الحلقة السادسة عشر

 

موسى مندلسون Moses Mendelsshon

وحركة التنوير اليهودية التى أدت فى النهاية إلى حركة الصهيونية العالمية

 

 

وُلد موسى مندلسون بمدينة دساو Desau بألمانيا فى 6 سبتمبر 1726 ، ونشأ فى عائلة فقيرة ، وعاش طفولته مرضا تركه بتقويس دائم فى العمود الفقرى .. ويعتبر مندلسون فى نظر أغلب اليهود حتى اليوم هو موسى الثالث بعد موسى النبى عليه السلام وبعد موسى بن ميمون الذى سبق وتحدثنا عنه من قبل .

 

درس مندلسون الشريعة اليهودية على يد كاهن مدينة دساو الذى أصبح كاهنا لمدينة برلين بعد ذلك . وذهب مندلسون إلى برلين وهو فى الرابعة عشر من عمره لمزيد من دراسة التلمود الذى يُعتبر الأكثر قداسة من التوراة عند اليهود المحافظين (الأرثوذكس) كما أوضحنا من قبل فى الحلقة السابقة . وفى برلين أكب مندلسون على دراسة آثار وأعمال موسى بن ميمون (موسى الثانى) ، وتعلم عنه أن ينزل بكبريائه إلى التواضع ، ووجد الشجاعة فى حياته ....

 

وتعلم مندلسون اللاتينية والرياضيات والمنطق ، ولم يلبث أن عشق الفلسفة ، وأصبح صديقا للفبلسوف إيمانويل كانت ولكاتب الدراما اليهودى الشهير "لسنج" Gotthold Lessing ، وشجعه الأخير على نشر مقالات له فى الفلسفة باللغة الألمانية ، وكتب عنه لسنج لصديق آخر فى 16 أكتوبر 1754 يقول : " إن مندلسون رجل فى الخامسة والعشرين ، اكتسب دون أى تعليم جامعى معلومات كبيرة فى اللغات والرياضيات والفلسفة والشعر . وإنى لأتطلع فيه إلى مفخرة لأمتنا اليهودية إذ أتاح له إخوانه فى الدين أن يصل إلى درجة النضج .... وإن صراحته وروحه الفلسفية ليجعلاننى أعده سلفا اسبينوزا الثانى " .. ( اسبينوزا 1632 – 1677 هو فيلسوف يهودى عاش فى هولندا ) .

 

خدم مندلسون كمدرس خاص عام 1750 فى بيت إسحاق برنارد صاحب أكبر مصنع للحرير فى برلين .. وفى نفس العام منحه فردريك الأكبر (1712 – 1768 ) – أشهر من حكم ألمانيا – رتبة " يهودى تحت الحماية الإستثنائية " Jew under extraordinary protection  .. وفريدريك الأكبر كان حاكما مستبدا طيبا ، اشتهر بصداقته لفولتير وإصلاحاته القانونية والإجتماعية ، وحبه للفلسفة ، ودفاعه عن التسامح الدينى رغم كرهه للأديان جميعها .

 

وصاغ مندلسون فلسفته وفكره كامتداد لفكر كريستيان وولف Christian Wolf فيلسوف حركة التنوير الأوروبية ، وعلى فكر ليبنتز Gottfried Libnitz الفيلسوف العقلانى .. وخرج منهما بفكر علمانى Secular أعلى فيه قيمة العقل وأهمية فصل أمور الدنيا عن أمور الدين ، وحث على الفصل بين الكنيسة والدولة ، وأدان أى إكراه فى الدين ... وهاجم منتقدا اليهود المحافظين (الأرثوذكس) كما هاجم المسيحيين الأرثوذكس ... ولفظ "الأرثوذكس" هو لفظ مستحدث بالنسبة لليهود ، ويستخدم كمصطلح عام للتفرقة بين الحركات الأصولية لليهود المحافظين (الأرثوذكس) وبين باقى الحركات التحررية ومنها الحركة الصهيونية العالمية التى سوف تنشأ بعد ... واليهود الأرثوذكس يرون فى عقيدتهم وفى أنفسهم استمرارا للعقيدة كما تلقاها بنو إسرائيل بشبه جزيرة سيناء أيام موسى عليه السلام ...

 

وفى قمة شهرة ومجد موسى مندلسون عام 1769 ، تحداه علنا أحد المتعصبين للدين المسيحى ، وهو راعى كنيسة زيوريخ "جون لافاتير" John Lavater .. ليثبت تفوق الدين المسيحى على الدين اليهودى ، ووجه جون نداءا علنيا لمندلسون أن يدخل فى المسيحية ، وكان جون لاهوتيا غيورا كما كان عالما فى الفراسة ... فشمل رد مندلسون عليه التسليم بعيوب الديانة اليهودية والحياة اليهودية ، وذكر أن عيوبا كهذه تنشأ فى كل ديانة على مدى تاريخها الطويل .. وقرر فى النهاية أنه سيظل ثابتا على عقيدته اليهودية دون تحول ... ولكن نفرا كبيرا من المعلقين شهّروا بمندلسون متهمين إياه بالكفر والإلحاد ، كما أدانه اليهود الأرثوذكس لتسليمه بأن هناك عيوبا فى الديانة اليهودية ..

