الحلقة السابعة عشر

 

من الهسكالا إلى الصهيونية

 

تحدثنا من قبل عن الهسكالا أو حركة التنوير العلمانى .. التى أدت إلى حركة الإصلاح اليهودى ثم إلى حركة الصهيونية .. وقد توافق ميلاد حركة الإصلاح اليهودى فى تتابع مع ميلاد الثورة الفرنسية ومبادئها .. وكانت أهم نتائج تلك الثورة بالنسبة لليهود ، هو الإعتراف بهم كمواطنين لأول مرة بعد شتاتهم الهللينى وشتاتهم الرومانى والوسيط . والشتات الهللينى هو الشتات الثانى فى تاريخ اليهود الذى بدأ مع بداية فتوحات الإسكندر الأكبر ، حيث تركز اليهود فى البلقان وجنوب روسيا وخاصة فى مدينة كييف وعلى سواحل البحر الأسود إلى أن منعت روسيا فى القرن الثانى عشر (عام 1110 بالتحديد) دخول أى يهود جدد بها وحددت للموجود منهم مناطق معينة لايخرجون منها ، كانت تسمى بحظائر اليهود Jewish Pales . أما الشتات الثالث والأخير فى تاريخ اليهود القديم هو الشتات الرومانى الذى أخذهم بعيدا إلى العالم الرومانى أى إلى الغرب الأقصى الذى يكاد يتعاصر بدقة مع بداية العصر المسيحى . وقد حرّم الرومان على اليهود دخول القدس نهائيا ، وطردوا بقاياهم من فلسطين إلى كل أجزاء الإمبراطورية الرومانية ، وكان هذا التاريخ (من عام 70 ميلادية إلى 200 ميلادية) هو التاريخ الذى انتهت فيه وإلى الأبد علاقة اليهود بفلسطين سكانيا ، ويقول المؤرخ الدكتور جمال حمدان فى كتابه (اليهود- أنثروبولوجيا)  أن يهود هذا الشتات يقدّر بنحو 40 ألف فقط .. !! ، ولم يأتوا من طريدى فلسطين وحدها وإنما من كل مستعمراتهم السابقة .. ووصلوا فى شتاتهم إلى إيطاليا وأسبانيا وفرنسا وألمانيا حتى الراين ، حيث تركزوا منذ القرن الثالث الميلادى فى فرانكونيا ، وكادت عاصمتها فرانكفورت أن تكون عاصمة يهود الشتات الثالث .. ومنذ ذلك الوقت نشأت علاقة تاريخية وثيقة بين مدينة فرانكفورت واليهود ستظل عبر القرون حتى يومنا هذا كما يقول المؤرخ جمال حمدان .

 

قلنا أن أهم ثمار الثورة الفرنسية .. التى أسرع اليهود بجنيها ، هو الإعتراف بهم كمواطنين لأول مرة فى البلاد التى يعيشون فيها ، بعد شتاتهم الثانى وشتاتهم الثالث . وتم رفع إشارات التعريف بهم كيهود عنهم ، وتم إعطائهم فرصا متكافئة مع باقى المواطنين ، أتاحت لهم شغل الكثير من المراكز والوظائف الهامة .

 

وكانت وثيقة إعلان الحقوق الفرنسية التى أعلنها الثوريون الفرنسيون فى أغسطس 1789 ، قد تأسست على مبادئ حركة التنوير الأوروبى ، التى قادها فلاسفة القرن الثامن عشر ، حيث كان التزامها إلتزاما أساسيا بالعقل والمعرفة والحرية ، وكان هذا الإلتزام يعلو على أى التزام دينى أو عقائدى . فكان أحد النتائج الهامة لوثيقة إعلان الحقوق الفرنسية .. أن تم إعطاء كافة الحقوق المدنية للبروتستانت واليهود على قدم المساواة مع باقى المواطنين .. حيث كانت الثورة الفرنسية ثورة علمانية بالدرجة الأولى ، قامت على التحرر الكامل من تسلط الكنيسة وكهنتها ، ومن تحكم النبلاء وطغيان الملوك والأمراء .

 

وأفاد انتشار العلمانية فى أنحاء أوروبا فى خروج اليهود من عزلتهم ، وإتاحة الفرصة لهم للإلتحاق بالمدارس العلمانية ، ثم التسلل بهدوء وخبث إلى حاشية الحكام فى ألمانيا وبولندا والوصول إلى شغل أماكن ومراكز مؤثرة بين رجال بلاطهم .. والتقت بذلك فى تناغم واتساق حركتى الهسكالا والإصلاح اليهودى مع حركة التنوير الأوروبية ومبادئ الثورة الفرنسية لتحقيق مصالح اليهود ، حيث أصبحت الفلسفة والثقافة العلمانية هى جوهر الفكر فى أوروبا ، وساد استخدام العقل فى قياس الأمور والأشياء ، فخفّت حدة الكراهية والإضطهاد لليهود .

