الحلقة الرابعة عشر

 التراث المصرى والنشأة الإسرائيلية

 وبداية التبشير بالنصرانية فى مدينة الإسكندرية

 

كان من الطبيعى أن تترك النشأة ثم الإقامة الطويلة فى مصر لبنى يعقوب (إسرائيل) أثرا كبيرا فى عاداتهم وتقاليدهم ، فقد تأصل تاريخهم فى مصر وتبلورت ثقافتهم وشعائرهم على أرضها قبل الخروج منها إلى أرض كنعان (فلسطين) بقيادة موسى عليه السلام . كما أن موسى نفسه نشأ طفلا إلى أن بلغ الأربعين من عمره فى قصر فرعون وتحت رعايته . كما أن تسميته "موسى" كان إسما مصريا ، يقول بذلك جيمس هنرى برستيد فى كتابه "فجر الضمير" (ترجمة د. سليم حسن ) ، ويتفق معه فى ذلك الكثير من المؤرخين السابقين واللاحقين .

 

كما أن احتفاظ اليهود بقول مأثور عندهم يقرر أن موسى كان متفقها " فى كل حكمة المصريين" .. وانتقال شعيرة الختان المقدسة عند المصريين إلى بنى إسرائيل ، وهى عادة مصرية قديمة قبل إبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام ، وتأكد ذلك من فحص بعض الموميات المصرية التى مازالت تحتفظ بالجسد سليما . ويقول برستيد (الكتاب المذكور قبل) : أن اتخاذ موسى لعادة الختان المصرية المقدسة وتوصية قومه بها واعتبارها علامة لهم .. يعتبر دليلا وبرهانا قاطعا أنه كان يستقى التعاليم التى بشر بها قومه مما كان قد تعلمه من الديانات المصرية القديمة ، وأن التراث المصرى الدينى والأخلاقى ، كان يشكل المصدر الأول والأساسى لإلهامات موسى وبنى إسرائيل وشعائرهم .

 

وحتى بعد خروج بنى إسرائيل من مصر ، واستيطانهم أرض فلسطين وغلبتهم على أهلها ، وإنشاء مملكتهم التى لم تبقى موحدة إلا نحو قرن واحد من الزمان على أكبر تقدير ، قبل أن تنشطر إلى جزءين ، وقبل أن يحيق بها الفناء التام بعد سنة 600 ق.م. بزمن قليل .. حتى بعد هذا الخروج والإستيطان بفلسطين ، كان ضروريا أن يستمر تأثر قوم بنى إسرائيل (كما يقول برستيد فى كتابه المذكور قبل)  بآداب وتقاليد تلك الأمة المصرية العظيمة التى قبضت على زمام فلسطين ووضعتها تحت سيطرتها الثقافية والدينية والسياسية مدة تفوق مدة نفوذ روما فى بلاد الغال (فرنسا القديمة) .

 

ويقول برستيد فى كتابه "فجر الضمير" :  " .... وقد رأينا فيما سبق أن العبرانيين أخذوا الكثير من قوانينهم وأساطيرهم عن المدنية البابلية ، أما فى الأخلاق والدين والتفكير الإجتماعى بوجه عام – الذى هو أول نواحى إهتمامنا فى هذا الكتاب (يقصد كتاب فجر الضمير ) – فإنا نجدهم قد بنوا حياتهم على الأسس المصرية القديمة . فالإسرائيليون حتى بعد استيطانهم فلسطين كانوا فى الواقع يسكنون أرضا من الأملاك المصرية مضت عليها فى هذا الحال قرون بأكملها ، واستمرت بعد ذلك بلادا مصرية قرونا أخرى بعد استيطانهم لها ، وذلك إلى عهد متأخر كعهد حكم "سليمان" الملك ، حيث نجد أن الفرعون المصرى أهدى سليمان مدينة جازر Gezer وهى بلدة حصينة من بلدان فلسطين كانت تقع على وجه التقريب فى كنف بيت المقدس .  ( إيضاح : جازر تسمى حاليا تل الجازر ، وتقع على بعد 30 كم شمال غرب مدينة القدس الحالية ، وكانت عاصمة فلسطين حين أحرقها أحد فراعنة مصر فى أحد حملاته التأديبية ، ثم أعطاها بعد ذلك نفس الفرعون هدية لإبنته بعد أن زوجها بسليمان الملك ، فأعاد سليمان بناؤها من جديد ) .

