النهايات الحزينة لمدينة الإسكندرية القديمة

 

ملاحظة : هذا الموضوع هو الحلقة السابعة المنشورة بتاريخ الأربعاء 21/07/2010 للدكتور يوسف زيدان بجريدة المصرى اليوم من سباعيته تحت عنوان "المزيج السكندرى العجيب" .  

_________

لم يتبدَّد مجدُ الإسكندرية القديم فجأة، لأنه لم يتشكَّل على نحو فجائى، وإنما ترسَّخ عبر قرون طوال، ولذلك استغرق انهياره عقوداً طوالاً من الزمان.. يقول إسكندر صيفى:

حكم الإمبراطور البيزنطى "ثيودوسيوس الأول" من سنة ٣٧٩ إلى سنة ٣٩٤ ميلادية، وامتاز حكمه بضربته القاضية على الوثنية، لا سيما أن هذا الدين، كان قد ابتدأ سقوطه من قبل أن تصير المسيحية دين الملوك. وكان الإمبراطور قسطنطين، قد زعزع أركان الوثنية، بقفله عدة من معابدهم، ولكن ثيودوسيوس سَنَّ شريعة (أصدر قراراً إمبراطورياً) بأن دين المملكة بأسرها فيما عدا من كانوا يهوداً، هو التثليث. وبعد قليل أمر بحفظ يوم الأحد عن العمل فيه، دون السبت، وبعث حاجبه إلى مصر مأموراً بتنفيذ هذه الأوامر.

فاستقبل أسقف الإسكندرية "ثيوفيلوس" هذه البلاغات بأعظم الفرح والسرور، وبادر حالاً بتطهير معبد "ميثرا" وكسر الأصنام بمعبد سيرابيس الشهير، وعرَّض ما كان فيه، لسخرية المسيحيين. رغماً عن وجود كثيرين من أهل المدينة، ممن كانوا لا يزالون يكرِّمون هذا المعبد. فاجتمع منهم جمهورٌ عظيم، وثار مدافعاً عن دينه وتقاليده، فاصطدم الفريقان حتى جرى الدم كالسَّيل. إلا أن الوثنيين كانوا أقل عدداً، فاضطروا للانهزام، وهرب زعماؤهم من الإسكندرية خوفاً من الحكام.

ثم استأنف هذا الأسقف هدم معابدهم وكسر أصنامهم، وصبَّ منها أجراساً للكنائس، إلا صنماً واحداً أبقاه ليكون سخرية لرجاله. وقطعت الجنود صنم سيرابيس الخشبى بالفؤوس، وأحرقوه، أما رِجلاه فيُظنُّ بأنهما كانتا من الرخام، وإحداهما الآن محفوظة بالمتحف البريطانى فى لندن، ولا دليل على أصلها إلا ضخامتها.

وعند انتهاء معبد سيرابيس (السيرابيوم) تشتَّت السبعمائة ألف كتاب، التى كانت فيه. لأن المؤرِّخ الإسبانى "أوروسيوس" الذى زار الإسكندرية فى العهد التالى، لم يجد فيها أثراً لهذه الكتب، سوى الخزانات الخاوية.

وهنا، يجبرنا الإنصافُ أن نقول بأن كل اضطهاد دينى، هو ممقوت، سواء كان من وثنيين أم مسيحيين، لا سيما أنه يصيب أحرار الناس أكثر من سواهم. فإن الذين اضطهدهم أسقف الإسكندرية، كانوا من علماء ذاك الزمان. ومنهم "أولمبيوس" كاهن معبد سيرابيس، الذى كان مع كبر سنه ومقامه، رجلاً وديعاً حليماً عاقلاً مسموع الكلمة، لا عيب فيه كأفضل شهداء المسيحيين، ومثلهم، حُرَّ الأفكار. لا، بل إن الفرق بين الاضطهادين بعيد، لأن الاضطهاد الوثنى كان عن سياسةٍ واقتصادٍ فقط، أما الاضطهاد المسيحى فكان عن غلوٍّ فى دين أساسه الرحمة.

وبعد هذا الاضطهاد، لم يبق للوثنيين معابد ولا مدارس يأوون إليها بالإسكندرية. فانسحب البعض منهم إلى كانوبيس (رشيد) وفتحوا هناك مدرسة لتعليم الكتابة القديمة، وتحوَّلت معابدهم لكنائس بعدما طُمست نقوشها وصورها بالطين.

وثابر المصريون المسيحيون على تحنيط موتاهم، رغماً من تحريمها عليهم.. وكانوا قبلاً يصوِّرون إيزيس كالنجم "سيروس" طالعاً مع الشمس عند أول فيضان النيل، فصاروا يصوِّرون العذراء فوق هلال، صاعدةً إلى السماء. وكانوا يشعلون الشموع بمعابدهم المظلمة، فصاروا يشعلونها بالكنائس غير المظلمة، وكان لهم عيدٌ يسمى عيد الشموع، فصار عيد الشعانين. وكانوا فى الخامس والعشرين من شهر طيـبى (طوبة) يعيِّدون بأكلهم الحلوى، فصاروا يأكلونها فى السادس من هذا الشهر، فى عيد الظهور (القيامة). كما أنهم اتبعوا الطريقة المصرية القديمة، فى وضع الرتب الكهنوتية. وقلدوا أولئك الكهنة، بحلْق أواسط رؤوسهم. ومن قبل ألفىْ سنة، كان للمصريين كاهن فى "طيبة" لقبه "حاجب باب السماء" فصار حامل مفاتيح السماء، البابا.

