الحلقة العاشرة

(العداء التقليدى بين اليهود والنصارى)

 

لاأنوى هنا التعرض إلى الجانب الدينى واختلاف الإسلام مع المفكرين الإنجيليين فى موضوع صلب المسيح عليه السلام .. فلهم دينهم ولنا دين ولا إكراه فى الدين .. ولكن الموضوع الذى يجعل العقل يقع فى الحيرة أولا ، ثم يتبع تلك الحيرة الشك بالضرورة فى نوايا أدعياء الصهيونية ورجال الدين المسيحى وخاصة فى أمريكا ومعظم البلدان الأوروبية .. هو موضوع العداء التقليدى الذى استمر بين المسيحيين واليهود منذ زمن المسيح عليه السلام إلى وقت قريب مع بدايات القرن الماضى ، ثم نجد أنه قد اتحدت أهدافهم فجأة وتلاقت مصالحهما فتم التصالح بين عقيدتيهما المختلفتين وكأن شيئا مما كان لم يكن .

 

ونعرف من قصة أصحاب الأخدود التى قصها علينا القرآن الكريم ، مقتل آلاف النصارى حرقا على يد اليهودى "ذى نواس" سنة 524 م. فى نجران . ونعرف أن بولس الرسول وهو من أشهر رجالات الكنيسة المسيحية على الإطلاق ، الذى عمل على نشر رسالة السيد المسيح وتعاليمه فى القرن الأول الميلادى .. كان مشهورا بتعصبه لليهود ، وكان ينظر باحتقار لغيرهم  ، ويلاحق المسيحيين للقبض عليهم وقتلهم .. وبينما كان ذاهبا لدمشق ليقبض على بعضهم  – حسبما روى هو بعد ذلك – ظهرت له معجزة اعتنق بعدها المسيحية .. ويقول بعض المفكرين الغربيين أن بولس الذى كان إسمه شاول قبل أن يعتنق المسيحية .. قد اختلق حكاية تلك المعجزة ليدخل فى الدين الجديد ويسعى لتخريبه من الداخل ..  .. وبهذه المناسبة فإن بولس الرسول هو الذى أدخل التثليث فى العقيدة المسيحية وأدخل إليها بعض الأفكار التى استمدها – كما يقول ويلز- من الثقافات الأجنبية والديانات المجاورة ، ويقول "بيرى" إن بولس هو مؤسس المسيحية وقد أدخل على الديانة بعض تعاليم اليهود ليجذب له العامة من اليهود ( المرجع / قصص الأنبياء والتاريخ جـ 6 ص 117 ،  118 الدكتور رشدى البدراوى ) ..، ولقد أثار بولس الخلافات العديدة ، وأدت أفكاره إلى تفرق النصارى إلى طوائف عدة بسبب إدخاله التثليث فى العقيدة المسيحية . إلى أن اعتلى يوبيانوس عام 363 م عرش الإمبراطورية الرومانية فقام بفرض عقيدة التثليث  فى جميع أنحاء الإمبراطورية . وفى عام 381 م عُقد مجمع فى القسطنطينية تقرر فيه أن الروح القدس إله ، وفى عام 431 م عُقد مجمع فى إفسس وفيه تقرر أن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة وأن العذراء ولدت إلها وهى لذلك تدعى "والدة الإله" ، وفى عام 451 عُقد مجمع فى خلقيدونية وحضره أساقفة كثيرون ، وقرر المجتمعون أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين . ورفض بابا الإسكندرية الموافقة على هذه القرارات فنفاه الإمبراطور بعيدا عن مصر ومات منفبا . وفى عام 553 م عُقد مجمع القنسطنطينية الثانى وأيد قرارات مجمع القنسطنطينية الأول وقرارات مجمع خلقيدونية . وفى عام 589 م عقد مجمع فى طليطلة تقرر فيه أن الروح القدس منبثق أيضا من الإبن . وفى عام 680 م عقد مجمع قنسطنطينية الثالث ، وفيه أيد المجتمعون أن للمسيح طبيعتين ومشيئتين : طبيعة لاهوتية وطبيعة ناسوتية ، وفى عام 869 م عقد مجمع فى روما وفيه تقرر اعتبار الروح القدس منبثقا من الآب والإبن ، وفى عام 879 م عقد مجمع فى القنسطنطينية وفيه تقرر انبثاق الروح القدس من الآب فقط .. وكانت المشكلة هى فى التوفيق بين ألوهية المسيح فى نظر فريق من المسيحيين فى ذلك الوقت والتى صدر بها قرارات وأصبحت معتقدا أساسيا فى الديانة المسيحية وبين الحقيقة الثانية وهى أن المسيح وُلد من مريم العذراء وكان يمشى على الأرض ويأكل كما يأكل الناس .........

