الحلقة الرابعة (أصل التسمية باللفظ "عبريون" )

 

فى حوالى عام 1800 ق.م. – طبقا لبعض الأقوال- انطلق ابراهيم عليه السلام وامرأته سارة وابن أخيه لوط عليه السلام ، ومعه بعض قومه من أرض كلدان (العراق حاليا) إلى أرض كنعان (فلسطين والأردن حاليا) . ثم ارتحل بعد ذلك إلى مصر هربا من الجوع والقحط الشديد فى أرض كنعان كما تقول التوراة (12-11/ سفر التكوين) ، ثم عاد بعد ذلك إلى كنعان محمّلا بكثير من الهبات والهدايا والعطايا من عزيز مصر فى بداية تسلل الهكسوس إلى أرض مصر  كما ذكرنا تفصيلا من قبل ، وكان من بين الهبات أميرة مصرية كانت أسيرة عنده وهى السيدة هاجر .

 

فلما حملت السيدة هاجر من إبراهيم عليه السلام قبل سارة زوجته الأولى ، ووضعت وليدها إسماعيل عليه السلام ، ارتفعت نفسها وتعاظمت على سارة ، فاغتاظت سارة وغضبت ، فارتحل إبراهيم ومعه هاجر ووليدها إسماعيل عليهم السلام إلى أرض مكة حيث تفجرت بئر زمزم تحت قدمى إسماعيل الشريفتين ...

 

ويقال أن إسماعيل لما شب تعلم اللغة العربية القديمة ، التى كانت تتفرد باحتفاظها بخصائص اللغة السامية الأصلية Proto-Semitic ، وتعلمها من نسل يعرب بن قحطان وهم العرب العاربة أى الخلص منهم ، ولكنه طوّرها نحو الأسهل بما تعلمه من أمه هاجر المصرية من قواعد اللغة المصرية القديمة ، حيث كانت اللغة العربية القديمة متصلة الألفاظ بعضها ببعض ، ففرق إسماعيل بين الألفاظ وبعضها . وقحطان هو ابن عابر حفيد أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام .. بما يعنى أن قحطان هو أحد أشقاء فالج أحد الجدود الأوائل لسيدنا إبراهيم عليه السلام كما سيأتى بيانه بعد . ويقال أن قحطان هو أول من تكلم العربية القديمة وهو أبو العرب المتعربة ، وأن إسماعيل عليه السلام هو أبو العرب المستعربة .

 

حملت بعد ذلك سارة ووضعت إسحاق ، ولإسحاق سيولد يعقوب (إسرائيل) ، ومن أبناء يعقوب الإثنى عشر ولدا (منهم يوسف عليه السلام) ، وستتأصل عليهم الأسباط والقبائل الإثنتا عشر الشهيرة فى التاريخ التوراتى .

 

ثم تزوج إبراهيم بعد وفاة سارة من قنطورة ، وإسمها فى التوراة قطورة Keturah ، ويذكر خبراء الأنساب أن عشيرة قطورة بمكة وماحولها هم أبناء عم جرهم الذى يمتد نسبه إلى يعرب ابن قحطان ، وعاد إبراهيم عليه السلام بزوجته قطورة إلى حبرون بأرض كنعان ( حبرون هى مدينة الخليل حاليا وتقع على بعد 30 كم جنوب غرب القدس) .. وولدت قطورة له ستة أبناء منهم مدين ، وأقام نسل مدين بشرق نهر الأردن وفى معظم أراضى شرق البحر الميت ، وامتدت إقامتهم خلال زمن الهكسوس إلى أجزاء من شبه جزيرة سيناء بمصر حيث قضى فيها موسى عليه السلام 40 عاما طريدا هاربا من قصاص المصريين لقتله واحدا منهم طبقا لما جاء فى أسفار اليهود ، وتزوج موسى أثناء هربه بأرض مدين فى سيناء أحد بنات شعيب عليه السلام .

 

ويقول ابن كثير أن إبراهيم عليه السلام تزوج بعد قطورة من زوجة إسمها حجون ولدت له خمسة أبناء ، ولو أن التوراة لم تذكر هذه الزوجة الأخيرة ، ويقول ابن كثير يبدو أنها كانت إحدى السرارى أوماملكت يمينه .

