فقدان الرؤية وغياب الوعى العربى

 

الأمة العربية تعانى غيابا فى الرؤية ... العرب يركبون قطارا ولايعرفون إلى أين يتجه بهم وماهى آخر محطاته ، ولايصح فى مثل تلك الظروف أن يدفعنا البعض إلى لعن العرب ، فنلعن أنفسنا بذلك . كما لايصح أن نتنكر لتراثنا عربيا كان أو فرعونيا ، ولايصح أيضا أن يكون التراث عاملا يجذبنا إلى الوراء .. فاالتاريخ لايعيد نفسه بنفس السياق .

لايوجد حل فى رأى أى عاقل منا سوى أن نختار تجمعا نتكامل فيه ونتعامل من خلاله مع عالم اليوم الكئيب ، وإلا فهو الضياع والتفكك والإنشطار إلى شراذم تقضى على كياننا أو ماتبقى منه . مايحدث حاليا فى العراق وفلسطين ، ومايمكن أن يحدث فى السودان ، وماقد يظهر من أمثلة أخرى نشهد الآن إرهاصاتها ، كفيل بأن يعيد الوعى إلى رءوسنا فلا نعيش كالبهائم أو أضل سبيلا . وفى أثناء ذلك لايجب أن نهتم بأفكار السفهاء منا أو أقوالهم ونعرض عنهم وعن أفكارهم ، هؤلاء السفهاء الذين أسكرتهم الثروة التى حطت على رءوسهم ، فأصبحت أهواؤهم تركبهم وتتحكم فى مصائر شعوبهم .

 

إن مصر كما قال المؤرخ الكبير أرنولد توينبى ظلت محور التاريخ العالمى أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام ، وهى نفسها التى أصبحت فيما بعد قلعة العالم الإسلامى ورائدة الأمة العربية  .. فلا يجب أن يضيع هذا الدور من مصر مهما كانت الإحباطات التى تحاصرها وتحاصر أبناءها ، وإلا فهو الضياع لمصر نفسها .

إن التاريخ ملئ بأحداث وأقوال لاقيمة لها لأنه لاتأثير لها ... ولايجب أن نعتمد على قول قاله عمرو بن العاص مثلا فى شعب مصر لنحكم به على حركة تاريخية بأكملها  ، سواء كان هذا القول صحيحا وموثقا أو كان غير ذلك ، فمثل هذا القول وأمثاله من الأقوال أو الأحداث أشبه بالأزقة المغلقة لايمر فيها أحد ولاتوصل لشيئ يفيد الحقيقة ، كما لايجب أن نتصيد قولا أو حدثا لنرضى إتجاها لنا أو يتفق مع هوى فى أنفسنا .

 

يكفى أن نعلم أنه قد تم فتح مصر فى عهد عمر بن الخطاب ، الذى يستحيل على أى إنسان أن يظن فيه مجرد شبهة الطغيان والأبهة أو غطرسة الملوك ، مثل أباطرة الرومان والإغريق . وقدأكد المؤرخون على إختلاف أجناسهم أن فتح العرب لمصر كان إنقاذا لها من جبروت الرومان وفسادهم . وإذا سألنا أنفسنا لماذا بعد الفتح العربى لمصر أصبحت مصر دولة عربية ، ولم يحدث ذلك مثلا لبلد مثل إيران .. سوف تكون الإجابة البديهية أن مصر كانت قد فقدت هويتها تحت حكم الإغريق والرومان على مدى تسعة قرون سابقة ، وصلت فيها مصر إلى حد بعيد من التمزق والضعف والوهن وعدم الإنتماء .

عندما فتح الإسكندر الأكبر مصر عام 313 قبل الميلاد فرض قانونا نفذه بطليموس حاكم مصر  .. نص هذا القانون على فرض الثقافة الهللينية Hellenistic  ، وتسارع الناس إلى تعلم اللغة الإغريقية – لغة الغزاة – ليحققوا لأنفسهم المزايا الإجتماعية والإقتصادية ، ففرضت عليهم مصلحتهم أن يستبدلوا لغتهم الديموطيقية Demotic (الطور الثالث للغة الهيروغليفية) بلغة الغزاة ، كما شجعهم على ذلك أيضا سهولة اللغة الإغريقية حيث كانت تشمل 24 حرفا هجائيا (الألف باء ...أو ألفا بيتا ..الخ) ، فى حين كانت اللغة الديموطيقية تتكون من 400 رمزا تصويريا ، يمثل كل منها شيئا أو فكرة مع نسبة ضئيلة من الحروف الصوتية ، ومع ذلك احتفظ فلاحوا مصر باللغة الديموطيقية بلهجات مختلفة كلغة للتخاطب مع بعضهم .

