التاريخ السياسى والدينى للغة القبطية

 

تمهيد :

يقول كونفوشيوس حكيم الصين فى القرن السادس ق.م. " يدرس الناس الماضى والتاريخ منذ قديم الزمن بهدف تطوير أنفسهم " ... ولأن تاريخ البشر وماوقع فيه من أحداث يمثل خلاصة تجارب الإنسانية ، فسوف نجد فيه حكمة الزمن وهداية العظة والعبرة ، وقالوا قديما : السعيد من يتعظ بغيره والشقى من يتعظ بنفسه . وإن كان التاريخ يعيد نفسه كما يقول الناس ، فإنه لايعيد نفسه بنفس السياق ، فلا يصح أن نهمله كما لايصح أن يكون عاملا يجذبنا إلى الوراء .  ولا شك أن درجة الوعى السياسى والإجتماعى والثقافى تتحدد عند الفرد بقدر إلمامه بالتاريخ ، فهو يمثل أحد الأركان الرئيسية فى بلورة ثقافة الشعوب وترسيخ كياناتها ....

 

 ولكن عندما يصبح التاريخ عند بعض مجانين التسلط - أو على وجه التحديد اصطناع التاريخ وتزييفه - جزءً رئيسيا من قواعد لعبة الهيمنة التى يفرضونها على عامة الناس بخيالهم المريض ، عن طريق تعمد بتر بعض الأحداث عن سياقها ، واصطناع أحداث جديدة عارية من كل منطق وفاقدة لكل دليل وشاهد  ، مستخدمين فى هذا الشأن كل وسائلهم القذرة فى الحصار الهمجى المتغابى للوعى والضمير الإنسانى بغرض تبرير جرائم السلب والنهب التى يرتكبونها ، أو بغرض سرقة تاريخ الآخرين وتاريخ أرضهم  لتبرير تلك الجرائم ، أو بغرض إثارة الفتنة والنعرات الطائفية بين بسطاء الناس  ، وتمزيق كيانات الدول الأضعف وشطرها إلى أشطار مهلهلة أكثر ضعفا لتسهيل السيطرة والهيمنة عليها  ، مثلما حدث ويحدث حاليا فى منطقتنا العربية ، ونشهد بعض إرهاصاته الآن فى مصر بين بعض النصارى والمسلمين   ... فلابد لنا عندئذ من وقفة جادة نعيد فيها قراءة التاريخ من جديد قراءة صحيحة واعية لبناء ثقافة التطور والمواجهة .

 

وأحسب أنى قدمت جهدا متواضعا فى هذا الشأن ، منه مانشرته من موضوعات على صفحات منتدى أبناء مصر ، تحت عنوان " الإسم مصر وليس إيجيبتوس " ، وتحت عنوان " هذا بلاغ لبعض الناس " ، وتحت عنوان " فك الإرتباط  باللغة والعروبة والتاريخ" . كما أعتبر الموضوع الحالى بعنوانه ليس أكثر من حلقة متواضعة فى سلسلة تلك الموضوعات ، التى أرجو أن تمثل جميعها مجرد شرارة نبدأ بها إشعال الشعلة التى يمكن أن تضيئ لنا عدة مسارات لمستقبل أفضل وأقوى لبلادنا بإذن الله .

 

ولقد تجنبت فى كل ماطرحته من موضوعات التعرض لما يتعلق بعقيدة غير المسلمين ، لأن موضوع العقيدة لم يكن هدفا فى حد ذاته ، كما لم يكن مطلوبا لتحقيق أهداف تلك الموضوعات .. ولأن العقيدة فى رأيى هى من اليقينيات المعنوية الشخصية البحته ، ولأن مايعتقده الإنسان يمثل عنده مايؤكده من الأمور إيمانا أكثر مما يعرفه عنها  .. فكان كل جهدى وماوفقنى الله إليه من اجتهاد هو أن أفهم وأقرأ من جديد ماكتبه البعض عن الماضى مرتبطا بتلك الموضوعات كبداية لمحاولة أرجو أن لاتنتهى عندى أو عند غيرى ..

             وما توفيقى إلا بالله ، وما أوتيت من العلم إلا قليلا .

 

 

الموضوع

 

يقول المؤرخ سليم حسن (ص 553/ جـ 15/ موسوعة مصر القديمة) : " ولما كان الشعب المصرى الأصيل متمسكا بتقاليده القديمة منذ أقدم العهود فإنه استمر فى تدوين كل شؤونه باللغة الديموطيقية ، ولم يحاول قط تعلم اللغة اليونانية حتى دخل الإسلام البلاد" ..

واللغة الديموطيقية هى طريقة من طرق كتابة لغة مصر القديمة ، وهى ليست إلا تطورا طبيعيا لها ظهر فى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد  ، واستمرت هذه الطريقة جنبا إلى جنب مع الكتابة بالخط الهيروغليفى (الكتابة المقدسة) وهو خط فاخر منمق يتم نقشه على الآثار الضخمة ، كما استمرت مع الخط الهيراطيقى المختصر الذى اختفت منه كل آثار الصور الأصلية فى الكتابة الهيروغليفية .. وتم تخصيص الخط الهيراطيقى لنسخ الكتب المقدسة وماشابهها ، فى حين أن الكتابة بالخط الديموطيقى كانت تستعمل للأغراض العادية اليومية مثل كتابة العقود والوثائق القانونية ... ويقول سليم حسن أن اللغة المصرية القديمة كانت لغة واحدة وتعرضت للتطور فى طريقة الكتابة ، وعلى ذلك تكون الكتابة المصرية القديمة – فى رأيه – هى لغة واحدة غير أنها تُكتب بثلاثة أشكال كاللغة العربية مثلا فهى تُكتب بالرقعة والنسخ والثلث ..

 

والسؤال هنا : ماهو موقع اللغة التى تسمى باللغة القبطية .. بين لغة مصر القديمة وبين اللغة اليونانية لغة البلاد الرسمية التى فرضها المحتل على شعب مصر منذ غزو الإسكندر الأكبر لها عام 331 ق.م. إلى نهاية العهد الرومانى البيزنطى وبداية دخول الإسلام عام 641 م. .. وهل تلك اللغة المسماة بالقبطية كانت لغة مصطنعة .. أم لهجة أو عدة لهجات من اللغة المصرية القديمة الدارجة حُفظت لنا مكتوبة بحروف يونانية ..وهل تم اصطناع تلك اللغة لتسهيل اتصال المحتل بشعب مصر والسيطرة عليه بغرض استنزافه تحقيقا لأطماعه وأغراضه الإستعمارية .. أم هى لغة تم اصطناعها تسهيلا لأعمال التبشير بالدين النصرانى ولجعل الكتاب المقدس متاحا لأكبر عدد من أهل مصر القديمة .. أم أن المبشرين بالدين الجديد استغلوا وجود محاولات سابقة لإصطناع  مثل هذه اللغة ، فتركز اجتهادهم على تطوير تلك المحاولات لتسهيل اتصالهم بالشعب المصرى  ونشر دعوتهم ..

 

نجد من قراءة تاريخ تلك الفترة المضطربة التى كانت أكثر فترات التاريخ المصرى اضطرابا وضياعا وتوهانا تحت الحكم الرومانى  .. أنه من السهل علينا أن نقرر أن اللغة القبطية التى بدأت تباشيرها تظهر مع بدايات القرن الثالث الميلادى .. لم تكن بالقطع تطورا أو امتدادا طبيعيا للغة مصر القديمة أو تطورا طبيعيا لطرق كتابتها التى ذكرناها من قبل .. والدليل المباشر على ذلك أن الأب النصرانى اليسوعى "كرشر" عندما ظن فى أواسط القرن السابع عشر أن اللغة القبطية التى تستعمل فى ممارسة طقوس كنيسة مصر الأرثوذكسية ، هى لغة تحفظ فى ثناياها اللغة المصرية القديمة ولكنها تُكتب بحروف يونانية ، وأخذ يقوم بناءا على هذا الظن ببحوث علمية فى هذه اللغة محاولا أن يرجع بها إلى اللغة المصرية القديمة فلم يفلح قط ..!! ، بل وتساءل عن اللغة المصرية القديمة : هل هى حروف أو أصوات أو معان ؟ وكيف يمكن قراءتها ؟ (سليم حسن / ص 126/ موسوعة مصر القديمة / جـ 1) .

 أى أن تفسير الكتابات المصرية القديمة كان سرا غامضا حتى على هؤلاء الذين كانوا يتمسكون فى بعض الأوقات باللفظ "قبط" و "أقباط" للدلالة على أصالة جذورهم المصرية .. رغم أن هذا اللفظ جاء مصر من خارجها فى أسوأ فترة من فترات تاريخها وتم فرضه إسما لشعبها فى فترة من فترات تدهورها تحت الإحتلال الرومانى .. وقد انتظر المصريون زمنا طويلا حتى تم اكتشاف حجر رشيد عام 1799 م  بالصدفة البحتة بعد غزو نابليون بونابرت لها. . وكان الحجر عبارة عن قطعة من أحجار البازلت منقوشا عليه ثلاث كتابات مختلفة ليس من بينها الكتابة بتلك اللغة المسماة بالقبطية ، وكانت إحداهما هى الهيروغليفية (الكتابة المقدسة) ، وثانيتهما الديموطيقية (كتابة الشعب) ، وثالثتهما الإغريقية (اليونانية القديمة) .. والكتابات الثلاثة عبارة عن مرسوم ملكى أصدره بطليموس الخامس عام 196 ق. م.  .. إلى أن جاء جان فرنسوا شمبليون وفك رموز اللغة المصرية القديمة فى 27 سبتمبر عام 1822 م.

