكم والحسم للشعب .

وقد أثارت قصة الضباب غضب الشعب ، وانفجرت الإضطرابات بين الطلاب ، الذيم مزقهم الشعور باليأس فى يناير 1972 ، واعتصموا بجامعة القاهرة ومعظم كليات جامعة عين شمس . وأخذت الأقلام تندد بحالة اللاسلم واللاحرب . ويقول اللواء الجمسى رئيس عمليات القوات المسلحة أثناء حرب أكتوبر – (نقلا عن كتاب المؤرخ عبد العظيم رمضان) - بمذكراته ص 214 (الطبعة الأولى 1989) :  " أحس السادات بأن شعبيته قد تأثرت ، وسمعته أخذت تتقوض . وحاول بث الطمأنينة فى قلوب الجماهير عن طريق تصريحات تؤكد أنه ليس هناك مايدعو لمناقشة قرار المعركة ، وأن المعركة حتمية ولابد منها . " . وأطلق السادات شعار الحسم مرة أخرى على عام 1972 فى خطابه بإحدى القواعد الجوية فى 30 مارس 1972 .  وأثناء زيارة السادات لموسكو فى شهر إبريل 1972 ، وكانت بدعوة من القيادة السوفييتية صارحه المارشال جريتشكو قائلا إن المتطلبات الثلاثة الأساسية لحرب ناجحة هى : السلاح ، والتدريب ، وإرادة القتال. وقال : " إن المطلبين الأولين متوفرين لديكم ، أما المطلب الثالث ، فلكم أن تستشيروا ضميركم بشأنه " !

وفى أواخر عام 1972 كان السادات قد استنفد تماما كل الوسائل السياسية والدبلوماسية ، التى كان يتبناها لتحريك القضية من مأزق "اللاحرب واللاسلم" . وحتى حين تقدم بمبادرته فى فبراير 1971 ، التى أكدها أيضا فى مايو من العام نفسه ( المصدر : عبد العظيم رمضان/ المرجع السابق ص 41) ، وقامت مبادرته على مد فترة وقف إطلاق النار لمدة 6 شهور ، ويتم البدأ فى تطهير قناة السويس بشرط أن تنسحب إسرائيل جزئيا من سيناء . تلقى رسالة من الإدارة الأمريكية تعليقا على هذه المبادرة مفادها : بأنه إذا كان يظن أن تحديد موعد أخير لإنهاء وقف إطلاق النار يمكن أن يكون عامل ضغط على الولايات المتحدة فهو مخطئ ، لأن الحاجة تدعو إلى مزيد من الوقت ! ، مما يعنى أن وقف إطلاق النار هو أمر واقع لاتسعى إسرائيل أو الإدارة الأمريكية لتغييره ، وأن الزمن مع عدم انسحاب إسرائيل من الأراضى التى احتلتها هو فى صالحها . وكانت استجابة الولايات المتحدة لمبادرة السادات سلبية ومحبطة ، رغم محاولته تشجيع الإدارة الأمريكية على قبولها ، حين استدعى دونالد برجس رئيس قسم رعاية المصالح الأمريكية فى ذلك الوقت ، وكلفه بنقل رسالة إلى الرئيس نيكسون بأنه إذا تمكن من تنفيذ مبادرته – فك الإشتباك وإعادة فتح قناة السويس – فإنه سيطرد السوفييت من مصر .

وحين أراد السادات بعد ذلك أن يعطى ورقة ثمينة مقدما للولايات المتحدة ، وخاصة بعد أن فقد صبره لتجاهل السوفييت له واستخفافهم به ، أصدر قراره فى يوليو 1972 بالإستغناء عن طائرات الميج 25 بطياريها السوفييت بإجمالى لواءين جويين  ، وهى طائرات متفوقة على طائرات الفانتوم التى كان يمتلكها سلاح الجو الإسرائيلى فى ذلك الوقت ، وكذلك الإستغناء عن الخبراء السوفييت الذين كانوا يشكلون فرقة صواريخ أرض جو والعديد من وحدات الحرب الإلكترونية . وفعل السادات ذلك دون أن يساوم الإدارة الأمريكية مقدما على أى شيئ . كما لم يكن توقيت قراره هذا موفقا لأنه تم والإدارة الأمريكية منشغلة عنه وعن أزمة الشرق الأوسط وسط معركة الإنتخابات الرئاسية ، ولم تكن متعجلة فى شأن الإنشغال بتلك الأزمة ، وخاصة أن إيقاف إطلاق النار هو إيقاف سارى بالمنطقة والواقع هادئ على الأرض وكل شيئ فى مصلحة إسرائيل . كما لم يبدى كيسينجر أى اهتمام بقرار السادات الإستغناء عن المستشارين السوفييت أثناء اجتماعه مع حافظ إسماعيل مستشار السادات للأمن القومى ، وعلق كيسينجر تعليقا يتسم بالتعالى على هذا القرار بقوله : أن البضاعة وصلت والهدف قد تحقق وبالتالى فما حدث أصبح تاريخا ، وهنرى كيسينجر لايهتم بالتاريخ ، والحاضر فى حالتنا هو الذى يصيغ الأمر الواقع ، والأمر الواقع هو ركيزة إدارة الأزمات (أمين هويدى- "الفرص الضائعة" طبعة 1992 ص 288) .