ومن المهم أن نعرف أن الإغريق أنفسهم أول ماتعلموا نظام الكتابة ، تعلموه عن المصريين القدماء . ثم من خلال الفينيقيين - وهم أهل تجارة بحرية Seagoing Traders وبلدهم فينيقيا Phoenicia (كانت الجزء الشاطئى من كنعان وتسمى حاليا لبنان) - جرى تطوير لغتهم إلى نظام الألف باء (Alphabet) نقلا عن اللغات السامية ومنها اللغة العربية من خلال تعاملهم التجارى مع سكان سواحل البحر الأبيض بالشام وشمال سيناء ، وذلك حوالى عام 900 قبل الميلاد ، وظل الإغريق يكتبون لغتهم من اليمين إلى اليسار مثل اللغات السامية حتى القرن السادس قبل الميلاد .

ويمكن تمييز ثلاث مراحل لتطور اللغة المصرية القديمة : اللغة الهيروغليفية Hieroglyphic ، ثم الهيراطيقية Hieratic وهى لغة مبسطة ، ثم الديموطيقية Demotic وهى أكثر تبسيطا . وعندما وجد المصريون أنهم فى مأزق بالنسبة لتعاملهم مع الإغريق وعجزهم عن تحقيق مصالحهم ومزاولة نشاطهم التجارى . بدأ بعض الكهنة بمعاونة الإغريق فى إنشاء لغة جديدة ، اعتمدت هذه اللغة فى البداية على اللغة الديموطيقية واستخدام الحروف الإغريقية فى كتابتها وذلك فى القرن الرابع قبل الميلاد مع بداية العصر البطلمى .. وتعرضت هذه اللغة فيما بعد إلى تغيرات كثيرة بحيث أصبحت فى النهاية تعتمد تماما على كلمات اللغة الإغريقية باستثناء عدد  قليل  من الحروف الصوتية من اللغة الديموطيقية ، وسماها الإغريق فى هذا الوقت باللغة القبطية . وتأسست هذه  اللغة الجديدة على 32 حرفا منهم سبعة حروف صوتية من اللغة الديموطيقية ، ولايمكن القول بأن اللغة القبطية المبتكرة بهذا الشكل تنتمى إلى أى لغة مصرية . والدليل على أن اللغة القبطية لم تكن مرغوبه من المصريين الذين كانوا يعتزون بمصريتهم ، أن الكهنة الذين نقشوا كتابتهم على الحجر الشهير بإسم حجر رشيد ، نقشوها عام 196 قبل الميلاد بثلاث لغات فقط هى اللغة الهيروغليفية القديمة واللغة الديموطيقية المطورة عنها ، واللغة الإغريقية ، وماكتبه هؤلاء الكهنة على هذا الحجر عبارة عن تسجيل لعظمة الفراعنة ومافعلوه من خير لكهنتها وشعبها ، وكان ذلك نوعا من الإحتجاج المهذب على الحكام المستعمرين وأتبعاهم ، وتأكيدا لتمسكهم بمصريتهم . ولم يهتم المؤرخون للأسف بمعنى النص المكتوب وأهدافه ، وانحصر اهتمامهم بهذا الحجر باعتباره سببا فى فك طلاسم اللغة الهيروغليفية والديموطيقية .

ومع بداية التبشير بالدين المسيحى فى بداية الخمسينات بعد الميلاد بقدوم القديس مرقص يصاحبه عمه القديس برناباس إلى الإسكندرية .. بدأ التبشير بين يهود الإسكندرية الذين كانوا من أصل إغريقى - ولن ندخل فى تفاصيل العملية التبشيرية فى مصر . يهمنا هنا القول أن التاريخ قد أكد أن الذى طور اللغة القبطية فى شكلها النهائى هم المبشرون الذين أتوا من خارج مصر بمساعدة بعض يهود مصر الذين دخلوا فى الدين الجديد ، حيث استحال على المبشرين تعلم لهجات أهل البلاد ولغتهم المصرية الديموطيقية ، واستسهلوا تعليمهم اللغة القبطية لأغراض التبشير والتعامل التجارى وتحصيل المكوس لبناء الكنائس .

