الحلقة الثالثة عشر

من مذهب القبالة إلى الصهيونية العالمية

 

من مذهب القبالة إلى الصهيونية العالمية – وهو موضوع هذه الحلقة والحلقات التالية إلى نهاية الموضوع بإذن الله .. وأهم مراجع هذا الجزء من الموضوع هى :

 

 ألان نادو Alian Nadaud ؛ عبدة الصفر ، الطبعة العربية الأولى 1993 دار شرقيات .

 ول  ديورانت ؛ قصة الحضارة ؛ المجلد 12،13،14،15 ؛ مكتبة الأسرة .

 دائرة المعارف اليهودية .

 الموسوعة العربية الميسرة .

 جيمس هنرى برستيد ؛ فجر الضمير ؛ ترجمة د. سليم حسن .

Norbert Brox , A concise history of the early church ( New York 1995)

  الدكتور عبد الوهاب المسيرى / موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية / المجلد الأول

مواقع مختلفة من الإنترنت ... مذكورة فى حالة النقل النصى .

 

 

********

 

قلنا من قبل أن الدين اليهودى قد تضخمت نصوصه ، وتغيرت أصوله ، وأخذ يتشكل ويتلون على مر العصور وفقا لمصالح اليهود وأطماعهم وأهوائهم ، وأصبح سردا تاريخيا من خيال مؤلفيه وكهنته .. ويقول المؤرخ الأمريكى E. Martin فى كتاب له بعنوان " هل اليهودية اليوم هى دين موسى " منشور على الإنترنت بالموقع :

 

http://www.onlinetruth.org/Articles/judaism.htm

 

ونفضل نقل النص بلغته قبل ترجمته :

Is JUDAISM the Religion of Moses

“It becomes quite obvious, when the truth is known, that the sects of Judaism were not really teaching the Law of Moses. What all of them had done, in one degree or another, was to blend many pagan customs and beliefs, along with various man-made opinions, with the Law of Moses and then endeavored to teach their contradictory doctrines as the truth of God. “

معنى النص السابق :

 لقد أصبح من الواضح بعد أن تم معرفة الحقيقة ، أن الملل اليهودية على اختلافها لم تعد ملتزمة بتعاليم شريعة موسى ، وأن كل مافعلوه بدرجة أو أخرى هو خلط عادات وعقائد الوثنية بعديد من أفكار البشر المصطنعة مع شريعة موسى (عليه السلام) ، ثم السعى بعد ذلك إلى نشر وتعليم مذاهبهم الدينية المتناقضة وكأنها وحى صادق من الله .

وقد كثرت مستحدثات اليهود فى دينهم ونصوصهم فى سلسلة لاتنتهى من الأساطير والأيديولوجيات ، وكانت آخر تلك المستحدثات هى الحركة الصهيونية ، ثم المسيحية الصهيونية ، مرورا بمذهب "القبالة" Kabbalah الذى أكسب لما يسمى بنجمة داود السداسية شعبية كرمز لليهود ، حيث تم اتخاذها بعد ذلك شعارا للحركة الصهيونية عام 1897  ، واستمر هذا الشعار يتعرض للجدل لأعوام كثيرة بعد ذلك .. إلى أن استقر الصهاينة لوضع تلك النجمة على علم الدولة الصهيونية شعارا لها على أرض فلسطين .

وقبل أن نتكلم عن الحركة الصهيونية ، وعن اتحاد لفظى الصهيونية والمسيحية فى تعبير واحد رغم العداء التقليدى على مر العصور بين اليهود والمسيحيين .. نتحدث أولا  وباختصار عن مذهب "القبالة " . والقبالة Kabbalah  كلفظ أصلها من " قَبِل" و " أقبل" و " استقبل" .. فى اللغة العربية . والكلمة العربية  "قبالة" بفتح القاف تعنى : وثيقة يلتزم بها الإنسان أداء عمل أو دين أو غير ذلك ؛ ويقال نحن فى قَبالة فلان أى فى عهدته وعِرافته ، وهى دون الرياسة ، والقبالة و قبلى بفتح القاف فى اللغة العربية هى أصل اللفظ Kabbalah العبرى ، واللفظ العربى "قبلى" هو مصطلح فلسفى يطلق على المعرفة الأولية التى لايحتاج الإنسان فى تحصيلها إلى خبرة . وتكون القضية قبلية إذا استطعنا الحكم بصدقها بمجرد النظر إلى طريقة تركيبها ، مثل (أ هى أ)  . أما القُبالة يضم القاف مثل القُبالة من الطريق أى مااستقبلك منه . والقبلة بفتح القاف والباء هى خرزة ونحوها كانت العامة تحملها لدفع العين والحسد والشر أو جلب المحبة .