 أى أن الفضل فى كشف تاريخ الشعب المصرى القديم وثقافته يرجع إلى اكتشاف حجر رشيد وفك رموزه .. بما يعنى أن اللغة القبطية لم تحفظ لمصر تاريخها أو ثقافتها لأنها لم تكن امتدادا  أو تطورا طبيعيا للغة شعبها .. وبدون اكتشاف هذا الحجر وفك رموزه كان التاريخ المصرى القديم سيظل مدفونا تحت غطاء الجهل باللغة المصرية القديمة ..

 

ونستخلص مما سبق أن اللغة القبطية تم اصطناعها لسبب آخر غير الحفاظ على تاريخ شعب مصر وثقافته .. وبالتأكيد لم يتم اصطناعها من أجل عيون مصر وشعب مصر وتاريخه وثقافته .. وإنما قد تم اصطناعها لأغراض خاصة وفى ظروف خاصة ... فما هى تلك الأغراض وماهى تلك الظروف ؟؟؟

  

هناك فترة طويلة مريرة عاش فيها الشعب المصرى القديم .. بدأت تلك الفترة بغزو الفرس لمصر عام 525 ق.م. إلى عام 331 ق.م. تخللها خمسون عاما من التحرر ، ثم فتح الإسكندر الأكبر مصر فى نفس العام (عام 331 ق.م.) ، وبدأ بذلك العهد البطلمى الذى انتهى بانتحار كيلوباترة عام 30 ق.م. ، فأصبحت مصر تحت الحكم الرومانى حتى عام 395 م. ثم تحت الحكم البيزنطى إلى أن دخلها الإسلام عام 641 ميلادية .

 

ولايذكر التاريخ المصرى فى تلك الفترة الطويلة المريرة التى امتدت لأكثر من ألف ومائة عام أن حاكما حكمها كان يتحدث لغة شعب مصر أو حاول تعلمها ، ماعدا الملكة كيلوباترة التى كانت تتحدث اللغة الديموطيقية بطلاقة وأحبها الشعب المصرى لذلك ، فقد كانت اللغة اليونانية هى لغة البلاد الرسمية طوال تلك الفترة ماعدا فترة الإحتلال الفارسى إلى أن فتح الله على مصر بالإسلام . وقد تمت محاولات مستمرة خلال تلك الفترة التى امتدت لأكثر من ألف عام لفرض ماارتبط بتلك اللغة اليونانية من ثقافة هللينية على الشعب المصرى القديم ، ولم يتقبلها الشعب المصرى الأصيل وحافظ على تقاليده وثقافته .

 وتميزت فترة الإحتلال الرومانى البيزنطى بالإستنزاف الوحشى لموارد مصر الزراعية مع  فرض مزيد من القهر والإذلال لشعبها ، وكان لابد مع تمسك المصرى القديم بلغته وتقاليده وعزوفه عن تعلم اللغة اليونانية أن يصنع المحتل لغة وسيطة سهلة عليه ، من أجل فرض مزيد من سيطرته ولتسهيل تسخيره للأهالى واستنزاف مواردهم ، وذلك لصعوبة تعلمه لغة الشعب ولهجاته ، فبدأ المحتل بمحاولات لكتابة بعض اللهجات المصرية المحلية بالأبجدية اليونانية .. وقد أجمع الكثير من مؤرخى تلك الفترة على وجود مثل تلك المحاولات لكتابة بعض هذه اللهجات بالأبجدية اليونانية ترجع تاريخها لنهاية القرن الأول الميلادى ، أطلق عليها المؤرخون إسم " النموذج الأولى للغة القبطية " أو اللغة البروتوقبطية Proto-Coptic ، وكان قد شاع على لسان المحتل كلمة "إيجيبتوس" إسما لمصر التى تم منها اشتقاق اللفظ "قبط" إشارة لشعب مصر . (راجع موضوع : الإسم مصر وليس إيجيبتوس)

 

كما أجمع المؤرخون أن لغة بعض المجتمعات النصرانية التى بدأت تظهر لأول مرة فى مصر فى القرن الثالث الميلادى لم تكن سوى اللغة اليونانية .. أى أن تلك المجتمعات الناشئة لم تفكر فى تعلم لغة الشعب المصرى تقربا منه أو حبا له ولمصلحته ، كما لم تفكر فى بذل أى محاولات لتطوير البروتوقبطية ، كما لايوجد أى دليل تاريخى على وجود جمهور نصرانى ملحوظ وله قيمة حتى منتصف القرن الثالث الميلادى ، وبقى العنصر النصرانى فى مصر ممثلا فى أقلية ضعيفة حتى بداية القرن الرابع الميلادى ، وقد نشأ هذا العنصر فى مصر متصلا بالثقافة الهللينية أى بالفكر والثقافة اليونانية ومتأثرا بها . (المصدر :Gustav Brady/ Evidence of Christianity in Egypt during the Roman Period/ Paris 1940) .

 

ونذكر أيضا أنه حين جاء القديس مرقص إلى مدينة الإسكندرية قادما من روما فى الخمسينيات من القرن الأول الميلادى ، كانت دعوته إلى الدين النصرانى قاصرة على يهود الإسكندرية الذين يتحدثون اللغة اليونانية ، وقد كانت فى بدايتها محظورة على الأمميين Gentile أى على غير اليهود ، إلى أن قتله واحد من يهود الإسكندرية عام 68 ميلادية .

 كما نذكر أيضا أنه حتى انعقاد المجلس أو المجمع الخلقدونى Council of Chalcedon فى عام 451 ميلادية كانت لغة الكنيسة فى مصر هى اللغة اليونانية ، وهذا المجلس هو رابع مجلس مسكونى انعقد فى مدينة خلقدون فى آسيا الصغرى ، وتعتبر قراراته أساسا للعقيدة النصرانية . ويعتبر هذا المجمع من أهم المجامع ، إذ نجم عنه انشقاق أدى إلى ابتعاد الكنائس الشرقية (المصرية والأرمنية والسريانية) عن الإتفاق مع الكنيستين الرومانية والبيزنطية . (ويسمى البعض أتباع الكنيسة المصرية الأرثوذكس باللاخلقدونيين ، والبعض بأسماء أخرى مثل الأقباط الأرثوذكس أو الأرثوذكس المصريين أو اليعاقبة أو المرقصيين ) .

 

مؤدى ماسبق ، يمكننا القول بأن الدعوة إلى الدين النصرانى ، لم ترتبط فى بداياتها الأولى بلغة أهل مصر القديمة وحتى عام 451 ميلادية ، كما لم ترتبط بشعب مصر باعتباره من الأمميين . وكان يعنى هذا بالنسبة للنصارى الجدد انغلاق دعوتهم على اليهود فقط وعلى من يتحدثون اللغة اليونانية .. فكان لابد لنشر دعوتهم على نطاق أوسع وإمكان التبشير بها بين المصريين ، اللجوء إلى النموذج اللغوى البروتوقبطى الذى اصطنعه المحتل الرومانى لجعل الكتاب المقدس متاحا للمصريين بلغة قريبة من لهجاتهم المحلية . ذلك لأن النصارى الجدد وجدوا نفس الصعوبة التى وجدها المحتل الرومانى والبيزنطى فى تعلم اللغة المصرية القديمة ، فبدأ منذ ذلك الوقت ارتباط جزء من تاريخ تطور تلك اللغة الوسيطة المصطنعة بنشاط الدعوة إلى الدين النصرانى .. وقد ساعد المناخ الإجتماعى الذى كان يعيشه المصريون على تقبل تلك الدعوة ، فقد كان المصريون يعيشون ظلما لاحدود له وقهرا وفقرا تحت الإحتلال الرومانى والبيزنطى لم يعيشوه من قبل ، فأنتج هذا المناخ الظالم الكريه فراغا روحيا جعلهم على استعداد لتقبل الدين الجديد إحياءً لعقيدتهم القديمة فى البعث والحياة بعد الموت ، كما أغراهم على تقبل الدين الجديد ماوجدوه أيضا من تشابه فى عقيدة الثالوث النصرانى بالثالوث المصرى الشهير أوزوريس وإيزيس وحورس .

 

وكان الصراع مستمرا بين فرق النصارى الجدد فى مدينة الإسكندرية من جهة ، وبينهم وبين الوثنيين والجالية اليهودية وطائفة الأسينيين Essenism الذين عُرفوا بإسم "الإنطوائيين" من جهة أخرى . فملأ هذا الصراع مدينة الإسكندرية فى هذا الوقت بالعجب والغرائب وتناقضات العقائد والمذاهب للفرق الدينية الغامضة التى تستلهم عقيدتها من تعاليم موروثة عن آلهة اليونان وآلهة مصر القديمة وفلسفات أفلاطون وفيثاغورس ، بحيث يمكن القول أن سكان مدينة الإسكندرية فى هذا الوقت كانوا خليطا غريبا متصارعا من مختلف الديانات والمذاهب ، كان أغلبه من الغرباء على شعب مصر ، واستمر هذا الوضع مشتعلا إلى أن اعتنق الإمبراطور قسطنطين الأول الدين النصرانى عام 313 ميلادية فبدأ عصر جديد للتسامح الدينى ، انتهت عنده موجة الإضطهاد الدينى للنصارى ولغيرهم فى أنحاء الإمبراطورية ، ثم مالبثت أن تحولت مستعمرات الإمبراطورية الرومانية بعد ذلك من إقطاعيات إلى أسقفيات ومطرانيات ومنها كانت الأسقفية المصرية Diocese of Aegypten ، وأصبح الدين النصرانى هو الدين الرسمى للإمبراطورية فبدأ عصر جديد لمدينة الإسكندرية .

