الحلقة الخامسة عشر (تكملة)

 

الفكر القبالى ونبى اليهود الثانى موسى ابن ميمون

 

واستمر حال مدينة الإسكندرية ملتهبا من تصاعد الصراع بين الطوائف الدينية العديدة التى ذكرناها فى الحلقة السابقة . ونشط إضافة إليها نوع غير مألوف من أتباع الفلسفة الأفلاطونية ، التى ظهرت فى القرن الثالث بعد الميلاد فى مدينة الإسكندرية على يد الفبلسوف أفلوطين Plotinus . وكانت فلسفته هدما ونقضا لحجج الماديين ، فوجود العالم المرئى قائم عنده على "الواحد" الذى هو المبدأ وهو علة العلل ، ومن هذا "الواحد" فاض العقل الإلهى ، وانبثق كل شيئ عن طريق هذا الفيض من "الواحد" . وقد تأثر أفلوطين بهذا الشكل إلى حد ما بالفكر الفيثاغورى ، الذى كان منتشرا بمدينة الإسكندرية مختلطا ببعض ميتافيزبقبات أفلاطون ، الذى جاء بعد فيثاغورس بحوالى 150 عاما ، والذى يمكن تقسيم فلسفته إلى ثلاثة أقسام هى : الجدل والطبيعة والأخلاق. وكان أفلاطون يرى أن معرفة الإنسان لماهيات الأشياء تسبق تجربته الحسية ، وأن النفس خالدة عنده لأنها بسيطة ، والبسيط لايتحلل . وقامت بهذا الشكل فلسفة جديدة على يد أفلوطين أطلق عليها الأفلاطونية الحديثة ، التى كانت حافزا لتطوير كل من مذاهب الزهد والتأمل الميتافيزيقى المنهجى وتقاليد التصوف فى الأديان الإبراهيمية الثلاثة : اليهودية والنصرانية والإسلام .

 

وظلت مدينة الإسكندرية ملتهبة من كثرة التيارات المذهبية وتعدد الصراعات الطائفية . وتصاعدت الفتنة بين النصارى الجدد والوثنيين واليهود ، وانتشر الخراب فى أنحاء المدينة مع تصميم النصارى على سحق الوثنيين واليهود .... إلى أن سيطر عمرو ابن العاص على بعض أجزاء المدينة عام 641 م بتواطؤ من بعض أهلها ، وسيطر عليها بالكامل بعد ذلك عام 645 م  ، فأصبح الوجود العربى الإسلامى عامل أمن وسلام فى المدينة ، وكان المسلمون واثقين من أن نور الإيمان الحق كفيل وحده بهداية الكفار إلى الدين الحنيف ...

 

نعود مرة أخرى إلى مذهب "القبالة" اليهودى ، حيث تشكلت بذوره الأولى من شعائر قدماء المصريين وتقاليدهم ، ثم نمت جذوره فى مناخ العقائد المتصارعة فى مدينة الإسكندرية فى القرنين الثانى والثالث الميلادى .. فصدر أول كتاب فى هذا المذهب باسم "الزُهار" Zohar ، وهذا الإسم مشتق من اللفظ العربى "زهر" و "زاهر" ، والزاهر من النبات هو الحسن فيه ، والزاهر من الرجال والأشياء هو المشرق منهم .. وتعرض هذا الكتاب فى بداية ظهوره إلى انتقاد وذم الكثير من أحبار اليهود ، واعتبروه نوعا من انتهاك أصول العقيدة اليهودية ، ومجرد حشو من أوهام السحر وتعاويذه . ويقول أتباع مذهب القبالة أن الذى كتب كتاب "الزُهار" هو الكاهن شيمون الربانى فيما بين عامى 150 م ، 230 م ، حيث نسج بعض اليهود حوله فى هذا الوقت أنه قد وصل إلى مرتبة النبى الإله . وظلت وثائق كتاب الزهار حبيسة بعد ذلك إلى أن تم اكتشافها مختفية فى كهف بفلسطين لمئات عديدة من السنين . وحصل على نسخة منها بعد اكتشافها الحاخام موسى دى ليون فى القرن الثالث عشر الميلادى ، ولايعلم أحد شيئا عن نشأة موسى دى ليون أو عن معلميه أو عن دراساته الأولية أو الدينية ، ولكن المعلوم أنه قد عاش فى أسبانيا الإسلامية ، وأنه قد تأثر بفلسفة موسى بن ميمون – الذى سوف يأتى ذكره بعد – فتحول إلى مذهب القبالة ، وتعمق فى تراث هذا المذهب ، ثم بلوره بما اكتسبه من تفكير عقلى خاص .. فنشر نسخة من كتاب "الزهار" فى صورة جديدة باللغة الأسبانية .