 

إضافة لما سبق نجد أن كثيرا من الأسفار اليهودية وخاصة مايسمى بالأسفار الحِكمية التى تبحث فى مشكلة ألم الإنسان الصادق وصبره ، ومنها المزامير (الزبور) التى تحوى على أكثر من مائة وخمسين نشيدا أو ترنيما روحيا  ، ومنها أيضا سفر الأمثال ، وأسفارا أخرى ... نجدها جميعا تكشف لنا عن مدى تأثير التراث المصرى الدينى والأخلاقى على الدين اليهودى وأسفاره إلى درجة النقل الحرفى لبعض النصوص الفرعونية إلى تلك الأسفار .

 

ويقول عباس محمود العقاد ( كتاب "الله" / صدر عن دار الهلال فى يونيو 1968 ) : " ... عقد كل من هنرى برستيد وآرثر ويجال Weigal مقارنة بين صلوات إخناتون وأحد المزامير العبرية فاتفقت المعانى بينهما اتفاقا لا يُنسب إلى توارد الخواطر أو المصادفات " . كما يقول فى نفس الكتاب : " ... وقد تناول العلامة اليهودى فرويد مسألة المقابلة بين عقائد إخناتون والعقائد العبرية ، فألف آخر كتبه فى موضوع هذه المقابلة وسماه "موسى والتوحيد" Moses and Monotheism ، وانتهى من مقابلاته وفروضه إلى تقرير رأيه المرجح لديه وهو : أن موسى عليه السلام تربى بمصر فى كنف الوحدانية ، ونشأ فى أعقاب المعركة بين آتون وآمون ، واستعد للنبوة فى هذه البيئة الموحِّدة ، فعلّم بنى إسرائيل كيف يوحدون الله ويعظمون صفاته وآلاءه ، وكان خروج بنى إسرائيل فيما بين القرن الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد ، أى فى الجيل الثانى لإنتشار التوحيد بالبلاد المصرية .. واسترسل فرويد فى تقديراته (وهو من اليهود) حتى ظن أن موسى عليه السلام من دم مصرى ، وليس من اللاويين كما جاء فى العهد القديم " .

 

ويقول جيمس هنرى بريستيد فى كتابه – فجر الضمير – عن تعاليم ووصايا الحكيم المصرى أمينموبى Amen-em-apt المكتوبة على ورق البردى والمحفوظة فى المتحف البريطانى ، والتى حصل عليها السير ولسن برج عام 1888 : " ... أن جميع العلماء الذين يُعتد بآرائهم وأبحاثهم فى كتاب العهد القديم يجزمون بأن قد تم كتابة فصل ونصف فصل بسفر الأمثال من محتويات ماجاء بتعاليم ووصايا أمينموبى ، وأن النسخة العبرانيه لهذا الفصل ونصف الفصل هى ترجمة حرفية عن الأصل الهيروغليفى القديم ، أما باقى فصول سفر الأمثال فقد كانت نقلا لأفكار وتعاليم أمينموبى بشيئ من التصرف والمهارة الأدبية " .

 

وإذا عدنا مرة أخرى إلى مذهب "القبالة" عند اليهود – الذى يمثل وجهة نظرهم فى التصوف اليهودى – نجد أن كل جذوره ترتبط تقريبا فى بداياتها الأولى بالإله "تحوت" أو الإله "توت" المصرى (3000-2575 ق.م.) ، وهو إله الحكمة والمعرفة والسحر عند المصريين ، الذى كان شفيعا للأرواح بعد الموت عندهم ، وهو الذى اخترع الكتابة الهيروغليفية ، وهو الذى كتب كتاب "الأنفاس" The Book of Breathings ، الذى يعلم الناس كيف يكونوا آلهة ، وهو الذى كان عونا كبيرا للثالوث المصرى الشهير إيزيس وأوزوريس وحورس ، حيث كان هذا الثالوث يعمل بتعاليمه السحرية ، فأعادت إيزيس بتلك التعاليم الروح من جديد لأوزوريس القتيل .. وكا هذا الإله إلى جانب ذلك له الفضل الكبير فى سبق الحضارة المصرية القديمة فى العلوم الرياضية على كل حضارات العالم ، وأجمع على ذلك كتاب ومؤرخى الإغريق ، فذكر أفلاطون –على سبيل المثال- : أن الإله "تحوت" كان مخترعا لفنون عدة منها الحساب والهندسة والفلك .. وامتد تأثير "تحوت" على الثقافة المصرية القديمة إلى أواخر عهد الإغريق والرومان فى مصر .