وتقول الموسوعة العربية الميسرة أن القبالة Kabbalah   كمذهب عند اليهود ، هو مذهب فى تفسير الكتاب المقدس عندهم ، يقوم على افتراض أن لكل كلمة ولكل حرف فيه له معنى خفى غير المعنى الظاهر . ونشأ هذا المذهب فى القرن السابع ، واستمر حتى القرن الثامن عشر الميلادى ، وهو محاولة ترمى إلى إدخال روح مستحدثة فى اليهودية ، ولكن لقى أنصاره اضطهادا شديدا . وكانوا يقولون أن مصدر كل شيئ هو الله ، وأن الشر هو نتيجة البعد عن الله ، وأن الروح الإنسانية أزلية ، وأنها إذا كانت طاهرة تفوقت على الشر ، وأن لأسماء الله قوة خفية . ومصدر هذا المذهب هو "كتاب الخلق" عند اليهود مع دخول بعض تعاليم فبثاغورس العددية بما يعرف بمذهب عبادة الأعداد ، وأفكار أفلاطون الميتافيزيقية ، وبعض تعاليم المسيحية . وأتباع هذا المذهب يؤمنون بتناسخ الأرواح .. والمذهب يرسم طريقة عددية فى التفسير والتأويل وبعض فنون السحر والتنجيم  والهرطقة .

 

فماذا تقول المصادر اليهودية عن هذا المذهب وماهى دلالة نجمة داود السداسية عندهم ، والتى اتخذتها الحركة الصهيونية بعد ذلك شعارا لها ......

 

يقول اليهود أن "القبالة" هى مذهب يهودى تصوفى ، يعتزل فيه "القبليون" العالم بكل مشاكله وسقطاته ليتكشّف لهم عالم الأرواح والأسرار الخفية .. وأن هذا المذهب نتج عن تراكم لموروثات تاريخية ولبعض المعارف والخبرات فى تفسير الكون والقوى الخفية ، وذلك عن طريق النقل لبعض فنون السحر عن كهنة مصر القديمة ، وفنون السحر الموروث أيام أسرهم فى بابل ، حيث كان هاروت وماروت يعلمان الناس السحر قبل زمن نوح عليه السلام ، وكان سحر بابل يتألف من سحر الجن demonology وأسرار الملأ الأعلى angelology وقراءة الطالع والتنجيم astrology .. واختلطت خبرتهم بعد ذلك بدلالات فيثاغورس السحرية للأعداد ، وبثنائية الظواهر والأشياء كالليل والنهار والروح والجسد  والخير والشر .. الخ ، بما يعرف بثنائية زرادشت Zoroastrian dualism ، وكذلك اختلطت بالفلسفة الهللينية الموروثة عن أفلاطون بما يعرف بالأفلاطونية الحديثة متأثرين بمناخ الزهد والتقشف الذى ساد العصور الوسطى ، وكذلك ببعض النصوص من سفر الرؤيا اليهودى apocalyp التى تربط بين كل طوائف الأسينيين essenism الذين عُرِفوا بإسم " الإنطوائيين" أو " الصامتين" . وقد وُلد المسيح عليه السلام فى زمن كان اليهود فيه متفرقين ومتوترين ومنقسمين إلى طوائف أهمها طائفة الأسينيين وطائفة الفريسيين Pharises وطائفة الصدوقيين Sadducees ، وكان يترأس الطائفة الأسينية يوحنا المعمدان ، الذى تعمّد منه المسيح عليه السلام حين بلغ الثلاثين من عمره .

