الحلقة الخامسة (اللغة العبرية القديمة)

 

لقد تحدثنا من قبل عن أصل التسمية بكلمة " العبرانيين" ، وقلنا إذا كان كل الإسرائيليين الذين نشأوا فى مصر القديمة من العبرانيين ، فليس كل العبرانيين فى ذلك الوقت إسرائيليين . وقد اتفقت تسميتهم بلفظ عابيرو  Apiro فى المصادر المصرية القديمة مع نفس التسمية فى المصادر والحفائر السومرية والأكادية بالعراق ، حيث كان يطلق هذا الإسم على مجموعات البشر التى لاتستقر بمكان ، وليس لها وطن دائم ، وكانت دائمة التنقل والترحال ، وكان ينضم اليهم أثناء تنقلهم بعض الهاربين من العدالة والخارجين عن القانون outlaws ، والهجامين والمغيرين raiders من مختلف البلاد . ويقول العالم الأثرى سليم حسن ( مصر القديمة جـ 4 ص 196) :أن العبرانيين طائفة من أجناس مختلفة وليسوا جنسا واحدا ، ويقول فى مكان آخر أنهم كانوا على اتصال وثيق بالهكسوس .

 

وكانت بداية استخدام لفظ العبرانيين هى مع بداية خروج إبراهيم عليه السلام مع بعض قومه ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط عليه السلام . وتطلق عليهم التوراة الحالية صفة sojourners أى القوم الذين لايستقرون بمكان ودائمى الترحال ..

 

وقد نشأت تسمية اللغة التى يتحدثون بها من نفس تسميتهم بالعبرانيين ، فكانت لغتهم هى اللغة العبرية وهى لغة نشأت وتشكلت من عديد من لغات البلاد التى كانوا يمرون بها ، فكانت بهذا الشكل خليطا من عدة لغات لايميزها لغة سائدة .. وإذا علمنا كمثال واحد هو مثال إبراهيم عليه السلام الذى كان له ثلاث زوجات (غير السرارى وماملكت يمينه)  ، أولهما سارة ولغتها هى الأكادية لغة كلدان (العراق حاليا) ، وثانيتهما هاجر ولغتها المصرية القديمة ، وثالثتهما قطورة ولغتها هى العربية القديمة لغة أحفاد قحطان Yoktan ، وهى اللغة التى تعلمها وطورها بعد ذلك إسماعيل ابن إبراهيم عليهما السلام . وإذا قلنا طبقا لما ترويه التوراة أن أطول إقامة لإبراهيم عليه السلام كانت بأرض كنعان فى حبرون ( مدينة الخليل بفلسطين حاليا) ، وأن لغة كنعان كانت عبارة عن عدة لغات مشتقة من اللغات السامية ولغة المصريين الحامية كأثر من آثار خضوعها فترات طويلة لحكم فراعنة مصر .. فإننا يمكن أن نستنتج أنه إذا كانت هناك لغة عبرية للعبريين فى ذلك الوقت ، فسوف تكون خليطا مشكلا من اللغات السابق ذكرها على الأقل . (هناك رأى آخر فى اللغة التى كان ينطق بها إبراهيم عليه السلام - أنظر الملاحظة المرفقة آخر الموضوع) .

 