 

كما نذكر أيضا أن فيثاغورس الذى وُلد على الأرجح بين عامى 580 ، 570 ق.م. ، والذى قضى عشرين عاما فى مصر ، قد تعلم فيها الكثير من فنون الحساب والهندسة إلى أن وصل إلى تكوين نظريته الكونية القائمة على تقديس وعبادة الأعداد ، بما يسمى بمبادئ فيثاغورس فى الديانة الحسابية ، التى تركت بالتالى أثرا واضحا على تشكيل مذهب القبالة عند اليهود كما أوضحنا من قبل  .. وعندما رحل فيثاغورس من مصر متوجها لفلسطين ومنها لبابل ، اختلط أثناء إقامته ببابل ببعض أفراد الجالية اليهودية ، وكشف اختلاطه بهم عن عقيدة التوحيد ، ورأى أنها تتفق ومنطق الأعداد ، وتسموا على التصورات التعددية السائدة للآلهة فى ذلك الوقت . وكانت فلسفة فيثاغورس تقوم على أن أول الأعداد وهو "الواحد" يفيض عنه سلسلة الأعداد اللامتناهية وتعود دائما إليه ، فلا شيئ قبل "الواحد" ، وكل مايأتى بعده هو تكرار لذاته أضعافا أضعافا إلى مالانهاية ..

 

وكانت مدينة الإسكندرية من أنشط مراكز الدعوة الفيثاغورية فى ذلك الوقت ، وشارك اليهود فى إحيائها ، حيث كانوا يشكلون جالية كبيرة فى الإسكندرية .. فإلى جانب "فيلون" اليهودى الذى كانت كنيته "الفيثاغورى" ، كان هناك المؤرخ القديم المشهور "فلافيوس يوسيفوس" السكندرى مؤلف كتاب "حرب اليهود" ، الذى أشار فيه إلى انقسام الجالية اليهودية فى الإسكندرية إلى فريسيين وصدوقيين ، إلى جانب وجود طائفة الأسينيين Essenism الذين عُرفوا بإسم "الإنطوائيين" أو "الصامتين" . وذكر يوسيفوس أن الطائفة الأخيرة كانت تلتزم فى معيشتها بمبادئ فيثاغورس وانصرفوا إلى التنسك وعزفوا عن الزواج .

 

جاء أيضا ذكر جماعة من كهنة اليهود – فى عهد "أغسطس" قيصر روما – انتشروا فى المناطق المقفرة من دلتا مصر بالقرب من بحيرة مريوط ، حيث أنشأت تلك الجماعة بعض الأديرة ، وانصرف أفرادها للتأمل فى الأعداد ، ومارسوا ديانة قائمة على علم الأعداد . ومن عبادتهم تكريس "اليوم السابع" واليوم الخمسين المحسوب وفقا للنظرية المسماة "نظرية فيثاغورس ، حيث أن الرقم 50 هو حاصل جمع مربع أضلاع المثلث القائم الزاوية 3 ، 4 ، 5  (مربع 3 + مربع 4 + مربع 5 = 50 ) . ويجدر الذكر هنا بأن الأرقام كما نعرفها اليوم لم تكن قد ظهرت بعد فى ذلك العصر ، وكان نظام العد نظاما أبجديا ، فاستخدموا بعض الرموز أو الحروف الأبجدية للدلالة على الأعداد . ( ملاحظة : كان المصريون على علم بأضلاع المثلث القائم الزاوية منذ ألفين من السنين قبل الميلاد ، أو على الأقل بالحالة الخاصة بالمثلث 3 ، 4 ، 5 .  ونذكر أيضا أن أول قبس للعلم الهندسى ظهر عند الإغريق كان فى القرن السادس قبل الميلاد ، حيث ظهرت المدرسة الأيونية التى أنشأها طاليس الذى استقى معلوماته من قدماء المصريين ، وأصبح لطاليس شرف إدخال ودراسة الهندسة فى بلاد الإغريق ، وبعد أكثر من نصف قرن ظهرت المدرسة الفيثاغورسية 572-492  قبل الميلاد .)  .