وبعد أن صار الإيمان بالتثليث إجبارياً، انتدب الإمبراطور مائة وخمسين أسقفاً، لتقرير قانون الإيمان.. وبعد زمان "أثناسيوس" وسقوط الآريوسيين بالإسكندرية، انحصرت العلوم عند الوثنيين، من أمثال ثيون وديوفنطس، ممن وصلت إلينا كتبهم فى الحساب والجبر والهندسة.. ومن نتائج اضطهاد الآريوسيين (المسيحيين الموحِّدين بالله) بأول هذا العهد، تعطيل المدرسة العليا المسيحية التى كان يرأسها الفضلاء مدة القرنين الأخيرين، وكان أكثر التلامذة آريوسيين. فلما صارت السلطة للهوموسيين (الذين نسميهم اليوم:الأقباط) لم يبق بالإسكندرية مدرسة عليا، إلا عند الوثنيين، وضاعت حينئذٍ تعاليم كليمان وأوريجين. فلم يخرج فى هذا الزمان كاتب من المسيحيين، البتة. وإنما كان لمطران الإسكندرية "ثيوفيلوس" رسالات سنوية يصدرها إلى أساقفة مصر، يعيِّن لهم فيها يوم (عيد) الفصح، وفيها طعن بحق أوريجين.

ولما توفى الإمبراطور ثيودوسيوس، كان الحاكم فعلاً فى مصر، هو الأسقف (المطران) ثيوفيلوس، خصم الآريوسيين مذهباً، واليونان سياسةً، وبذلك استمال عواطف المصريين لجهته.. ومن تقاليد المسيحية الوثنية فى ذاك الزمان، إكرامهم لأشجارٍ لأنها مقدسة، فقالوا إن شجرة اللَّبخ (برسيا) هى شجرة يسوع المقدسة ، لأنها أظلته وأبويه حينما أتوا مصر (رحلة العائلة المقدسة).. وبعدما رأينا انحطاط العنصر اليونانى فى الإسكندرية، بسقوط الحزب الآريوسى بالمائة الأخيرة، نرى انحطاط الإسكندرية وعجزها عن نفقة النظافة.. وكان بهذا الزمان من مشاهير الغرباء بالإسكندرية، بولس النطاسى (الطبيب) وسيزينيوس الفيلسوف الذى تنصَّر على يد البطرك ثيوفيلوس، لكنه لم يعترف بالبعث إلا بعد أن صار أسقفاً، وهو رجل متزوج! مع أن القانون يستدعى عِفَّة الأسقف. وكان البطرك ثيوفيلوس قد سأله أن يترك زوجته لدى ارتسامه (تعيينه) أسقفاً، لكنه أبى أن يهجرها. وكان قد درس الرياضيات بالإسكندرية، على يد الأستاذة "هيباتيا" ابنة "ثيون" الوثنية، فظلَّ يكاتبها بالمسائل العلمية، ويكلِّفها بإرسال آلات الرصد (الفلكى).

أما من ناحية الحالة الاقتصادية، فقد وصلت حينئذٍ إلى أسوأ الحالات.. وبعد موت البطرك "ثيوفيلوس" تجدَّد النـزاع بين الآريوسيين والهوموسيين (مجازاً: الأقباط) فأولئك كانوا يريدون "ثيموثاوس" ، وهؤلاء وهم الأكثرون يريدون "كيرلس" نسيب البطرك المتوفى، فتجادلوا وتشاحنوا وتضاربوا بالأسواق.. وكان الفوز لحزب كيرلس، فأقاموه بطركاً.

ولم يكن "كيرلس" أقل بغضاً للآريوسيين واليهود، من سلفه "ثيوفيلوس" وكان المسيحيون يتعدُّون على اليهود، لا سيما فى مسرح الألعاب والرقص يوم السبت. فتخاصموا يوماً وفصلت الجنود بينهم قبل أن يؤول الأمر إلى قتال، ولكن المسيحيين ادَّعوا بأن اليهود تهدَّدوهم بحرق الكنائس، فتجمَّعوا وعلى رأسهم البطرك (كيرلس) وهجموا على معابد اليهود فنهبوها وأحرقوها، وطردوا اليهود كافة من الإسكندرية.