وبعد أن اختار الله مصر لكى تنموا وتترعرع فيها قبيلة بنى إسرائيل من أولاد يعقوب عليه السلام ، وأقاموا فيها 430 سنة تقريبا ، تعلموا فيها الكثير من مصر ، فكانت إقامتهم فيها هذه المدة الطويلة هى فترة حمل وولادة لشعب بنى إسرائيل كما تقول التوراة فى سفر التكوين 12:40-41 ، وتعلم موسى الحكمة فى قصر فرعون منذ ولادته حتى بلغ الأربعين من عمره كما يقول العهد القديم فى أعمال الرسل Acts 7:22 ، ثم قضى موسى بعد ذلك 40 سنة أخرى فى مدين هاربا من قصاص المصريين بعد أن قتل واحدا منهم ، وتزوج من هناك بنت شعيب عليه السلام ، ويقول البعض أنه ليس شعيب بل هو رجل صالح من قوم شعيب ، والتى تزوجها موسى عليه السلام إسمها صفورة وهذا الإسم ينطق بلفظ "عصفورة" بالعربية الحالية ( وتقول التوراة – سفر الخروج 2:11-15- أن الرجل إسمه يثرون وكان كاهن مدين ، ويقال فى مواضع أخرى أن إسمه رعوئيل Reuel بمعنى خليل الله ) . وفى جميع الأحوال تؤكد التوراة أن لغة أهل مدين كانت اللغة العربية وأن نسبهم ينتهى إلى إسماعيل عليه السلام . ووَلدت صفورة   لموسى عليه السلام ولدا إسمه جرشوم Gershom قالت التوراة عنه أنه نصف عربى وكان لايتحدث غير العربية لغة أمه (سفر الخروج 2:15-22) .  ويقول عباس العقاد فى كتابه ( الثقافة العربية أقدم من ثقافة اليونان والعبريين ) أن : " سفر التكوين وسفر الخروج صريحان فى تعليم الصالحين من العرب لكل من إبراهيم وموسى عليهما السلام . فإبراهيم تعلم من ملكى صادق ، وموسى تعلم من يثرون إمام مدين " .

 

 وبهذا الشكل يمكن القول أن موسى عليه السلام بعد أن قضى الأربعين عاما الأولى من عمره تحت رعاية فرعون فى قصره ، ثم قضى الأربعين عاما التالية بين أهل مدين وهم من العرب الإسماعيليين ، بأنه قد تأهل بهذا الشكل وتشكّل ثقافيا بثقافة لغتين هما اللغة المصرية القديمة واللغة العربية لغة العرب الإسماعيلييين . فأصبح بذلك مستعدا لإستقبال رسالة الله إلى بنى إسرائيل وفرعون مصر ، وكان أمر الله له بالذهاب إلى فرعون .. ولكن التوراة تقول فى هذا الشأن أن الله طلب من موسى أن يذهب إلى فرعون ليطلب منه إطلاق سراح بنى إسرائيل وليس لتبليغه رسالة الله ، وأراه الله لهذه المهمة آية العصا وآية اليد ليكون مهابا  عند فرعون وليدلل بها على صدق رسالته .

 