 

ونذكر أيضا أنه فى بداية أو قبل بداية الخمسينيات من القرن الأول الميلادى .. جاء إلى مدينة الإسكندرية قادما من روما القديس مرقص يصاحبه ابن عمه القديس برناباس . وبدأ مرقص التبشير بالدين النصرانى Nazarene بين يهود الإسكندرية ، حيث كان الدين النصرانى مازال مطابقا لتعاليم ورسالة المسيح عليه السلام التى بدأ التبشير بها بعد وفاة يوحنا (يحيى ابن زكريا عليهما السلام) ، وكان لايخرج فى أصوله وتعاليمه عن الشريعة اليهودية . وقد أوصى المسيح عيسى عليه السلام تلاميذه اليهود قبل صلبه أن لايبشروا بتعاليمه أقواما من غير اليهود ، وأن يلتزموا بالسير على نهجه ولايعملون على تقويض الدين اليهودى والشريعة اليهودية . وقد أوجز ذلك القرآن الكريم فى قوله تعالى على لسان المسيح مخاطبا اليهود : " ومصدقا لما بين يدىَّ من التوراة ولأُحل لكم بعض الذى حُرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون "  50- آل عمران .

 

ولفظ "نصارى" Nazarenes هى التسمية التى كانت تُطلق على أتباع عيسى عليه السلام ، وكان أول من استخدم التسمية الجديدة  Christian  هو الرسول بولس الإغريقى مع بدايات النصف الثانى للقرن الأول الميلادى ،حيث أجهز بولس على تعاليم المسيح عليه السلام فيما يتعلق باتباع الشريعة اليهودية ، وأكد على العفو والمغفرة الإلهية الذى ضحى من أجلها عيسى المسيح بموته مصلوبا ، كما أكد على اتباع البشر للعدل الإلهى متمثلا فى الإيمان بالله والأمل والحب .               

Jesus's emphasis on adherence to the spirit of the Judaic laws was elevated in the teachings of Paul of Tarsus, a Hellenistic Jew, who did away for the adherents of Jesus's teachings the need to adhere to Jewish dietary laws and circumcision.  Instead of law, Paul emphasized God's forgiveness through the sacrifice of Jesus Christ, and humans' adherence to divine justice as represented by faith, hope, and love.

      Source : http://www.iun.edu/~hisdcl/h113_2001/christianity1.htm

 

واستخدم  الإغريق كلمة Christian (مسيحى) منذ ذلك الوقت بديلا للكلمة "نصرانى"  ، حيث كانت كلمة Christian تعنى أساسا "مسيحى" . ففى علم اللغات  Etymology نجد أن اللفظ Christ  مشتقا من الكلمة الإغريقية chrestos  التى تعنى anointed أى المسح بالزيت أو تعنى Royal بمعنى الملكى ، وهذا المعنى يتفق فى المعنى مع اللفظ العبرى Messiah أى المسيح  . أما التسمية باللفظ "نصرانى" فقد جاءت أساسا من إسم بلدة "الناصرة" بفلسطين بلدة السيدة مريم العذراء وعيسى عليه السلام ، رغم أن مريم وضعت عيسى فى بلدة "بيت لحم" التى تبعد عن "الناصرة" 150 كم حيث كان يعمل يوسف النجار بمهنة النجارة ، وبيت لحم هى بلد النشأة ومحل الميلاد ليوسف النجار خطيب مريم عليها السلام الذى أخذها إلى بلده بيت لحم فوضعت عيسى عليه السلام هناك ، فكان بيت لحم مكانا بعيدا قصيا كما وصفه القرآن الكريم : "فحملته فانتبذت به مكانا قصيا" (مريم –23 ) .

 

وعندما جاء مرقص إلى مدينة الإسكندرية ، لم يكن التبشير بالدين النصرانى مشروعا لغير اليهود  فى وقت مجيئه ، بما يعنى حظر الدعوة للدين الجديد على الأمميين Gentile (أى غير اليهود) . ويقول مؤرخى هذا الوقت أنه لم تكن توجد كنيسة حتى عام 135 م. ، ولم يكن هناك أتباع للدين الجديد من الأمميين ومنهم المصريين حتى ذلك الوقت ومابعده بزمن غير قليل . وكان الجدل والصراع قائما على أشده فى القرنين الثانى والثالث الميلادى بين النصارى المنقسمين إلى قسمين ، قسم يعتقد فى الثالوث المقدس أتباع بولس ، والقسم الآخر يعتقد فى الطبيعة الواحدة للمسيح (المونوفيسين) . وتقول دائرة المعارف البريطانية الطبعة 11 أن القسم الآخر أتباع الطبيعة الواحدة كانت له الغلبة والغالبية حتى القرن الثالث الميلادى .. ومات مرقص على يد واحد من يهود الإسكندرية فى 25 إبريل عام 68 م.

