فك الإرتباط باللغة والعروبة والتاريخ

 

دعانى إلى كتابة هذا الموضوع ماأعلنه بعض الأشخاص فى مصر فى بدايات العام الحالى 2005 (وله صلة بماقد يحدث بالعراق وغيرها) .... وكان على رأس هؤلاء الأشخاص شخصا يدعى محسن لطفى السيد (ابن شقيق المفكر الراحل أحمد لطفى السيد الذى كنا نطلق عليه صفة "أستاذ الجيل") ... حيث أعلن هؤلاء الأشخاص عن نيتهم فى تأسيس حزب بإسم "حزب مصر الأم الفرعونى" ، وتقدم محسن لطفى وكيلا عنهم للجنة شئون الأحزاب ببرنامج الحزب لأجازته ..

 

وكان من بين أهداف الحزب الرئيسية فك الإرتباط بالعروبة سياسيا وثقافيا ، وإعادة ربط المصريين بقوميتهم الفرعونية وحدها ، وتغيير الدستور بما يلغى اعتبار الشريعة الإسلامية المصدر الأساسى للتشريع .. كما كان من بين أهداف الحزب المزعوم الدعوة إلى إحياء اللغة الهيروغليفية واللغة القبطية .. !! .

 

وعلّق على ذلك فى حينه الكاتب والمؤرخ المعروف جمال بدوى قائلا " إن أصحاب هذا التيار الفرعونى لايعنيهم شكل الحكم أو إصلاحه ، وإنما الذى يعنيهم هو شطب الحقبة العربية من تاريخ مصر ، فهم لايجرؤون على كشف عدائهم للإسلام ، ولذلك فإنهم يركزون سهامهم على العروبة ويضعون العرب فى حزمة واحدة مع القوى الأجنبية التى احتلت مصر ، وأن على العرب أن يحملوا كل ماجاءوا به (حتى الإسلام) ويرحلوا عن مصر " .

 

وقلت وقتها فى شأن دعوتهم الخبيثة الغبية بإحياء اللغة الهيروغليفية واللغة القبطية : أن أنسب مكان لأصحاب تلك الدعوة هو أى مستشفى للمجانين فى أى ركن بعيد من العالم .. فهم أغبى بكثير من ذلك المواطن الأوروبى الذى قد يُجَن فى أية خمّارة أوروبية فينادى بالعودة إلى اللغة اللاتينية .. على الرغم أننا قد نعذر هذا المخمور فى جنونه لكون اللغة اللاتينية التى ينادى بها هى أصل اللغات الإيطالية والفرنسية والأسبانية والبرتغالية .. أما هذا المجنون – من مصر- الذى يدعو للعودة إلى اللغة الهيروغليفية فلا عذر لجنونه سوى خبثه وحقارة شأنه واضطراب عقله وغباء نفسه .. لأن هذه اللغة التى ينادى بها كانت تُرسم أشكالا وصورا على ورق البردى وتنقش على الأعمدة وجدران المعابد .. ومازالت محل شك فى مدلولاتها رغم ماوصل إليه العالم الفرنسى شامبليون من فك رموز حجر رشيد  .. كما أن هذه اللغة ليست أصلا لأى لغة ينطقها أو يكتبها أى شعب فى الوقت الحاضر .. ولاعلاقة لتلك اللغة باللغة العربية الجميلة التى ينطق بها شعبنا الصابر على رذالات الخبثاء والمتسلقين العملاء .

 

أما اللغة القبطية فهى لغة تعرضت لكثير من الخلط والخيال التاريخى المريض بين من يتمسكون باللفظ "قبط" ، وهم حتى لايعرفون ماذا يعنيه هذا اللفظ تاريخيا ولغويا (راجع : الإسم مصر وليس إيجيبتوس ؛ وراجع أيضا : التاريخ السياسى والدينى للغة القبطية)  .. وإن كان يعنى هذا اللفظ عند من يتمسكون به  "شعب مصر"  .. فإن شعب مصر لاينطق ولايكتب سوى اللغة العربية  ، وبالتالى فإن اللغة العربية هى لغته ، ولايصبح بيننا وبينهم خلافا إلا أننا لانتمسك باللفظ "قبطى" بديلا عن اللفظ الأصيل المشرف "مصرى" .