ومما سبق فإننا ترى أن نسل إبراهيم عليه السلام  ليس محصورا فى النسل اليعقوبى من زوجته سارة فقط ، بل فى نسله من هاجر وغيرها من الزوجات والسرارى وما ملكت يمينه .. وعندما تقول التوراة فى سفر التكوين (إصحاح 13 / 14-15-16-17) : " وقال الرب لأبرام بعد اعتزال لوط عنه : ارفع عينيك وانظر من الموضع الذى أنت فيه شمالا وجنوبا وشرقا وغربا ، لأن جميع الأرض التى أنت ترى لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد ، واجعل نسلك كتراب الأرض حتى إذا استطاع  أحد أن يَعُد تراب الأرض فنسلك أيضا يُعَد ، ثم امشى فى الأرض طولها وعرضها لأنى لك أعطيها " . وبفرض صحة النص التوراتى وتصديقه فإن الميراث (من النيل للفرات) الذى وعده الله لإبراهيم كان فى نسله فقط وليس فى أتباعه من الصهاينة واليهود الحاليين ، وعلى ذلك تنهدم مزاعم الصهاينة التى يروجون لها ، فليس فيهم الآن من هو من نسل إبراهيم وسلالته المدعوة لأنهم وبلا استثناء أتباع وموال ، فبعد مقتل يحيى (يوحنا المعمدان) على أيديهم ورفع عيسى عليه السلام إلى السماء بعد أن هموا بصلبه  فصلبوا شبيهه ، انتهت السلالة الطاهرة إلى الأبد من نسل يعقوب (إسرائيل) ابن إسحاق ابن إبراهيم عليه السلام لتنتقل إلى البيت الإسماعيلى وإلى حفيده محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنياء والمرسلين . وبرسالة الإسلام تكون نهاية رحلة الكفاح التى لانظير لها لأبى الأنبياء إبراهيم  ولنسله الأطهار من أجل إعلاء كلمة الله ، وينتقل وعد الله لإبراهيم عليه السلام فى نسله اليعقوبى (الإسرائيلى) بعد انقطاعه وغضب الله عليهم لقتلهم الأنبياء وآخرهم يحيى وهمهم بصلب المسيح ، ليصبح الوعد فى نسل إبراهيم الإسماعيلى ، والعرب كما هو معروف للجميع من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام .

 

وعودة إلى الموضوع الأصلى لنستخلص مما سبق أن أبناء إبراهيم من زوجاته  الأربعة المعروفات وأبنائه  ونسله منهن من بعده هم خليط من كافة سلالات المنطقة الممتدة من العراق شمالا إلى الجزيرة العربية جنوبا إلى مصر غربا ، وأنهم كذلك قد انتشروا واختلطوا بسلالات أخرى كثيرة يستحيل أن تقع تحت حصر أى مؤرخ أو خبير من خبراء الأنساب والسلالات البشرية . وإن كان يهود اليوم يقولون أن إبراهيم عليه السلام كان عبريا من العبرانيين ، فيصبح نسله من زوجاته الأربعة ومااختلطوا به بعد ذلك من أنساب وسلالات أخرى هم أيضا من العبرانيين .

 

يقول جمال حمدان أن لفظ " العبريون" مشتق من هجرة إبراهيم وبعض قومه من كلدان إلى كنعان حيث "عبروا" النهر (نهر الفرات ثم نهر الأردن) فسموا بالعبرانيين .. ونعلم أن كلمة "عبروا" هى كلمة عربية ، واللغة العربية القديمة قبل زمن إسماعيل عليه السلام هى من أقدم اللغات السامية ، أى أقدم من الآرامية والعبرية ، وهى اللغة الوحيدة التى تفردت باحتفاظها بخصائص اللغة السامية الأصلية كما قلنا من قبل ، والتى تأثر بها وأخذ عنها باقى اللغات السامية الأخرى .