 

وتأسست مع نهاية القرن السادس عشر الميلادى مدرستين فى الفكر القبالى . كان موسى بن ميمون هو رائد المدرسة الأولى ، وإسحاق لوريا هو رائد المدرسة الثانية ... ذلك على الرغم أن اليهود الأرثوذكس كانوا يضعون الفكر القبالى خارج حدود مذهبهم ، ويحظرونه على أتباعهم خوفا من قوته وخشية الفتنة مما يحتويه من خفايا وأسرار ورموز غامضة .. ومع ذلك استمر الفكر القبالى قويا سواء فى السر أو العلن ...

 

ونذكر أنه مع استمرار الفكر القبالى قويا ومتدفقا .. أن العصور الوسطى فى ذلك الوقت  كانت مشتعلة أيضا  بنار الإضطهاد الدينى فى جميع أنحاء أوروبا ضد اليهود من جانب النصارى ، مثلما اشتعلت ضد العرب المسلمين داخل أوروبا وخارجها وأتت بحروبها الصليبية ، وتم فى ذلك المناخ الإضطهادى طرد اليهود بالجملة من أوروبا .. ففى أواخر القرن الرابع عشر (عام 1384م) اختفى يهود فرنسا تماما ، أما يهود إيطاليا فظلوا متقوقعين بها ، أما يهود ألمانيا وأسبانيا فسوف يكون لهم الدور الأكبر فى قصة اليهود فى العصور الحديثة ، فهؤلاء هم الذين تعرضوا لأشد أخطار الإبادة والطرد ، ومنهم ومن نسلهم سوف ينشأ التقسيم الثنائى الرئيسى لليهود ، الذى يفرق بين يهود ألمانيا وشمال أوروبا من ناحية وبين يهود أسبانيا وجنوب أوروبا وحوض البحر المتوسط من ناحية أخرى .. وهما على الترتيب اليهود الأشكنازيم Ashkenazim واليهود السفارديم Sphardim ( الدكتور جمال حمدان / اليهود أنثروبولوجيا / دار الكتاب العربى) .

 

ويعتبر السفارديم هم الطبقة الأرستقراطية لليهود على الأساس الدينى ، غير أن الأشكنازيم يؤلفون الأغلبية الساحقة عدديا ، ويشكلون الطبقة المسيطرة المتفوقة حضاريا إلى حد احتقارهم للسفارديم احتقارا لايحفلون بإخفائه . ويمكن القول أن اليهود السفارديم بصفة عامة هم اليهود الذين عاشوا فى الأراضى الإسلامية سواء فى أسبانيا الإسلامية قديما إو فى غيرها ، وأن اليهود الأشكناز هم الذين عاشوا فى الأراضى المسيحية وأوروبا الشرقية .

 

ومع ضعف الحكم الإسلامى فى أسبانيا ، وانشغال الأمراء باللهو والمتعة ومظاهر الأبهة الفارغة ، ومع عدم اتفاقهم على أى شيئ والصراع بينهم وبين بعضهم على السلطة . بدأ عصر الإضطهاد لليهود جنبا إلى جنب مع العرب المسلمين . وفى هذا المناخ وُلد ابن رشد فى قرطبة عام 1126م  ، وتم نفيه إلى بلاد المغرب بعد التنكيل به واحراق كتبه لإتهامه بالإشتغال بالفلسفة وعلوم اليونان ، ومات فى مراكش عام 1198م .