وإضافة إلى انشغال الإدارة الأمريكية بانتخابات الرئاسة فى الشهور الأخيرة من عام 1972 وتولى الإدارة الجديدة السلطة فى أوائل عام 1973 ،  فإنه حين بدأ حافظ إسماعيل مباحثاته السرية الأولى مع كيسينجر فى فبراير 1973 ، كان كيسينجر حريصا على أن يؤكد لحافظ إسماعيل أن لاينتظر الكثير من الجانب الإسرائيلى إلا بعد الإنتخابات الإسرائلية فى أكتوبر 1973 .  كما أن مؤتمر القمة السوفييتى الأمريكى الذى انعقد فى موسكو فى المدة من 22 مايو إلى 30 مايو 1972 كان بمثابة صدمة للسادات وللشعب المصرى كما يقول المؤرخ عبد العظيم رمضان (كتابه "حرب أكتوبر فى محكمة التاريخ" ص 44) ، لأنه أكد الظن الذى كان يساور الجميع بأن الدولتين العظميين قد اتفقتا على استمرار حالة اللاسلم واللاحرب ، باعتبارها الحالة المناسبة لتجنب حدوث مواجهة بينهما .

من مجمل ماسبق فإنه يمكن القول بأن إعلان السادات عام 71 هو عام الحسم ، ثم إطلاق نفس الوصف على عام 72 أيضا دون حسم ، لم يكن بقصد أن يكون ذلك ضمن خطة خداع سياسية للعدو ، بهدف مفاجأته بالحرب بعد ذلك فى عام 73  كما يدعى البعض . كما لم تكن دوافع السادات بقراره الإستغناء عن الخبراء السوفييت ، بقصد أن يجعل إسرائيل والغرب والشرق يظنون أن مصر لن تدخل المعركة التى سوف تدخلها فى 6 أكتوبر 1973 . والسادات نفسه لم يقل بذلك ، بل قال بمذكراته  إن دوافع إتخاذه قرار الإستغناء عن الخبراء السوفييت كان لموقف الإتحاد السوفييتى من إمداد الجيش المصرى بالمعدات والأسلحة وتسويفهم فى ذلك ، وأنه بنى استراتيجيته على أساس ألا يبدأ المعركة وعلى أرض مصر خبراء مقاتلين سوفييت . أما قول كيسينجر بمذكراته بعنوان "سنوات مضطربة" Years of Upheaval ص 459 عن السادات : بأن مافعله السادات  بتكرار إعلانه للحسم عامى 71 ، 72 دون حسم يشبه مافعله هتلر من خداع فى الحرب العالمية الثانية حين حشد قواته على الحدود السوفييتية بشكل ظاهر ، ثم تعمد تركيز وسائل إعلامه بأنه يفضل المفاوضة ولايفضل اللجوء إلى الحرب ،  فصدقه ستالين ، وحين إطمأن هتلر لتصديقه ، فاجأه بالهجوم والحرب  ، فإن قول كيسينجر هذا كان قولا مغلوطا ، لأن السادات لم يخدع عدوا حين أعلن الحسم عامى 71 ، 72 دون حسم ، بل خدع شعبه وخدع نفسه . لأن الثابت أن السادات لم يكن يسعى بالحسم حربا ، ولكنه كان يسعى بالحسم حسما دبلوماسيا تجنبا لمسئولية الحرب الجسيمة ، آملا من القوتين الأعظم تحريك الأزمة بأى مبادرة سلمية أو بقبول مبادرته التى أشرنا إليها من قبل ..  ووجدنا  فى النهاية أن السادات قد اضطر إلى خيار الحرب ، والإعتماد على إرادة  شعب مصر الذى طال تجنيده للقتال والحرب دون حرب أو سلم ، والتخلى عن أحلامه بتحريك الأزمة بمبادرات من هنا أو هناك .

