تمهيد لأوراق الطاقة

 

يمثل قطاع الطاقة القطاع القائد فى استراتيجية تحقيق النمو الإقتصادى والإجتماعى ، كما أن بعض مصادر الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الكتلة الحية Biomass من المخلفات الزراعية والحضرية والحيوانية يمكن اعتبارها أداة هامة لتقليص الفقر الذى يعانى منه معظم سكان المناطق الريفية والنائية بكلفة اقتصادية معقولة ، كما يمكن أن تساهم تلك المصادر المتجددة فى تحسين نوعية الحياة بتلك المناطق . وتشير الدراسات [1] التى تمت فى مصر إلى توفر أكثر من 20 مليون طن من المخلفات الزراعية سنويا ، وحوالى 30 ألف طن يوميا من المخلفات الحضرية الصلبة بقيمة حرارية متوسطة 1600 كالورى لكل كيلوجرام ، وبإجمالى 11 مليون طن سنويا .

 

كما يُلاحظ فى نفس الوقت ازدياد اهتمام العالم وانشغاله وقلقه بالنسبة لمستقبل قطاع الطاقة ، إلى الدرجة التى يتصدر فيها سؤالان الدراسة التى نشرتها الوكالة الدولية للطاقة IEA عام 2008 عن المستقبل المرتقب للطاقة فى العالم ومصادرها المختلفة [2] وهما :

        هل إمدادات العالم من النفط والغاز فى خطر ؟

        كيف يمكن لإتفاق دولى جديد بشأن الحد من انبعاث غازات الإحتباس الحرارى[3] أن يؤثر على الأسواق العالمية للطاقة ؟

 

كما أكد تقرير التنمية البشرية 2007-2008 الصادر عن الأمم المتحدة على خطورة تزايد انبعاث غازات الإحتباس الحرارى ، التى سوف تؤدى حتما إلى تغير مستمر ودائم فى المناخ ينتهى إلى كوارث بيئية مؤكدة . وشدد التقرير على ضرورة العمل الوطنى الفعال وعلى التعاون الدولى فى مجال التكيف مقدما مع تلك التغيرات والكوارث المناخية المرتقبة . واقترح فى هذا الشأن بعض الإستراتيجيات لتخفيف صدمات تلك التغيرات على العالم ، وخاصة على الدول النامية والأكثر فقرا ، التى سوف تكون الأكثر عرضة للخطر ، لأنها الأقل قدرة على التكيف وحماية نفسها رغم مساهمتها الأدنى فى انبعاثات غازات الإحتباس الحرارى . وسوف تدفع الدول النامية والفقيرة ثمنا غاليا لما قام به الآخرون من الدول الغنية الأكثر استهلاكا للوقود الحفرى .

وأشار التقرير إلى بعض الدول النامية التى سوف تكون الأكثر عرضة للخطر ، والتى سوف تعانى بدرجة أكبر من تلك الكوارث البيئية المرتقبة وكان من بينها مصر حيث قال : " .. نجد فى مصر مثلا أن من شأن أى زيادة مقدارها نصف متر فى مستويات سطح البحر ، أن تؤدى إلى خسائر اقتصادية تتجاوز حاجز الـ 35 مليار دولار ونزوح أكثر من 2 مليون شخص من شمال الدلتا . وتحاول مصر تطوير استجابة مؤسسية لذلك من خلال تفعيل الحوار على أرفع المستويات بين الوزارات تحت إشراف وقيادة وزارة البيئة . بيد أن الحجم الهائل للمخاطر المناخية سوف يتطلب إصلاحات سياسية أبعد نطاقا تشمل جميع أبعاد الإقتصاد . ".

 

كما لم يعد مصطلح "كفاءة الطاقة" Energy Efficiency فى مجال استخدامات الطاقة ومصادرها هو مجرد القول بأنها مقدار الناتج المستمد أو مقدار المنفعة الإجتماعية أو الإقتصادية المشتقة من - إجمالى مصادر الطاقة المستهلكة - كمدخل فى أى عملية إنتاجية أو خدمية ، بل أصبح هذا المصطلح أكثر تعقيدا ومرتبطا بمعايير بيئية تحددها التكلفة الخارجية Externalities كتكلفة اجتماعية ، ومرتبطا بمعايير سياسية واقتصادية واضحة ومنضبطة . كما ارتبط مصطلح "كفاءة الطاقة" أيضا بمصطلحات أخرى أهمها مصطلح "كثافة الطاقة"[4] Energy Intensity ، وذلك لوصف العلاقة الرياضية بين كمية الطاقة المستهلكة فى نشاط ما وبين الخدمة أو المنفعة المنتجة اقتصاديا وبيئيا من هذا النشاط وخاصة فى الأنشطة كثيفة الإستخدام للطاقة ومصادرها. ورغم الفرق الواضح بين أن نستخدم الطاقة فى صهر طن من الحديد أو الصلب على سبيل المثال ، أو أن نستخدمها فى طهى دجاجة ، فلايجب أن يلغى هذا الفرق الإهتمام برفع كفاءة استخدام الطاقة فى كل من الحالتين .