 فاستاء الحاكم أورستيس من تصرُّف البطرك، (المطران، الأسقف، البابا) ولا سيما من خسارة الجزية اليهودية، ولكن لما بلغ رهبان جبل نطريه (وادى النطرون) أن الحاكم يرغب فى التعرض للسلطة الكنسية، هرولوا إلى الإسكندرية وتجمهروا بأسواقها، حتى مَرَّ الحاكم فشتموه صارخين بوجهه: يا وثنى، يا إغريقى.. ورماه أحدهم (عمونيوس) بحجرٍ أدماه، فسلَّ الحرس سيوفهم وبدَّدوا هؤلاء الرهبان وطردوهم من الإسكندرية، وقبضوا على المجرم وقتلوه. فاعتبره البطرك (كيرلس) شهيداً، وأبَّنه باسم القديس توما! لكن الجمهور لم يطاوعه فى ذلك، فعدل عن رأيه وألغى التأبين.

ولكن كل هذه الشناعات، لا تعدُّ شيئاً إزاء ما كان من جناية هذا الأسقف ورعيته، على "هيباتيا" ابنة ثيون المولودة سنة ٣٧٠ ميلادية، البديعة الحسن والكمال واللطف والذكاء. كانت من علماء زمانها، وعن غير قصدٍ منها أثارت حقد الهوموسيين (أتباع كيرلس عمود الدين) لعدم اتِّباعها دينهم، فعقدوا نيتهم على هلاكها، وترقَّبوها.. هجموا عليها وسلُّوها من مركبتها، وجرُّوها من ثيابها، ورجموها حتى ماتت، ثم مزقوها وحملوها لأتون أحرقوها فيه، وذلك فى الصوم الكبير سنة ٤١٥ ميلادية.. ولضعف الحكم، ذهب دمها هدراً.

أما كتبة (مؤلفو) هذا الزمان المسيحيون، فما منهم أحدٌ يستحق الذكر. فإن كيرلس البطرك، لم يترك لنا سوى تشنيعه على النسطوريين ويوليان والرهبان المجسِّمين.. ورأى الإمبراطور فقر الإسكندرية فى هذا الزمان، فأمر بزيادة مائة وعشرين إردباً من القمح، للإحسانات اليومية.

وكانت مصر (والإسكندرية) فى القرن السادس الميلادى، قد تبرأت تماماً من مذهب آريوس، واتَّحدت على مذهب الطبيعة الواحدة الذى صار يسمى فيما بعد بالمذهب اليعقوبى (القبطى) وأبت أن تأخذ دينها عن إغريق القسطنطينية، وأنكرت قرارات مجمع خلقيدونية (المنعقد سنة ٥٤١ ميلادية) وكفَّر ديسقوروس خليفة كيرلس، الإمبراطور! فعزله وأقام بدلاً منه أسقفاً اسمه بروتيروس. ولكن عند دخول بروتيروس للإسكندرية محفوظاً بالجيش الإمبراطورى، استقبله الجمهور بالرجم والسهام. ولما التجأ مع الحرس إلى معبد سيرابيس الشهير، أضرموا فيه النار وأبادوهم عن آخرهم، واستبدوا بالمدينة حتى اضطر الإمبراطور أن يبعث جيشاً ضدهم ويقطع الإحسان عن المدينة مدة.

وبينما هذه الحوادث تعرقل الحكام وتزعزع أركان الدولة، كانت العربان تكتسب الجرأة لتشويش أطراف الإمبراطورية، والتعدى على مصر حتى جنوب الشلال. ولمدة ما، كانت الحامية البيزنطية المقيمة فى أسوان قادرة أن تصدَّهم عن التوغل فى البلاد. ولكن حين انضم إليهم النبط، دخلوا الصعيد وامتلأت أيديهم من الغنائم.. فتحرك إليهم القائد مكسيموس، وصالحهم على هدنة تمتد لمائة سنة! لكنه بعد قليل مات، فتحرك النبط (الأنباط) من جديد، وخرقوا المعاهدة وعاشوا فى البلاد.. وبانتصار هؤلاء النبط، تلاشت المسيحية من الصعيد، وعادت الوثنية من جديد، والبعض ممن تنصَّروا عادوا يصلّون مرة أخرى لإيزيس وسيرابيس.

إشارة : جميع ما ورد بهذه المقالة ، عدا العبارات الشارحة الواردة بين القوسين، مأخوذ بنصِّه وحروفه من كتاب إسكندر صيفى، الذى لم يخرج فيه عما ذكره كبار المؤرخين العالميين، من أمثال ديورانت (صاحب موسوعة: قصة الحضارة) وجيبون (صاحب كتاب: قيام واضمحلال الإمبراطورية الرومانية).. وكتاب إسكندر صيفى (المنارة التاريخية) منشور فى مصر (المحروسة) وأصدرته المطبعة العصرية، بالقاهرة سنة ١٩٢٨ ميلادية، أى قبل قرابة ثمانين عاماً. وبالتالى لا يجوز قانوناً، إقامة دعاوى قضائية ضده، أو تقديم بلاغات للنائب العام. / يوسف زيدان

_____

 

إقرأ أيضا : التراث المصرى والنشأة الإسرائيلية لعاطف هلال ، التاريخ الدينى والسياسى للغة القبطية لعاطف هلال .

______

فهرست الموضوعات