وقد لخص عبد الغنى الجمسى ضرورة اللجوء إلى الحرب بمذكراته ص 259 فى الآتى : أن مصر قد استنفدت كل الوسائل السياسية والدبلوماسية للخروج من "حالة اللاسلم واللاحرب" . وأصبح واضحا أن سياسة الوفاق بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتى لاتوفر الظروف المناسبة لحل المشكلة بما يتفق مع المصالح العربية ، بل إن هذه السياسة أصبحت فى صالح القوتين الأعظم وإسرائيل ، كما أن طول فترة الإنتظار على جبهة القتال التى امتدت إلى خمسة وستة أعوام دون جديد فى الموقف العسكرى أثرت بالسلب على معنويات القوات المسلحة ،  وخاصة مع تغير مستوى المقاتل المصرى – بعد يونيو 1967 – تغييرا جذريا ، بعد أن تم تجنيد شباب مصر من ذوى المؤهلات العالية ، وأصبحوا يشكلون نسبة كبيرة فى الوحدات المقاتلة كجنود وضباط . ومع إستمرار التعبئة العامة منذ عام 1967 ، كان يزداد عدد المقاتلين يوما بعد يوم ، وكلما طال الوقت أصبح المقاتل يتمنى بدء الحرب تحريرا لوطنه اليوم قبل غدا وإنهاء حالة اللاسلم واللاحرب ، هذه الحالة التى استنزفت كثيرا من طاقات مصر البشرية والإقتصادية نتيجة للتعبئة العامة عدة سنوات الأمر الذى كان يشكل ضغطا متزايدا على الجبهة الداخلية يوما بعد يوم . 

وهنا بدأت العجلة تدور فى إتجاه قرار الحرب .  وأوضح الشاذلى  فى الباب السابع من مذكراته أنه فى 21 أغسطس 73 إجتمع الوفدان المصرى والسورى بالإسكندرية ، وكان على رأس الوفد المصرى الفريق أول أحمد إسماعيل وزير الحربية والفريق سعد الدين الشاذلى (ر.أ.ق.م.م) ، وعلى رأس الوفد السورى اللواء طلاس وزير الدفاع واللواء يوسف شكور (ر.أ.ح.ق.م.س) . وكان هدف الإجتماع هو الإتفاق على أنسب الأوقات لساعة الصفر ، وتنسيق الخطط المصرية السورية الخاصة بـالسرية والأمن والخداع التعبوي والإستراتيجي والسياسي . وفرضت سرية الإجتماع عودة الوفد السورى اعتبارا من يوم 24 من أغسطس، ولكن بأسلوب مختلف تماما عن أسلوب حضورهم. فمنهم من عاد جوا عن طريق السعـودية، ومنهم من عاد بطريق البحـر، ومنهم من بقي عدة أيام أخرى ، واعتبارا من 21 من سبـتمبر بدأ العد التنازلي نحو حرب أكتوبر. ويتساءل إيلى زاعيرا رئيس المخابرات الإسرائيلية (الموساد) فى مذكراته : لماذا لم تصل "معلومة" عن اللقاء المصرى السورى فى الفترة من 21 إلى 23 أغسطس 1973 ؟ . ثم يقول زاعيرا : حسب إعتقادى فإن ماتم إخفاؤه عن "الوكالة" (يقصد الموساد) بشأن هدف زيارة السادات للسعودية فى أغسطس 1973 مع الملك فيصل ، وماتم إخفاؤه عن "الوكالة" من معلومات عن اللقاء المصرى السورى فى الإسكندرية فى أغسطس نفس العام ، وكذلك القرار الحقيقى والوحيد عن موعد الحرب ضد إسرائيل ، ووصول معلومة فى نفس الوقت تفيد أن السادات قد أرجأ الحرب إلى نهاية العام ، كل ذلك يشهد على أن "المنبع" كان تتويجا لنجاح خطة الخداع المصرية - ( ملحوظة : غالبا كان يقصد زاعيرا بـ "المنبع" أشرف مروان صهر الرئيس عبد الناصر كمنبع لمعلومات الموساد الإسرائيلى ، حيث سرّب الموساد خبرا بعد وفاة أشرف مروان مقتولا أو منتحرا بلندن فى 27 يونيو 2007  أنه كان عميلها وأكبر جواسيسها وأهمهم . فى حين قال الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية : إن مروان كان جزءا من خطة الحرب المصرية ، وكان عميلا مزدوجا كحلقة مهمة فى عملية خداع إسرائيل فى حرب 73  ) . 