 

ووُلد فى هذا المناخ المضطرب أيضا موسى ابن ميمون فى قرطبة فى مارس عام 1135م . حيث بدأ المسيحيون يحكمون بعض الممالك فى أسبانيا ، وكان شاغلهم هو استرداد الأرض التى اكتسحها العرب فى القرن الثامن الميلادى ، وفى عام 1200م كان الإسترداد فى عنفوانه بما يعرف بحروب الإسترداد الأسبانية Reconquista ، فهرب ابن ميمون بجلده هو وأسرته إلى مصر ، واستقروا بالفسطاط (مصر القديمة) ، وحضر ابن ميمون نهاية الدولة الفاطمية فى مصر (1160م – 1171م) وبداية الدولة الأيوبية ، التى أسسها صلاح الدين الأيوبى (محرر الأراضى المقدسة من الصليبيين) ، وأصبح موسى ابن ميمون طبيبا للبلاط السلطانى فى عهده ، وعاش فى الرخاء والأمان ، وأصبح رئيسا لكل فرق وطوائف اليهود فى مصر وراعيا لهم ، واستطاع فى هذا الجو المستقر الآمن أن ينجز أفضل أعماله ، ومات فى القاهرة فى 13 ديسمبر 1204م .

 

كان موسى ابن ميمون معروفا بثلاثة أشياء : تعليقاته وشروحه على متن المشنا Mishnah ، التى اعتبرها اليهود بمثابة مشنا جديدة أو "مشنا ميمون" ، حيث كانت مراجعة شاملة وتصحيحية للناموس الشفوى (التوراة) والشريعة الموسوية وفّق فيها ابن ميمون بين المشنا القديمة التى تم كتابتها عام 200م وبين مايسمى بالتلمود الذى تمت كتابته أثناء وبعد الأسر البابلى واستكماله بين عامى 400م ، 500م ، والتلمود كما تقول الموسوعة العربية الميسرة هو لفظ آرامى بمعنى "تعلم" ، وهو عبارة عن مجموعة الشرائع اليهودية التى نُقلت شفويا مقرونة بتفاسير رجال الدين ، ويعتد به جميع اليهود المحافظين (الأرثوذكس) ، وينقسم قسمين : المشنا Mishna وهى النص والجمارة Gemara وهى التفسير مع تكملة للنص ، وكُتب التلمود فى فلسطين وبابل فى القرنين الخامس والسادس الميلادين ، وتلمود بابل هو المعتمد عند يهود اليوم ، وهو فى نظر المحافظين منهم (الأرثوذكس) أكثر قداسة من التوراة نفسها ومن باقى الإنجيل اليهودى الذى يسمى عند المسيحيين بالعهد القديم Old Testament  .

 

وثانى الأشياء المعروف بها ابن ميمون هو كتابه "دليل الحائرين" الذى كتبه باللغة العربية . وثالث تلك الأشياء هو مذهبه فى الفلسفة العقلية ، ومحاولاته فى الربط بين الفلسفة اليونانية وبين الدين اليهودى ، مقلدا فى ذلك ابن رشد فى محاولاته الربط بين فكر أرسطو والفكر الإسلامى . وفى هذا الشأن كان ابن حزم الأندلسى - الذى وُلد أيضا فى قرطبة عام 994م قبل ابن رشد وابن ميمون ، وتوفى فيها عام 1064م - يقول : أن الغرض من الفلسفة والشريعة هو إصلاح النفس حتى تستقيم . واليهود حتى اليوم يعتبرون موسى ابن ميمون هو موسى الثانى بعد موسى النبى عليه السلام وهو فى نظرهم رائد أول مدرسة فى التصوف القبالى اليهودى .