 

أما مايقصده البعض الآخر باللغة القبطية بأنها هى تلك اللغة التى تم اصطناعها فى القرن الثالث الميلادى لأغراض خاصة وفى وقت خاص من تاريخ مصر لكى يسهل على المحتل الرومانى البيزنطى سرقة شعب مصر واستنزاف موارده وفرض ثقافته ولغته عليه ، وحدث ذلك فى زمن بعيد كانت فيه مصر إحدى إقطاعيات الإمبراطورية الرومانية  ، حيث عجز هؤلاء الغرباء الرومان عن فرض ثقافتهم ولغتهم على شعب مصر ، نتيجة عجزهم عن تعلم لغة شعب مصر ، فى مقابل تمسك المصريين بلغتهم وعدم رغبتهم فى تعلم لغة الغريب المحتل لبلادهم (سليم حسن فى موسوعته مصر القديمة ) .. فإن كان مايقصده البعض هو نفس ماكان يقصده المحتل الرومانى قديما فسوف يخيب مقصدهم .

 

وكان قد تأسس الدين النصرانى فى مدينة الإسكندرية على يد القديس مرقص الذى أتى إليها فى حوالى عام 55 وعام 58 م ، ولم يكن مرقص فى حاجة إلى تعلم لغة أهل مصر حيث كانت دعوته إلى الدين الجديد قاصرة على يهود الإسكندرية الذين لا يتحدثون سوى اللغة اليونانية إلى أن مات مرقص مقتولا بها على يد أحدهم .. ولم يكن هناك لغة فى مصر سوى لغة أهل البلاد ولغة المحتل .. ولايوجد أى دليل أثرى يشير إلى أن هناك لغة كان إسمها "اللغة القبطية" .

 

وعندما أحس المحتل الرومانى بضرورة إنشاء لغة وسيطة لتسهيل إتصاله بأهالى البلاد لتحقيق مصلحته ، فكانت هى اللغة القبطية مع نهايات القرن الثالث الميلادى ، وكما خدمت تلك اللغة المحتل الرومانى فى تسهيل مصالحه ، خدمت بعد ذلك أيضا المبشرين الجدد فى جعل الكتاب المقدس متاحا لقطاع كبير نسبيا من الشعب المصرى ، اضطر إلى تعلم اللغة القبطية المصطنعة لتحقيق مصلحته ولمزاولة نشاطه الحياتى والتجارى مع المحتل  ..

 

وقد تم اصطناع تلك اللغة خليطا مشوها غريبا من اللغة اليونانية ومن بعض الكلمات المصرية .. وتم كتابتها بالألف باء اليونانية مع سبعة حروف من اللغة الديموطيقية  لغة شعب مصر المحلية فى ذلك الوقت التى تعلمتها كيلوباترة – وهى من أصل يونانى مقدونى - تقربا للشعب المصرى إلى أن انتحرت هى ومارك أنتونى عام 30 قبل الميلاد وأصبحت مصر تحت الحكم الرومانى وجزءا إقطاعيا من الإمبراطورية الرومانية  .

 

وبعد اعتناق الإمبراطور قنسطنطين الأول الدين النصرانى عام 313 م .. انتشرت النصرانية فى جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية ، وحوّل قنسطنطين  إقطاعيات الإمبراطورية إلى أسقفيات ومطرانيات ومنها كانت الأسقفية المصرية Diocese of Aegyptus ، وكانت لغة الكنيسة المصرية هى اللغة اليونانية ، إلى أن استقلت الكنيسة المصرية عن الكنيسة الرومانية لأسباب تتعلق بخلافات حادة ودموية كانت تتعلق بالعقيدة النصرانية حول طبيعة المسيح عليه السلام ، فتم اعتماد اللغة القبطية المصطنعة - على سبيل العناد والإصرار على الإختلاف - فى ممارسة الطقوس الدينية بالكنيسة المصرية بدلا من اللغة اليونانية التى كانت لغة الكنيسة المصرية ولغة المبشرين بالدين النصرانى حتى عام 451 م  ، وحدث ذلك بعد اجتماع المجلس الخلقدونى Council of Chalcedon رابع مجلس مسكونى انعقد فى مدينة خلقدون فى آسيا الصغرى على ضفة البوسفور فى مواجهة القسطنطينية . وتعتبر قرارات هذا المجلس أساسا للعقيدة النصرانية ، رغم اختلاف البعض وإنكاره لهذا المجلس فى ذلك الوقت ، والذين يمثلون أتباع الكنيسة الأرثوذكسية الحالية . وترتب على ذلك اقتصار استخدام هذا البعض لتلك اللغة القبطية المصطنعة فى الكتابات اللاهوتية وفى ممارسة الطقوس الدينية ولترجمة كثير من المخطوطات عن اليونانية .