 ومع منتصف القرن الرابع الميلادى أصبحت الكنيسة المصرية أكثر تنظيما ، وبدأ النصارى الجدد فى تطوير النموذج اللغوى البروتوقبطى الذى اصطنعه المحتل الرومانى والبيزنطى ، بأن زاد نشاطهم فى تسجيل اللهجات العامية المصرية على اختلاف مناطقها بالأبجدية اليونانية للمساعدة فى تنصير المصريين .. إلى أن تم إعلان استقلال الكنيسة المصرية عن كنيسة القسطنطينية عام 451 ميلادية بعد  إحتدام الجدل والنزاع بين الكنيستين حول طبيعة المسيح فى اجتماع المجلس الخلقدونى الذى أشرنا إليه من قبل ، وكان من نتائج هذا النزاع أن ألغت كنيسة الإسكندرية استخدام اللغة اليونانية فى طقوسها وشعائرها واستخدمت بدلا منها اللغة البروتوقبطية  ، التى تم تطويرها  بعد ذلك إلى مايسمى باللغة القبطية .. وكان من نتائج هذا الإجتماع أيضا هو ماحدث من انقسام لنصارى مصر إلى قسمين ، قسم يعتقد فى الثالوث المقدس بطبيعة واحدة Monophysitism إلَهيه للمسيح عليه السلام وأن مريم عليها السلام هى والدة المسيح الإلَه (طائفة المونوفيسين) ويتبع كنيسة الإسكندرية المستقلة ، وقسم آخر يعتقد بأن للمسيح عليه السلام طبيعتان متحدتان Dyophysitism ، إحداهما إلهية والأخرى إنسانية ويتمسك باللغة اليونانية كلغة لطقوسه الدينية ، ويتبع البطاركة البيزنطيين (بيزنطة مدينة فى تركيا ، أنشأها الإمبراطور قسطنطين الأول مكان مدينة القسطنطينية لتكون عاصمة جديدة لإمبراطوريته ، والتى أصبحت بعد ذلك معروفة بإسم "استانبول" فى عام 1453 م تحت الحكم العثمانى) .

 

وتقول دائرة المعارف البريطانية (الطبعة 11) أن القسم الآخر التابع للبطاركة البيزنطيين كانت له الغلبة والغالبية فى مدينة الإسكندرية فى ذلك الوقت ، فبدأ عصر جديد من الإضطهاد مارسه هذا القسم بعنف على القسم الذى يعتقد فى الثالوث المقدس ذى الطبيعة الواحدة الإلهية . وبلغ هذا الإضطهاد قمته أثناء حكم الإمبراطور جوستينيان (527-565م) Justinian الذى كان يعتقد بالطبيعتين ، وكانت  ثيودورا Theodora زوجته تشاركه الحكم الإمبراطورى حتى مماتها عام 548 م ، وتحولت من عقيدة الطبيعتين (عقيدة زوجها) إلى عقيدة الطبيعة الواحدة ، وتظاهرت بحماية أصحاب عقيدة الطبيعة الواحدة المعتدلين والدفاع عنهم  بغرض تمكين زوجها الإمبراطور بطريقة غير مباشرة من السيطرة على الفتنة والصراع الدموى  بين أصحاب العقيدتين . وكانت  ثيودورا تكن لمدينة الإسكندرية بغضا مقيتا إلى الدرجة التى أمرت فيها بإضرام الحرائق فى أنحاء المدينة عدة مرات . كما كان يُعرف عنها قبل تحولها الظاهرى تأييدها المطلق وتعصبها المتشدد للبطاركة البيزنطيين ضد فريق المونوفيسيتزم القائل بالطبيعة الواحدة للثالوث المقدس . ( أنظر صراع المسيحيين فى مصر حول طبيعة المسيح - بالملاحظات آخر الموضوع) .

 

 وفرض هذا الإضطهاد والتعنت ضد الفريق القائل بالطبيعة الواحدة  الثلاثية العزلة عليه ، مما جعله يلجأ إلى كتابة اللاهوت والطقوس الدينية بلغة مختلفة عن اللغة اليونانية ، فكانت هى اللغة القبطية المصطنعة بعد تطويرها ، ونذكر لمجرد عرض الآراء فى شأن نشأة اللغة القبطية أن المؤرخ توماس لامبدين Thomas O. Lambdin قد تجنب فى كتابه بعنوان "مقدمة للصعيدية القبطية" Introduction to Sahidic Coptic (الناشر : Mercer University Press 1983 ) التعرض لتقرير أصل النشأة الأولى للغة القبطية وقال : " لاأحد يعرف على وجه الدقة هل تم استخدام الأبجدية اليونانية لكتابة اللهجات المصرية المحلية عن طريق المبشرين بالدين النصرانى أولا ، أم أنهم أى المبشرين استغلوا حقيقة وجود هذا النظام فى كتابة اللهجات المصرية فطوروه بما عُرف بعد ذلك باللغة القبطية لجعل الكتاب المقدس متاحا لدى المصريين " .. ولكنه عاد فأشار فى كتابه إلى وجود بعض الأدلة على محاولات أولية ترجع للقرن الثانى الميلادى لنسخ بعض اللهجات المصرية بطريقة مختزلة باستخدام الأبجدية اليونانية ، وأطلق مؤرخوا اليونان والغرب على تلك المحاولات لفظ "البروتوقبطية" .

 

ويقول المؤرخ الأثرى جونسون فى كتابه " النظام المنطوق للغة الديموطيقية" The Demotic Verbal System أنه لاحظ بعد فحصه لكثير من البرديات المكتوبة باللغة الديموطيقية ، أن هناك فرقا واضحا وكبيرا بين اللغة الديموطيقية وبين اللغة القبطية ، فلم تكن اللغة القبطية نقلا أو نسخا للكتابات الديموطيقية بأبجدية يونانية ، ولكنها كانت نسخا مختزلا لبعض ماينطقه المصريون من لهجات مختلفة تأثرت كثيرا بلهجات ولغات أجنبية انتقلت إليهم عبر التاريخ الإستعمارى الطويل وكنتيجة لإختلاطهم المتكرر بموجات الهجرة السامية المختلفة . وقال أن العوامل الإجتماعية والإستعمارية ورغبة المحتل فى تسخير المصريين هى التى خلقت الإحتياج لإصطناع تلك اللغة القبطية نظرا لصعوبة تعلم اللغة الديموطيقية عليه وعلى الغرباء الجدد من النصارى ، وأنه رغم اصطناع هذه اللغة الجديدة ، إلا أن المصريين احتفظوا بلغتهم الديموطيقية وكانت هى لغة الكتابة عندهم ، واستمرت كلغة منطوقة عند طبقة المحافظين وعند الطبقة البيروقراطية المصرية حتى الفتح العربى الإسلامى . ويستمر جونسون بالقول أن اللغة الديموطيقية احتفظت بنقائها وأصالتها إلى حد كبير فى صعيد مصر ، حيث لم يختلط أهله كثيرا بلغة وثقافة الغرباء والمحتلين ، فى حين أن لغة أهالى الوجه البحرى الدارجة كان يغلب عليها كثرة استخدام الكلمات اليونانية .

 

ويقول الدكتور بولس عياد عياد وهو أستاذ فى قسم دراسة المجتمعات البشرية بجامعة كلورادو : أن اللغة القبطية لم تُصنع لتكون لغة واحدة منطوقة للشعب المصرى القديم .. فقد اتضح من دراسة المخطوطات والنقوش القديمة أن اللغة القبطية كانت نَسخاً  مختزلا للهجتين رئيسيتين من لهجات الشعب المصرى القديم مكتوبا بالأبجدية اليونانية ، الأولى هى اللهجة الصعيدية الدارجة Sahidic Dialect والثانية هى لهجة الوجه البحرى الدارجة Boheiric Dialect . وكانت لهجة الوجه البحرى هى اللهجة الدارجة لسكان مدينة الإسكندرية ومدن الدلتا ووادى النطرون .. وتم بتلك اللهجة كتابة تراتيل وأناشيد الكنيسة المصرية التى مازالت تتردد حتى اليوم كطقوس فى الكنيسة المصرية ماعدا ترتيلة hymn واحدة . أما لهجة أهالى الصعيد فقد انقسمت بعد ذلك فى اللغة القبطية المصطنعة إلى لهجة صعيدية دارجة من مدينة البهنسة (بمحافظة بنى سويف الحالية) وحتى مدينة أسيوط ، وإلى لهجة فيومية دارجة Faiyumic لأهالى الفيوم ، وإلى لهجة أخميمية دارجة لأهالى أخميم .. ثم حلت اللهجة الصعيدية الدارجة محل اللهجة الأخيرة بعد ذلك ..

 

 أى أنه يمكن القول فى النهاية أن اللغة القبطية كانت نسخا ومسخا   مختزلا بالأبجدية اليونانية للهجتين دارجتين أساسيتين للشعب المصرى القديم ، وأن مدينة الإسكندرية قد فرضت بأغلبية سكانها الناطقين باللغة اليونانية على آباء الكنيسة المصرية ولوقت طويل أن يسجلوا باللغة اليونانية كل ماكتبوه عن اللاهوت وأمور الدين ،  وأن يمارسوا طقوسهم كذلك باللغة اليونانية ، إلى أن تم نسخ كل ذلك إلى اللهجات المصرية الدارجة بما يسمى باللغة القبطية بأبجديتها اليونانية مع إضافة  سبعة أحرف صوتية من اللغة الديموطيقية .