 

ومن أهم التغيرات التى أدت إليها حركتى الهسكالا والإصلاح اليهودى ، أن تم زحزحة التلمود من مكانته المحورية الهامة فى الفكر وفى نظام التعليم الدينى اليهودى ، حيث كانت الأحكام التلمودية فى رأى رواد حركة الإصلاح اليهودى هى السبب وراء المشكلات التى واجهها اليهود فى المجتمعات الأوروبية ، فلجأ اليهود إلى بعض إجراءات ، من بينها لجوء الحاخامات تحت الضغوط الشديدة إلى إزالة أو إلى تعديل بعض النصوص المثيرة للجدل فى التلمود بغرض التقارب مع المسيحية .. وتأسست على ذلك أول مدرسة يهودية فى برلين عام 1778 أخذت إسم "المدرسة الحرة " Freischule ، مالبثت أمثالها أن انتشرت فى أنحاء أوروبا وروسيا القيصرية . وتزامن انتشار تلك المدارس مع النشاط الصناعى الذى تميز به هذا القرن واحتلال اليهود للمراكز الهامة فى عالم المال والتجارة والصناعة .

 

وإن كان تزايد النشاط الصناعى قد أدى إلى إضعاف الهوية والروابط الأسرية عند غير اليهود ، إلا أنه قد أدى إلى عكس ذلك عند اليهود ، حيث تماسكت التجمعات اليهودية فى المدن الصناعية الجديدة ، وذلك بفضل فعاليات التنظيم والإدارة لحركة الإصلاح اليهودى .. فقد كانت أهم بواعث تلك الحركة هو خروج اليهود من قوقعة العزلة والإضطهاد ، والإندماج فى المجتمعات الأوروبية دون الذوبان فيها ، بغرض السيطرة على تلك التجمعات والتحكم فى أقدارها عن طريق السيطرة المالية والإقتصادية على تلك التجمعات .

 

ورغم محاولات الحكومات القيصرية فى روسيا – على سبيل المثال – تفكيك روابط التكتلات اليهودية فى المدن الجديدة ، حيث كان قياصرة روسيا يشعرون بعدم الطمأنينة لها .. إلا أن اليهود نجحوا فى تقوية تلك التكتلات بسعيهم المتواصل إلى تحقيق أكبر سيطرة على مراكز المال والصناعة كنظام وقائى .. !! . وكان حماس اليهود للفكر العلمانى ونشره بين غير اليهود معاونا على ذلك ، وأدى تسريبهم للفكر العلمانى إلى تحقيق مصالحهم .

 وكان الفكر العلمانى هو الأساس للثورة الشيوعية التى تأسست على أفكار كارل ماركس اليهودى ، فقامت الثورة عام 1917 على أنقاض روسيا القيصرية بعد أن نخر فيها سوس العلمانية وفتّت نسيج مجتمعها وعقيدتها الدينية ، إلى أن تأسس الإتحاد السوفييتى عام 1922 بعد عدة حروب أهلية  ... ثم انهارت بعد ذلك الشيوعية مع انهيار قلعتها بالإتحاد السوفييتى فى ديسمبر 1991، بعد أن سرّب الصهاينة الأمريكان له العملاء وآفات الرأسمالية والإنفتاح وآليات السوق ، وعملوا على هدمه من الداخل ... ثم بدأ اليهود بعد ذلك رحلتهم الأخيرة بالعبث والتحكم فى قرارات البيت الأبيض الأمريكى ، بعد أن سيطروا تماما على مراكز المال والإعلام وصنع القرار ، وبعد تصالحهم تصالحا نفعيا ظاهريا مع البروتستانتية المنتشرة فى أنحاء الولايات المتحدة (55%من إجمالى سكانها) ، والمملكة المتحدة (60% من إجمالى سكانها) ، والسويد (86% من إجمالى سكانها)  و ألمانيا والنرويج والدانمرك وفنلندا ، وبعد أن تطورت علاقة اليهود على مهل بالنصارى بمختلف مذاهبهم من عداوة إلى صداقة وتصالح -  رغم أن موقفهم الثابت على مدى التاريخ كله من عيسى عليه السلام هوالطعن في مولده من أم دون أب ، والكفر بدعوته وإنكار معجزاته ، والتآمر على قتله وصلبه .