 

أما الزعم بأن اللغة القبطية هى نفسها تلك اللغة التى كان يتحدث بها المصريون عبر كل الأزمان قبل الفتح العربى الإسلامى ، فهو زعم باطل نتج عن الخلط بين لفظ "قبط" الذى انتشر استخدامه فى فترة الإحتلال الرومانى إسما لشعب مصر بمختلف طوائفه وتنوع دياناته ... والذى أصبح يعنى عند البعض فى وقت لاحق وصفا قاصرا  على أتباع الكنيسة المصرية ، ثم تطور استخدامه على سبيل الخطأ والمغالطة كبديل للفظ "مسيحى" أو "نصرانى" .. وهو فى الحقيقة لفظ دخيل على لغة أهل مصر القديمة جاء من خارجها فى أسوأ فترات التاريخ المصرى ..

 

ومن ينادى اليوم بالعودة إلى اللغة القبطية فكأنه ينادى بأن يحكمنا البطالمة والرومان من جديد ، وينادى بأن نرجع إلى الوراء كثيرا وكثيرا جدا إلى فترة أكثر اضطرابا وضياعا وتوهانا من تاريخنا .. وإن كان بعض إخواننا النصارى يتمسكون باللفظ "قبط" ويقفون ضد تعريب الألحان القبطية فلهم حجتهم ونحن نحترمها .. وحجتهم فى هذا الشأن أن التعريب يشوه المعالم الموسيقية لألحان الطقوس الكنسية ، وقد يتغير إسم اللحن لإسم آخر هو "اللحن العربى" فتنتفى عنه صفة "القبط" التى يتمسكون بها ، كما أن حجتهم أيضا أن اللغة القبطية أصبحت عندهم لغة دين وتدين وهذه عقيدتهم وهم أحرار فيما يعتقدون ، فهى لغة الألحان التى تعتبر الدعامة الأساسية فى نظرهم فى الطقس الكنسى .. ولكنهم بمنطق العقل والتعقل فسوف يتفقون مع قول بلوتارك بالنسبة للغة أية لغة على المستوى الدنيوى حيث قال بلوتارك : يبدو أن استعمال اللغة يتعرض للتغير على النحو الذى يتغير عليه استخدام النقود ، فلكل من هذه وتلك قيم مختلفة فى الأزمنة المختلفة ، عندئذ لايتقبل الإنسان إلا ماهو معروف ومتداول طالما يؤدى وظيفته دون خلل أو تضليل وضلال .  

 عاطف هلال

 -------

 

فهرست الموضوعات

 

---------

 

إضافة منقولة (المصدر : http://www.moheet.com/show_files.aspx?fid=376135  )

 

 

تاريخ النشر : 7 أغسطس 2010 .

 

جدل في مصر بعد قرار الكنيسة نشر اللغة القبطية بين المسيحيين

 

القاهرة: ذكرت تقارير صحفية أن قرار الكنيسة الأرثوذكسية المصرية بإحياء اللغة القبطية ونشرها بين المسيحيين، بعد قرون من اقتصار تداولها على رجال الدين فقط داخل الكنائس والأديرة، قد أثار جدلا واسعا ين القوى السياسية والدينية.

وانتشرت في أوساط الأقباط أخيراً منشورات دعائية تدعوهم إلى تعلم اللغة القبطية مجاناً ودون اشتراط مؤهل دراسي أو علمي محدد.