 أما بخصوص خداع العدو عن نوايا مصر وسوريا بالهجوم فيقول الشاذلى : قد كـانت لدينا خطة متكاملة تشمل الخداع التكتيكي والتعبوي والإستراتيجي والسياسي. وقد تم تنسـيق خططنا للخداع مع خطط الجانب السوري خلال الإجتماع بالإسكندرية في أغسطس 73. كانت الخطة تعتمد على سلسلة من الأحداث تقع في عدة تواريخ محددة على المسـتويين العسكري والسياسي مما يعطي انطباعا بأن الحرب ليست متوقعة في الوقت الذي حددناه لها . ويستعرض الشاذلى فى مذكراته بعض أمثلة لتلك الأحداث التى تنفيذها اصطناعا تنفيذا لخطة الخداع التكتيكى والتعبوى والإستراتيجى ثم يقول : وهكذا فإن المفاجأة التي حـققناها يوم 6 من أكـتوبر 73 كانت نتيجة سلسلة من الإجراءات المتعددة التي كان يجري تنفيذها ضمن خطة محـبوكة الأطراف تم وضع أسسها قبل بدء الحرب بمدة طويلة .

ويقول إيلى زاعيرا رئيس المخابرات الإسرائيلية : أما الذى لم نتوقعه ، وكان بمثابة مفاجأة لنا ، هو رد الفعل السوفييتى ، ففى الساعات المتأخرة من مساء 4 أكتوبر أسرع الخبراء السوفييت الذين يقيمون بالقاهرة هم وعائلاتهم إلى المطار ، وأقلعوا إلى موسكو ، وفى ظهر اليوم التالى 5 أكتوبر كانت عملية الرحيل قد اكتملت . وأنا اعتقدت أن السوفييت قد تأكدت شكوكهم من صور أقمار التجسس ... وربما تلقوا إشارة ما من الرئيس السادات أو الرئيس الأسد ، وعلى أى حال أصبح واضحا فى يوم 4 أكتوبر أن السوفييت واثقون ، من أن الحرب على الأبواب . كما تم إعداد خطة مصرية خاصة لنقل معدات العبور من المؤخرة إلى الجبهة ومن الجبهة إلى المؤخرة وكذا تحركات بطول المنطقة ، حتى يبدو الأمر وكأنه تدريب على التحركات ، ولاحظنا دفع القوات الرئيسية من العمق إلى الجبهة أثناء تلك التحركات قبل ثلاثة أسابيع من موعد بداية الهجوم ، وبتمويه جيد من أعمال هندسية متقنة ، كان يبدوا الأمر وكأنه يتعلق بمجرد مناورة ، ولكن فجأة وفى ذروة المناورة ، تحولت المناورة إلى قتال فعلى ..!! .

ثم يقول إيلى زاعيرا : أن عدد الضباط الذين كانوا يعملون بتطوير المناورة إلى حرب كان محدودا جدا ، وعندما حاصرت مجموعة عمليات "بران" الجيش الثالث المصرى ، قامت بأسر آلاف الجنود المصريين ، ومن بينهم ضباط من قيادة الجيش ، ومن بين هؤلاء الضباط الذين تم أسرهم ، ضابط برتبة عقيد وهو ضابط من ضباط قيادة الدفاع الجوى . وخلال استجوابه الذى أجريته له فى معسكر للأسرى بجنوب سيناء قال لى : يوم 6 أكتوبر وفى الساعة 13.30 تم استدعاء ضباط القيادة – وهو من ضمنهم – إلى مكتب قائد الجيش . وعندما دخلوا إلى مكتبه وجدوه يصلى ، وعندما أنهى صلاته أبلغهم أن المناورة قد تطورت إلى حرب حقيقية ، وفى هذه اللحظة سمعوا أزيز طائرات القتال المصرية المتجهة لمهاجمة أهداف فى سيناء .  ويقول زاعيرا : أن عنصر الخداع المصرى هو الذى ساهم أكثر من أى شيئ آخر فى عدم فهم طبيعة الإعدادات المصرية لعبور القناة ، ثم يقول : أن خطة الخداع اشتملت أيضا على خطوط رئيسية من الدعاية السياسية ، بهدف خدمة خطة الخداع ، وقد تكللت جميعها بالنجاح ، ويمكننى القول أن خطة الخداع التكتيكية والإستراتيجية حققت نجاحا ساحقا ، لدرجة أن أجهزة المخابرات العالمية ، وعلى رأسها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، استخلصت نتائج خاطئة ، وفوجئ العالم كله بالهجوم المصرى – السورى .

