الحلقة الثالثة (الهكسوس وإبراهيم عليه السلام)

 

يضطر مؤرخوا العصور القديمة فى كثير من الأحيان إلى إطلاق العنان لخيالهم ، للربط بين بعض الشواهد الأثرية التى تنطق بها بعض الحفائر المكتشفة ، وذلك لضبط  إيقاع تسلسل الأحداث فى فترة زمنية بالتاريخ القديم ، هادفين إلى أن تنسجم حركة هذه الأحداث مع ماورد فى كتبهم وأسفارهم ، وأن تتوافق مع أهوائهم وعقائدهم ... والرأى عندى أنه لايوجد تأريخا صحيحا للماضى القديم بالمفهوم العلمى لعلم التاريخ .. بل يوجد مايمكن أن نسميه جوازا علم تفسير الآثار والحفائر والبرديات .. وعلى هذا الأساس فهو علم متغير بطبيعته ، ويعتمد على ما قد يتم كشفه تباعا من آثار وحفائر قد تؤدى إلى تصويب ماكان مستقرا من قبل من معلومات أثرية تشير إلى بعض الدلائل التاريخية .

 

وعندما يلجأ مؤرخوا هذا الماضى البعيد إلى سلسلة من الإفتراضات والتخمينات لملئ ثغرات أو فراغات الأزمان القديمة ، وربط أحداثها بتسلسل معين يقبله منطقهم وعقيدتهم ، فهم مضطرون إلى ذلك لإضافة خلفية حية تزيد من حيوية المشاهد والأحداث بحيث تتفق مع أهدافهم السياسية والعقائدية . وأقول أنه على الرغم من أن آثار قدماء المصريين وبردياتهم ، وعلى الرغم من دقتهم واهتمامهم بتسجيل وتدوين الأحداث ، فإننا نجد أن كل ماتركوه لنا حتى الآن لم يشر من قريب أو بعيد إلى زيارة إبراهيم عليه السلام لمصر ، أو يشر إلى يوسف وموسى عليهما السلام ، فلا يوجد من بين ماتركوه من آثار مايؤيد تلك الأحداث الهامة من سير الأنبياء .

 

كما نجد أن لفظ "الهكسوس" – على سبيل المثال – على ماله من أهمية ، وخاصة بعد أن ربطه الكثير من المؤرخين بالعبرانيين وببنى إسرائيل ، ومنهم من قال أن الساميين هم العنصر الهام لقوم الهكسوس ..وأنه على الرغم من أهمية هذا اللفظ وأهمية قوم الهكسوس فى حركة الأحداث بالنسبة لتاريخ العبرانيين وأنبياء بنى إسرائيل ، فإن لفظ "الهكسوس" مازال يحير علماء التاريخ ، وسوف يظل موضوع أصل شعب الهكسوس غامضا إلى أن تظهر أدلة أثرية جديدة .. وكل ما وصل إليه العلماء هوأن كلمة " الهكسوس" هى كلمة مصرية قديمة تعنى " حكام البلاد الأجانب" .

 

وتدل الشواهد الأثرية أن الهكسوس قد تسللوا إلى مصر ببطء وعلى مهل ، وربط بعض المؤرخين بداية هذا التسلل الهادئ بمجيئ إبراهيم عليه السلام إلى مصر هربا من الجوع والقحط (التوراة إصحاح 12 – تكوين) ، واختلف المؤرخون فى الزمن الذى حدث فيه بداية هذا التسلل .....

 

وقد بدأ الهكسوس كما قلنا تسللا هادئا بطيئا لمصر إلى أن انقضوا عليها واجتاحوها عام 1730 ق.م. ، وتحكموا فى أقدارها قرابة قرن ونصف من الزمان ، إلى أن طردهم أحمس الأول خارج حدود مصر إلى أرض كنعان (فلسطين) .. !! .. وقد أكد الكثير من المؤرخين أن يوسف عليه السلام جاء إلى مصر وبيع إلى أحد وزرائها فى عهد الهكسوس ، ويؤكد ذلك أيضا بعض كتب التفسير الإسلامية (تفسير الألوسى . جزء 12 ص 206) .. وتقول أسفار اليهود أنه جاء إلى مصر فى السنة العشرين أو الثلاثين من حكم الهكسوس الذى دام مايقرب من 150 سنة .. ويتعين طبقا لرواية اليهود أن يكون حكم الهكسوس لمصر قد بدأ بعد مجيئ إبراهيم عليه السلام لمصر بمدة طويلة  .. والوقت المرجح لوصول إبراهيم عليه السلام لمصر هو عام 1898 ق. م. ، فى حين أن الهكسوس حكموا مصر من عام 1780 ق. م. – أى بعد وصول إبراهيم عليه السلام لمصر بما يقرب من 120 عاما .. وفى رواية أخرى يعتبر البعض أن إبراهيم عليه السلام كان من الهكسوس ، وأنه دخل مصر عام 1780 ق.م. مع بداية حكم الهكسوس لمصر ، وهى رواية مخالفة فى زمن دخول إبراهيم عليه السلام لمصر . وتقول الموسوعة العربية الميسرة (الناشر : مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر 1953) : أن اللفظ "هكسوس" هو إسم أطلقه المصريون على أولئك الغزاة الذين اجتاحوا بلادهم من أخلاط سامية آسيوية مختلفة حوالى عام 1730 ق.م. فآذوهم فى دينهم وأذلوهم ، وظلوا يحكمون البلاد قرنا ونصف قرن .