 

 

أما مدرسة "القبالة" الثانية ، فقد كان رائدها هو اسحاق لوريا ، الذى وُلد فى مدينة القدس عام 1534م ، وأخذته أمه صبيا صغيرا بعد وفاة أبيه إلى مصر حيث تربى فى بيت عمه ، وفى جزيرة الروضة بالقاهرة اعتزل الناس وعكف على دراسة مذهب القبالة ، وخرج من هذه الدراسة بفكر جديد لهذا المذهب بما يسمى بالقبالة الجديدة أو القبالة اللوريانية نسبة إلى إسمه ، فجعل "القبالة" مدخلا لعلم اللاهوت المعاصر ومدخلا للفلسفة وعلم النفس ، وتكونت له آراء فى خلق الإنسان وفيما يسمى بالفراغ الميتافيزيقى وكذلك فى الحكمة الإلهية Theosophy التى هى فى رأيه بمثابة الشرارة فى الإنسان ، وكلما تحرر الإنسان فى رأيه من سجن الجسد كلما توهجت تلك الشرارة ، واستعلى على قيود المادة وكثافتها ، وحقق مستويات أعلى من الكشف والصفاء الروحى والمعرفة والإدراك المباشر الذى يسمى فى المصطلح الفلسفى "الحدس" intuition ، والحدس هو إدراك يلمع فجأة يبرهن على غيره ولايحتاج هو نفسه إلى برهان – أى أنه إدراك غير مسبوق بما يمهد له ، وهو عند إسحاق لوريا إلهام أو وحى من عند الله .. وكان منهج تفكيره هو المنهج النقدى التحليلى الذى يبدأ بالنقض والتحليل ثم ينتهى بالبناء والتركيب فى صورة مختلفة وجديدة Deconstruction and Restoration .. وخدمت آراؤه هذه اتجاهات التصوف الباطنى ، كما كان لمذهبه الجديد فى القبالة الأثر الواضح على فلسفة هيجل (1770 – 1831 م) ، فناقش هيجل مذهب لوريا فى القبالة فى محاضراته بعنوان " التاريخ والفلسفة والدين" ، كما كان لمذهب لوريا أيضا الأثر الواضح على سيجموند فرويد فى اتجاهاته فى مجال علم النفس والتحليل النفسى .. وأصبح أتباع مدرسة القبالة اللوريانية من متصوفين وفلاسفة يبحثون عن تطوير دائم للدلالات النفسية والفلسفية لمبادئ ورموز القبالة بمفهومها السابق على إسحاق لوريا مستخدمين منظومته الفكرية فى النقد التحليلى .. فكانت النتيجة هى إثراء الدراسات المقارنة والحوار بين التصوف اليهودى والتقاليد الفلسفية والدينية للدين اليهودى والديانات والمذاهب الأخرى بما فيها الهندوسية والبوذية والأفلاطونية والغنوصية Gnosticism (أنظر هامش الصفحة بأسفل ) . كما نشأ على أصول مذهب لوريا فى القبالة بعض الجمعيات السرية منها الماسونية فى مرحلتها الثانية التى أصبحت منظمة قوية بين المسلمين – ( لفظ "الماسونية" هى كلمة تعنى البناءون الأحرار ، وهى منظمة يهودية سرية هدامة غامضة ، تهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم ، وتدعو إلى الإلحاد والإباحة والفساد ، وتتخذ الوصولية والمنفعة أساسا لتحقيق أغراضها ، والمرحلة الثانية للماسونية بدأت سنة 1770م ، ومن فروعها المستورة بأسماء مختلفة نوادى الروتارى والليونز) – ومن تلك الجمعيات السرية أيضا جمعيات تبحث فى القوى الخفية فرارا صوفيا من الواقع المرير ، فوجدوا فى مذهب القبالة قديمه وحديثه ضالتهم ، وانتشرت فنون السحر واستحضار الأرواح وقراءة الكف والعلاج بالخوارق ، وانتشرت كتب السحر وقراءة الطالع وتأثر بها الكثير من اليهود وغيرهم .. وكان من بينهم الصوفى اليهودى أبو حصيرة ، الذى ظهر فى القرن التاسع عشر فى مصر ، حيث جاء إليها من مراكش هربا من القحط الذى أصابها فى ذلك الوقت .. ومات فى قرية من قرى دمنهور .. وبدأ للأسف إحياء مولد سنوى له فى يناير من كل عام مع إجراءات تطبيع العلاقات بين مصر والكيان الصهيونى فى إسرائيل ، ويأتى لهذا المولد سنويا بعض اليهود من أوروبا ومراكش تحت حراسة أمنية مشددة للتبرك به وتحقيق الأمانى فى شفاء مرضاهم .. وأصبح هذا المولد هو المولد اليهودى الوحبد فى مصر .