 أى أن اللغة القبطية وبهذا الشكل الذى أوضحناه من قبل ، قد تم اصطناعها خصيصا فى البداية لتحقيق مصالح المحتل الرومانى وأغراضه الإستعمارية ، ثم استغلها بعد ذلك المبشرون بالدين الجديد وطوروها كوسيلة اتصال بالشعب المصرى تحقيقا لمصلحتهم فى نشر الدعوة . بما يعنى أن هذه اللغة لم تصطنع خصيصا من أجل مصر أو من أجل الحفاظ على تراثها القديم أو على ثقافة وحضارة أهلها منذ فجر التاريخ ، ولم تنشأ تلك اللغة امتدادا أو تطورا طبيعيا للغة مصر القديمة المكتوبة على أوراق البردى والمحفورة على المسلات وكتل الحجارة .. وكان دليلنا على ذلك ماسبق الإشارة إليه بأن المصريين قد انتظروا زمنا طويلا حتى تم اكتشاف حجر رشيد عام 1799 م عن طريق الصدفة البحتة ، ثم جاء شمبليون عام 1822 م وفك رموز اللغة المصرية القديمة ، فكان هو صاحب الفضل فى كشف تاريخ الشعب المصرى القديم وثقافته وحضارته .

 

وأخيرا جاء عمرو بن العاص عام 639 م فاتحا لمصر فى عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ومعه أربعة آلاف رجل فقط ، أكثرهم من الصحابة وحفظة القرآن الكريم . ويقودنا المنطق البسيط إلى أن هذا العدد البسيط من الرجال فى هذا الزمن الذى كان يعتمد فى الأساس على كثرة العدد فى الحروب والقتال ، لايمكن بأى حال من الأحوال اعتباره جيشا مجيشا جاء إلى مصر للقتال والحرب واستعراض القوة . حتى عندما قفلت مدينة الإسكندرية أبوابها فى وجه عمرو بن العاص ، وكانت قلعة للدين النصرانى فى ذلك الوقت مفتوحة على البحر دون حصار ، لا ينقطع عنها المدد والدعم من البيزنطيين ، تركها عمرو بن العاص ولم يقتحمها ، إلى أن سمع أهلها بسماحة الإسلام والمسلمين ، وأن أساس دعوتهم أن لاإكراه فى الدين ، فاطمأنت قلوب أهلها وفتح أسقفها أبوابها للمسلمين فى 8 نوفمبر عام 641 م . ( أنظر الملاحظة رقم 1 - آخره)

 

ويقول ول ديورانت فى كتابه "قصة الحضارة " ( الكتاب الثانى / الحضارة الإسلامية – تجده فى المجلد السابع جزء 13 / الناشر مكتبة الأسرة ) :  " ... كان المسيحيون اليعاقبة فى مصر (أنظر الملاحظة رقم 2 آخره) قد قاسوا الأمرّين من جراء اضطهاد بيزنطة وأعوانها من المسيحيين الملكانيين (أنظر الملاحظة رقم 3 آخره ) ؛ ولهذا رحبوا بقدوم المسلمين ، وأعانوهم على الإستيلاء على ممفيس (هى منف ومكانها الحالي بالقرب من منطقة سقارة على بعد 19 كم جنوب القاهرة  حيث كان يُعبد الإله بتاح الفرعونى ) ، وأرشدوهم إلى الإسكندرية ، ولما سقطت تلك المدينة فى يد عمرو بعد حصار دام ثلاثة عشر شهرا ، حال عمرو بين العرب وبين نهب المدينة وفضل أن يفرض عليها الجزية ، ولم يكن فى وسعه أن يدرك أسباب الخلافات الدينية بين الفرق المسيحية ، ولذلك منع أعوانه اليعاقبة المسيحيين أن ينتقموا من خصومهم الملكانيين ، وخالف ماجرت عليه عادة الفاتحين من أقدم الأزمنة ، فأعلن حرية العبادة لجميع أهل المدينة " .

  

ويبقى سؤال يبحث عن إجابة ..؟؟ .

إن كانت مصر قد رضخت تحت احتلال قاهر متسلط  لأكثر من ألف ومائة عام إلى أن دخلها الإسلام عام 641 م ، وتعرضت خلال هذا الزمن الطويل لضغوط قاسية ومحاولات عديدة لفرض ثقافة البطالمة الهللينية ولغتهم اليونانية ، ثم تعرضت للإبتزاز والقهر والهوان  وسوء المعاملة تحت الحكم الرومانى والبيزنطى .. وكانت اللغة اليونانية هى لغة البلاد الرسمية المفروضة على مصر خلال كل هذا الزمن ولأكثر من ألف عام متصلة ، ومع ذلك كله صمد الشعب المصرى الأصيل ، ولم يستخدم اللغة اليونانية وأبجديتها كما استخدمها النصارى الجدد ،  واحتفظ بلغته وسجل بها وبأبجديتها كل شؤونه حتى دخل الإسلام البلاد ..

 فما هى المعجزة التى جعلت الشعب المصرى يتخلى عن لغته وأبجديته وينطق لغة القرآن ويكتب بالأبجدية العربية .. أقول أننا لسنا من الغباء لنقول أنه بسبب قهر المسلمين العرب لهم ، فقد تعرض المصريون من قبل لظلم وقهر لاحدود لهما أكثر من ألف عام متصلة وتمسكوا بلغتهم وبأبجديتها ..

 إنه سؤال يحتاج إلى باحث متخصص ومحايد يعيد قراءة التاريخ من جديد ، فقد تعرض للأسف تاريخ مصر وتاريخ الإسلام إلى كثير من الحقد والتزييف والتشويش ، ومازالت الحملات المسعورة ضد التاريخين مستمرة ...

 

 ------

فهرست الموضوعات

 --------

 

ملاحظات

 

من كتاب تاريخ المسيحية الشرقية (ص 101-104) / الناشر : Routledge , a member of the Taylor & Francis Group / المؤلف : عزيز سوريال عطية / ترجمة : إسحاق عبيد /  المشروع القومى للترجمة - المجلس الأعلى للثقافة  / الطبعة الأولى 2005

 

1- " كان فتح العرب لمصر ، مثلما كان مجئ القديس مرقص إليها من قبل ، نقطة تحول هامة فى مجريات الأمور ، وفى تاريخ هذه البقعة الحيوية من عوالم العصور القديمة والوسيطة .

............... 

...............................

.......  وعبر عمرو بن العاص هو ورجاله الأربعة آلاف الحدود المصرية ووصل إلى مدينة العريش . وواصل مسيرته على الطريق الشمالى لسيناء نحو الفرما وهى الحصن البيزنطى المنيع الذى كان بمثابة البوابة الشرقية المؤدية إلى دلتا النيل ، واستولى عليها فى أوائل عام سنة 640 م . وبعد شهر آخر استولى عمرو بن العاص على مدينة بلبيس فى شرق الدلتا ، بعد أن تكبد البيزنطيون خسارة 1000 من مقاتيليهم وثلاثة آلاف آخرين وقعوا فى الأسر . بعد ذلك زحف عمرو بن العاص حتى حصن بابليون فى مصر القديمة ، وهى القلعة التى كان البيزنطيون يتحكمون منها على كل دلتا وصعيد مصر . وبعد سقوط بابليون وقعت مصادمات بسيطة بين العرب والبيزنطيين  ، استولى بعدها  العرب على مدينة نيقيو ( هى مدينة شبشير فى محافظة المنوفية) على فرع رشيد وتم تصفية الفرقة البيزنطية المرابطة فيها . وبعدها ضرب عمرو بن العاص حصارا حول مدينة الإسكندرية التى كانت محاطة بالأسوار ومليئة بالقلاع ، وتحرسها فرقة بيزنطية مؤلفة من خمسة آلاف من المقاتلين المزودين بسلاح النار الإغريقية ، ومن ورائهم البحر الذى يمكن للإمدادات البيزنطية أن تصلهم من خلاله .

وكان الإمبراطور هرقل قد سحب سيروس ( الذى تسميه المصادر العربية بالمقوقس)   من الإسكندرية ، ولكن خليفته قنسطانس الثانى أعاده إلى الإسكندرية مرة أخرى فى فبراير 641 م  . وفتح سيروس المفاوضات مع عمرو بن العاص أملا فى أن يسمح له برئاسة الكنيسة المصرية تحت إشراف العرب (كان ذلك خدعة من سيروس حتى تصل الإمدادات)  . وفى أثناء ذلك كان الإمبراطور البيزنطى قد أرسل أسطولا من ثلاثمائة سفينة تحت قيادة الأدميرال مانويل ، ونجح البيزنطيون فى إحكام السيطرة على الإسكندرية ، ولكنهم سرعان ماردوا على أعقابهم خاسرين .. (وبذلك تم فتح مدينة الإسكندرية ) ...