 

ويقول المؤرخ فيليب فاراداى Phillip R. Varaday Sr http://www.prvsr.com/median.htm : أن الهكسوس والعبرانيين تربطهم صلات نسب ومصاهرة ، كما أنه يتفق أيضا مع بعض المؤرخين من أن هناك علاقة وثيقة بين حكام الهكسوس وتسهيل دخول العبرانيين إلى مصر واستقرارهم فيها ، كما يتفق مع ماورد فى كتاب نايت ولوماس Knight & Lomas من أن إبراهيم عليه السلام كان من الهكسوس ، وأنه وصل لمصر عام 1780 ق.م. ، حبث سهّلت زوجته سارة (كما يقول) دخوله لقصر فرعون بعد أن رغب الفرعون  الإختلاء بها ، وأن طمع فرعون مصر فى سارة ورغبته الإختلاء بها جعله يحسن معاملة إبراهيم عليه السلام ، ويمنحه الكثير من العطايا والهدايا ، ومن هذه العطايا  كانت السيدة هاجر وهى أميرة أسيرة عنده .. وقد كذب إبراهيم عليه السلام حين أعلن لفرعون مصر أن سارة هى أخته وليست زوجته لكى لايصطدم مع رغبة الفرعون بها معتقدا أن الله كفيل بحمايتها .... ويعلم الله أن نفسى تتأفف من هذه الفرية الدنيئة التى اخترعها كاتب سفر التكوين وبعض المؤرخين اليهود .. ويقول الدكتور محمد بيومى مهران فى شأن تلك الفرية فى كتابه (دراسات تاريخية من القرآن الكريم جزء 1 ص 136) : أن تلك الفعلة لايقبلها إبراهيم عليه السلام على نفسه ، كما لايرتضيها  لعرضه أحط الناس ، فضلا أن يكون ذلك نبى الله وخليله العظيم ..

 

وإنى والله أتعجب أشد العجب عندما يسمح علماء المسلمين لأنفسهم نقل هذه الفرية الحقيرة عن سيدنا إبراهيم وزوجته سارة ويسجلوها بلا وعى فى مؤلفاتهم عن قصص الأنبياء .. وكأنها حقيقة مسلم بها لمجرد أن التوراة هى مرجعها .. هذا رغم علمهم أن التوراة الأصلية قد ضاعت عند السبى البابلى ، فأعاد أحبار اليهود كتابتها وتأليفها من خيالهم وذاكرتهم المريضة ، فزادوا عليها كما أنقصوا منها على مر العصور والأيام لكى تتوافق مع أطماعهم وأهوائهم . واعترف الكثير من اليهود بذلك ، ويكفينا نحن المسلمون ماأكده الله تعالى لنا فى تنزيله الحكيم ، حيث أكد تحريف التوراة "يحرفون الكلم عن مواضعه" ، كما أكد النسيان " ونسوا حظا مما ذُكروا به " (المائدة 13) ، كما أكد الله إغفال اليهود ذكر بعض الأحداث واصطناعهم للبعض الآخر من خيالهم المريض لكى تتفق مع ضلالاتهم "فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ....." (البقرة 79) . ومع ذلك ، فقد اقتبس المؤرخون الإسلاميون وكتاب التفاسير من التوراة دون حذر ، فغصت للأسف كتب التفاسير وكتب التاريخ الإسلامى بالإسرائيليات والأساطير التى دسها أدباء اليهود على التوراة الأصلية ..

 

وعودة فى الحلقات القادمة بإذن الله مع لفظ "العبرانية " و "العبرية" وأصل هذه التسميات ..