وبدا لافتاً الظهور المكثف لتلك المنشورات أمام أبواب الكنائس، وعلى جدرانها، لإعلان تدريس اللغة القبطية في أحد المعاهد المتخصصة في هذا المجال، الذي يتبع الكنيسة المصرية مباشرة، وتحظر الدراسة به لغير الأقباط.

كما انتشرت تلك الدعوة في عدد من المواقع الإلكترونية القبطية على شبكة الإنترنت، وتضمن بعضها أبواباً ثابتة لتعليم اللغة القبطية، ومن بين تلك المواقع موقع "الأقباط أحرار" وموقع "كنيسة مارجرس والعذراء".

ونقلت صحيفة "الجريدة" الكويتية عن وكيل إدارة البطرخانة في الكاتدرائية المرقصية بالعباسية القمص سرجيوس سرجيوس، قوله: إن "تعلم اللغة القبطية له أهمية دينية للمواطن المسيحي".

واشار إلي أن "أجزاء كثيرة من الإنجيل مكتوبة بالقبطية، وتعليمها كنسياً يهدف إلى المشاركة في تلاوة المراسم والأناشيد الدينية القبطية".

وحول السماح لغير الأقباط بتعلم اللغة القبطية، قال سرجيوس: "إذا كان مسموحاً لطالب قبطي أن يتعلم في الأزهر، فستسمح الكنيسة لطالب مسلم أن يتعلم القبطية في معاهد الكنيسة".

وكشف سرجيوس عن افتتاح قسم خاص لتعليم اللغة القبطية بالجامعة الأميركية في مصر، يعمل على نطاق ضيق منذ سنوات قريبة من خلال تنظيم دورات تدريبية غير منتظمة لتعليم القبطية مجاناً.

في المقابل، قال المفكر القبطي العلماني وعضو مجلس الشعب السابق جمال أسعد إن التوجه الذي ذهب إليه سرجيوس خطأ، مؤكداً عدم وجود ارتباط بين اللغة القبطية والديانة المسيحية، وأن اللغة القبطية قديمة وتراثية، وهي ملك لكل المصريين من جميع الأديان.

وأضاف أن "تلاوة الصلوات بها في الكنائس في لحظة تاريخية سابقة لأنها كانت اللغة المستعملة وقتذاك لا يعني إبقاءها والتمسك بها، بل وإعادة إحيائها، رغم أنها لغة ميتة، ولا علاقة لها بالواقع حالياً، كما أن الصلوات تتلى بالعربية أيضاً".

ويؤكد أسعد أن "الإصرار على تعليم القبطية بهذا الشكل المتعمد يُعد نوعاً من إظهار قوة دور الانفصاليين الأقباط الذين يدعون أن مصر قبطية وملك للمسيحيين، وأن العرب المسلمين غزاة، وهنا تصبح اللغة القبطية في تصورهم البديل للعربية والعمل على استدعاء التراث القبطي ليكون في مواجهة التراث العربي الإسلامي".

وتابع: إن ذلك "يؤدي إلى إحداث فرقة حقيقية داخل المجتمع المصري تمهيداً لتقسيم مصر"، مؤكداً أن "اللغة القبطية يجري تعليمها على نطاق واسع في كل كنائس مصر".

ويتفق معه المفكر القبطي رفيق حبيب، موضحاً أن "فكرة نشر تعليم القبطية ظهرت مع دعوات لاستعادة الهوية القبطية السابقة في محاولة لتمييز الجماعة القبطية عن كل المجتمع الإسلامي، إذ أرادوا أن يعتبروا أن اللغة العربية ليست هوية وإنما لغة لسانية، بينما اللغة القبطية هي الهوية".

وينفي حبيب أيضاً صلة اللغة القبطية بالروح الدينية المسيحية، مؤكداً أن "الكتاب المقدس حالياً متاح باللغة العربية واتجاه تعليم اللغة القبطية هكذا، قد يكون الهدف منه جعلها  لغة تواصل بين المسيحيين الأقباط بعضهم مع بعض.

مؤكدا أن هذا التوجه سيؤدي إلى "إضعاف التواصل أكثر بينهم وبين المسلمين، مما يعني وجود قوميتين مختلفتين مستقبلاً وليس نسيجاً وطنياً واحداً".