ويقول المؤلف : أما عن موقف القبط (يقصد شعب مصر) من المعارك التى دارت بين العرب والبيزنطيين فإن موقفهم كان أقرب إلى الحياد . على أنه يمكن القول بأن الأقباط (أى المصريين) كانوا غير متعاطفين مع البيزنطيين (المالكانيين- أصحاب عقيدة الطبيعتين) مذهبا والذين أذاقوهم صنوف العذاب ، وقضوا على حرية أهل مصر الدينية والسياسية جميعا .  "

 

2-  يعاقبة أو يعقوبية : هم الجماعات المسيحية التي اعتنقت العقيدة المونوفيزية، المنادية بالطبيعة الواحدة في المسيح، والتي دعيت رسمياً بالكنيسة السريانية الأرثوذكسية . ومما ساعد في انتشار هذه الكنية عوامل عدة مجتمعية وسياسية، منها الرغبة في مناضهة السلطة الأمبراطورية والثقافة اليونانية. واتسع تأثير هذه الكنيسة فانضمت إليها سائر الجماعات السريانية في بلاد ما بين النهرين وبلاد فارس، كما أنها أقامت علاقات مع الكنيسة القبطية. في القرن الثامن عشر ، وانضمت جماعات من اليعاقبة إلى سلطة كنيسة روما، وشكلت ما يدعى اليوم بطريركية السريان الكاثوليك. وتقول الموسوعة العربية الميسرة : أنها فرقة مسيحية ، تنسب إلى يعقوب ( وهو يعقوب البرادعى ، سُمى البرادعى لأنه كان يلبس بردعة على هيئة ثوب شحاذ ، ويطوف بالبلاد داعيا سكانها إلى الإيمان بالطبيعة الواحدة للثلاثى المقدس للمسيح ، رُسِم أسقفا على مدينة الرٌها عام 451 م ، التى كانت عاصمة إمارة سريانية فى بلاد مابين النهرين – العراق حاليا -  تأسست عام 132 ق.م.) ، وهى إحدى فرق ثلاث اختلفت حول طبيعة المسيح ، والفرقتان الأخريان هما الملكانية والنساطرة . عاش اليعاقبة فى مصر والنوبة والحبشة ، ويدور مذهبهم على القول بأن المسيح هو الله وهو الإنسان اتحدا فى طبيعة واحدة ، وقالوا يالأقانيم الثلاثة (و الأقنوم لفظة يونانية تعني الشخص Person) شخص الآب ، و هو الخـالق لكل شيء و المالك و الضابط للكل، و شخص ابنه، المولود منه أزلا المساوي لأبيه في الألوهية و الربوبية لأنه منه، و شخص الروح القدس ، و هذه الأقانيم الثلاثة متحدة في الجوهر و الإرادة و المشيئة، إلا أن هذا لا يعني أنها شخص واحد بل هم أشخاص ثلاثة، كل واحد منهم إله كامل في ذاته غير الآخر، فالآب إله كامل، و الابن إله كامل غير الآب، و روح القدس أيضا إله كامل غير الآب و الابن، و لكن مجموع الثلاثة لا يشكل ثلاث آلهة ـ كما هو مقتضى الحساب! ـ بل يشكل إلـها واحدا، و يعترفون أن هذا لا سبيل لفهمه و إدراكه بالعقل و يسمونه "سرّ التثليث". وتؤمن الكنائس "المونوفيزية" بأن المسيح واحد، وأنه اله حق وانسان حق، وهو ليس مجرد انسان بالمظهر ولكنه ملموس وحقيقي، فله اكتمال الطبيعة البشرية كما له اكتمال الطبيعة الالهية، متحدتين فيه بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير في توافق يفوق الوصف. (المصدر: الموسوعة العربية الميسرة & كتاب الأقباط عبر التاريخ للدكتور سليم نجيب، رئيس الهيئة القبطية الكندية )

 

3-  ملكيون أو ملكانية : طائفة مسيحية من الطقس البيزنطى ، منتشرة فى سوريا ومصر وفلسطين ، ومنها جالية هامة فى أمريكا ، وكنيستهم تسمى كنيسة الروم ، ويتكلم معظمهم العربية ، ويرأسهم بطريرك يقيم فى دمشق والقاهرة . سُموا (الملكيين) لأنهم أيدوا القرار الذى اتخذه مجمع خلقدونية 451 م ضد بدعة أوطيخا المونوفيزية (القائلة بأن لاهوت المسيح امتص ناسوته كما يمتص المحيط قطرة من الخل ) ، ومنهم كاثوليك يعترفون برياسة بابا روما ، ويسمون الروم الكاثوليك ، وأرثوذكس لايعترفون بهذه الرياسة ، ويسمون الروم الأرثوذكس .. وفي هذا السياق انعقد المجمع المسكوني الخامس في خلقيدونية 8 أكتوبر عام  451، وهو الذي لا تعتبره الكنيسة المصرية وبعض الكنائس الأخرى مجمعا مسكونيا: وهذه الكنائس هي المدعوة بالكنائس غير الخلقيدونية. وعرّف موجهو مجمع خلقيدونية المسيح بأنه شخص له طبيعتان، احداهما الهية والأخرى انسانية ، ولم تقبل الكنيسة الأرثوذكسية أبدا التعريف الخلقيدوني لطبيعتي المسيح، معتبرة أن ذلك يتعارض مع اعلان الايمان الصادر عن مجمع أفسس الأول عام 431 الذي قال بوحدة كاملة بين لاهوت المسيح وناسوته في مقابل هرطقة نسطور الذي فصل بين ناسوت المسيح ولاهوته.

ولما كانت مصر واقعة آنئذ تحت السيادة البيزنطية فقد سعت بيزنطة الى أن تفرض عليها بطاركة بيزنطيين سموا "بالملكانيين" من حيث أن "الملك" هو الذي أرسلهم "والمقصود هو الامبراطور"، وكان هؤلاء البطاركة أيضا في بعض الأحيان حكاما للاسكندرية وكان هذا سببا اضافيا لعدم قبول الكنيسة المصرية لهم.

واليوم، بعد نزاع دام خمسة عشر قرنا، اعترف قداسة بابا روما بولس السادس وقداسة بابا الأسكندرية شنودة الثالث بتماثل ايمانهما في سر تجسد الكلمة، معبرا عنه بما في اعلان مجمع نيقية، وكان ذلك في اعلان مشترك صدر في الفاتيكان بتاريخ 10 مايو 1973 . (المصدر : الموسوعة العربية الميسرة & كتاب "الأقباط عبر التاريخ" للدكتور سليم نجيب، رئيس الهيئة القبطية الكندية )

 

  4- النسطورية Nestorianism : أسس هذا المذهب نسطوريوس (386-451 م) - وقع اختيار الإمبراطور ثيودوسيوس عليه ليشغل منصب رئيس أساقفة القسطنطينية التى كانت تعد وقتها روما الجديدة ، وكان الجميع ينتظرون منه أن يكون استمرارا ليوحنا فم الذهب استرجاعا لموقفه العظيم فى مواجهة الآريوسية والنوفاتية . والمذهب النسطورى هو مذهب مسيحى يصنف بالنسبة للمذاهب المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية ومعظم الكنائس البروتستانتية ضمن الهرطقات والبدع . يقول المذهب بأن يسوع المسيح مكون من شخصين - إلهى وهو الكلمة ، وإنسانى أو بشرى هو يسوع  . فبحسب النسطورية لايوجد إتحاد بين الطبيعتين البشرية والإلهية فى شخص يسوع المسيح ، بل هى مجرد صلة بين إنسان والألوهة . وبالتالى لايجوز إطلاق إسم "والدة الإله" Theotokos على السيدة مريم العذراء كما تفعل الكنائس المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية ، لأن مريم لم تلد إلها بل ولدت إنسانا فقط ، ثم حلت عليه كلمة الله أثناء العماد وفارقته أثناء الصليب . وتم إقصاء هذا المذهب ومنعه من قبل آباء الكنيسة الذى تزعمهم كيرلس رئيس أساقفة الإسكندرية فى مجمع أفسس عام 431 م الذى رأسه الإمبراطور ثيودوسيوس الثانى Theodosius II الذى حكم الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية) من عام 408 حتى عام 450 م . وأدى الصراع حول عقيدة نسطوريوس إلى الصدع النسطورى الذى فصل الكنيسة السريانية الشرقية عن باقى الكنائس المسيحية فى ذلك الوقت .

 

5- الآريوسية Arianism: أسس هذا المذهب آريوس (250-336 م) ، وُلِد فى ليبيا وتعلم بالإسكندرية واستوطن بها ، ورسمه الأسقف بطرس كاهنا . والآريوسية تسمى أيضا "اللاتثليثية" nontrinitarian . أنكر آريوس فى مذهبه ألوهية يسوع واعتبره رفيعا بين مخلوقات الله ومن صنعه ، كما اعتبر أن "روح القدس" من صنع الله أيضا . وتم عقد أول مجمع مسكونى بنيقبة (موضعها الحالى قرية أستيك التركية) فى 20 مايو 325م ، رأسه الإمبراطور قسطنطين الأول لدراسة الخلافات فى كنيسة الإسكندرية بين آريوس وأتباعه من جهة وبين ألكسندروس الأول بطريرك الإسكندرية وأتباعه ، وقد أخذ الإمبراطور موقفا دينيا محايدا من قرارات المجمع حيث أنه كان فى ذلك الوقت وثنيا ولم يتم تعميده إلا على فراش الموت ، إلا أن إهتمامه بالموضوع كان لسبب سياسى محض حيث كان مهتما بحسم الصراع لصالح أحد الطرفين ليستطيع أن يكبح جماح الفتنة الناتجة عن تصادم العقيدتين .  وكان للقديس إثناسيوس الرسولى دوره الكبير فى كشف أباطيل الآريوسيين (من وجهة نظره) أمام الإمبراطور . وتغلب رأى ألكسندروس الأول الذى يقول بأن طبيعة المسيح هى نفس طبيعة الله بالإقتراع ، ورفض آريوس واثنان من القساوسة التوقيع بصحة هذا الرأى ، ومن ثم تم نفيهم إلى البرا (البلقان حاليا) ، وحُرقت كتب آريوس ، وسُمى مذهبه ببدعة ، ووُصِم أتباعه إلى اليوم بلقب أعداء المسيحية .

 

-----------------------

 

من كتاب " مفتاح اللغة المصرية القديمة " تأليف أنطون زكى / الناشر : مكتبة مدبولى / الطبعة الأولى 1997 م.