نأتى الآن إلى كلمة "قبط" و "قبطى" و "أقباط"  Coptics وهى ليست كلمات مصرية ولاتنتمى إلى مصر بأى حال من الأحوال ،  فلفظ قبط وأقباط هو تعبير خيالى ليس له أى معنى ، وتم نقله عن اللفظ الإغريقى ِAegyptus ، وقد استخدم هومبروس ذلك اللفظ بطريقة تهكمية فى ملحمته الأسطورية المشهورة ، حيث يعنى هذا اللفظ فى الأساطير الإغريقية القديمة supine goat  أى التيس الكسلان إشارة إلى ملك مصر الذى طرده شقيقه دانوس مع بناته الخمسين إلى أرجوس (مدينة فى اليونان القديمة)  ، واستولى دانوس على مملكته التى تخيلها هوميروس فى الأسطورة أنها مصر . أما إدعاء البعض بأن اللفظ "قبط" جاء من أصل فرعونى لعبارة Hwt-ka-Ptah  أى الأرض التى يُعبد فيها الإله بتاح ، ثم نطقها المحتل الإغريقى باللفظ "إيجيبتوس" Aegyptus فهو كلام لامعنى له ولا دليل عليه .

 

واستخدم العرب فى بداية فتحهم مصر كلمة "قبط"  حيث كان متداولا كإشارة لسكان مصر فى لغة لغة جكام مصر الأجانب فى ذلك الوقت ، ثم توقفوا عن استخدام تلك الكلمة لأنها تدل على انحطاط القدر والسمعة derogatory ، ولأن البطالمة عندما استخدموه كان ذلك استهزاء بالمصريين وحطا من قدرهم .

أما الكلمة التى كان يطلقها الساميون على مصر هى Mirsayin  ، Misr وكانت تنطق فى البداية md-r ، mdr  "مجر" أو "مشر" ونطقت باللغة العربية "مصر" وهى إحدى اللغات السامية ، وتعنى البلد التى تحميها حدودها من الغزو الأجنبى إشارة للصحراء الشرقية والصحراء الغربية ، ولذلك كان يطلق عليها العرب أحيانا مصر المحروسة . وقد ورد إسم "مصر" فى القرآن الكريم فى أكثر من موضع ، إثنين منهما فى سورة يوسف والثالث فى سورة الزخرف . وكلمة "مصر" Misr أقدم بكثير جدا من الكلمة الإغريقية Aegyptus التى منها Egypt ، ومنها "القبط" .. ولاأعرف لماذا يتمسك مسيحيوا مصر بتسمية كنيستهم بإسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية ولايقولون الكنيسة المصرية الأرثوذكسية ، رغم أن كلمة مصر لها أصل قديم فى اللغات السامية التى ينتمى إليها أنبياؤهم وأنبياؤنا وفى الكتب المقدسة التى يؤمنون بها ، وكلمة "مصر" لها معنى ، أما الأخرى فلا معنى لها ولاصلة لها بأى تاريخ مشرف لنا .

 

وعاش المصريون أحسن فترات حياتهم مع الفتح العربى ، بعد استعباد وقهر لأكثر من تسعة قرون ، ويكفى أن نتذكر واقعة ملأت كتب التاريخ كلها هى :

عندما اختلف ابن فاتح مصر وواليها عمرو ابن العاص مع أحد المصريين فى سباق للخيل وغضب منه ابن عمرو وضربه وهو يقول " أنا ابن الأكرمين" ... استدعى عمر ابن الخطاب عمرو وابنه ونادى بالمصرى فى جمع من الناس أن يضرب خصمه قائلا له " إضرب ابن الأكرمين "  .. ولم يكتفى عمر بذلك بل أمر المصرى بأن يضرب عمرو نفسه لأن ابنه لم يجرؤ على ضرب الناس إلا بسلطانه ، وصاح مغضبا بعمرو وهو والى مصر قائلا قولته الشهيرة : " بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " .

وكلمة "عرب" هى شرف لكل من ينتسب إليها وليست عارا إلا على المأفونين .  والعار حقا هو أن بعضا منا جنس العرب أصبح كالأنعام فيها دفء ومنافع لذئاب الأرض ، ومنها يأكل كلاب الدنيا تحت مفهوم العولمة الذى يتزعمه أولاد صهيون . لفظ "عرب " فى الأصل ليس له مفهوم عنصرى أو دينى أو عرقى خاص ، وليس له ارتباط بمنطقة جغرافية معينة . لفظ "عرب" منسوب إلى لفظ " آربانا " فى النقوش الأشورية ، ومعناه أرض العرب أو بلاد العرب ، وكان يطلق فى البداية على بادية الشام وقاطنيها من البدو ، ثم أصبح يطلق على كل البدو فى أى مكان .

إن من كتب تاريخ العرب سواء القدامى منهم أو المحدثين لايختلفون فى تحديد معنى كلمة "عرب" وموضع استخدامها بالنسبة للتاريخ القديم ، إلا أن أكثرهم توسع فى مجال استخدامها ، وضم إليهم البابليين الحامورابيين (طائفة من الكنعانيين) والهكسوس الذين غزوا مصر باعتبارهم أقواما ساميين من سكان شبه الجزيرة القدامى .

 

وشبه الجزيرة العربية تعد الموطن القديم للأقوام الساميين ، وقد تكون أيضا مهد هذا العنصر البشرى ، وهو مايعتقده عدد غير قليل من العلماء المحدثين .. ومنذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد خرجت القبائل السامية كأمواج البحر من هذه الجزيرة وانتشرت عن طريق بادية الشام إلى كل من البلاد العامرة المجاورة إلى مصر ، وإلى مصر ذاتها وخاصة شبه جزيرة سيناء ودلتا النيل .

ويعتقد بعض المؤرخين أن لفظ "عرب" جاء من نسل يعرب بن قحطان ، وأن قحطان هذا قد نزح من بابل إلى اليمن فى عهد تفرق أبناء نوح وأصبح ملكا ، وفى لسان العرب لإبن منظور قال : اختلف الناس فى العرب لم سُموا عربا ، فقال بعضهم : أول من أنطق الله لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان ، وهو أبو اليمن كلهم ، وهم العرب العاربة أى الخُلّص منهم ، ونشأ اسماعيل بن ابراهيم عليهما السلام معهم فتكلم بلسانهم ، فهو وأولاده من العرب المستعربة ؛ وقيل أن أولاد اسماعيل نشئوا بعربة وهى من تهامة فنُسبوا إلى بلدهم . وروى عن النبى عليه الصلاة والسلام أنه قال : خمسة أنبياء من العرب وهم محمد واسماعيل وشعيب وصالح وهود صلوات الله عليهم .. وهذا يدل على أن لسان العرب قديم .. وأن كل من نطق بلسان أهل العرب فهو من العرب – هذا فى القديم – وفى وقتنا هذا أيضا يعتبر عربيا كل من نطق بلسان العرب بحكم نشأته مهما كان دينه أو ملته أو مكان نشأته . بالإضافة إلى أن الدماء السامية قد امتزجت تماما بدماء المصريين القدماء الحامية قبل ثلاثة آلاف عام من الفتح العربى ، بحيث يمكن أن نطلق عليها تعبير Hamito-Semitic Blood . فلماذا نهرب من عروبتنا دما ولغة ، وإذا هربنا فإلى أين نحن ذاهبون ... !!! .

عاطف هلال  

سبتمبر 2003

 المراجع :

1- الدكتور على أكبر فياض/ تاريخ الجزيرة العربية والإسلام / مركز النشر لجامعة القاهرة 1993 .

2- الموسوعة العربية الميسرة / دار إحياء التراث / القاهرة 1987 .

3- موسوعة مصر القديمة / سليم حسن / المجلد الأول والثانى

4- عبقرية عمر / عباس محمود العقاد . 5 - لسان العرب لإبن منظور .

6-Origin of the ancient Egyptians / http://www.africawithin.com/diop/pharoah_of_knowledge.htm 

7-The origin of alphabets and the languages of the world .   http://thetruehistoryandthereligionofindia.org

http://www.encyclopediaofauthentichinduism.org

8-Origin of the Greek alphabet . http://www.logoi.com/notes/greek_alphabt.html

9-Alphabet Family Tree.  http://www.unifon.org/alphabet.htm .