 

من هذا الوقت انشغل مندلسون فى الدفاع عن الدين اليهودى كما يراه هو من وجهة نظره . فترجم إلى الألمانية كتابا بعنوان "الدفاع عن اليهود" ، كان قد نشره الكاتب اليهودى منسى بن إسرائيل عام 1656 مخاطبا به الشعب الإنجليزى .. وأضاف مندلسون على الترجمة مقدمة بعنوان "خلاص اليهود" فى عام 1782 . ثم أتبع ذلك فى عام 1783 بدراسة بليغة فى كتاب نشره بعنوان " أورشليم ، أو فى السلطة الدينية والديانة اليهودية"  Jerusalem, Or on religious power and judaim  .. أعاد فيها تأكيد إيمانه بالدين اليهودى ، وأهاب فيها باليهود أن يخرجوا من عزلتهم وانطوائهم ويدلوا بدلوهم فى الثقافة الغربية ، وحث فيها على الفصل التام بين الكنيسة والدولة وعلى السعى الدءوب لتحقيق ذلك فى أسرع وقت ، لكى يأخذ اليهود مع باقى المواطنين المسيحيين مكانتهم وحريتهم فى الدولة فى مجتمع علمانى حر لايحكمه متدينون بالدين المسيحى ولاعلاقة له بأى دين آخر ... وكانت هذه الدعوة فى الأصل هى بهدف  خلاص رقبة اليهود من قبضة الكنيسة الأوروبية وجبروتها وتعصبها .. ولكنها وجدت أيضا هوى عند كثير من المسيحيين نظرا لتسلط رجال الكنيسة وتعنتهم فى ذلك الوقت .

 

ثم ترجم مندلسون بعد ذلك  التاناخ Tanakh إلى اللغة الألمانية  وجمعها فى كتاب واحد بما يسمى بـ "العهد القديم" عند المسيحيين وهو إنجيل اليهود (أنظر الملاحظة أسفل نص هذه الحلقة) .. وأضاف إليه شروحا وحواشى تركت بصمات واضحة فى صالح اليهود عند المسيحيين .. ! .. واستمر مندلسون فى قيادة حملته لتحرير اليهود من التبعية ، وحثهم على تكوين اتحادات مع غير اليهود من رجال الحكومات والمثقفين ، سعيا وراء تحسين العلاقة بين اليهود والمسيحيين .. وأصبح مندلسون رمزا ورائدا لحركة التنوير اليهودى التى تسمى بالعبرية هسكالا Haskala أو التنوير العلمانى Secular الذى قاد يهود أوروبا فيما بعد إلى حركة الصهيونية العالمية .

 

واللفظ "هسكالا" هو لفظ عبرى كان يعنى "الحكمة" ، ثم أصبح فى هذا السياق يرمز إلى حركة "التنوير اليهودى" ، أو إلى تمرد عدد متزايد من اليهود على سيطرة " التلمود" وأحبار اليهود ، وتصميمهم على أن يندمجوا اندماجا نشيطا وفعالا فى تيار الفكر الحديث ، فقرأوا مؤلفات أحرار الفكر الألمانى أمثال كانت وشيللر وجوته ، وكثيرين منهم نقبوا فى أعمال فولتير وروسو وديدرو .. فوقع بذلك انقسام بين اليهود المتحررين المقبلين على الحداثة ، واليهود الأرثوذكس المحافظين الذين شعروا بأن الولاء للتلمود والمجمع هو الطريق الأوحد للحفاظ على الوحدة الدينية والعرقية والأخلاقية للشعب اليهودى .

 

وانتشرت حركة "الهسكالا" من ألمانيا جنوبا إلى النمسا ، وشرقا إلى بوهيميا وبولندا وروسيا .. على أن التحرر السياسى النهائى ليهود أوروبا لم يأت إلا مع الثورة الفرنسية ، وذلك عندما وافقت الجمعية التأسيسية للثورة على إعطاء كامل الحقوق المدنية ليهود فرنسا ، ثم جاءت جيوش الثورة أو جيوش نابليون بالحرية ليهود هولندا فى 1769 ، وليهود البندقية (فينبسيا) فى 1797 ، وليهود روما فى 1810 ، وليهود فرانكفورت فى 1811 ... وهكذا تم اختتام حقبة العصور الوسطى بالنسبة لليهود فى أوروبا كما يقول ول. ديورانت فى كتابه "قصة الحضارة" .. كما أدت حركة التنوير اليهودى (الهسكالا) التى استمرت من سبعينيات القرن الثامن عشر حتى ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى حركة الإصلاح اليهودى Reform   ، ثم إلى حركة الصهيونية العالمية كما سوف يأتى بعد ... وبصفة عامة فقد تميزت حركة الهسكالا بإعلاء العلم على الدين وبجعل الفلسفة والثقافة العلمانية Secular هى محور القيمة عند الإنسان .....