يقول أنطون زكى فى صفحتى 120،121 :

 

 

------------------------

  

من كتاب "مصر قبل الفتح الإسلامى"

إشراف د. راغب السرجانى

http://www.islamstory.com/ArticlePrint.aspx?ArticleID=3.3.2

 

النزاع والصراع بين المسيحيين حول طبيعة المسيح

 

..... ثار الجدل والنزاع منذ أيام قسطنطين الأول بين النصارى حول صفات المسيح، وقد تدخل قسطنطين الأول في هذه النزاعات الدينية البحتة، وعقد مجمع نيقية في عام 325م من أجل ذلك، وناقش هذا المجمع مذهب أريوس الإسكندري الذي أنكر صفة الشبه بين الأب والابن، وعَدَّ أن ابن الله ليس إلا مخلوقا فأنكر بذلك ألوهية المسيح، وتقرر بطلان مذهبه، والإعلان عن أن الابن من جوهر الأب نفسه ، واتخذ معظم الأباطرة الذين جاءوا بعد قسطنطين الأول موقفا عدائيا من معتقدات النصارى في مصر؛ مما أدى إلى احتدام الجدل والنزاع الديني بين كنيستي الإسكندرية والقسطنطينية.

وقد بلغ أقصاه في منتصف القرن الخامس الميلادي، حينما اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح، فاعتقدت الكنيسة المصرية بأن للمسيح طبيعة إلهية واحدة – مونوفيزيت - وتبنَّت كنيسة القسطنطينية القول بثنائية الطبيعة المحددة في مجمع خلقيدونية، ورأت أن في المسيح طبيعة بشرية وطبيعة إلهية، وهو المذهب الرسمي للإمبراطور البيزنطي، وقد عقد الإمبراطور مرقيان (450 - 457م) مجمعا دينيا في خلقيدونية في عام 451 م من أجل وضع حد لهذا النزاع ، تقرر فيه تحديد العقيدة الدينية المتعلقة بطبيعتي المسيح. وأنكر المجتمعون نحلة المونوفيزيتيين، وكفَّروا من قال بأن للمسيح طبيعة واحدة، وعَدُّوهم خارجين على الدين الصحيح، كما تقرر حرمان ديسقوروس بطريرك الإسكندرية من الكنيسة.

والواضح أن ما أحرزته كنيسة القسطنطينية من انتصار على كنيسة الإسكندرية إنما يدل على أن دعوى الكنيسة الأولى بأن لها الصدارة بين الكنائس الشرقية ومساواتها بالكنيسة الغربية في روما قد أضحى واقعا، واتخذت القضية في مصر شكلا قوميًّا؛ إذ لم يقبل ديسقوروس ولا نصارى مصر ما أقره مجمع خلقيدونية، وأطلقوا على أنفسهم اسم الأرثوذكس أي أتباع الديانة الصحيحة ، وعُرِفَتِ الكنيسة اليعقوبية نسبة إلى يعقوب البرادعي أسقف الرها المونوفيزيتي الذي زار مصر في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي ونظم كنيستها. أما أتباع كنيسة القسطنطينية فقد عُرِفُوا بعد الفتوحات الإسلامية باسم الملكانيين لاتباعهم مذهب الإمبراطور.

أضحى هذا النزاع بين الكنيستين مشكلة أقلقت المسئولين البيزنطيين، إذ أن المونوفيزيتية ليست إلا تعبيرا عما بمصر وبلاد الشام من ميول انفصالية، وكانت الأداة التي اتخذها النصارى في هذه الجهات لمناهضة الحكم البيزنطي، فألغت كنيسة الإسكندرية استخدام اللغة اليونانية في طقوسها وشعائرها، واستخدمت بدلاً منها اللغة القبطية.

وما حدث من القلاقل الدينية في الإسكندرية وبيت المقدس وأنطاكية ، وتَعَرُّض السكان في مصر لأشد أنواع الاضطهاد ، وحرمان ديسقوروس وطرده من الكنيسة بسبب ما جرى من محاولة تنفيذ قرارات مجمع خلقيدونية بالقوة ، إنما اتخذ صفة الثورات الوطنية العنيفة، ولم تقمعها السلطات إلا بعد أن أراقت دماء كثيرة.

وعندما استولى هرقل على الحكم ، رأى أن ينقذ البلاد من الخلاف الديني، وأَمَّلَ المصريون بانتهاء عهود الاضطهادات وإراقة الدماء، ومن خلال البطريرك سرجيوس، الذي أدرك خطورة الموقف، لم يَأْلُ جهدا في أن يعيد للكنيسة الهدوء والسكينة؛ ذلك أنه اعتقد بقدرته على التوفيق بين المذهبين الخلقيدوني والمونوفيزتي، فتبنى مذهب الفعل الواحد في المسيح، وهي وحدة تعرب عن وحدة الأقنوم (الشخص) لا عن وحدة الطبيعة، وأسند الرئاسة الدينية والسياسية في مصر للمقوقس أسقف فاسيس في بلاد القوقاز، وطلب منه أن يحمل أهل مصر على اعتناق المذهب الموحد، غير أنه لم يدرك أن مذهبه هذا قد ترفضه كنيسة مصر، و هذا ما حصل!

اضْطُرَّ المقوقس للضغط على المصريين وخَيَّرَهم بين أمرين: إما الدخول في مذهب هرقل الجديد، وإما الاضطهاد. وقبل أن يصل الحاكم الجديد إلى الإسكندرية في عام 631م هرب البطريرك القبطي بنيامين، توقعا لما سيحل به وبطائفته من الاضطهاد من جزاء فرض المذهب الجديد.

كان هذا القرار نذيرًا أزعج الأقباط ، وأفزع أهل الدين منهم وبخاصة أنه كان لهذا البطريرك مكانة محببة بين الأقباط في مصر، ولجأ المقوقس إلى البطش والتعذيب، وقاسى الأقباط جميع أنواع الشدائد فيما سُمِّيَ (بالاضطهاد الأعظم) الذي استمر عشر سنوات، مما كان له أثر في سهولة فتح المسلمين لمصر". [راجع في ذلك د/ طقوش: تاريخ الخلفاء الراشدين].

 

ويمكن حصر الخلاف المذهبي في هذين الاتجاهين:

1- اتجاه يمثله الملكانيون (حزب الإمبراطورية البيزنطية): شعارهم ازدواج طبيعة واحدة ؛ فالألوهية طبيعة وحدها، والناسوت طبيعة وحدها ، ويلعن أصحاب هذا المذهب ويضطهدون كل من خالفهم الرأي.

2- اليعاقبة: وهم معظم أهل مصر من القبط ، ويقولون بأن للمسيح طبيعة واحدة هي الألوهية، وفيها تكونت طبيعته البشرية، مثل: قطرة الخل تقع في بحر عميق لا قرار له .

واحتدم الصراع بين أنصار مذهب اليعاقبة السائد في كثير من بلاد الإمبراطورية البيزنطية، وبين الإمبراطورية نفسها ذات المذهب المخالف، فعاقبت الإمبراطورية المخالفين لمذهبها كما أشرنا من قبل.

 

الأحوال السياسية

 

كانت مصر ولاية رومانية تابعة مباشرة لروما منذ عام 31 ق.م، حين استولى الرومان عليها وقضوا على حكم البطالسة فيها، واتخذها الإمبراطور أغسطس قيصر مخزنا يمد روما بحاجتها من الغلال.

اتصف الحكم الروماني لمصر بالتعسف، فقد برع الرومان في ابتكار الوسائل التي تتيح لهم استغلال موارد البلاد، ففرضوا على المصريين نظما ضريبية متعسفة شملت الأشخاص والأشياء والصناعات والماشية والأراضي، فضاق المصريون بها ذَرْعًا، وقاموا بعدة ثورات ضد الحكم الروماني لعل أشهرها تلك التي قامت في عهد الإمبراطور ماركوس أورليوس (161 – 180م) ، وتعرف بحرب الزراع أو الحرب البوكولية ، ولكن الرومان كانوا يقضون على هذه الثورات في كل مرة.

ظلت مصر تحت الحكم الروماني ما يزيد عن ستة قرون، وفي عام 395م انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: شرقي وغربي، وعلى الرغم من استمرار فكرة الإمبراطورية، فقد حكم إمبراطوران مَعًا ، واحد في الشرق وآخر في الغرب، وفي عام 476م سقط القسم الغربي في أيدي البرابرة الجرمان في حين نجا القسم الشرقي الذي عُرِفَ بالإمبراطورية البيزنطية، وعاصمته القسطنطينية.

وكان شمالي إفريقية - ومن ضمنه مصر - تابع لهذه الإمبراطورية من خلال ما كان يعرف بأرخونية إفريقية، إلا أنها بظروفها السياسية والدينية تُعَدُّ امتدادًا طبيعيًّا لبلاد الشام مع بعض الاختلاف في المدى الذي ترتبط به بالحكم المركزي في القسطنطينية؛ فقد وحدت بينهما العقيدة النصرانية، ولكن وفقا لمفهوم لا يتفق كثيرا مع المذهب الإمبراطوري الملكاني.

ومن ناحية أخرى، كان الحكم البيزنطي مباشرًا ومستبدًّا، يدار بواسطة حاكم يعينه الإمبراطور، لكن الحضور السياسي كان ضعيفا، مما أدى إلى انعدام التوازن في العلاقة بين الحكم المركزي والشعب المصري، وكان المظهر الوحيد للسيادة المركزية والإدارية التي تُؤَمِّنُ مصالح الدولة الحاكمة، هو وجود مراكز عسكرية في المدن الكبرى، وبعض الحاميات المنتشرة في الداخل.