10-Ancient alphabets compared , by R.Cedric Leonard . http://www.atlantisquest.com/alphabet.html & http://atlantisquest.com/comparison.html

11-Coptic language > (The article can be obtained electronically from copt-net Repository,using anonymous FTP from pharos.bu.edu:CN (CN-request@cs.bu.edu)

12-Noah the father of Sam, Ham and Japheth; and where did the human races come from . http:/www.christiananswers.net/dictionary/home.html

13- http://Phoenicia.org/alphabet.html .

14-http://www.Britannica.com/eb/article?eu=11914

 

 

موضوعات ذات صلة بالروابط الآتية :

 

الإسم مصر وليس إيجينتوس

فك الإرتباط باللغة والعروبة والتاريخ

التاريخ السياسى والدينى للغة القبطية

حكاية اللغة القبطية

 

____________

 

 

 

 فهرست الموضوعات

 

 

ملاحظة : تم نشر الموضوع بتاريخ اليوم 03/05/2010 بمنتدى أبناء مصر بالرابط " فقدان الرؤية وغياب الوعى"  وكتبت فى مقدمته مايلى :

 

إلى الذين يتنكرون لمصريتهم الحالية ويتنكرون للسانهم العربى ، ويريدون العودة بنا إلى مايسمى بالفرعونية حيث كانت دماء المصريين نقية كما يدعون دون اختلاط بما يسمى بـ "العرب" على سبيل المغالطة المفضوحة ، وحيث كان لسانهم ينطق اللغة "الديموطيقية" ، وكان كهنتهم يكتبون باللغة "الهيروغليفية" المقدسة ... إلى هؤلاء الذين يريدون العودة بنا إلى الوراء آلاف السنين ويسمون أنفسهم بـ "المصريين الجدد" ... أتساءل : هل التاريخ يمكن أن يعيد نفسه بنفس السياق ... ؟ .. ويؤسفنى القول بأن دعوتهم  إلى التسمية بـ "المصريين الجدد" هى مجرد دعوة منفعلة ساذجة قامت كما قال صاحبنا نفسه فى موضوع مطروح يقاعة السياسة بمنتدى أبناء مصر على أساس أن "المصريين الجدد" قرروا أن لايكونون مطية لأمثال هؤلاء البربر والرعاع والبدو – قاصدا بذلك العرب .. وهى منفعلة لأن صاحبنا كما قال بنفسه "أنه فى سنين غربته التى تنقل فيها بين عدة دول عربية كان يتحمل دائما عشرات الشتائم " حينما كان يفتخر بأمجاد مصر القديمة ... فكان رد فعله هو الدعوة الحالية إلى أن يكون من "المصريين الجدد" و "ملعون أبو العروبة ولتسقط منابر المدافعين عن الحلم العربى " طبقا لما كتبه بموضوعه  بإسمه الحركى الذى اختاره وهو "موح 555" أو كما يكتبه باللغة الإنجليزية "moh555" .

إلى صاحبنا هذا أقول له للمرة الثانية ترفق بنفسك ياأخى ولا تسلم رأسك ووعيك للمتسلقين المنافقين ولأنصاف المتعلمين ، فالعودة إلى الماضى القريب أو البعيد هى عودة مستحيلة .. نحن نعود فقط إلى الماضى لنتعلم منه ونتعظ به ، وندرس الواقع ونتفهمه لنعرف تداعياته فى المستقبل إن استمر كما هو بأحواله ، أو لنبنى على حاضر واقعنا مستقبلا أفضل لنا ولأولادنا وأحفادنا ... كما أقول له أن الإدعاء بنقاء الجنس أى جنس هو إدعاء ضلالى وجاهل ، يستخدمه صهاينة الزمن الحالى لأنفسهم من منطلق هيمنتهم على مراكز صنع القرار فى عالم اليوم لتحقيق مصالحهم وأطماعهم ، وقد يصدرونه دسا على غيرهم  أمثال الذين يسيرون الآن بمصر وراء  زفة "المصريين الجدد" دون وعى لتضليلهم ودعم  الفتنة التى بدأت تنتشر فى مصر لإضعاف مصر على ضعفها الحالى وشطرها أشطارا ضعيفة مهلهلة ...