ونعود مرة أخرى إلى اللغة العبرية القديمة ، حيث قلنا أنها خليط من عدة لغات أهمها اللغة الأكادية واللغة العربية واللغة الهيروغليفية واللغة الآرامية ... ويقول العالم الأثرى سليم حسن أن هجرة الهكسوس ودخولهم ببطء وهدوء إلى أرض مصر بدأت منذ بدايات القرن التاسع عشر ق. م. ، وبرهن على ذلك بأدلة من بعض الحفائر وقطع الفخار الأثرية ، ولم يجد تضاربا فى ذلك مع بعض الحقائق التاريخية (مصر القديمة جـ 4 ص 55) . وتزامن دخول الهكسوس أرض مصر مع خروج إبراهيم وبعض قومه من أرض كلدان (العراق) مارا بكنعان (فلسطين) إلى أن وصل مصر وتزوج منها السيدة هاجر .... واجتاح الهكسوس بعد ذلك مصر وتحكموا فى أقدار شعبها ، إلى أن طردهم أحمس الأول (1580 ق.م. – 1558 ق.م.) مؤسس الأسرة الثامنة عشر ، وقد وُلد موسى أثناء هذا التاريخ أو بعده ، وقد اختلف العلماء فى زمن ميلاد موسى كما اختلفوا فى زمن خروج موسى وقومه من مصر  ، واختلفوا بالتالى فى الفرعون الذى أخرجهم . وعندما طرد أحمس الأول الهكسوس من مصر خرجت معهم طائفة قليلة من بنى إسرائيل ارتبطت مصالحها معهم ، ولكن الغالبية العظمى من بنى إسرائيل بقوا فى مصر بعد طرد الهكسوس ، وتعرضوا للتسخير والإذلال من فراعنة مصر جزاء خيانتهم وتعاونهم مع الهكسوس ضد مصالح مصر والمصريين ، ووصل حد إذلالهم إلى التنكيل بهم وذبح معظم صغارهم الذكور .. ، وفى هذا الوقت وُلد موسى عليه السلام ، وكانت قصة التقاطه من النهر وتبنى فرعون له ، وهى قصة معروفة فى القرآن الكريم كما هى معروفة فى التوراة الحالية . وكأن الله تعالى أراد بعنايته إنقاذ موسى لإعداده للرسالة السماوية .. وقد قلنا من قبل كيف تأهل موسى ثقافيا لمدة ثمانين عاما بالثقافتين المصرية القديمة والعربية القديمة ، وكان أثر ذلك امتلاء التوراة (أسفار موسى الخمسة) بكلمات كثيرة من اللغة المصرية القديمة وكذلك بكلمات كثيرة من اللغة العربية .. وهما اللغتين التى نشأت منهما لغة التوراة العبرية بصفة أساسية .. ويقول عباس العقاد فى كتابه ( الله / سلسلة كتب دار الهلال 1968) : " أن كل من هنرى برستيد وآرثر ويجال عقدا مقارنة بين صلوات إخناتون وأحد المزامير العبرية فاتفقت المعانى بينهما اتفاقا لاينسب إلى توارد الخواطر والمصادفات " .

 

 ويقول العلامة سيجموند فرويد فى كتابه بعنوان ( موسى والوحدانية Moses & monotheism ) فى مسألة المقابلة بين عقائد إخناتون وعقيدة موسى أنه بعد أن انتهى من مقابلاته وفروضه قرر أن موسى  عليه السلام تربى بمصر فى كنف الوحدانية ونشأ فى أعقاب المعركة بين آتون وآمون ، واستعد للنبوة فى هذه البيئة الموحِّدة ، فعلّم بنى إسرائيل كيف يوحدون الله ويعظمون صفاته ، وكان خروج بنى إسرائيل فيما بين القرن الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد ، أى فى الجيل التانى لإنتشار التوحيد بالبلاد المصرية " .. والعجيب فى الأمر أن هذا العلامة اليهودى وصل فى أحد كتبه بعنوان "موسى مصريا"  (ترجمه محمد العزب موسى ومذكورا فى كتاب  الدكتور رشدى البدراوى / قصص الأنبياء والتاريخ جـ 4 ص 665 ) إلى القول بأن موسى هو مصرى وليس من بنى إسرائيل ، وأن الديانة الموسوية مستقاة من عقيدة إخناتون ، ويحتمل أن موسى كان أحد الأمراء المصريين المقربين من إخناتون ولكن لما حدثت الردة فى مصر بعد إخناتون تم استبعاد موسى ، ولما انهار أمله فى حكم بلاده (مصر) أراد أن يوجد لنفسه دورا ما كزعيم ، فتزعم بنى إسرائيل وأعطاهم دينا جديدا استقاه من عقيدة إخناتون التوحيدية . ويتساءل الدكتور رشدى البدراوى فى كتابه المذكور من قبل بقوله : " ويحق لنا أن نتساءل : كيف يتأتى لعالم مثل فرويد أن يقول بهذا الرأى . وتزول الغرابة إذا علمنا هويته اليهودية .. إذ مادام موسى مصريا فإن لبنى إسرائيل حقوقا تاريخية فى مصر ! ، وهذا هو الهدف السياسى الذى يرمى إليه ، كما فعل سلفه يوسف ابن متى عندما زعم أن الهكسوس الذين حكموا مصر هم أنفسهم بنو إسرائيل ...