 

 

واستمر اليهود فى ملاحقة المسيحيين ، إلى أن دارت الدائرة عليهم ، وأصبحوا مشردين فى الأرض ، وتسلط عليهم النصارى وانتقموا منهم طبقا لما سجله التاريخ القديم والحديث ، ومن ذلك طردهم المتكرر من بلاد أوروبا .. حيث كان جوهر التاريخ الأوروبي هو استئصال اليهود من نسيج شعوبهم مثلما يفعل الجراح حين يستئصل الأورام من جسد مريضه .

 

والسؤال هو : كيف انقلبت العداوة إلى صداقة وتعاون ، بعد أن كان اليهود فى نظر المسيحيين مارقين مفسدين يجب استئصالهم واضطهادهم ، وبعد أن كان الصبى اليهودى كما قال الكاتب الأمريكى جيمس فيرون مراسل النيويورك تايمز - ( مقال بعنوان طبيعة العلاقة بين إسرائيل وأمريكا / 11 يونيو 1966 مذكورا فى كتاب جارودى والإسلام لمحمود فوزى ) – كان يُضرب وهو فى طريقه إلى المدرسة فى شيكاغو بأمريكا ويأخذ علقة من زملائه .. لماذا ؟ .. لأنه قاتل المسيح .

 

تغير الوضع الآن وتصالحت المسيحية فى أمريكا ومعظم بلاد أوروبا مع اليهودية ، وراحت المنح تنهال على دولة اليهود من مؤسسات كثيرة بأمريكا وبالغرب .. ومن السهل أن  نفهم ذلك ، فليس الموضوع كما يظن بعض الجاهلين والخبثاء هو اختلاف فى العقائد حال دون التصالح والإلتقاء قرونا طويلة ، ثم اكتشف اليهود والمسيحيون فجأة بين يوم وليلة أنه لايوجد أى اختلاف فى العقائد وأن آبائهم وأجدادهم كانوا على ضلال مبين .. الموضوع فى جوهره وببساطة هو بعيد تماما عن كل مايتعلق بالدين والعقيدة .. وهو ليس أكثر أو أقل من التقاء المصالح والأطماع بينهم ، حتى ولو تم  تسخير رجال الدين لتمهيد هذا الإلتقاء وتبريره لدى البسطاء والمسطولين عندنا وعندهم . وسوف نتناول هذا الموضوع فيما بعد محاولين عرض جذوره وتبسيطه قدر الإمكان بما يتوفر تحت اليد من المراجع والمصادر . لأن مصدر العجب فى هذا الموضوع هو أن الفاتيكان كان من أشد المعارضين للحركة الصهيونية منذ مؤتمر بازل عام 1897 ، ورفض البابا بيوس العاشر فى لقائه مع هرتزل عام 1904 دعم الحركة الصهيونية وهجرة اليهود إلى فلسطين ، كما لم توافق الكنيسة الكاثوليكية على وعد بلفور عام 1917. ثم بدأ التنازل تباعا فأعلن الفاتيكان الحياد إزاء إعلان قيام دولة إسرائيلية عام 1948، ثم كان إصدار البابا يوحنا الثالث والعشرين عام 1964 وثيقة تقضي بتبرئة اليهود من دم المسيح. ولاحقا في عام 1994 اعتذر الفاتيكان لعدم تدخله لإنقاذ اليهود من أيدي النازيين. ولايعنينا أمر هذا الفاتيكان فى شيئ ، لأننا نعلم أن له حساباته الخاصّة في أوروبا وأمريكا ،  وهو يعلم أنّه ضعيف على مستوى الوجود العام، ولذلك يريد أن يركب موجتين فى آن واحد موجة التصالح مع اليهود وموجة العداء للإسلام التى تثار كثيرًا في مؤسسات صناعة القرار في الغرب وأمريكا لكى يستعيد بعض توازنه المفقود. وهو يريد أن يلعب مع الإسلام نفس الدور الذي لعبه من قبل وعلى مدى تاريخه الطويل  مع اليهود والشيوعية والصهيونية . وكل مايعنينا فى هذا الأمر هو شهادة البابا شنودة الثالث بابا الكنيسة المصرية على سماحة الإسلام ، التى أعلنها بالقاهرة فى المؤتمر العام السادس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية في الفترة من  28 إبريل - 1 مايو 2004 م وكان موضوع المؤتمر " التسامح في الحضارة الإسلامية" ( المصدر : كتاب " التسامح في الحضارة الإسلامية " ص : 25-31 ، سلسلة القضايا الإسلامية التي يصدرها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية – وزارة الأوقاف - مصر - العدد 110 لسنة 1425هـ - 2004 م .) .

وللحديث بقية بإذن الله

 

الفهرست

الحلقة التاسعة

الحلقة الحادية عشر