 

 

ونلتقى فى الحلقة القادمة بإذن الله مع موسى الثالث فى نظر اليهود - ( بعد موسى الأول نبى الله عليه السلام وبعد موسى الثانى موسى ابن ميمون) – وموسى الثالث هو رائد حركة التنوير اليهودية التى كانت حركة الصهيونية العالمية أحد نتائجها .

 

 

فهرست

 

الحلقة الرابعة عشر

 

الحلقة السادسة عشر

 

 

 

 

الجنوستيسية أو الغنوصية Gnosticism  : نسبة إلى كلمة "غنوصص" Gnosis باللغة اليونانية أى "المعرفة"  knowledge ، ويمكن ترجمتها إلى العربية بعبارة : المعرفة الروحية الخاصة . وهى حركة فلسفية ودينية ، نشأت فى العصر الهللينى ، وأساسها أن الخلاص يتم بالمعرفة أكثر مما يتم بالإيمان والأعمال والخبرة . ويقول الغنوصيون بالثنائية ، أى بالتمييز بين الخير والشر ، المعتبرين عنصرين أساسيين للوجود . ثم أدمجوا فى تعاليمهم شيئا من السحر والشعوذة . وتأثرت بعض الفرق اليهودية بالغنوصيين ، مثل الأسينيين الذين رفضوا فكرة الإلّه العادل واستبدلوا بها الحكمة الإلّهية . ونبذت الغنوصية المسيحية الأولى (الأسس اليهودية وكذلك العهد القديم) ، ونادت فى القرن الثانى بأن الخلاص يتم عن طريق الحكمة (صوفيا) . وقسمت الناس إلى ثلاث طبقات : الغنوصيين وخلاصهم مضمون ، والمسيحيين غير الغنوصيين ويمكنهم أن يخلِّصوا أنفسهم بالإيمان ، ومن عدا هؤلاء هم هالكون . وانتهى الأمر بالغنوصية إلى إدماجها فى المانوية (مانى : مصلح إيرانى ، ظهر فى القرن الثالث الميلادى ، أعلن النبوة عام 242 ، أُجبِر على الفرار تحت ضغط الحكام ، ولما عاد حُكم عليه بالموت ، إنتشر مذهبه فى أنحاء الإمبراطورية الرومانية وآسيا ، وتأثر بالبوذية والغنوصية تأثرا كبيرا ، واتسم بتعاليم الزرادشتية .

 

إضافة : يقول د. يوسف زيدان فى الحلقة السادسة بتاريخ 14/7/2010 من سباعيته بعنوان "المزيج السكندرى" المنشورة بجريدة "المصرى اليوم" : أن الغنوصية إسم لمذاهب كثيرة مختلفة فيما بينها ، ولكن يجمعها كلها شيئ وحيد ، هو محاولة الحصول على المعرفة بالإتصال المباشر مع الإله .. وبحسب المبدأ الغنوصى العام فإن "الله" متعال جدا عن هذا العالم، ومنفصل عنه بحكم اختلاف الطبيعتين : طبيعة الإله باعتباره الخير الخالص ، وطبيعة العالم الذى هو موطن الشرور والخطايا وسيطرة المحسوسات ... والمذاهب الغنوصية تقول إن الإنسان إذا تجرد عن متطلبات الحس ، فإن روحه (نفسه) تتحرر وتحلق فى الأفق الإلهى الذى جاءت منه أصلا ، وهو مايحدث فى لحظات نادرة تتم خلالها (المعرفة الحقة بالوجود) .. وبالطبع فإن لهذه المعرفة شروطا ، أهمها أن يكون الإنسان فاضلا ، لايقترب من الخطايا ولاينغمس فى الملذات ، ولايسمح للمحسوسات أن تتحكم به وتثقل روحه عن التحليق فى الأفق السماوى .