 

قلنا من قبل أن العبرية كلغة هى لغة العبرانيين الذين كانوا  يرتحلون من مكان لآخر ولايستقرون فى مكان أومع قوم من الأقوام ، فتشكلت لغتهم ونشأت كخليط من لغات الأقوام والأماكن التى مروا بها ... فماذا كانت لغة موسى عليه السلام تحديدا ؟ ، هل هى المصرية القديمة الذى لم يعرف غيرها منذ تم إلتقاطه وليدا من النهر وتبناه فرعون وعاش فى قصره حتى الأربعين عاما الأولى من عمره ... أم هى اللغة العربية التى تعلمها فى مدين وأقام فيها هاربا من قصاص المصريين الأربعين عاما التالية من عمره .... يعتقد الكثير من علماء أصل اللغات وتاريخها أن الأشكال الأصلية لحروف كتابة العبرية القديمة هى نفسها أشكال حروف الكتابة الهيروغليفية لغة مصر القديمة ، وأنه بعد خروج موسى وقومه من مصر إلى أرض كنعان ، لم تكن لغة أهل كنعان هى اللغة العبرية .. وعلى هذا الأساس يؤكد الكثير من المؤرخين أن العبرية لم تكن هى لغة التوراة الأصلية على خلاف ما زعم به  الكثير من اليهود .. ومزاعم اليهود بالنسبة لتاريخهم فى مصر لن تنتهى حتى يصطنعوا من خيالاتهم لأنفسهم تاريخا يبررون به أطماعهم بعد أن تمكنوا من السيطرة على النظام العالمى الجديد فى القرن الواحد والعشرين بعد الميلاد . تلك المزاعم يصطنعها اليهود عند نومهم  مسترخين فى حجرات مفتوحة النوافذ ، فتسقط أوراقهم كما تسقط أغطيتهم من فوق أجسادهم  فيتعرون وتظهر الحقيقة ، وتصبح رواياتهم مجرد أضغاث أحلام يهودية لاتَخِيل إلا على البلهاء والمغفلين ...

ومهما اصطنعوا من أوهامهم  تاريخا فليعلموا وليعلم معهم بلهاء وضعفاء هذا العصر أن تاريخ بنى إسرائيل وتاريخ توراة موسى قد تكوّن على أرض مصر ، ولقد صمتت الآثار المصرية القديمة تماما عن أى حكاية لهم مع ماهو معروف عن الكتابات المصرية على جدران المعابد والآثار – من دقتها فى تسجيل الأحداث ، ويعلل البعض سكوت الآثار المصرية عن أى حكاية لهم ، بأنها من وجهة النظر الفرعونية أن بنى إسرائيل منذ نشأتهم فى مصر حتى خروجهم هى حكاية لمجموعة من العبيد اللاجئين لاتستحق التسجيل أو أن يقام لها الآثار والمسلات ...!! . وأراد الله بذلك أن يضيع تاريخهم فى مصر وتضيع معه توراتهم الأصلية ، وتضيع الألواح وتابوت العهد وذلك لحكمة لايعلمها سواه سبحانه وتعالى .

 

يدعى معظم يهود اليوم أن التوراة (أسفار موسى الخمسة وهى أهم أسفار العهد القديم) كتبها موسى بنفسه ، ويتساءل كثير من المؤرخين : هل مايدعيه اليهود هو حقيقة تاريخية ، وأى دليل أو يقين يملكه اليهود لإثبات مايدعونه ؟؟ .. وفى المقابل أكد المؤرخون بالدليل والبرهان أن الأسفار الخمسة لم يكتبها موسى ، وأنه قد تم كتابتها بعد موسى بعدة قرون من أشخاص غير معروفين .. راجع رابط الموقع :

 http://freethought.mbdojo.com/authenticityoldtest.html 

وقد ذكر هذا الرابط 43 دليلا استند عليهم علماء الآثار والمؤرخين لإثبات عدم وجود مايسمى باللغة العبرية زمن موسى عليه السلام وإثبات أن التوراة (الأسفار الخمسة)  كتبها مؤلفون مجهولون بعد وفاة موسى عليه السلام بعدة قرون .. وأكتفى هنا بذكر دليلين من بين تلك الأدلة تم طرحهما باللغة الإنجليزية كما يلى :