 

 ____________

 الفهرست

 

الحلقة الثانية

 

الحلقة الرابعة

 __________

 

 

  يقول الدكتور سيد محمود القمنى فى كتابه : "النبى إبراهيم والتاريخ المجهول" ، الناشر : مدبولى الصغير

 

" ...... ومالداعى لبحثنا هذا ؟  ومن ثم نرصد مزيدا من الدواعى والدوافع ، فرغم الإختلافات بين التوراة (المسلم بها من جانب المسيحيين كمقدس) وبين الإسلام ، فإننا نجد الأديان الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام) فى جانب ، وعلم التاريخ فى جانب آخر ، حيث نجد هذا العلم لايعلم من وثائقه الأركيولوجية والآثارية شيئا البتة عن النبى إبراهيم ، ورغم اتفاق القصة التوراتية مع قصص الإخباربيين المسلمين حول موطن النبى إبراهيم الأصلى ، والتى تقول : إنه هاجر من موطنه الأصلى فى بلاد الرافدين إلى فلسطين ، وأنه زار مصر زيارة مهمة وخطيرة ،فإنه لم يُعثر حتى الآن على أى دليل آثارى ، سواء كان كتابة أو نقشا ، أو حتى نقش يقبل التفسير ، أو فى نصوص تقبل -حتى - التأويل يمكن أن يشير إلى النبى وقصته سواء فى آثار وادى النيل ، أو آثار وادى الرافدين ، على كثرة مااكتشف فيهما من تفاصيل ووثائق .

 

وهذا بدوره سبب كاف لدعم دوافع باحث مهتم ، كى يضع المسألة كلها قيد البحث ، خاصة أن عدم معرفة علم التاريخ بهذا النبى ، رغم حضوره الكثيف فى الديانات الثلاثة ، قد أدى ببعض الباحثين إلى حسبانه شخصية أسطورية ، لاتمت لعلم التاريخ بصلة ، حتى أن هذا البعض قد احتسب جميع قصص البطاركة القدامى ، مجرد قصص خرافية لاظل لها من حقيقة ، وقام منهم من يدلل على أن أسماء هؤلاء إنما كانت أسماء لشخصيات إلهية فى عبادات قديمة ، وأن أساطيرها كانت متداولة قبل التوراة ، فى القصص الأسطورى لبلاد كنعان ، وأن العبريين عندما جاءوا أرضهم وورثوها ، ورثوا معها تراثها ، فوجد هذا التراث طريقه إلى التدوين فى التوراة ، كقصص لأنبياء بنى إسرائيل ، بينما يشير آخرون بخصوص النبى إبراهيم ، إلى أسطورة بإسم (براما) كانت واسعة الإنتشار قبل ظهور العبريين ، وعُرفت فى بلاد إيران والهند وماحولها ، وأنها أصل عقيدة (براهما) الهندية ، وأن العبريين بدورهم قد تبنوا هذه الأسطورة وحولوها إلى شخصية إنسانية ، واحتسبوا (براما) جدهم البعيد ، تأسيسا على منهج التدين القديم ، القائم على تقديس الأسلاف . (مصدر الكاتب : عصام الدين حفنى ناصف : اليهودية بين الأسطورة والحقيقة ، دار المروج ، بيروت ، 1985 ، ص 131 ، 132 .) .

 

وكان عدم وجود الدلائل التاريخية مدعاة لأن يقول باحث مثل ( د. فلهلم رودلف : صلة القرآن باليهودية والمسيحية ، ترجمة عصام الدين حفنى ناصف ، دار الطليعة ، بيروت ط 2 . 1974) إن حفاوة القرآن الكريم بالنبى الخليل ، ترجع إلى محاولة النبى محمد (صلى الله عليه وسلم) تأليف قلوب يهود يثرب مع القوة الإسلامية الطالعة ، وعندما فشلت المحاولة ، أخذه من الجميع عنوة واقتدارا ، وزعم أنه جده البعيد ، وجد جميع العرب المسلمين ومؤسس العقيدة الإسلامية . ولعلنا لم نزل بعد نذكر تلك الضجة الكبرى التى ثارت حول ماكتب عميد الأدب العربى (طه حسين) ويشبه إلى حد كبير ماذهب إليه "فلهلم رودلف" حيث يقول : "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا أيضا ، لكن ورود هذين الإسمين فى التوراة ، لايكفى لإثبات وجودهما التاريخى ، ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعا من الحيلة ، فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى .. " .. (المصدر الذى أتى به هذا النص مذكور أدناه  النص أدناه فيما يلى ) .