 ونعلم أن جورج بوش رئيس الولايات المتحدة الأمريكية  ومن قبله معظم الرؤساء – من جيفرسون إلى بوش الأب إلى كلينتون - هم من البرتستانت الأصوليين الإنجيليين . ونعلم أن كلينتون هو صاحب شعار " لن نخذل إسرائيل أبدا " ، وهذا يفسر الكثير من التحيز الأمريكى المتطرف للعبث الإسرائيلى فى فلسطين والمنطقة العربية والكيل بمكيالين لمصلحة إسرائيل . وتبنيها بوقاحة غير معهودة  استغباء العالم وازدواجية معايير قراراتها بالنسبة لأحداث العالم فى مناطقه المختلفة ، بعد أن أصبحت القطب الأوحد الذى انفرد بتفوق عسكرى يسمح لها بالتلويح بالقوة والتدخل فى مختلف أرجاء المعمورة ، بعد انهيار الإتحاد السوفييتى . وجعلت الولايات المتحدة الوضع العالمى بذلك متسما بالفوضى الشديدة .

 

 والبروتستانتية حركة دينية ، نشأت عن حركة الإصلاح ومبادئها ، والإسم يستعمل للدلالة على معان كثيرة ، لكنه بمعناه الواسع يطلق على النصارى الذين لاينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية أو إلى الكنيسة الأرثوذكسية . ويعتبر العهد القديم (التوراة والمزامير والأمثال) عند البرتستانت المرجع الأعلى لفهم العقيدة المسيحية وبلورتها ، فالعهد القديم الذي ظل حبيس الأديرة والصوامع لا يطلع عليه أحد إلا القليل أصبح على يد البروتستانت المرجع الأعلى للنصارى فيما يخص اليهود بل في فهم العهد الجديد . وهكذا تسربت الأدبيات اليهودية إلى صميم العقيدة والفكر المسيحي ، وتم ربط الإيمان المسيحي بعودة السيد المسيح بقيام دولة صهيون، أي بإعادة وتجميع اليهود في فلسطين حتى يظهر المسيح فيهم . وآمن النصارى البروتستانت أن مساعدة اليهود لتحقيق هذه الغاية –وقيام دولة صهيون- أمر يريده الله لأنه يعجل بمجيء المسيح الذي يحمل معه الخلاص والسلام، وساد الاعتقاد أن النصارى المخلصين سوف يعيشون مع المسيح في فلسطين ألف سنة في رغد وسلام قبل يوم القيامة طبقاً لبعض التفسيرات الحرفية لسفر رؤيا يوحنا اللاهوتي . ووجد اليهود في ذلك الفرصة فى من يناصرهم ويدعو إلى قضاياهم ويتحالف معهم بعد أن كانوا مضطهدين . وتسربت بذلك الأدبيات اليهودية إلى العقيدة المسيحية بحيث يصح أن نطلق عليها تهويداً للمسيحية . وتسرب إلى تلك العقيدة ماهو أكثر من ذلك عندما ظهرت حركة "الإيمان الألمانى" التى تحالفت مع الفلسفة الوثنية الحديثة ، تلك الفلسفة التى دعا إليها الفيلسوف "ألفرد روزنبرج" وانتشرت عام 1936 .

 

ومن أشهر الكنائس البروتستانتية هى مايسمى بالكنائس اللوثرية ، التى يرتكز إيمانها على مبادئ " مارتن لوثر" الألمانى (1483- 1546) الذى كرس نفسه لقضايا الإيمان أكثر مما كرسها للشكليات والطقوس فى الكنائس  ، وكانت نظرته فى ذلك محافظة إلى حد ما ، خلافا لنظرة الكنائس البروتستانتية الأخرى التى تسمى بالكنائس الكلفنية والمصلحة ، التى يرتكز إيمانها على مبادئ جون كلفن (1509 – 1564 ) ، وهو لاهوتى فرنسى بروتستانتى من رجالات الإصلاح تحول عام 1523 من الكاثوليكية وصار من قادة البرتستانت المشهورين .. ولم يعترف كلفن بسلطان البابا ، وأعلن أن الخلاص عطية من الله ولايكتسب بالأعمال الصالحة ... !! .