 

كما ارتبطت جذور مذهب "القبالة" فى مجال المعرفة الحدسية لحقيقة الكون والأرواح بمصطلح "الجنوستية" Gnostic ، وهو مصطلح يونانى قديم انتشر فى أواخر القرن الأول المسيحى للدلالة على الشريحة المارقة على المجتمع المسيحى الناشئ فى مدينة الإسكندرية ، حيث كانت تدعى هذه الشريحة قدرتها على كشف المستور والأسرار الخفية . وهذا المصطلح يقابل مصطلح " الأدرية " فى اللغة العربية من اللفظ " أدرى وأعرف " ، والأدرية مذهب من مذاهب الحدسيون الذين يكتسبون معارفهم بالإدراك الداخلى أو بالفراسة insight ، بمعنى إدراك الشيئ إدراكا مباشرا وتمييزه بوضوح دون دليل أو تحليل أو برهان ، بما يعنى الإهتداء للحقيقة بالبصيرة والفطرة والإلهام . وهو نقيض مصطلح agnostic (اللاأدرية) ، حيث يعتقد أتباعه أن العقل عاجز عن مجاوزة حدود الخبرة الذاتية عند صاحبه ، ومُحا ل عليه إقامة البرهان على أى شيئ يُفترض وجوده خارج تلك الحدود ، ومن أشهر اللاأدريين هربرت سبنسر وأوجست كونت ، والفيلسوف كانت الذى كان يرى أن الإعتقاد بالله يبنى على الإيمان وحده . ويبدو أن بعض النصارى بمصر مع بدايات القرن الرابع الميلادى قد اتبعوا أفكار وعقائد الجنوستية Gnostic رغم محاربة الكنيسة لهم فى ذلك الوقت ، وتصميمها على حذف كل مادخل على الأناجيل من تلك العقائد تصحيحا وتنقية لها .. ونذكر فى تلك المناسبة أنه فى ديسمبرعام 1945 وقريبا من نجع حمادى بصعيد مصر ، اكتشف فلاح مصرى إسمه محمد على السمان جرة ، وعندما كسرها وجدها مليئة بالكتب والمخطوطات ، وعندما تسلمتها الحكومة المصرية وفحصتها ، تبين أن الكتب والمخطوطات ترجع تقريبا إلى الفترة بين أعوام 350 ، 400 م. ، وأنها تحتوى على تعاليم الجنوستية ، وأنه فى الغالب قد تم تهريبها من الإسكندرية وإخفائها عن أعين رجال الكنيسة ، حيث كانت الكنيسة فى ذلك الوقت تعتبر تلك التعاليم نوعا من الهرطقة المسيحية الأرثوذكسية .. وتم ترجمة تلك الكتب والمخطوطات فى السبعينيات من القرن الماضى ، وتم حفظها بالمتحف القبطى بالقاهرة .

 

ويمثل مذهب " القبالة" عند اليهود وجهة نظرهم فى التصوف اليهودى . ويشتمل على كثير من التأملات اللاهوتية وأصل الأرواح ومصيرها ، ويشمل المذهب تدريبات تأملية وعلى أوراد سحرية وتعبدية وباطنية ، ويعتبر هذا المذهب من الأسرار الخفية المقصور تعلمها على البعض وبشروط معينة ، ولاتنتمى تلك الأسرار إلى الدين اليهودى بأية صلة . ويتم تعليم بعض موضوعات هذا المذهب لغير اليهود منذ مئات السنين ، وخاصة فيما يتعلق منها بموضوعات السحر وتحضير الأرواح والإستنباء بالعدد وتفسير الأحلام .. ويشتمل المذهب على حكايات كثيرة عن الأرواح المتجولة أو الجوالة وعلى تناسخ الأرواح .. والأصل فى نشأة هذا المذهب كما يقول بعض اليهود هو إمكان وتسهيل تفسير بعض النصوص الغامضة التى يحتويها التلمود بطريقة صوفية ، فقام مذهبهم بدور أساسى فى رسم طريقة عددية فى التفسير والتأويل ، مع اعتقادهم أن حروف اللغة وخاصة اللغة العبرية القديمة تكتسب قوة سحرية حين يتم ترتيبها فى مجموعات بأشكال معينة ..

 

وجدير بالذكر ، أن نذكر أن من ضمن مظاهر التشكل والتلون الدائم للعقيدة اليهودية .. أن كلمة "لوجوس "  Logos اليونانية والتى تعنى كما نفهمها الآن "علم" ، وهذا المعنى هو المقطع الذى يظهر فى كلمات مثل Geology التى تعنى "علم الأرض " أو سيكولوجى التى تعنى  " علم النفس " .. أخذها اليهود بمعناها فى العبادة اليونانية القديمة حيث كانت تشير إلى كلمة الإله أو الآلهة  ، ثم خلطوا هذا المعنى بمعناها فى الفلسفة اليونانية القديمة بما يعنى أيضا أن  "اللوجوس" هو المبدأ الذى يسير الكون من خلاله..

