الحلقة السابعة (التسمية بلفظ "اليهود")

 

تكلمنا من قبل عن أصل التسمية بلفظ "العبرانيين" ، وعن أصل ونشأة اللغة العبرية القديمة واللغة العبرية الجديدة ، كما تحدثنا عن نشأة بنى إسرائيل فى مصر من يعقوب عليه السلام وأبنائه الإثنى عشر (أسباط أو قبائل بنى إسرائيل) .

 

أما عن التسمية بلفظ "اليهود" .. فلم تكن تلك التسمية موجودة أصلا ، أو تم استخدامها دلالة على من آمن بموسى وبرسالته عند تلقيه الوحى بأرض سيناء أو بعد ذلك بكثير ، فلا صلة لهذا اللفظ بعقيدة بنى إسرائيل أو نشأتهم .. فكيف نشأ هذا اللفظ وماهى دلالته ..؟ .

 

قال يهود الجزبرة العربية مع زمن انتشار الدعوة الإسلامية على أرضها .. أن لفظ "اليهود" جاء من "هود" عليه السلام فهم إذن بنو هود – النبى العربى ، ويقول الدكتور رشدى البدراوى (قصص الأنبياء والتاريخ جـ 1 ص 143) : " أنه ربما شجعت الجالية اليهودية فى شبه الجزيرة هذه المقولة فى ذلك الزمن رغبة منهم فى إيجاد نسب موغل فى القدم بينهم وبين مُضيفيهم العرب ، تأليفا لقلوب العرب عليهم " .. ولكن من المعروف أن التسمية بلفظ "اليهود" هو نسبة إلى "يهودا" بن يعقوب عليه السلام .. فكيف نشأ هذا اللفظ  وساد على باقى التسميات الأخرى لبنى إسرائيل وماهى دلالته ..؟ .. سوف نحكى بإيجاز قصة هذا اللفظ ونشأته مسترشدين بما كتبه اليهود أنفسهم وبما ورد بأسفارهم .. كما يلى :

 

بعد أن خرج موسى وقومه من مصر ، وعاقب الله قومه بالتيه أربعين عاما بسيناء لفسادهم ، توجه موسى بما تبقى منهم إلى أرض كنعان (الأرض الموعودة) .. حيث وصلوا إلى شاطئ نهر الأردن ولم يتمكنوا من عبوره .. ورأى موسى الأرض الموعودة من هذا الشاطئ .. وتقول التوراة فى سفر التثنية 34 : " فأراه الرب جميع الأرض وقال له الرب هذه هى الأرض التى أقسمت لإبراهيم وإسحق ويعقوب قائلا لنسلك أعطيها ، قد أريتك إياها بعينيك ولكنك إلى هناك لاتعبر " . ومات هناك موسى ، ودُفن ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم . وكانت وفاة موسى عليه السلام تقريبا فى حوالى عام 1160 ق.م. .

 

خلف يشوع (طالوت فى القرآن الكريم) موسى عليه السلام ، وعبر ببنى إسرائيل نهر الأردن حيث هزم الفلسطينيين وقسّم أرضهم ممالكا على قبائل بنى إسرائيل الإثنى عشر (الأسباط) طبقا لوصية موسى (أنظر الخريطة) .

 

 

جاء داود عليه السلام بعد طالوت .. وكان ملكا على عرش يهودا ، ويهودا هى الأرض التى كانت من نصيب قبيلة يهودا التى يتصل نسبها إلى " يهودا" أحد أبناء يعقوب عليه السلام .. واتبع داود سياسة حكيمة فوحد كل القبائل ووحد ممالكهم دون إراقة قطرة دم واحدة .. وأصبح ملكا على كل أراضى فلسطين المقسمة على قبائل بنى إسرائيل وتم تسميتها بمملكة بنى إسرائيل . وبنى داود أورشليم (القدس) عاصمة لمملكته على أنقاض يبوس عاصمة فلسطين المحتلة (إسم يبوس من إسم رجل من عائلة كنعان بن حام بن نوح عليه السلام واليبوسيين ذريته ) .