 

وإلى لقاء فى الحلقة القادمة بإذن الله

 

 

ملاحظة : الإنجيل اليهودى هو الكتاب المقدس عندهم أو مايسمى باللغة العبرية "تاناخ" Tanakh وهو لفظ مختصر يشمل الحروف الأولى لكلمة التوراة Torah (الأسفار الخمسة لموسى عليه السلام ) ، ولكلمة Nevium (أسفار الأنبياء) ، ولكلمة Ketuvim (أسفار الكتبة القديسين) . ... حيث يقسم اليهود الكتاب المقدس على أساس الأسلوب والصفات الخارجية إلى ثلاث طوائف :

الشريعة (طائفة أولى) – الأنبياء (طائفة ثانية) – الكتبة القديسين (طائفة ثالثة) . وأسفار الشريعة هى التوراة أو الأسفار الخمسة لموسى النبى عليه السلام . وأسفار الأنبياء هى قسمان ، أولهما يشتمل على تاريخ بنى إسرائيل ، وثانيهما يشتمل على أسفار الأنبياء الذى دوّن نبوءاتهم على مثال موسى عليه السلام بحيث يعدون مكملين له فى نظرهم (ماعدا دانيال) . وأسفار الكتبة القديسين تحتوى على الزبور والأمثال وأيوب ، كما تحتوى على خمسة أناشيد أو قصص مختصرة ( وتسمى عندهم الخمسة الأدراج) وهى نشيد الإنشاد وراعوث ومراثى أرميا والجامعة وأستير ، كما تحتوى أسفار الكتبة أيضا على أسفار دانيال وعزرا وأخبار الأيام .

 

ولاتختلف الكنيسة الكاثوليكية كثيرا عن تقسيم اليهود السابق للكتاب المقدس بما يسمى عندهم بالعهد القديم Old testament ، حيث تؤمن الكنيسة بأن لهم "العهد الجديد" New testament كامتداد ناسخ للعهد القديم وليس لاغيا له . والعهد القديم فى رأى الكنيسة ينقسم أيضا إلى ثلاث أقسام مع اختلاف المسميات .. القسم الأول هو الأسفار التاريخية ، والثانى هو الأسفار الحكمية ، والثالث هو الأسفار النبوية ..

 

 والأسفار التاريخية عندها تنقسم إلى خمسة مجموعات .. أولا : مجموعة التوراة أو أسفار موسى الخمسة .... ثانيا : مجموعة الأبطال وتحتوى على سفر يشوع (وفيه افتتاح أرض الميعاد وتقسيمها بين أسباط إسرائيل) ، وسفر القضاة (وفيه استقرار بنى إسرائيل فى أرض الميعاد) ، وسفر راعوث (وفيه أصل الأسرة الملكية فى إسرائيل) .... ثالثا: مجموعة الملوك وتحتوى على سفر الملوك الأول وسفر الملوك الثانى وسفر الملوك الثالث وسفر الملوك الرابع وفيه خبر انتهاء مملكة إسرائيل ثم سفر أخبار الأيام الأول والثانى وهما ذيل وتتمة للأسفار السابقة .... رابعا : مجموعة النزعة اليهودية وتحتوى على أربعة أسفار : 1 ، 2  سفر عزرا وسفر نحميا ، وفيهما عودة اليهود بعد الأسر البابلى إلى فلسطين . 3 ، 4  - سفر المكابيين الأول والثانى وفيهما اضطهاد أنطيوخوس أبيفانس لليهود وانتصار النزعة اليهودية .... خامسا : مجموعة أسفار قصصية  ، وهى ثلاثة  أستير وطوبيا ويهوديت .

 

أما الأسفار الحكمية : فهى أيوب ويبحث فى مشكلة ألم الإنسان الصادق وصبره (قصة أيوب) ، والمزامير أو الزبور وفيه مائة وخمسون نشيدا أو ترنيما روحيا ، والأمثال وفيه خواطر أدبية ودينية ، والجامعة وهو تأمل فى معنى الحياة البشرية ، ونشيد الإنشاد وهو نشيد غنائى يعبر عن ملذات الحب الإلهى ، والحكمة وهو دفاع عن الدين اليهودى إزاء التعاليم الوثنية اليونانية ، وابن سيراخ وفيه خواطر أدبية ودينية تتعلق بتصرف الإنسان فى حياته .

 

أما الأسفار النبوية : فتنقسم إلى مجموعتين ، الأولى : أسفار الأنبياء الأربعة الكبار (أشعيا ، أرميا ، حزقيال ، دانيال ) ، الثانية : أسفار الأنبياء الصغار الإثنى عشر ومنهم زكريا (14 فصلا) .

 

 

 

فهرست

 

الحلقة الخامسة عشر

 

الحلقة السابعة عشر