 

مصدر الكاتب د. سيد القمنى فيما نقله عن طه حسين هو كتاب طه حسين : فى الشعر الجاهلى ، دار الكتب المصرية ، 1926 ، ص 26 .. وهناك مصدر آخر للكتاب صدر عن دار المعارف للطباعة والنشر بسوسة بتونس ، أنقل عنه بعض ماقاله طه حسين من صفحة 36 إلى صفحة 42 تحت عنوان "الشعر الجاهلى واللغة" مذكورا به النص عاليه :

 

يقول طه حسين عن الشعر الجاهلى : ... فهذا الشعر الذى رأينا أنه لايمثل الحياة الدينية والعقلية للعرب الجاهليين بعيد كل البعد عن أن يمثل اللغة العربية فى العصر الذى يزعم الرواة أنه قيل فيه . والأمر هنا يحتاج إلى شيئ من الروية والأناة . فنحن إذا ذكرنا اللغة العربية نريد بها معناها الدقيق المحدود الذى نجده فى المعاجم حين نبحث فيها عن لفظ اللغة مامعناه ، نريد بها الألفاظ من حيث هى ألفاظ تدل على معانيها ، تستعمل حقيقة مرة ومجازا مرة أخرى ، وتتطور تطورا ملائما لمقتضيات الحياة التى يحياها أصحاب هذه اللغة .

نقول أن هذا الشعر الجاهلى لايمثل اللغة الجاهلية . ولنجتهد فى تعرف اللغة الجاهلية هذه ماهى ، أو ماذا كانت فى العصر الذى يزعم الرواة أن شعرهم الجاهلى هذا قيل فيه . أما الرأى الذى اتفق عليه الرواة أو كادوا يتفقون عليه فهو أن العرب ينقسمون إلى قسمين : قحطانية منازلهم الأولى فى اليمن ، وعدنانية منازلهم الأولى فى الحجاز .

وهم متفقون على أن القحطانية عرب منذ خلقهم الله فُطِروا على العربية فهم العاربة ، وعلى أن العدنانية قد اكتسبوا العربية اكتسابا ؛ كانوا يتكلمون لغة أخرى غير العربية (كلدانية أو مصرية قديمة أو غيرها) ، ثم تعلموا لغة العرب العاربة فمحت لغتهم الأولى من صدورهم وثبتت فيها هذه اللغة الثانية المستعارة . وهم متفقون على أن هذه العدنانية المستعربة إنما يتصل نسبها بإسماعيل بن إبراهيم . وهم يرون حديثا يتخذونه أساسا لكل هذه النظرية ، خلاصته أن أول من تكلم بالعربية ونسى لغة أبيه (أمه) إسماعيل بن إبراهيم .

على هذا كله يتفق الرواة ، ولكنهم يتفقون على شيئ آخر أيضا أثبته البحث الحديث ، وهو أن هناك خلافا قويا بين لغة حمير (وهى العرب العاربة) ولغة عدنان (وهى العرب المستعربة) . وقد روى عن أبى عمرو بن العلاء أنه كان يقول : مالسان حمير بلساننا ولالغتهم بلغتنا .

وفى الحق أن البحث الحديث قد أثبت خلافا جوهريا بين اللغة التى كان يصطنعها الناس فى جنوب البلاد العربية ، واللغة التى كانوا يصطنعونها فى شمال هذه البلاد . ولدينا الأن نقوش ونصوص تمكننا من إثبات هذا الخلاف فى اللفظ وفى قواعد النحو والتصريف أيضا . وإذن فلابد من حل هذه المسألة .

إذا كان أبناء إسماعيل قد تعلموا العربية من أولئك العرب الذين نسميهم العاربة ، فكيف بعُد مابين اللغة التى كان يصطنعها العرب العاربة واللغة التى كان يصطنعها العرب المستعربة ، حتى استطاع أبو عمرو بن العلاء أن يقول أنهما لغتان متمايزتان ، واستطاع العلماء المحدّثون أن يثبتوا هذا التمايز بالأدلة التى لاتقبل شكا ولا جدالا ! والأمر لايقف عند هذا الحد ، فواضح جدا لكل من له إلمام بالبحث التاريخى عامة وبدرس الأساطير والأقاصيص خاصة أن هذه النظرية متكلفة مصطنعة فى عصور متأخرة دعت إليها حاجة دينية أو اقتصادية أو سياسية .

للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا ، ولكن ورود هذين الإسمين فى التوراة والقرآن لايكفى لإثبات وجودهما التاريخى ، فضلا عن إثبات هذه القصة التى تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها . ونحن مضطرون إلى أن نرى فى هذه القصة نوعا من الحيلة فى إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة ، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى . وأقدم عصر يمكن أن تكون قد نشأت فيه هذه الفكرة إنما هو هذا العصر الذى أخذ اليهود يستوطنون فيه شمال البلاد العربية ويبنون فيه المستعمرات . فنحن نعلم أن حروبا عنيفة شبت بين هؤلاء اليهود المستعمرين وبين العرب الذين كانوا يقيمون فى هذه البلاد ، وانتهت بشيئ من المسالمة والملاينة ونوع من المحالفة والمهادنة . فليس يبعد أن يكون هذا الصلح الذى استقر بين المغيرين وأصحاب البلاد منشأ هذه القصة التى تجعل العرب واليهود أبناء أعمام ، ولاسيما وقد رأى أولئك وهؤلاء أن بين الفريقين شيئا من التشابه غير قليل ؛ فأولئك وهؤلاء ساميون .

 ولكن الشيئ الذى لاشك فيه هو أن ظهور الإسلام وماكان من الخصومة العنيفة بينه وبين وثنية العرب من غير أهل الكتاب ، قد اقتضى أن تثبت الصلة الوثيقة المتينة بين الدين الجديد وبين الديانتين القديمتين : ديانة النصارى واليهود .

فأما الصلة الدينية فثابتة واضحة ، فبين القرآن والتوراة والأناجيل اشتراك فى الموضوع والصورة والغرض ، كلها ترمى إلى التوحيد ، وتعتمد على أساس واحد هو هذا الذى تشترك فيه الديانات السماوية السامية . ولكن هذه الصلة الدينية معنوية عقلية يحسن أن تؤيدها صلة أخرى مادية ملموسة أو كالملموسة بين العرب وأهل الكتاب ، فما الذى يمنع أن تستغل هذه القصة قصة القرابة المادية بين العرب العدنانية واليهود ؟

وقد كانت قريش مستعدة كل الإستعداد لقبول مثل هذه الأسطورة فى القرن السابع للمسيح ، فقد كانت فى أول هذا القرن قد انتهت إلى حظ من النهضة السياسية والإقتصادية ضمن لها السيادة فى مكة وماحولها وبسط سلطانها المعنوى على جزء غير قليل من البلاد العربية الوثنية . وكان مصدر هذه النهضة وهذا السلطان أمرين : التجارة من جهة ، والدين من جهة أخرى .

فأما التجارة فنحن نعلم أن قريشا كانت تصطنعها فى الشام ومصر وبلاد الفرس واليمن وبلاد الحبشة . وأما الدين فهذه الكعبة التى كانت تجتمع حولها قريش ويحج إليها العرب المشركون فى كل عام ، والتى أخذت تبسط على نفوس هؤلاء العرب المشركين نوعا من السلطان قويا ، والتى أخذ هؤلاء العرب المشركون يجعلون منها رمزا لدين قوى كأنه كان يريد أن يقف فى سبيل انتشار اليهودية من ناحية والمسيحية من ناحية أخرى . فنحن نلمح فى الأساطير أن شيئا من المنافسة الدينية كان قائما بين مكة ونجران . ونحن نلمح فى الأساطير أيضا أن هذه المنافسة الدينية بين مكة والكنيسة التى أنشأها الحبشة فى صنعاء هى التى دعت إلى حرب الفيل التى ذكرت فى القرآن .

فقريش إذن كانت فى هذا العصر ناهضة نهضة مادية تجارية ، ونهضة دينية وثنية . وهى بحكم هاتين النهضتين كانت تحاول أن توجد فى البلاد العربية وحدة سياسية وثنية مستقلة تقاوم تدخل الروم والفرس والحبشة ودياناتهم فى البلاد العربية .

 وإذا كان هذا حقا - ونحن نعتقد أنه حق - فمن المعقول جدا أن تبحث هذه المدنية الجديدة لنفسها عن أصل تاريخى قديم يتصل بالأصول التاريخية الماجدة التى تتحدث عنها الأساطير . وإذن فليس مايمنع من أن تقبل هذه الأسطورة التى تفيد أن الكعبة من تأسيس إسماعيل وإبراهيم ، كما قبلت روما قبل ذلك ولأسباب مشابهة أسطورة أخرى صنعها لها اليونان تثبت أن روما متصلة بإينياس ابن بربام صاحب طِرْوادة .