 

وكان يقابل لفظ "العبريون"  لفظ  "عابيرو"  Apiro عند المصريين القدماء ويبدوا أنهم نقلوها كما هى عن كلمة "عبروا" باللغة العربية كما أوضحنا .... ويقال : عبرت النهر والطريق أعبره عبرا وعبورا ، إذا قطعته من هذا العِبْر إلى ذلك العبر ، أى من هذا الشاطئ إلى ذلك الشاطئ المقابل .

 

وهناك مقولة أخرى فى أصل التسمية بالعبرانيين وهى : أن العبرانيين هم من ينتسبون إلى قبيلة العُبْر، وهى قبيلة أصلها عَابر Eber ، وعابر هو حفيد سام ابن نوح عليه السلام ، وأن إبراهيم ونسله من العبرانيين لأن جده الأعلى هو عابر ، فهو إبراهيم ابن تارح (آزر) ابن ناحور ابن سارونج ابن راغو ابن فالج ابن عابر (المصدر : التوراة) . وتُذكر كلمة العبريين وكلمة عبرى Eberite بما يعنى أحفاد عابر (سفر التكوين فى التوراة 10:24) . وقد ذكرنا من قبل أن قحطان الذى كانت لغته هى اللغة العربية القديمة هوابن عابر أحد أشقاء فالج .

 

يصبح – بعد السرد السابق – فى الإمكان البرهنة على وجود علاقة بين العبرانيين وبنى إسرائيل الذين نشأوا فى مصر واتخذوها موطنا لهم منذ هجرة يعقوب (إسرائيل) وأولاده إليها بعد تمكن الهكسوس من حكم مصر وإحكام السيطرة عليها بعد تسللهم البطيئ الهادئ المتزامن مع قدوم إبراهيم عليه السلام إليها وزواجه بالسيدة هاجر الأميرة المصرية الأسيرة عند قائد من قادة الهكسوس . وتدل أسفار اليهود (سفر التكوين 39-41-44) على أن يوسف عليه السلام كان وزيرا لأحد الفراعنة الهكسوس زمن هجرة أبيه يعقوب وأبنائه إلى مصر، وتعتبر هذه الهجرة بداية مايسمى ببنى إسرائيل ، إلى أن تم طردهم من مصر بعد ذلك إلى غير رجعة .. وأنه إذا قلنا أن كل الإسرائيليين - أى بنى إسرائيل فى ذلك الوقت كانوا من العبرانيين ، فإنه ليس كل العبرانيين فى ذلك الوقت هم إسرائيليين ...

 

 

ملاحظة : فى بعض المقولات ، يقال أن "عابر" Eber  هو نفسه  هود عليه السلام وذلك فى بعض الكتابات الإسرائيلية ، ويقول بعضهم أن "اليهود" كلفظ جاءت من "هود" ، فهم إذن بنو هود النيى العربى .... فهل هذا صحيح ؟ ..

 

للحديث بقية بإذن الله ....

 _____________________________

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيرى فى الموسوعة الموجزة عن اليهود واليهودية والصهيونية - المجلد الأول : أن "يسرائيل" كلمة عبرية قديمة غامضة المعنى ، تتكون من قسمين : "يسرا" ، ومعناها الذى يحارب أو يصارع ، و"إيل" ، ومعناها الإله . والكلمة تعنى حرفيا : "الذى يصارع الإله" ، أو "جندى الإله إيل" . وهى فى كل التفسيرات تحمل معنيين محددين هما الصراع والقداسة .

"وتروى الأساطير الأكادية أن الكلمة أصبحت إسما ليعقوب عليه السلام بعد أن صارع الإله ، وأجبره على أن يباركه ، وهى أسطورة تتشابه مع الأساطير اليونانية القديمة التى يتصارع فيها البطل مع الإله ، فيكتسب سمات مقدسة تجعله فوق البشر ، وقدرة على الإنتصار فى علاقاته مع الآخرين . ثم أُطلِقت الكلمة على نسل يعقوب ، وأصبحت تشير إلى المملكة الشمالية قبل التهجير الأشورى ؛ ثم استخدمت للإشارة إلى المملكة الجنوبية كذلك وهى مملكة يهودا ، بعد سقوط مملكة يسرائيل ، إلى أن حلت كلمة "يهودى" محلها ."

 

_____________

 

الفهرست

 

الحلقة الثالثة

الحلقة الخامسة