 

وخلف سليمان أبيه داود على عرش مملكة إسرائيل وبنى الهيكل (بيت الرب) .. ولم تكن حتى هذه اللحظة التسمية بلفظ اليهود تطلق على شعب مملكة إسرائيل المستحدثة ، ولكنها كانت تطلق على المقيمين بأرض يهودا التى كانت من نصيب قبيلة يهودا . واهتم سليمان بتذويب الكل فى كيان واحد وإضعاف النزعة القبلية بين بنى إسرائيل ، ولم يكن ذلك أمرا سهلا ، فاستقلال الأسباط بعضهم عن بعض كان قد ترسخ منذ أن كانوا أبناءا ليعقوب وأثناء إقامتهم الطويلة بمصر ( حوالى 400 سنة) إلى خروجهم منها وإلى إنشاء مملكة إسرائيل على يد داود عليه السلام . وكان سليمان عليه السلام ينتمى إلى سبط يهودا ، وهذا ولّد شعورا معاديا لقبيلة يهودا عند باقى القبائل ...

 

تولى رحبعام ابن سليمان عرش مملكة إسرائيل بعد وفاة أبيه .. وكان ضيق التفكير لايأخذ بمشورة الحكماء الشيوخ  .. فضعفت مملكة إسرائيل وانقسمت إلى مملكتين واحدة فى الشمال بإسم مملكة إسرائيل والثانية فى الجنوب بإسم مملكة يهودا . 

 

وبدأ تاريخ بنى إسرائيل من ذلك الوقت عبارة عن فترات من الضلال والزيغ عن عبادة الله ، وعبدوا آلهة أخرى دونه ، فعاقبهم الله بأن سلط عليهم أعدائهم ، فانتهت مملكة إسرائيل فى الشمال ، وتشتت أهلها بسقوط السامرة عام 722 ق.م. على أيدى الأشوريين ، وتم سبى من بقى منهم عام 719 ق.م. بما يعرف بالسبى الأشورى . أما المملكة الجنوبية – مملكة يهودا – فقد كانوا مؤمنين إلى حد ما إلا أنهم زاغوا فى النهاية ، فعاقبهم الله بالسبى البابلى المشهور عام 585 على يد نبوخذنصر ملك بابل .. وحتى ذلك الوقت كانت التسمية بلفظ "اليهود" قاصرة على سكان مملكة يهودا التى انتهت بعد سقوطها وتم أسر من تبقى من أهلها ونقلهم عبيدا أسرى ببابل .

 

وظهر فى بنى إسرائيل فى فترة السبى البابلى بعض الأنبياء ، كان منهم النبى حزقيال والنبى دانيال . وكان النبى دانيال – وهو ثانى الأنبياء الكبار فى هذه الفترة – من المقربين للملك نبوخذنصر لحكمته وشرفه فى قومه بنى إسرائيل ، ووصل إلى مرتبة عالية هى الثالثة بعد الملك وابنه .. ولكنه خان الملك وتعاون مع أعدائه الفرس ضد إمبراطورية بابل التى كانت من أقصر الإمبراطوريات عمرا فى التاريخ القديم .. فاستولى عليها الفرس دون مقاومة عام 539 ق.م. على يد قورش ملك فارس القديمة . وكافأ قورش النبى دانيال بالسماح لبنى إسرائيل بالعودة إلى فلسطين وإعادة بناء هيكل سليمان ، وذلك اعترافا بفضل النبى دانيال فى التعاون معه ، واعترافا بفضله فى نبوءاته التى كان لها أثر كبير فى انتصاراته . وعاد الأسرى إلى فلسطين وكان معظمهم من سبط يهودا .. كما عين قورش واحدا منهم من سبط يهودا إسمه زربابل (أى المولود فى بابل) واليا عليهم وقائدا لأول فوج من العائدين منهم .

 

ومنذ ذلك الوقت سادت التسمية بلفظ " اليهود" على بنى إسرائيل ، حيث كان من تبقى منهم من قبيلة يهودا يمثلون البقية الهامة من بنى إسرائيل بعد الأسر البابلى ، وصارت هذه التسمية تطلق بعد ذلك على الإسرائيليين جميعا .

 

والآن – وقد عرفنا أصل التسمية بلفظ "اليهود" ، أصبح لنا أن نتساءل هل لفظ " اليهودية" Judaism يشير إلى إسم دين من الأديان ، وأن اليهودى هو الشخص الذى ينتسب إلى هذا الدين ؟؟ .

 

للحديث بقية بإذن الله .

 

 

الفهرست

الحلقة السادسة

الحلقة الثامنة