أما كيسينجر وزير خارجية الولايات المتحدة وقت حرب أكتوبر ومستشار الرئيس الأمريكى للأمن القومى فقد خصص فصلا كاملا بدأه بالصفحة رقم 459 بعنوان " لماذا أُخذنا على حين غرة" Why we were surprised بمذكراته "سنوات مضطربه" Years of Upheaval أوضح فى مقدمته أمثلة من أساليب المفاجأة فى الحرب العالمية الثانية  ثم قال : أن الهجوم المصرى السورى على إسرائيل كان مفاجأة استرتيجية وتكتيكية من النوع التقليدى ، ولم تنتج بشكل كامل عن خداع للخصم أو عن التشويش عليه بمعلومات متناقضة لإفقاده القدرة على التمييز بين الصحيح وغير الصحيح منها ، بل نتجت المفاجأة أساسا نتيجة لخطأ الخصم فى التفسير الصحيح للوقائع المتاحة ، والتى لم يكن يخفيها الآخر بأى ستار كثيف من المعلومات المتناقضة . والنص الإنجليزى هو مايلى :

But the surprise of the october war is not explained fully by either background "noise" or deception. It resulted from the misinterpretation of facts available for all to see . unbeclouded by any conflicting information.

ثم يقول كيسينجر : " أن كل التحليلات الإسرائيلية والأمريكية  ، كانت تضع عجز القدرة العسكرية لكل من مصر وسوريا ، عن تحرير الأراضى المحتلة بالحرب ،  فى مقدمة استهلالاتها للوصول إلى نتيجة واحدة هى عدم توقع أى هجوم من جانبهما . كما أن إعتقادنا أنهم سوف ينتظرون كالعادة ماوعدناهم به من تحرك فعال فى اتجاه الحل السلمى بعد انتهاء الإنتخابات الإسرائيلية فى 30 أكتوبر كان يدعم توقعنا عدم الهجوم فى أكتوبر على الأقل " .  ثم يقول كيسينجر : "وكان الإسرائيليون فى الجانب الآخر يفترضون وبشكل ساذج أن مصر لن تهاجم ، طالما أن قواتها لاتملك تفوقا عليهم فى السلاح الجوى ، وأنه لن يحدث أى هجوم عليهم قبل أن يعلمون به فى وقت يتراوح بين 24 ساعة إلى 48 ساعة على الأقل . وهذا وقت كاف لكى تتدخل الولايات المتحدة فى الأمر دبلوماسيا ، وهو كاف أيضا لإسرائيل لتعبئة قواتها واستدعاء الإحتياط " .  ويقول إيلى زاعيرا رئيس الموساد فى ذلك الوقت بمذكراته : " كيف لم تصل لنا أية معلومات تحذيرية إلا قبل ساعة الصفر بأربعين ساعة ؟ ! بينما "المنبع" - (سبق أن أوضحنا من هو المقصود بالمنبع) – الذى هو ليس مصدر التحذير قد علم يوم 25 سبتمبر أن الحرب على الأبواب . أى قبل عشرة أيام من نشوب الحرب ؟ " ..  أى أن زاعيرا رئيس الموساد علم بالحرب قبل نشوبها على الأقل بأربعين ساعة ، ولكن من رحمة الله أن القادة الإسرائليين كان يعميهم الغرور بعد انتصارهم الكاسح فى يونيو 1967، ووصل هذا الغرور إلى درجة الثقة – التى تكاد أن تكون مطلقة- بأن الجيش المصرى غير مؤهل بعد نكسة يونيو1967 لبدء أى حرب يمكن أن ينتصر فيها ، فلم يهتموا كثيرا بالمعلومات التى توفرت لديهم عن نية مصر وسوريا لبدء الحرب . وحينما حققت القوات المصرية والسورية المفاجأة الكاملة فى حرب أكتوبر 1973 ، أمرت  رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير فى أواخر نوفمبر 1973 أى قبل انقضاء أسابيع قليلة من إيقاف إطلاق النيران بتشكيل لجنة برئاسة القاضى شمعون أجرانات ، لمعرفة أسباب التقصير الذى تم ومن المتسبب فى ذلك ، ومثُل أمام تلك اللجنة كل من رأت اللجنة استدعاءه حتى جولدا مائير نفسها ، وموشى ديان وزير الدفاع ودافيد إليعازر رئيس الأركان وشموئيل جونين قائد المنطقة الجنوبية فى مواجهة الجبهة المصرية .

____________

فهرست الموضوعات

الحلقة التاسعة

الحلقة السابقة