الحلقة الثانية عشر

 

(المشنا والتلمود وعقيدة اليهود)

 

وشعر اليهود أن دستور التعصب الذى كانوا يلتفون حوله قد ذاع سره بين الأمم عندما قام المسيحيون بترجمته . فقام كهنة اليهود عندئذ بتسجيل مجموعة كبيرة من التعاليم الخاصة فى كتاب يسمونه "المشنا" Mishnah وكان ذلك حوالى عام 200 بعد الميلاد . والمشنا هى لفظة عبرية معناها النص الوارد بطريق المشافهة ، ولذلك سموها أيضا بالتوراة الشفوية ، وبالغوا فى فضائلها حتى نسبوها إلى موسى عليه السلام وزعموا أنها مساوية للتوراة القديمة إن لم تكن تفوقها . وهكذا يظل الدين اليهودى متطورا بخيال وأهواء مؤلفيه ، تتضخم نصوصه ، وتتغير طقوسه ، طبقا لأحوالهم النفسية والتاريخية ، وهو دائما باق تحت شعار موسى عليه السلام .. !! .

فمن ذلك أن المشنا قد شرحت شرحا طويلا باللغة الآرامية (لغة عيسى وليست لغة موسى عليهما السلام) كثير من القصص والأساطير والخرافات مشحونا بكثير من أنواع الإستطراد والتفريع المصطنع ، وهذا الشرح يسمى " التلمود" أى "التعليم" . وكلمة "التلمود" هى من نفس الأصل اللغوى لكلمة "التلميذ" فى اللغة العربية . ويقول الدكتور يوسف زيدان أن "المشنا" تعنى فى أصلها "الكتابة الثانية" (بعد التوراة) أو النص الثانى .. وهو ماجرى فى تراثنا الدينى الإسلامى بعد ذلك ، حيث اعتبرت الأحاديث النبوية الشفوية هى المصدر (الثانى) للتشريع ، بعد القرآن الذى هو المصدر الأول .

 

والتلمود يحتوى على كل عناصر العصبية اليهودية بكامل انطواء المجتمع اليهودى على نفسه ، واحتقاره لأمم العالم الأخرى ، وحقده عليها . وقد تمت كتابة التلمود حوالى سنة 500 ميلادية ، أى بعد "المشنا " بحوالى 300 سنة . وهكذا يكون التشكل والتلون الدينى اليهودى قد استغرق من موسى إلى التلمود ألفى (2000) سنة .

 

فليس عجيبا عندهم أن تتغير أمور الدين والعقيدة كل حين ، وتتشكل وتتلون وفقا لمصالحهم وأطماعهم ، فلا تكاد تبقى الموسوية – دين موسى عليه السلام – إلا البطاقة المميزة لهذا الدين .. فالصلاة التى يصليها يهود اليوم ، شيئ آخر غير صلاة موسى التى لايعرف اليهود عنها شيئا . وكذلك أعيادهم ، التى جاء بعضها فى مناسبات تختلف عما كان على عهد موسى ، حتى لغتهم الحالية أو القديمة ليست هى لغة موسى وهارون عليهما السلام التى يصعب عليهم حتى تسميتها والإعلان عنها ، حيث كانت هى لغة مصر القديمة . كما أن التقويم اليهودى الحالى ليس موسويا .. فتقويم موسى كان هو التقويم المصرى القديم ، ولكنهم الآن يحسبون الشهور بالهلال كما هو الشأن عند العرب ، ويضيفون شهرا كل ثلاث سنوات لتصحيح الفارق بين السنة القمرية (العام الهجرى) والسنة الشمسية كما كان يحسبها المصريون القدماء (365.25 يوم) منذ أكثر من خمسة ألف عام  ، والتقويم المصرى القديم هو نفسه الذى أخذ به يوليوس قيصر عام 63 ق.م. ولم يتغير بهذا التقويم منذ أخذ به هذا اليوليوس إلا أسماء الشهور ففى عام 44 ق.م. تغير إسم أحد الشهور ليصبح "يوليو" تخليدا لإسم يوليوس قيصر ، وتغير شهر آخر ليأخذ إسم "أغسطس" خليفة يوليوس فى حكم الإمبراطورية الرومانية ، وباقى شهور السنة أخذت أسماء آلهة رومانية أو أخذت أسماءً تدل على ترتيبها فى التقويم مثل شهر "ديسمبر" أى الشهر العاشر حيث كانت تبدأ السنة بشهر مارس مثل التقويم المصرى القديم . ولكن بنى إسرائيل  لم يكن يحبذون اتباع التقويم الذى أتى به موسى عليه السلام من مصر القديمة ..!! (  المرجع : The Circle of Days / Keith Irwin / 1966 by Bantam Book Corp. New York ) .

 

وإله اليهود فى اعتقادهم حليف لهم لايتركهم إلا ليعود لهم من جديد ، وقد يعود ليحاكم أعداءهم فى اليوم الذى يسمونه "يوم الرب" ، وعندئذ يرسل منقذا سماويا مقدسا هو الذى ينتظره اليهود حتى الآن ..!! ، ويسمونه "المسيح المُخَلص" .. وتصورهم هو أن المسيح المُخَلص المنتظر لايخلص العالم كله ، بل يُخلص بنى إسرائيل فقط ..!! (الذين لاوجود لهم فى الوقت الحالى بالنسب أو بالعقيدة ) ، ويسلطهم على أمم العالم يحكمونها ويتصرفون فيها ، بخلاف دعوة عيسى عليه السلام بالمحبة والسلام للناس كافة .

 

ويهود اليوم يروجون وحدة النسب والديانة عندهم لأسباب تسلطية وسياسية ، وتلك الوحدة المزعومة باطلة من الناحيتين العلمية والتاريخية ، وقد أوضحنا ذلك فيما قبل .. فليس هناك عنصر نقى يمكن وضع اليهود فيه ، بعد هذه الأجيال الطويلة من الترحال والتشرد والشتات والإختلاط فى جميع أنحاء العالم .

 

والخلاصة أن الديانة اليهودية – وإن كانت فى الأصل ديانة توحيد – إلا أنها اتجهت بهذا التوحيد وجهة قومية ، أصبح فيها الإله معبودا وطنيا لهم يشكلون تعاليمه طبقا لأهوائهم .. ومع الآلام التى سحقتهم على مدى تاريخهم القديم والحديث ، دخلت فى عقائدهم فكرة المسيح المُخَلص المنتظر ، وفكرة يوم الرب ..

وتحول اليهود إلى قلعة للعدوان ومنطقة للإرهاب ، فى مكان مقدس حاول الأنبياء المتعاقبون إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام أن يقروا فيه السلام والأمن والإخاء والمحبة .

 

 

وللحديث بقية يإذن الله .

  أنظر أيضا "هل اليهودية دين جاء برسالة سماوية" ، وأيضا "قصة التوراة والتلمود"

  وأيضا  "العبرية القديمة ولغة الوحى" ، وأيضا  "علاقة النبى موسى بالتوراة"

 

__________

الفهرست

 

الحلقة الحادية عشر

الحلقة الثالثة عشر