 

وعندما اعتلى قنسطنطين عرش الإمبراطورية الرومانية وضع حدا لإضطهاد النصارى عام 313 م. ، وتحول هو نفسه إلى الدين النصرانى ، وتم تعميم التسمية الإغريقية "Christian" على أتباع الدين الجديد . وأنشأ قنسطنطين مدينة القنسطنطينية فى الموقع القديم لمدينة "بيزنطة" (اسطانبول حاليا) لكى تكون عاصمة الإمبراطورية الرومانية ومركزا لنشر الدين النصرانى ، وأصدر قرارا بجعل هذا الدين هو الدين الرسمى للإمبراطورية .. فخرجت الدعوة بعد هذا القرار من مدينة الإسكندرية فى مصر إلى باقى بلادها ولم تعد قاصرة على اليهود فقط بل شملت كل الأمميين فى مصر وباقى بلاد الإمبراطورية الرومانية . وكان ذلك هو بداية انتشار الدين النصرانى وفرضه على كل سكان مصر . وخلال ألف عام من عهد قنسطنطين إلى عهد دانتى كانت الإمبراطورية الرومانية هى الحارس الأكبر للعالم المسيحى .

 

ومايعنينا فيما سبق هو القول بأن مدينة الإسكندرية فى ذلك الوقت كانت مليئة بالعجب والغرائب ، فتجد فيها فرقا دينية غامضة الأصول تستلهم عقيدتها من تعاليم موروثة عن آلهة مصر القديمة أو عن أفلاطون أو عن فيثاغورس ، كما تجد فيها فرقا مختلفة لليهود ، وفرقا مستجدة على الساحة للنصارى .. وكانت المدينة فى ذلك الوقت تكاد تكون خالية من المصريين أصحاب البلاد ، حيث كان معظم قاطنيها خليطا غريبا من مختلف الديانات والمذاهب ، وكلهم فى صراع دائم ، وإن كانت الغلبة والتفوق معظم الوقت للنصارى الجدد بدعم من الإمبراطورية الرومانية .

 

واستمر الصراع ملتهبا بين النصارى من جهة ، وبين اليهود والوثنيين من جهة أخرى .. إلى أن اعتلى الإمبراطور جوستنيانوس عرش الإمبراطورية الرومانية فأمر فى سنة 529 م بإغلاق جميع مدارس الفلسفة الوثنية فى أثينا والإسكندرية ، فلجأت الطوائف الوثنية إلى الخفاء والتستر . وعندما شاركت الإمبراطورة تيودورا جوستنيانوس الحكم حتى مماتها عام 548 م ، وكانت تكن لمدينة الإسكندرية بغضا مقيتا بسبب تحزبها لفريق النصارى القائل بالطبيعتين للمسيح Diophysitism ، إحداهما إلهية والأخرى إنسانية  ويتمسك باللغة اليونانية كلغة لطقوسه الدينية .. ضد تحزب بابوات الإسكندرية للفريق الآخر القائل بالطبيعة الواحدة Monophysitism للمسيح الذى يعتقد بأن الثالوث المقدس Trinity  (الآب والإبن والروح القدس) هو بطبيعة واحدة إلهية وأن مريم هى والدة  المسيح الإله ، فكان هذا الفريق فى نظر الإمبراطورة تيودورا من الوثنيين ، وكان نتيجة تحزبها لفريقها ضد هذا الفريق الوثنى فى رأيها أن أمرت عدة مرات بإضرام الحرائق فى أنحاء مدينة الإسكندرية ...

 

ملاحظة : تعمدت كتابة وقراءة وعرض التاريخ فى تلك الفترة من مراجعه طبقا لما كتبه مؤرخى الغرب من غير المسلمين ..

 

__________

  

الفهرست

 

الحلقة الثالثة عشر

 

الحلقة الخامسة عشر