ومن جهة أخرى نجد أن  الكنيسة الكاثوليكية بعد أن حافظت– إلى عهد قريب- على موقف ثابت من المسألة اليهودية يقوم على رفض التصالح مع اليهود إلا إذا اعترفوا بالمسيح واعتنقوا النصرانية ، حيث كان اليهود في نظر المسيحيين –على ضوء ما سبق- مارقون كفار يجب اضطهادهم . نرى أن الفاتيكان راعى الكاثوليك فى جميع أنحاء العالم  ، اتجه هو الآخر إلى ركوب موجة التصالح مع اليهود ، وتوج ذلك عام 1965 بإعلانه تبرئة اليهود من دم المسيح حيث كانت أرض فلسطين – فى إعلانه هذا -  تحت الإحتلال الرومانى فى ذلك الوقت ، وأن اليهود كانوا يأتمرون بأمر قادتهم وعساكرهم من الرومان ، ولم يعد هناك أى مبرر أخلاقى لإدانة اليهود عبر كل الأجيال واتهامهم بصلب المسيح وقتله .

وأول من رفع شعار " فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" هم أصوليون مسيحيون، وإن المسيحية اليهودية هي التي مهدت لظهور الصهيونية اليهودية ودعمتها لتنفيذ المشروع الاستيطاني فوق أرض فلسطين، وهي التي خلقت تياراً شعبياً قوياً ينحاز دائماً إلى الحركة الصهيونية ويضغط دائماً على مؤسساته الرسمية لتمنحها الدعم والمساندة وتحقيقاً لأهدافها العدوانية التوسعية . وقامت إسرائيل في عام 1948م . واعتبر الصهيونيون المسيحيون في الولايات المتحدة هذا الحدث أعظم حدث في التاريخ لأنه جاء مصدقاً للنبوءة الدينية .

 

ومما سبق يتضح لنا كيف كان لحركة الإصلاح الديني الدور الأكبر والأساسي لتحويل مسار العلاقة بين اليهود والنصارى من صراع دموي إلى تحالف استراتيجي آثم اعتُبر المسلمون في نظره – رغم إيمانهم بالمسيح - أعداءً للمسيحية، وانقلبت النظرة بالنسبة لليهود الذين حاربوا المسيح وكذبوه وصلبوه – كما زعموا- فأصبحوا هم الحلفاء والأصدقاء والسادة!! والعجيب أن تنتشر هذه الدعوة في دول عديدة من دول أوربا على رأسها إنجلترا التي أخذت على عاتقها مناصرة اليهود من خلال معتقداتها الإصلاحية الأصولية المسيحية اليهودية .

 

واليهود من جانبهم لايهدأون ، حيث تم إعلان المجموعة الثالثة من مبادئ وإرشادات الإصلاح اليهودى فى عام 1976 ، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية للإتحاد الأمريكى للمجالس العبرية Union of American Hebrew Congregations ، والإتحاد العبرى الموحد لكليات ومعاهد الدين اليهودى Hebrew Union College-Jewish Institute of Religion  ، حيث قرر حاخامات اليهود من بين تلك المبادئ التزامهم كقيادات دينية بتجديد مبادئ الإصلاح وتطويرها طبقا لمتغيرات كل زمن وكل ظرف بحيث تتوافق دائما مع مصلحة اليهود ورفاهيتهم وأمنهم فى جميع أنحاء العالم وأينما حلوا وتحت أى نظام سياسى فى أى بلد من بلاد العالم ... !! .

 

ويدعى حاخامات الإصلاح ، أن اليهود فى مجمل تاريخهم وتجاربهم على مر الزمان قد عانوا كثيرا من الشتات والإضطهاد ، رغم تميزهم الفريد بالإبداع الروحى والفكرى ، وأن الله خلقهم لكى يكونوا صورته على الأرض ، لكى يتحملون عبء إصلاح العالم . وأن اليهود - طبقا لادعائهم – من خلال تراثهم الخاص الضارب فى الأزمان فى مجال العقيدة والفكر والخبرات قادرين على إحياء معجزة اتصالهم المباشر بالله ، تماما كما حدث بأرض سيناء أيام موسى عليه السلام ، وأن الله الذى حفظهم أحياءا رغم معاناتهم ، ورغم مالاقوه من اضطهاد وتعذيب وشتات ، حفظهم تمهيدا لتلك اللحظة المعجزة – لحظة الإتصال المباشر المعجز بالله مرة أخرى .

 

وإلى اللقاء فى الحلقة القادمة بإذن الله عن ميلاد الحركة الصهيونية وعن العجب والإستغباء فى شأن الإتهام بعداء السامية .

 

 

فهرست

الحلقة السادسة عشر

الحلقة الثامنة عشر والأخيرة