وكانت مصر بوصفها مرتبطة مباشرة بالحكم المركزي تتأثر بما كان يحدث في البلاط البيزنطي من صراعات ومؤامرات من أجل السلطة؛ فَتَعَرَّضَ المصريون لأشد أنواع المضايقات في عهد الإمبراطور فوقاس (602 -610م)، فما اشتُهِرَ به عهدُه من المؤامرات والاغتيالات، إنما حدد الإطار الخارجي الذي جرى في نطاقه من العوامل ما أَدَّى إلى انتشار الفوضى والتفكك البطيء في الحكومة والمجتمع، وقد تأثرت مصر بذلك، فامتلأت أرض الصعيد بعصابات اللصوص وقطاع الطرق، وغزاها البدو وأهل النوبة، واضطربت أوضاع مصر السفلى أيضا وأضحت ميدانًا للشغب والفتن والثورات بين الطوائف، أوشكت أن تكون حربا أهلية. وانصرف الحكام إلى جمع المال لخزينة الإمبراطورية، بِغَضِّ النظر عن مشروعية الوسائل أو عدم مشروعيتها، فاضطرمت مصر بنار الثورة.

وتعرضت الإمبراطورية في هذه الأثناء إلى كارثة خطيرة، إذ هُزِمَتْ عسكريًّا في البلقان وآسيا الصغرى وبلاد الشام، واجتاحتها الجيوش الفارسية، ثم شرع الفرس يغزون مصر!

 

كسرى أبرويز

وفى أيام فوقا (فوقاس) (602-610 م) ملك الروم ، بعث كسرى ملك فارس جيوشه إلى بلاد الشام ومصر ، فخربوا كنائس القدس وفلسطين وعامة بلاد الشام ، وقتلوا النصارى بأجمعهم ، وأتوا إلى مصر فى طلبهم فقتلوا منهم أمة كبيرة ، وسبوا منهم سبيا لايدخل تحت حصر ، وساعدهم اليهود فى محاربة النصارى وتخريب كنائسهم .

وفى أيام "فوقاس" أقيل يوحنا الرحوم بطرك الإسكندرية فخرج من أرض مصر ومات بقبرص وهو فار من الفرس ، فخلا كرسى الإسكندرية من البطركية سبع سنين لخلو أرض مصر والشام من الروم ، واختفى من بقى منها من النصارى خوفا من الفرس . وكان غزو الفرس للإسكندرية عام 617 م ، وتم لهم إخضاع مصر عام 618 م ، وبلغوا أقاصى الصعيد حتى أسوان ، وبقى سلطانهم فى مصر حوالى عشر سنوات .

وعندما ملك هرقل (610-641 م) الروم بالقسطنطينية تغلب على الفرس وأجبرهم على الإنسحاب من جميع الأراضى التى استولوا عليها من آسيا الصغرى وبلاد الشام ، وخرجوا من مصر عام 627 م ، وهكذا عاد الروم إلى مصر فى عهد هرقل .

الروم مرة أخرى:

خرج الفرس من مصر عام 627م، وعاد إليها الروم البيزنطيون، وفي عام 631م أرسل هرقل الأسقف سيروس Cyrus بطركًا للإسكندرية، وهو الذي ذكره المقريزي باسم "فيرس" وذكره غيره باسم "قيرس" وكان ملكاني المذهب، وإلى جوار أنه كان أسقفًا فقد كان نائبًا عن هرقل في حكم مصر، وكانت الإسكندرية ما زالت هي عاصمة البلاد.

وصل "قيرس" إلى الإسكندرية، وبدأ اضطهاده للقبط ليحملهم على اتباع المذهب الملكاني الحكومي، فكان عليهم أن يختاروا بين مذهب خلقيدونية بنصه أو الجلد أو الموت، وبلغ السيل الزبي بقبط مصر، فلئن كان حكم الفرس مما لم يرغبوا فيه لِمَا كان معه من ظلم وجور، فإن حكم الرومان وبطشهم وعسفهم لم يكن مما يفرحون به ويحمدونه، فقد جاء "قيرس" ليحرمهم حرية العقيدة. وتتفق كلمة المؤرخين أن اضطهاد "قيرس" للقبط قد استمر عشر سنوات، بمعنى أنه استمر طول مدة ولايته.

______

 

 

 

ومن موضوع كتبه الدكتور يوسف زيدان

المصدر : " تاريخنا المطوى"

وقد لفت نظرى إلى أهمية النظر فى تاريخنا المطوى فى لفائف البردى العربية، ذلك الكتاب الذى نشره د. جاسر أبوصفية قبل سنوات قليلة، بعنوان "برديات قُرة بن شريك العبسى" وقبله بقليل كان الصديق د. سعيد مغاورى يكتب كثيراً عن أهمية البرديات العربية، ولا يكف عن الشكوى من إهمالنا لها. وقبله بكثير كان المستشرقون الأوروبيون من أمثال جروهمان "وغيره كثيرون" يقدمون نصوصاً مذهلة من تراثنا المحفوظ فى البرديات العربية.

وبطبيعة الحال، فإن أوراق البردى التى ظلت وعاءً للكتابة لمدة ألفىْ سنة، أو أكثر، كانت اللغات المكتوب بها تتغير بحسب المراحل التاريخية. ففى دول مصر القديمة المسماة اعتباطاً "الفرعونية" كانت الكتابة على البردى باللغة المصرية المقدسة المسمَّاة اعتباطاً أيضاً "الهيروغليفية" وفى مرحلة تالية، كانت الكتابة على البردى باللغة العامية المصرية المسماة اعتباطاً "القبطية" وما هى إلا مزيج من العامية المصرية «الديموطيقية» واليونانية القديمة. وباليونانية كانوا يكتبون على البردى، حتى حكم العرب مصر باسم الإسلام.. بعدما كانوا يعيشون فى مصر فى جماعات كبيرة جداً، قبل الفتح "الغزو" الذى قام به الفاتح البديع: عمرو بن العاص، فصاروا من بعد ذلك يكتبون على أوراق البردى، باللغة العربية التى صارت "اللغة الأم" لمصر والمصريين، منذ أكثر من ألف عام.

وأعتقد من جانبى، أن أول نصٍّ مهم كتب على البردى باللغة العربية، وتم توزيعه على نطاق واسع فى مصر، ليعلم به الجميع، هو "عهد الأمان" الذى أطلقه عمرو بن العاص للأنبا بنيامين، فى السنة الأولى من تاريخ مصر العربية "=١٨ هجرية = ٦٤٢ ميلادية = ٣٥٨ للشهداء = ٦٣٤ القبطية الإثيوبية = ٤٤٠٢ لآدم التوراتى" .. ولهذا النص قصة، سنورد ملخصها قبل أن نورد النص الكامل لعهد الأمان:

قبل الغزو "الفتح" الإسلامى لمصر، كان المسيحيون الملكانيون "الروم الأرثوذكس" يحكمون البلاد، ويسومون المسيحيين اليعاقبة "الأقباط!" سوءَ العذاب. وفى خريف سنة ٦٣١ ميلادية جاء لحكم مصر الأسقف البشع "قيرس" الذى سماه العرب أو المصريون "المقوقس" لأنه من بلدة فاسيس، بالقوقاس "القوقاز" وقد أراد هذا الرجل الفظيع الذى كان يستر قبحه بالملابس الكنسية الموشاة، ويخفى شناعته بصولجان الأسقفية وبالصليب الذهبى؛ أن يصير "المذهب" المسيحى فى مصر مذهباً واحداً. ولم يعرف أن "المذهب" عند العامة أهم من الديانة نفسها.

وكان رئيس المسيحيين المصريين اليعاقبة "الغلابة" آنذاك، هو الأسقف بنيامين. وهو رجلٌ طيب، مسكين، متواضع. وكان رئيس المسيحيين المصريين الملكانيين "الأغنياء" هو الأسقف صفرونيوس. وهو رجل طيب أيضاً، مسكين، ومتواضع.. وجاءت الأخبار تقول إن قيرس "المقوقس" جاء ليضغط على اليعاقبة والملكانيين، ويجعلهم على مذهب مسيحى بائس، مخترع ومفبرك، يسمى المونوثيلية، أى مذهب الإرادة الإلهية الواحدة، بصرف النظر عما إذا كان المسيح عليه السلام هو ابن الله أو ابن الإنسان.

كان الأسقفان فى مأزق خطير، لأن قيرس "المقوقس" معروف عنه البطش والعنف. وكانت دماء اليهود تملأ العالم، بعد المقتلة الهائلة التى قام بها الروم وأساقفة الشام وإيلياء "أورشليم= القدس" عقاباً لهم على ما زعمه البعض من مساعدة اليهود للروم.. كانت الأجواء ملتهبة، ومنذرة بالمريع من أمور الشر المستطير. فماذا فعل الأسقفان؟

هرب الأسقف بنيامين، واختفى بوادى النطرون أو بالصعيد.. وذهب الأسقف صفرونيوس إلى قيرس "المقوقس" ليرجوه أن يصرف نظره عن تعميم المذهب الجديد. رفض المقوقس، فارتمى صفرونيوس عند أقدامه وبكى بالدموع والدم "كما يقول المؤرخ القديم، ساويرس بن المقفع" ولكن المقوقس رفض.