 نظرية نقاوة الجنس عند يهود اليوم هى نظرية انتهازية ومغرضة ومضللة .. اصطنعتها الصهيونية العالمية لكى تتاجر بها على العالم وتمهد بها لتحقيق اغتصاب فلسطين وإنشاء دولتهم على أرضها .. ويدعمون تلك النظرية دائما بحكاوى الإضطهاد ضمانا لإستمرار دعم دولتهم وبقائها ، وضمانا لإستنزاف الغرب بالتعويضات ..

فهل تم تصدير تلك النظرية الإنتهازية لتيار "المصريين الجدد" بعد كامب دافيد التى وقعها السادات لفصل مصر عن محيطها العربى ، وهل يستطيع هذا التيار المتاجرة بتلك النظرية بنفس شطارة اليهود وهيمنتهم لتحقيق مصلحة مصر ومصلحة أبنائها ... لا أظن أنه يستطيع ذلك لأن هذا التيار لايملك أية رؤية رشيدة للمتغيرات التى تحدث حولنا فى العالم وفى القارة الأفريقية والمنطقة العربية وحتى فى مصر نفسها ، ويعانى فقدانا تاما للرؤية وغيابا غبيا عن الوعى ...

إذا عدنا للتاريخ القديم ، فبمراجعة بسيطة ، نجد إشارة واضحة وصريحة تؤكد على أن القبائل السامية خرجت كأمواج البحر مدفوعة بالقحط والجوع فى حوالى ألف عام قبل التاريخ المدون (أى فى فترة "ماقبل التاريخ المصرى القديم")  .. خرجت تلك القبائل بكثافات رهيبة وانتشرت عن طريق بادية الشام فى كل بلاد المعمورة وعلى رأسها شبه جزيرة سيناء ودلتا النيل وصعيد مصر ، واستقرت بتلك المناطق واختلطت بسكانها وذابت فى نسيجهم . ويعتبر المؤرخون أن شبه الجزيرة العربية هى الموطن القديم لأقوام الساميين ، وقد امتزجت الدماء المصرية الحامية (نسبة إلى حام ابن نوح عليه السلام) بالدماء السامية (نسبة إلى سام ابن نوح عليه السلام) على مر التاريخ المدون أيضا كله بعد عام 2300 ق.م ( وهوعام بداية التاريخ المصرى المدون الذى تم فيه توحيد الوجهين القبلى والبحرى على يد الملك مينا)  ، واستمر هذا الإمتزاج حتى الفتح العربى الإسلامى فى زمن الخليفة عمر ابن الخطاب رضى الله عنه . وكان امتزاجا بعيدا عن شبهة الإحتلال والهيمنة باستثناء الهكسوس الذين غزوا مصر باعتبارهم أقواما ساميين .. ويعنى ذلك أننا اًصبحنا نسيجا واحدا ودما واحدا مغ العرب بعد الفتح العربى الإسلامى وبعد هذا الزمن الطويل من الإمتزاج ، بحيث يمكن أن نطلق على دماء المصريين تعبير الدماء الحامية السامية  Hamito-Semitic Blood ، فكيف إذن نهرب من عروبة الدم وهى حقيقة تاريخية ثابتة ... !! ، وفى الجانب الآخر أثبت المؤرخون ، أن الشعب المصرى خلال مايقرب من ألف عام لم يختلط بالإغريق (البطالمة) أثناء احتلالهم مصر ولم يتعلم لغتهم اليونانية ، ولم يختلط كذلك بالرومان الذين خلفوا الإغريق فى احتلال مصر ولم يتعلم لغتهم ، ذلك رغم أن لغة البلاد الرسمية كانت إلى مايقرب من ألف عام من الإحتلال البطلمى ثم الإحتلال الرومانى هى اللغة اليونانية القديمة ، وكانت مصر وقت هذا الإحتلال الطويل تتألف بوجه عام من شعبين منفصلين الواحد منهما عن الآخر .. الشعب المصرى القديم الذى ظل متمسكا بلغته وعاداته ودينه ، ولم يحاول قط تعلم اللغة اليونانية القديمة أو الكتابة بها حتى دخل الإسلام البلاد . والشعب الآخر هو مجموعة المحتلين (البطالمة ثم الرومان) المتمركز أغلبه فى مدينة الإسكندرية التى أنشأها الإسكندر الأكبر .