 

وفى مجال وضع أهداف لتخفيف آثار تغير المناخ الناتجة عن انبعاث غازات الإحتباس الحرارى ، اقترح تقرير التنمية البشرية سالف الذكر وضع محطات إنجاز متوسطة الأمد لفترات الإلتزام القريبة حتى عام 2050 ، وذلك بعد انتهاء فترة الإلتزام الحالية فى عام 2012 طبقا لبروتوكول كيوتو[5] . والمأمول فيه كهدف على مستوى العالم هو تحقيق نسبة خفض لإنبعاثات غاز ثانى أكسيد الكربون بنسبة 50% بحلول عام 2050 عن مستوياته المقاسة عام 1990 . وأوضح التقرير : أن المستويات المنخفضة لكفاءة الطاقة تؤدى إلى عرقلة التقدم فى ميدان التنمية البشرية والنمو الإقتصادى فى الكثير من البلدان ، وتعد مستويات كفاءة الطاقة المرتفعة أحد الوسائل لتوليد المزيد من الطاقة بقدر أقل من الوقود وبأقل نسبة من الإنبعاثات ، وأنه من شأن التضييق من فجوة تلك الكفاءة بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة أن يعمل ذلك كقوة دافعة لتخفيف حدة الأضرار الناتجة عن تغير المناخ .

 

ومن جهة أخرى فقد قال تقرير عن "سياسات الطاقة والتنمية" فى مصر صدر عن الحزب الوطنى الحاكم العام الحالى 2008 : أن المؤشرات الحالية التى تعكس كفاءة استخدام مصادر الطاقة المختلفة هى مؤشرات متدنية ، وتشير إلى ارتفاع كثافة استخدام الطاقة فى مصر مقارنة بالعديد من دول العالم ، وأوصى التقرير بضرورة العمل على مجموعة من الإجراءات من بينها تشكيل مجلس لكفاءة استخدامات الطاقة بكافة بدائلها ، والعمل على ترشيد 20% من الطاقة المستهلكة عام 2007 وذلك بحلول عام 2022 . كما صدر فى هذا الشأن قرار بحظر إقامة عدد 5 صناعات كثيفة الإستهلاك للطاقة (المصدر : ص 5 /جريدة المصرى اليوم/عدد 29/11/2008 )[6] .

 

وبمناسبة ترشيد الطاقة المستخدمة ، نجد أنه فى خلال ربع قرن من الزمان من عام 1972 حتى عام 1997 ، تزايد الإستهلاك أو الطلب المحلى الإجمالى لمصادر الطاقة الأولية TPES من 8.6 مليون طن زيت بترول مكافئ عام 1972 إلى 38.3 مليون طن زيت بترول مكافئ عام 1997 بمعدل زيادة سنوية مقدارها 6.1%[7] . فى حين نجد أن هذا المعدل قد انخفض إلى 4 % سنويا فى خلال 15 عاما من عام 1990 حتى عام 2005 حيث كان 31.9 مليون طن زيت بترول مكافئ عام 1990 ، وأصبح 61.3 مليون طن زيت بترول مكافئ عام 2005 [8] . ولغرض الإيضاح فإن مجموع موارد أو مصادر الطاقة الرئيسية TPES = إجمالى المنتج محليا + الإستيراد التصدير تغيرات المخزون الإحتياطى . وهذا المجموع يمثل قياسا لموارد الطاقة المستهلكة تجاريا .

 

ويجب التنوية فى نهاية التمهيد الحالى على أنه ليس من السهل ضبط الإتجاه العام "لكفاءة الطاقة " فى أى بلد من البلاد ، وذلك نظرا لوجود العديد من العوامل التى يجب وضعها فى الإعتبار ، وعلى رأسها اتباع سياسات وإجراءات مختلفة بين الدول للتخفيف من تغير المناخ نتيجة انبعاث غازات الإحتباس الحرارى ، ومن بينها أيضا الإتجاه المتزايد وخاصة فى الدول الغنية المتقدمة إلى تفضيل استيراد السلع المنتجة من صناعات كثيفة الإستخدام للطاقة بدلا من تصنيعها محليا ... وفى جميع الأحوال ، فهناك طريقة عامة تم الإتفاق عليها لقياس التحسن فى "كثافة الطاقة" المستخدمة بما يعنى رفع "كفاءة الطاقة" بتعبير آخر .. وهو متابعة التغير السنوى فى العلاقة بين إجمالى موارد الطاقة المستهلكة TPES بالنسبة إلى إجمالى الناتج المحلى . ويتم حساب تلك العلاقة بقسمة إجمالى موارد الطاقة TPES (مليون طن زيت بترول مكافئ) على إجمالى الناتج المحلى فى نفس السنة مقدرا بالدولار الأمريكى بقوة شرائه المكافئة (PPP) عام 2000 [9] . ولم يتسنى لنا الإستدلال على هذا المؤشر بالنسبة لمصر بين خريطة مؤشرات الطاقة الصادرة عن عام 2005 الصادرة من وكالة الطاقة الدولية IEA .