ورفض المصريون المسيحيون، الملكانيون واليعاقبة، المذهب الجديد.. فقام المقوقس بنشر الرعب فى أنحاء البلاد، وقتل عشرات الآلاف من الناس، حتى جاء عمرو بن العاص. وكان الأسقف بنيامين، لا يزال هارباً مختفياً، رغم مرور أكثر من عشرة أعوام، عانى فيها أهل مصر من ويلات المقوقس. فلما استقر الأمر بيد المسلمين، أراد عمرو بن العاص أن تستقر أحوال الرعية، فأقرَّ الملكانيين على كنائسهم وأديرتهم، ومنها أهم وأقدم كنيسة ودير فى مصر إلى اليوم "دير سانت كاترين، بسيناء" وأقرَّ اليعاقبة الذين سماهم العرب والمسلمون بعد ذلك بالأقباط، على كنائسهم وأديرتهم. وقالوا لعمرو بن العاص، إن رئيس اليعاقبة هاربٌ منذ سنين، ومختفٍ، فكتب ابن العاص الوثيقة التالية، وأمر أن تُكتب وتعمَّم على جميع أنحاء البلاد، حتى عاد بعدها بنيامين الأسقف، وصارت له بطريركية خاصة به.. وها هى "عهود الأمان" التى انتشرت نسخ كثيرة منها آنذاك، وتوزَّعت بردياتها التى حفظت لنا نصها، وتناقلها المؤرخون المسيحيون والمسلمون من أمثال ساويرس بن المقفع، والطبرى، وابن كثير، والمقريزى، وقد جاء فيها :

هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان، على أنفسهم وملتهم وكنائسهم وصُلُبهم وبرهم وبحرهم. لا يدخل عليهم شىء من ذلك، ولا يُنتقص، ولا يُساكنهم "النوب".

 وعلى أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح.. فإن أبى أحد منهم أن يجيب رُفع عنهم من الجزاء بقدرهم. وذمتنا ممن أبى بريئة.. وأينما كان بطريق "بطرك" القبط بنيامين، نعدُه الحماية، والأمان، وعهد الله. فليأت البطريق إلى هاهنا، فى أمان واطمئنان، لِيَلِى "يتولى" أمر ديانته، ويرعى أهل ملته.

وتعليقاً على هذا النص، يقول القس الباحث د. ألفرد بتلر فى كتابه الشهير "فتح العرب لمصر" الذى ترجمه لنا محمد فريد أبوحديد: لم يلبث عهد الأمان أن بلغ بنيامين، فعاد من مخبئه ودخل إلى الإسكندرية دخول الظافر، وفرح الناس برجوعه بعد أن بلغت مدة غيابه ثلاثة عشر عاماً، منذ هجر "البطرخانة" وهرب إلى الصحراء الغربية عند قدوم قيرس. ومن هذه المدة عشر سنين وقع فيها الاضطهاد الأكبر للأقباط على يد قيرس "المقوقس" والثلاث الباقية كانت فى ظل حكم المسلمين.

 وكان بنيامين فى كل هذه المدة يتنقل خفية بين أصحاب مذهبه، أو يقيم مخبأً فى أديرة الصحراء. وإنه لمن الجدير بالالتفات، أن هذا البطرك الطريد لم يحمله على الخروج من اختفائه.. إلا عهد أمان لا شرط فيه "انتهى كلام ألفريد بتلر، وانتهت المقالة الأولى من هذه السباعية!".

 

__________ 

 

 إضافة :

قلنا من قبل أن الدين المسيحى دخل إلى مصر مع مجيئ مرقص إلى مدينة الإسكندرية فى خمسينيات القرن الأول الميلادى ، وكانت دعوته إلى الدين النصرانى قاصرة على يهود الإسكندرية الذين يتحدثون اللغة اليونانية التى لم يتحدث مرقص بغيرها إلى أن قتله واحد من يهود الإسكندرية عام 68 ميلادية ، ولم تكن لغة الكنيسة المصرية حتى عام 451 م سوى اللغة اليونانية (لغة المحتل لمصر) .. وبقى العنصر النصرانى فى مصر ممثلا فى أقلية ضعيفة حتى بداية القرن الرابع الميلادى ، وقد نشأ هذا العنصر فى مصر متصلا بالثقافة الهللينية  ومتأثرا بها أى بالفكر والثقافة اليونانية ولا علاقة له باللغة المصرية القديمة أو بثقافة الشعب المصرى القديم .. أما مايقولون به عن اللغة القبطية المصطنعة ، فقد اختلقها المحتل الرومانى تقليدا لبعض اللهجات المصرية وكتابتها بحروف يونانية لتسهيل سيطرته على الشعب المصرى القديم واستنزاف موارده . ثم استخدمها المسيحيون الجدد مع بعض التطوير بعد عام 451 م لنشر دعوتهم على نطاق أوسع بين المصريين وخاصة بعد اعتناق الإمبراطور قسطنطين الدين النصرانى عام 313 م وتحويل مستعمرات الإمبراطورية الرومانية من إقطاعيات إلى أسقفيات ومطرانيات ومنها كانت الأسقفية المصرية Diocese of Aegypten ، وأصبح الدين المسيحى هو الدين الرسمى بمصر بقرار إمبرطورى .

 

كما قلنا أن المناخ الإجتماعى الذى كان يعيشه المصريون قد ساعد على تقبل هذا الدين الجديد ، فقد كان المصريون يعيشون ظلما شديدا وقهرا وفقرا لاحدود له تحت الإحتلال الرومانى والبيزنطى لم يعيشوه من قبل ، فأنتج هذا المناخ الظالم الكريه فراغا روحيا جعلهم على استعداد لتقبل الدين الجديد إحياءً لعقيدتهم القديمة فى البعث والحياة بعد الموت ، كما أغراهم على تقبل الدين الجديد ماوجدوه أيضا من تشابه فى عقيدة الثالوث النصرانى بالثالوث المصرى الشهير أوزوريس وإيزيس وحورس .

 

ويقول الدكتور جوزيف نسيم يوسف أستاذ تاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب جامعة الإسكندرية تحت عنوان : "مجتمع الإسكندرية فى العصر المسيحى حوالى 48-642 م " - (لاحظ أنه لم يقل "فى العصر القبطى" ) / المصدر : ص 73-75 - مجموعة محاضرات عن مجتمع الإسكندرية عبر العصور - الناشر : مطبعة جامعة الإسكندرية عام 1973 .

" .. لقد وجدت المسيحية فى مصر حقلا خصيبا ترعرع فيه غَرْسُها بسرعة كبيرة . ويرجع هذا إلى أن التفكير الدينى المصرى القديم وصل فى تطوراته على مر العصور إلى كثير من النتائج التى اعتبرها المسيحيون أساسا لديانتهم الجديدة ، حتى أنهم لم يجدوا فى الإنتقال من الدين القديم إلى الدين الجديد صعوبة كبيرة على عقولهم وأفهامهم . ولتفسير هذه الحقيقة نستعرض بعض المبادئ العامة التى كانت تحمل وجه الشبه بين القديم والجديد فى الديانتين ، والتى مهدت الطريق إلى سرعة انتشار المسيحية فى مصر . "

  • " أولا : يلاحظ أن فكرة الوحدانية التى هى أساس الديانة الجديدة لم تكن غريبة على قدماء المصريين فى أخريات عهدهم بالرغم من تعدد آلهتهم . ولايفوتنا فى هذا الصدد ماكان من أمر ديانة إخناتون (1383-1365 ق.م.) من الأسرة الثامنة عشر ، ومحاولة تعميم وحدانية قرص الشمس . ولو أن هذه الثورة الدينية ترجع إلى عهد سحيق ، إلا أنها تمثل مرحلة هامة فى تطور الفكر الدينى المصرى . ثم أن لاهوت المسيح وناسوته لهما شبيه فى شخص أوزوريس الذى كان إلها وإنسانا فى ذات الوقت . وفى الحقيقة كان كل الفراعنة أشخاصا مؤلهين . وكل هذه الأفكار التى تشبع بها المصريون القدماء كانت تميل إلى الوحدانية فى العبادة ، وهذه الوحدانية هى أساس الديانة الجديدة ."

  • "ثانيا : فكرة التثليث ، وهى إحدى مفاتيح العقيدة المسيحية ، كانت مع الفارق فى جوهرها بطبيعة الحال ، شائعة كل الشيوع بين قدماء المصريين ، حتى أصبح لكل مدينة هامة من مدن مصر القديمة ثالوثها الخاص بها . ولاشك أن أشهر هؤلاء ثالوث إيزيس وأوزوريس وحورس . ولذلك عندما نادت المسيحية بالتثليث لم يجد المصريون فيه شيئا غريبا عليهم ، بل كان أمرا ألفوه وعرفوه من قبل ."

  • "ثالثا : أما الفكرة الثالثة فهى ولادة ابن الله من عذراء بكر بنفحه من روحه القدس . وتظهر هذه الفكرة أيضا عند قدماء المصريين فى أمثلة وأشكال متعددة ، منها مولد حور محب آخر ملوك الأسرة الثامنة عشرة ، حيث اعتبره الكهنة إبنا لآمون من عذراء بكر حتى يساعدوه على تثبيت نفسه على العرش . ومن ذلك أيضا أن الإله أبيس كان يتجسد من عِجلة بكر بعد حلول روح الإله بتاح فيها . "

  • "رابعا : كان مبدأ البعث والخلود فى العالم الآخر ، وكذلك مبدأ الثواب والعقاب اللذان بشرت بهما المسيحية ، من أقوى تعاليم الديانة المصرية القديمة (تعليق : كان ذلك قبل موسى عليه السلام أيضا) ، وإليهما يرجع التطور العظيم الذى حدث فى مدنيتهم . وما الأهرامات والمقابر والمعابد الجنائزية والتحنيط وصناعة التماثيل وغير ذلك من الأعمال الجبارة إلا بعض المظاهر التى حاول قدماء المصريين بواسطتها المحافظة على جثثهم حتى تعود إليها أرواحهم فى العالم السفلى ، أملا فى تخليد أنفسهم بعد الموت فى النعيم المقيم ."

  • "خامسا : الصليب الذى أصبح فى شكله المعروف رمز الحياة الأبدية الروحية فى الديانة المسيحية ، قريب الشبه بعلامة الحياة "عنخ" التى كان آلهة قدماء المصريين يحملونها على الدوام ، وماهى إلا صليب معقود الرأس . "