 

ويقول الدكتور عبد الوهاب المسيرى فى موسوعته - اليهود واليهودية والصهيونية / المجلد الأول / الجزء الثالث - : أن كلمة "لوجوس" أصبحت ذات دلالة عامة عند اليهود  ، بما يعنى أن " اللوجوس " هو النقطة التى يلتقى فيها الإله "المطلق" مع الإنسان " النسبى " داخل التاريخ والزمان ليتواصل معه .....  وقد أخذ اللقاء بين الإنسان "النسبى" والإله "اللوجس والمطلق" فى حالة اليهودية شكل حلول infusion الإله فى المشيح المنتظر (ليس هو المسيح عيسى ابن مريم فى عقيدتهم ) وفى التوراة ثم فى التلمود ، وأخيرا فى الشعب اليهودى الذى أصبح بذلك مركز خلاص البشرية جمعاء . ثم تعمق المفهوم مع انتقال اليهودية إلى تربة مسيحية من القرن الرابع عشر فى أوروبا ، فازداد مفهوم اللوجوس مركزية وشيوعا ، فنجد أن التراث الحاخامى يجعل المشنا  هى اللوجوس . أما التراث القبَّالى فيخلع هذه الصفة على الشعب اليهودى الذى لم يعد مجرد تجسد incarnation للإله بل أصبح جزء لا يتجزأ منه . ويرى القباليون أن إسم الإله الأعظم "اللوجوس" هو أكبر تركز للحضور الإلهى  .. ""فى البدء كانت الكلمة" ، أى أن الكلمة هى الأصل . ومن يفك شفرة الكلمة وهذا الإسم ، ستتدفق فيه القداسة والحضور الإلهى ويمكنه الإتيان بالمعجزات والسيطرة على العالم .

 

وجدير بالذكر (المرجع هو نفس المرجع المشار إليه سابقا للدكتور عبد الوهاب المسيرى ) – أن نذكر أيضا أن اليهودية الحاخامية تؤمن بأن المشيح سيأتى فى آخر الأيام عندما يشاء الإله ليعود بشعبه إلى صهيون ، فالعودة منوطة بإرادة الله ، ولذا كان اليهود لايزورون فلسطين إلا للحج أو للتعبير عن "حب صهيون" ، أما الإستيطان فيها فكان محرما . فجاءت الحركة الصهيونية (التى سوف نتحدث عنها ) وقامت بعملية تكمين (من كمون immanence وهى كلمة شاعت فى الفلسفة الغربية الحديثة وأخذت عنها المنظومة القبالية وحولتها إلى الكلمة العبرية "شاخيناه" وهى من فعل "شخن" بمعنى "سكن" و "حل" و "استقر" ، وتم تفسيرها وكأن ثمة وحدة كاملة بين الإله والشعب اليهودى " فهو حلول وكمون كامل" ) ، وجاءت الحركة الصهيونية وقامت بعملية تكمين ، إذ قررت أن العودة مسألة تتوقف على مشيئة البشر " الطليعة الصهيونية محل الكمون " الذين يمكنهم أن يقرروا متى يمكن تحقيق هذا المشروع فى داخل الزمان " فلا تجاوز لإرادة البشر والزمان " . وستتم عملية العودة "بعد دراسة الملابسات المحلية وتوازن القوى الدولية " بهدف الإستيطان فى فلسطين ، وهى منطقة جغرافية تقع بين آسيا وأفريقيا مجاورة لمصر وتطل على قناة السويس ، وهى منطقة مهمة لا لأن الإله باركها أو اختارها ، وإنما لأن بإمكان المستوطنين الصهاينة القيام على خدمة المصالح الغربية فيها . والفلسفة المثالية الألمانية "رغم مثاليتها وحديثها عن التجاوز والتعالى " هى فى نهاية الأمر وفى التحليل الأخير فلسفة حلولية كمونية ، فالتجاوز فيها يظل فى إطار المرجعية الكامنة .. ولقد نبت الفكر الصهيونى على أرضية تلك الفلسفة بعد خلطها بالفكر اليهودى القبالى .

 

 

وللحديث بقية بإذن الله ..

 

الفهرست

الحلقة الثانية عشر

الحلقة الرابعة عشر