 

3. The Pentateuch was written in the Hebrew language. The Hebrew of the Bible did not exist in the time of Moses. Language takes centuries to develop. It took a thousand years to develop the English language. The Hebrew of the Bible was not brought from Egypt, but grew in Palestine. Referring to this language, De Wette says: "Without doubt it originated in the land [Canaan] or was still further developed therein after the Hebrew and other Canaanitish people had migrated thither from the Northern country" (Old Testament, Part 2). Gesenius says that the Hebrew language scarcely antedates the time of David.
4. Not only is it true that the Hebrew language did not exist, but it is urged by critics that no written language, as we understand it, existed in Western Asia in the time of Moses. Prof. Andrew Norton says: "For a long time after the supposed date of the Pentateuch we find no proof of the existence of a book or even an inscription in proper alphabetical characters among the nations by whom the Hebrews were surrounded." (The Pentateuch, p. 44) Hieroglyphs were then in use, and it cannot be imagined that a work as large as the Pentateuch was written or engraved in hieroglyphics and carried about by this wandering tribe of ignorant Israelites.

 

 

ويؤكد المؤرخون (الرابط السابق) أن لغة التوراة العبرية لم تكن موجودة فى زمن موسى عليه السلام ، وقد أخذت اللغة العبرية عدة قرون بعد موسى لتتشكل كلغة يمكن كتابتها  ، فلغة التوراة العبرية لم يكن  يعرفها  بنو إسرائيل حتى خروجهم من مصر ، وأنه لزمن طويل بعد التاريخ الحقيقى المفترض لكتابة التوراة ، لانجد دليلا واحدا أونقشا واحدا لسفر من أسفار موسى الخمسة فى أى من الدول التى كانت تحيط ببنى إسرلئيل بعد خروجهم من مصر ، وقد أكد ذلك أيضا مؤلف سفر التثنية (ص 44) .. كما أن لغة مصر القديمة الهيروغليفية هى التى كانت تستعمل فى ذلك الوقت فى أرض كنعان التى خرج إليها بنو إسرائيل ، ولايمكن تصور أوحتى مجرد تخيل أن يتم كتابة الأسفار الخمسة باللغة الهيروغليفية ، بما يعنى ذلك أحمالا ثقيلة من أوراق البردى أو من مسلات الحجارة التى كان يتوجب على بنى إسرائيل حملها زمن التيه ووقت رحلتهم الشاقة إلى كنعان ، وهم الذين قد وصفهم موسى عليه السلام بالجهل والكسل والفساد ..

 

والسؤال الذى لايجد إجابة مقنعة ومؤكدة بأى دليل واضح ومقبول حتى الآن هو : ماهى تلك اللغة التى كتب بها موسى التوراة إن كان هو الذى كتبها بالفعل كما يدعون ؟ ، وماهى  تلك اللغة التى كتب بها الله تعالى على ألواح موسى ؟ .. وقد جاء فى القرآن الكريم " وكتبنا له فى الألواح " ( الأعراف 145) ، وأشهر ماعُرف أنه مكتوب بتلك الألواح هو الوصايا العشر ، ورُوى فى الخبر أن جبريل عليه السلام قبض على موسى بجناحه فمر به فى العلا حتى أدناه فسمع صرير القلم حين كتب الله له فى الألواح (ذكره الترمذى) . ولايوجد دليل واحد يشير إلى اللغة التى كتب بها الله سبحانه وتعالى على ألواح موسى ، أو دليل واحد مقنع أن موسى هو الذى كتب التوراة كما يدعى اليهود ، أو دليل واحد على اللغة التى كتب بها موسى إن كان قد كتب شيئا فى الأصل . وقد ضاعت الألواح وضاعت التوراة الأصلية وضاع التابوت نفسه الذى كان يحتويهما حيث كان معظمه مصنوعا من الذهب الخالص ، ولم يتبقى لنا أو لهم سوى بعض التخمينات والنظريات والإفتراضات وأحيانا بعض التلفيقات ...