 

وتشمل الدراسة الحالية مهاما تتمثل فى المحاور الأتية :

1.    تحديد الأوضاع الحالية لمصادر الطاقة المعطلة (غير المستغلة ) مثل الفحم والطفلة الزيتية Oil Shales ، والرمال الزيتية Oil Sands (وتسمى أحيانا رمال القار ) ، والطفلة الكربونية ، وخامات العناصر الإنشطارية ، وكذلك منخفض القطارة ومشروعات توليد الطاقة الكهرومائية وتحديد جغرافية المنخفض والتكوين الجيولوجى له .

2.    الربط بين إمكانيات التنمية (التجميع) لهذه الموارد لإستحداث بدائل لتوليد الطاقة تسد الفجوة الحالية بين العرض والطلب الحالى ، مثل استخدام الفحم كوقود لمحطات القوى الكهربية ، وإمكان استخلاص زيت البترول أو مشتقاته من الطفلة الزيتية ورمال القار ، والإستفادة من الطفلات الكربونية ، وإمكانيات استغلال الموارد الطبيعية لخامات الوقود النووى .

3.    الربط بين تنمية هذه الموارد واحتياجات الصناعة والنقل وتوليد الكهرباء والتنمية الإقتصادية والإجتماعية والعمرانية بصفة عامة .

4.    إعادة تقييم الموارد التى سبق محاولة استغلالها وطرح تصورات لإمكانية إعادة تأهيل هذه الموارد بمشروعاتها المتوقفة ، إن وجدت ، للإسهام فى توفير بدائل جديدة للطاقة. مع ضرورة إعادة تعريف المفهوم الصحيح للمشروع القومى على مستوى الشعب والنخبة الحاكمة .

5.    حصر وعرض توجهات التنمية الإقليمية ، ومحاور التنمية ، مثل (تنمية سيناء ، تنمية الساحل الشمالى، تنمية جنوب الوادى ، ممر التنمية) مع التركيز على الجغرافيا والجيولوجيا وأنواع الطاقة المرتبطة بها .

6.    إعطاء عناية خاصة بجدوى تنمية خامات العناصر الإنشطارية لخدمة المشروع النووى المصرى مع تقديم تعقب تاريخى وفنى لهذا المشروع وموازنة وجهات النظر المتعلقة بتنفيذه .

7.    متابعة وعد التكنولوجيات البديلة المحتملة لتوليد الطاقة خاصة مايتصل بالموارد الطبيعية والمتجددة منها (طاقة الهيدروجين ، طاقة حرارة باطن الأرض ، الإندماج النووى ، توليد الكهرباء برفع مياه البحر وقت انخفاض الأحمال ثم إسقاطها وقت ذروة الأحمال  خاصة فى منطقة البحر الأحمر ، بما يسمى محطات الضخ والتخزين) .

8.    وضع تصور عام لسيناريوهات أوضاع الطاقة فى مصر (عرض ، طلب ، بدائل ، تكنولوجيات ) وذلك حتى عام 2030 .

 

عاطف هلال

-----

فهرست الموضوعات

 



[1] المصدر : ورقة "تنمية استخدامات الطاقة الجديدة والمتجددة "/ مؤتمر القمة العالمى للتنمية المستدامة / جوهانسبرج 26 أغسطس 4 سبتمبر 2002 .

[2] المصدر : World Energy Outlook 2008

[3] غازات الإحتباس الحرارى لاتقتصر على ثانى أكسيد الكربون فقط بل تشمل غازات أخرى مثل الميثان ومجموعة الهيدروفلوروكاربونز HFCs وغيرها ، ولكن ثانى أكسيد الكربون هو موضع الإهتمام باعتباره يمثل العبء الأكثر ضررا بالبيئة كنتيجة لحرق الوقود الحفرى (نفط ، غاز طبيعى، فحم) .

[4] إشارة للأنشطة كثيفة الإستخدام للطاقة أو لمصادرها مثل محطات توليد الكهرباء الحرارية ، ومثل صناعة الحديد والصلب ، واستخلاص الألومونيوم ، وصناعة الأسمنت ، وصناعة الأمونيا من الغاز الطبيعى .....

[5] تعهدت بموجبه 40 دولة صناعية غنية بإنقاص انبعاثات غاز ثانى أكسيد الكربون من المصانع ومحطات القوى الكهربية والسيارات إلى 3.5 % أقل من مستوياتها المقاسة عام 1990 وذلك خلال الأعوام من 2008 إلى 2012 .

[6] لم يتسنى لنا التأكد من صحة الخبر وتفاصيله من مصدر حكومى .

[7] المصدر : منير مجاهد / مصادر الطاقة فى مصر وآفاق تنميتها/ المكتبة الأكاديمية عام 2002 .

[8] المصدر : تقرير التنمية البشرية 2007/2008 .

[9] المصدر:خريطة مؤشرات (TPES/GDP-PPP)2005 الصادرة عن وكالة الطاقة الدولية IEA عام 2008 .