وقد انتشرت الإتجاهات الغنوصية فى مدينة الإسكندرية ، وبقية مدن العالم القديم فى القرن الثانى للميلاد. وكان انتشارها مرتبطا بحالة القتامة ، التى خيمت على العالم القديم بسبب الإضطرابات السياسية والحروب المستمرة واليأس من تحقيق (الخلاص) الجماعى ، وهو مايقود بشكل تلقائى إلى محاولة البحث عن (خلاص فردى) وعن يقين خاص .. وقد اشتهر فى القرن الثانى الميلادى من الغنوصيين : باسيليدس، الذى درس فى الإسكندرية ، وكانت وفاته سنة 161 ميلادية بعدما ترك مؤلفات ، منها شرح للإنجيل فى 24 كتابا ، ومجموعة مزامير وتسابيح .. ويقال أن الإنجيل الذى شرحه باسيليدس ، هو إنجيل آخر غير تلك الأربعة الموجودة اليوم بأيدى الناس .

وثانى الغنوصيين الكبار قديما ، هو فالينتينوس المصرى ، كان مولده بمصر ، وقضى حياته متنقلا بين أنحاء العالم القديم ، حتى توفى فى روما (فى حدود عام 160 ميلادية) حيث كان يدعو لعقيدة روحية تقوم على فكرة أن الخطيئة الأولى دمّرت التآلف بين النفس الإنسانية وأصلها السماوى (الآب) ، وعلى كل فرد أن يحرر ذاته من سيطرة الجسم والمحسوسات حتى يعود التآلف الموجود .

ومن أهم الذخائر التراثية (الغنوصية) مخطوطات نجع حمادى ، التى اكتشفها بالصدفة سنة 1945 الفلاح المصرى (الصعيدى) محمد على السمان ، وباعها فى القاهرة بأبخس الأثمان ، فانتقلت أغلب مخطوطاتها إلى خارج البلاد ، بما فيها (إنجيل الحقيقة) المعروف حاليا بإنجيل توما .. وهو نص غنوصى بامتياز ، كاد زاهى حواس (رئيس هيئة الآثار المصرية) يسترجعه إلى مصر ، لكنه رضخ لصخب الرافضين (يقصد رجال الكنيسة المصرية) ، وآثر السلامة وطوى الأمر .

 

  Gnosis

 

The word 'Gnosticism' is a modern construction, though based on an antiquated linguistic expression: it comes from the Greek word meaning 'knowledge', gnosis (γνῶσις). However, gnosis itself refers to a very specialised form of knowledge, deriving both from the exact meaning of the original Greek term and its usage in Platonist philosophy.

Unlike modern English, ancient Greek was capable of discerning between several different forms of knowing. These different forms may be described in English as being propositional knowledge [ Descriptive knowledge, also declarative knowledge or propositional knowledge, is the species of knowledge that is, by its very nature, expressed in declarative sentences or indicative propositions. This distinguishes descriptive knowledge from what is commonly known as "know-how", or procedural knowledge (the knowledge of how, and especially how best, to perform some task), and "knowing of", or knowledge by acquaintance (the knowledge of something's existence)] , indicative of knowledge acquired indirectly through the reports of others or otherwise by inference (such as "I know of George Bush" or "I know Berlin is in Germany"), and empirical knowledge acquired by direct participation or acquaintance (such as "I know George Bush personally" or "I know Berlin, having visited").

Gnosis (γνῶσις) refers to knowledge of the second kind. Therefore, in a religious context, to be 'Gnostic' should be understood as being reliant not on knowledge in a general sense, but as being specially receptive to mystical or esoteric experiences of direct participation with the divine. Indeed, in most Gnostic systems the sufficient cause of salvation is this 'knowledge of' ('acquaintance with') the divine. This is commonly identified with a process of inward 'knowing' or self-exploration, comparable to that encouraged by Plotinus (ca. 205-270 AD). However, as may be seen, the term 'gnostic' also had precedent usage in several ancient philosophical traditions, which must also be weighed in considering the very subtle implications of its appellation to a set of ancient religious groups.