 

ويقول اليهود أنه بعد أن ضاعت التوراة الأصلية تم إعادة كتابتها بين عام 450 ق.م. وعام 250 ق.م. بالكتابة العبرية المقدسة فى كتابين هما كتاب عزرا ( وهوعزير فى القرآن الكريم) وكتاب نحميا Nehemiah . ونحميا هذا عاد بعد السبى البابلى من أرض فارس إلى أورشليم ، أما عزرا أو عزير فكان موظفا فى بلاط فارس ومستشارا لشئون الطائفة اليهودية ، وتمكن لثقة الملك فيه – من أخذ موافقته على عودة الفوج الثانى من يهود السبى إلى أورشليم حاملين معهم ماشاءوا من الأموال . وقام نحميا بحركة إصلاح دينى بعد عودته إلى أورشليم ، وطلب من عزرا أن يأتى بأسفار موسى من ذاكرته .. وهذه إحدى روايات اليهود لتأكيد عدم ضياع التوراة الأصلية ولتأكيد وجود اللغة العبرية كلغة مكتملة صالحة للكتابة والتسجيل ، فى حين يؤكد المؤرخون أن عزرا ونحميا حين كتبا التوراة بعد السبى البابلى كتباها باللغة الآرامية .

 

ومن السرد السابق يعنينا أن نقول للذين يعتقدون أن التوراة قد كتبها موسى بنفسه وباللغة العبرية ، أنه لايوجد مايؤيد اعتقادهم هذا من وثائق ومخطوطات وآثار وحفريات أو حتى مجرد دلائل يمكن أن يتقبلها المنطق البسيط  ، وأن لغة التخاطب بين موسى وربه حين خاطبه الله عندما كان يرعى غنم حميه كاهن مدين (سفر الخروج 1/1-8) لم تكن سوى اللغة المصرية القديمة التى لم يكن يعرف غيرها حيث وُلد بمصر وعاش وتربى فيها  أو اللغة العربية لغة أهل مدين التى تعلمها من حميه وزوجته حتى مات ولم ينطق بغير هاتين اللغتين ولم تطأ قدمه أرضا غيرأرض مصر وأرض مدين ، هذا ناهيك عن كون كلمة "توراة" ذاتها من الألفاظ المصرية ، ومعنى "توراة" Torah يرتبط بعبادة الثور المقدس فى المصرية القديمة ، وإن كثيرا من العلماء والمؤرخين يشككون أصلا فى وجود مايسمى باللغة العبرية فى زمن موسى عليه السلام .. ومع افتراض وجودها بعد ذلك أو قبل ذلك فقد ماتت تلك اللغة الهجين المصطنعة ولم يعد ينطق بها أحد لمدة لاتقل عن 2300 سنة ، إلى أن كانت بداية إعادة هذه اللغة للحياة تحت إسم اللغة العبرية الجديدة ، وكانت هذه البداية على يد رجل واحد هو إليعازر بن يهوذا (1858-1922) مع بداية التفكير فى إنشاء وطن يجمع شتات يهود العالم ، ولتكون هذه اللغة بالرغم من تعدد لغات اليهود فى شتاتهم رمزا يصطنعونه لوحدتهم فى هذا الوطن تحت علم واحد ...

 

فما هى أصول تلك اللغة العبرية الجديدة لغة دولة إسرائيل الحالية ، وكيف تشكلت ونشأت هى الأخرى ، وما هو وجه الشبه بينها وبين اللغة العبرية القديمة ..  ؟؟!! .

