الحلقة الحادية عشر  (التاريخ الأسطورى وشخصية موسى عليه السلام)

 

وعدت فى الحلقة السابقة أن أوضح كيف تم التحالف بين الصهاينة وأغلب المسيحيين بأمريكا والغرب بعد قرون طويلة من العداوة والبغضاء ؟! .. وقلت أن ذلك قد حدث نتيجة إلتقاء الأطماع والمصالح ، ولكنهم أرادوا أن يكتسب هذا الإلتقاء طعما عقائديا من أجل إقناع المغفلين والطامعين منهم ومنا .. ووصل هذا التصالح إلى درجة إنشاء سفارة دولية بالقدس المحتلة ICEJ تابعة للحركة المسيحية الصهيونية Christian Zionist لاتمثل بلدا أو أمة  ، وذلك فى رسالة تحدى سافلة للعالم كله ، وفى مخالفة وضيعة للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة .. وخاصة بعد أن أعلنت إسرائيل أن القدس عاصمة أبدية لها . وجعلت إسرائيل هذه السفارة مركزا لإجتذاب المتطرفين والإرهابيين من الذين يدعمون إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية .. بعد أن مارست تلك الحركة القذرة عليهم كافة أنواع الإغراء والغواية بغرض ربط الإيمان المسيحى عند بعض المتطرفين بعودة السيد المسيح عليه السلام بقيام دولة صهيون كعقيدة .. أى بضرورة تجميع اليهود بفلسطين وطرد الفلسطينيين من أرضهم أو إبادتهم كشرط لعودة المسيح وظهوره من بينهم .. وانتشرت هذه الأسطورة اللاهوتية فى شمال أمريكا وشمال أوروبا وجنوب أفريقيا حيث تقع قيادة السفارة المشار إليها والتى لاتمثل بلدا أو حتى طائفة دينية ..

 

ولنا عودة بإذن الله لبيان ماسبق وإيضاح كيف تم التصالح بين الأعداء على مابينهم من ضغينة وبغضاء . ونتناول الآن موضوعا هو تمهيد لذلك يتضمن بعض التلخيص لماسبق من الحلقات .. ، مسترشدين بما جاء من "تاريخ اليهود وموسى" بموسوعة المعرفة / المجلد الثالث ( الناشر ترادكسيم Tradexim جنيف 1971) .. عن كيف دوّن اليهود تاريخهم ؟!! .

 

 

لايعرف التاريخ أمة وضعت تاريخها اصطناعا بيدها كما فعل اليهود ، فقد صاغته فى إطار من المقدسات والغيبيات وجعلته كله وحيا من السماء نافذا بإرادة الله ، ومن ثم فهو فوق كل جدل ونقاش .. وكان من الطبيعى أن يلجأ اليهود فى تدوين نشأتهم الأولى إلى مزيج من الخرافات والأساطير والمأثورات الشعبية للأمم القديمة ، ثم يضيفون عليه ماتبقى فى ذاكرتهم المريضة من الحكايات الفلكلورية منذ بداياتهم الأولى . والهدف من ذلك هو ترسيخ فكرة اختيار بنى إسرائيل واصطفاؤهم الأبدى وتسليمهم دور البطولة على مسرح الإنسانية ، أما باقى الأمم والشعوب فهى ليست إلا شخوصا مكملة لملحمتهم التخريفية  ..

 

وإذا سلمنا جدلا بهذا التاريخ الأسطورى الذى اصطنعوه بخيالهم السقيم ، نجد أنهم هم أنفسهم قد اختلفوا فيه ، فتباينت آراؤهم عن أصولهم الأولى وعن لغتهم العبرية القديمة أو الحديثة التى أخذت إسمها من تسميتهم الأولى " بالعبرانيين" .. وذكرنا من قبل أن تلك المجموعات البشرية أخذت أسماءً مختلفة عبر التاريخ ، فقد سُموا أولا "عبريون" ، ثم قيل عنهم "بنو إسرائيل" ، ثم عُرفوا "باليهود" .. وأوضحنا من قبل أصل تلك التسميات ونشأتها ، وأثبتنا أنها تسميات غير مترادفات ، فكل تسمية منها لها تاريخا مختلفا ، ولها معنى وظروف نشأة تختلف فيها عن الأخرى .

 

وجاء فى أشعيا (19) آية (18) على أيام السبى البابلى عن أصولهم الأولى أنهم يُنسبون إلى كنعان وأن اللغة العبرية هى لسان كنعان  ، بينما جاء فى التوراة إصحاح (26) آية (5) على لسان موسى نفسه : " كان أبى آراميا تائها" وليس كنعانيا .. ( وقد أفضنا من قبل بالحلقات السابقة فى أصل اللغتين العبرية القديمة والحديثة) ، هذا مع العلم بأنه قد ورد فى سفر التكوين إصحاح 9 ، 10 أن كنعان سلالة سامية لعلها أنقى فى ساميتها من اليهود أنفسهم (أخلاط الشعوب القديمة والحديثة) .

 

وقد أشاد القرآن الكريم بالشخصية المتميزة لموسى عليه السلام فى مواضع كثيرة . وموسى سليل أسرة يوسف عليه السلام بن يعقوب ، وليس سليل أسرة يهودا بن يعقوب ، حيث أخذت التسمية بلفظ اليهود واليهودية أصلهما من إسمه .. والإسم "موسى" كما يقول بذلك كثير من علماء التاريخ وأصل اللغات هو إسم مصرى أطلقه عليه من نشأ وكبر بينهم من بيت فرعون ، ولم يكن يعرف بنو إسرائيل لغة أخرى غير اللغة المصرية القديمة حين دخلوا أرض كنعان  حيث كان أكثر أهلها من جزيرة العرب ويتحدثون العربية ، فنشأت اللغة العبرية القديمة خليطا من لغتين أساسيتين هما العربية والمصرية القديمة أيام الملك سليمان عليه السلام .. وأصبحت اللغة العبرية التى عُرفوا بها في التاريخ القديم هى مجرد لهجة تعلموها بعد دخولهم أرض فلسطين .(الخريطة الموضحة بعد توضح طريق خروج قوم بنى إسرائيل بقيادة موسى عليه السلام من مصر إلى أرض كنعان "فلسطين") .

 

 

وقد ضاعت أصول رسالة الله التى أوحى بها الله لموسى عليه السلام بأرض سيناء ، وأصبحت سردا تاريخيا من اختراع اليهود حسبما تأتى به ذاكرة بعض كهنتهم وتتفق مع أهوائهم . وأصبح الدين عندهم ليس مجرد سلوكا روحيا أو أخلاقيا ، بل هو جنسية وعصبية أيضا . فالعهد القديم كما يقولون جاء من الرب لبنى إسرائيل ، ووعدهم بالتسلط على الناس جميعا . وهكذا تبلورت هذه العصبية التى تجمع بين القومية والدين فى تسمية اليهود أنفسهم " بشعب الله المختار" .

 

ونستكمل حديثنا بالحلقة القادمة إن شاء الله .

 

 

الفهرست

 

الحلقة العاشرة

الحلقة الثانية عشر