 

للحديث بقية بإذن الله

  ______________

 

الحلقة الرابعة

الحلقة السادسة

الفهرست

____

 

ملاحظة مرفقة : يقول عباس محمود العقاد فى كتابه "إبراهيم أبو الأنبياء" ص 131 (الناشر : المكتبة العصرية ، صيدا - بيروت) :

ربما كان من المفاجآت عند بعض الناس أن يقال لهم أن ابراهيم عليه السلام كان عربيا ، وأنه كان يتكلم اللغة العربية . ولكنها الحقيقة التاريخية التى لاتحتاج إلى فرض غريب أو تفسير نادر غير ترجمة الواقع بما يعنيه ، وإنما الفرض الغريب أن يحيد المؤرخ عن هذه الحقيقة لينسب ابراهيم إلى قوم غير قومه الذين هو منهم فى الصميم ....

وليس معنى هذا بالبداهة أنه كان يتكلم العربية التى نكتبها اليوم أو نقرأها فى كلام الشعراء الجاهليين ومن عاصرهم من العرب الأقدمين ، فلم يكن فى العالم أحد يتكلم هذه اللغة فى عصر ابراهيم ولا فى العصور اللاحقة به إلى القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد .. وإنما اللغة العربية المقصودة هى لغة الأقوام التى كانت تعيش فى شبه الجزيرة العربية وتهاجر منها وإليها فى تلك الحقبة ، وقد كانت لغة واحدة من اليمن إلى مشارف العراق والشام وتخوم فلسطين وسيناء .

ولقد عُرفت تلك اللغة حينا بإسم اللغة السريانية غلطا من اليونان فى التسمية ، لأنهم أطلقوا إسم أشورية أو أسورية على الشام الشمالية ، فشاعت تسمية العربية بإسم السوريانية والسريانية من المكان الذى أقامت فيه بعض قبائل العرب الوافدة من شبه الجزيرة منذ أقدم العصور ، قبل عصر ابراهيم بزمن طويل ... واشتملت هذه اللغة السريانية فى بعض الأزمنة على عدة لغات لاتختلف فيما بينها إلا كما اختلفت لهجات القبائل العربية قبل الدعوة الإسلامية ، ومن هذه اللغات لغة آرام وكنعان وأدوم وموآب ومديان وماجاورها فى الأقاليم الممتدة بين العراق وسيناء ، وربما كانت المفاجأة أشد على من يسمع أن الخليل لم يكن عبريا من العبريين .... فقد مضى وقت طويل والناس يفهمون أن العبرية واليهودية كلمتان بمعنى واحد ، ولم تكن اليهودية قط مرادفة للعبرية فى معنى صحيح .

فالعبرية فى نحو القرن العشرين قبل الميلاد كانت كلمة عامة تطلق على طائفة كبيرة من القبائل الرحل فى صحراء الشام ، وكان من أبناء هذه القبائل من يعمل كالجنود المرتزقة هنا وهناك حسب المواقع والمناسبات ، وبهذا المعنى وردت كلمة العبرى والأبرى والهيبرى وماقاربها لفظا فى أحافير "تل العمارنة وفلسطين وآسيا الصغرى والعراق ، وجاءت بهذا المعنى فى الكتابات المسمارية والفرعونية" ، ولم يكن لليهود وجود فى ذلك الحين ... ولما وجد اليهود وانتسبوا إلى إسرائيل (يعقوب) كانوا هم أنفسهم يقولون عن العبرية أنها لغة كنعان ، ثم انطوت العبرية فى الآرامية التى غلبت على القبائل جميعا بين فلسطين والعراق مع اختلاف يسير بين الآرامية الشرقية والآرامية الغربية .. وأصبحت العبرية مجرد لهجة تختلف بنطق بعض الحروف كما تختلف القبائل بنطق الشين والكاف أو نطق الميم واللام إلى هذه الأيام .